Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
الفتاوى القرآنية
سورة النحل
مسألة: في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لَا تُخُصُوهَاً﴾ [إبراهيم: ٣٤] هل المراد بها
جنس النعمة أو النعمة الواحدة؟.
الجواب: أكثر المفسرين على أن المراد بها الجنس وممن جزم به من أهل التدقيق
الراغب في مفرداته، ومحمود بن حمزة الكرماني في غرائبه، وقيل المراد أن النعمة الواحدة
لو عد ما يتشعب عنها من النعم لم يحص، وهذا أدق معنى والأول أوفق لمراد الألفاظ
وموارد اللغة.
سورة الإسراء
مسألة:
ماذا جواب إمام مفرد شهرت
إذ لم يكن ثم من يحصي فضائله
فيما قرأناه في الإسراءوبان لنا
بأن لا شيء في الدنيا بأجمعها
وقول أحمد طه حيث مر على
وشق غصناً رطيباً ثم أودع في
وقال تسبيح هذا الغصن غايته
هل ذا يعارض آيات الكتاب إذاً
جنات عدن لكم ماوی ومسكنكم
ولا برحتم لحل المشكلات كما
الجواب :
الحمد لله في الآصال والبكر
قد خصصت آية الإسرى بمتصف
فيابس مات لا تسبيح منه كذا
آياته كاشتهار الشمس والقمر؟
في العصر بل ليس ذا في قدرة البشر
معناه في محكم الآيات والسور
إلا يسبح في حمد لمقتدر
قبرين قد عذبا في غاية الضرر
كل نصيباً كما قد جاء في الأثر
يبسأ يحل به ينفيه عن نظر
أو لا يعارضه يا منتهى وطري؟
يوم المعاد بقصر يانع نضر
تأليفكم للهدى يسمو مدى الدهر
ثم الصلاة على المختار من مضر
وصف الحياة كرطب الزرع والشجر
ما زال عن موضع كالقطع للحجر
سورة الكهف
مسألة: من حلب - قد وقع في تفسير القاضي البيضاوي موضع عسر فهمه في تفسير
قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلُ ذَلِكَ غَدَأْ (٨َ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾

ء
٣٠٢
الفتاوى القرآنية
[الكهف: ٢٣، ٢٤] والاستثناء من النهي أي لا تقولن لأجل شيء تعزم عليه إني فاعله فيما
يستقبل إلا بأن يشاء الله أي إلا ملتبساً بمشيئته قائلاً إن شاء الله أي إلا وقت إن يشاء الله أن
يقوله بمعنى أن يأذن لك، ولا يجوز تعليقه بفاعل لأن استثناء اقتران المشيئة بالفعل غير
سديد واستثناء اعتراضها دونه لا يناسب النهي انتهى، والمقصود بيان ذلك، ويوضح ذلك
قوله: ولا يجوز تعليقه بفاعل لأن إلى آخره فإن هذا عسر فهمه على كثير من الناس.
الجواب: سبب ذلك وجازة العبارة واختصارها، ويوضحه ما في عبارة ابن الحاجب
حيث قال: الوجه فيه أن يكون استثناء مفرغاً كقولك: لا تجيء إلا بإذن زيد ولا تخرج إلا
عشية، على أن يكون الأعم المحذوف حالاً أو مصدراً، وحذفت الباء من بأن يشاء الله أي
إلا بذكر المشيئة، وقد علم ذكر المشيئة المستصحبة في الأخبار عن الفعل المستقبل هي
المشيئة المذكورة بحرف الشرط أو ما في معناه كقولك: لأفعلن إن شاء الله أو بمشيئة الله
وما أشبهها، قال: وأما ما ذكر أنه متصل بقوله: إني فاعل ففاسد إذ يصير المعنى: إني
فاعل بكل حال إلا في حال مشيئة الله فيصير المعنى النهي عن أن يقول: إني فاعل إن شاء
الله وهذا لا يقوله أحد انتهى. وقد وضح بهذا معنى قول القاضي ولا يجوز تعليقه بفاعل
لأن استثناء اقتران المشيئة بالفعل غير سديد، وهذا التعليل من زوائده على الكشاف أخذه
من أمالي ابن الحاجب، وقول القاضي واستثناء اعتراضها دونه لا يناسب النهي هذا التعليل
هو المذكور في الكشاف وعبارته لا بقوله: إني فاعل لأنه لو قال: إني فاعل كذا إلا أن يشاء
الله كان معناه إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله وذلك ما لا مدخل فيه للنهي انتهى.
والحاصل أن القاضي علل إبطال تعلقه بقوله: إني فاعل بأمرين: أحدهما أنه يؤدي إلى
النهي عن أن يقول: إني فاعل إن شاء الله وذلك فاسد، والثاني أنه يؤدي إلى أن المعنى إني
فاعل إلا أن تعترض المشيئة دون الفعل، وهذا القدر وإن كان صحيحاً في نفسه إلا أنه لا
مدخل للنهي فيه فلا يلتئم معه قوله: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ﴾ فبطل تعليق الاستثناء بقوله: إني
فاعل وتعين تعليقه بالنهي والأول من الأمرين، ذكره ابن الحاجب ولم يذكره صاحب
الكشاف، فجمع القاضي بينهما كعادته في الجمع والإيجاز.
سورة طه
مسألة: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَغَحْشُرُهُ يَوْمَ
اَلْقِيَامَةِ أَعْمَى (!))) [طه: ١٢٤].
الجواب: ليست هذه الآية في المسلم الذي حفظ القرآن ثم نسيه بل في الكافر، ومعنى
نسيانه تركه الإيمان به والإعراض عنه فيحشر يوم القيامة أعمى كما قال تعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيَا وَبَكْمًا وَصُمَّاً﴾ [الإسراء: ٩٧] ولا يظن من ذلك سهولة نسيان
القرآن فقد ورد الوعيد عليه في قوله ير: ((من حفظ القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة أخذم)»
رواه أبو داود.

٣٠٣
الفتاوى القرآنية
سورة الفرقان
مسألة: قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَتَمُودَا﴾ [الفرقان: ٣٨] لم صرفت ثمود وفيها علتان مانعتان
من الصرف العجمة والعلمية؟.
الجواب: ليس في ثمود عجمة بل هو اسم عربي نص عليه أئمة اللغة منهم الجوهري
في صحاحه، وكذا نص أهل التاريخ قاطبة على أن قبيلة ثمود من العرب لا من العجم،
ولهذه الصيغة اشتقاقات وتصاريف في كلام العرب وليس هذا شأن الأعجمي فليس فيه
حينئذ إلا العلمية، ثم إن اعتبر اسماً للقبيلة منع من الصرف للتأنيث مع العلمية، وإن اعتبر
اسماً للأب أو الحي صرف لخلوه من علة ثانية.
سورة الشعراء
مسألة:
الحمد لله حمداً ليس منحصراً
موسى وهارون بالإرسال قد وصفا
أما تلوت بطه بعد أزري أشر
وحيث أفرد في أنا رسول فلا
فمن قواعد هذا النحو أن فعو
بفضله الخلق حتى شاع واشتهرا
ماذا يقول إمام العصر من شهدت
في قول خالقنا في سورة الشعرا
قولا كذاك كما قد قيل معتبرا
من غير تثينة تبدو لمن نظرا
أو واحد منهما يا ناظم الدررا؟
أو واحد وحده والحال قد شهرا
قد بلغت قريب منهما وجرى؟
ضاء الزمان بكم والغيث قد قطرا
في قصة المجتبى موسى الكليم ترى
مخاطباً فأتيا فرعون تثنية
إنا رسول إله العرش مفردة
هل الرسالة للاثنين مسندة
وإن تقولوا لكل ما دلالته
وإن يكن لهما ماذا تقول إذا
أثابك الله جنات النعيم كما
الجواب:
ثم الصلاة على المختار من مضرا
لما دعا بإشتراك حيث سال جرى
كه ويتلوه في أمري كما أثرا
إشكال عند لبيب خالط الكبرا
لاً مع فعيل يجي لإثنين أو كثرا

٣٠٤
الفتاوى القرآنية
سورة الأحزاب
مسألة: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا
عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] هل الإعداد للمجموع أو لكل فرد فرد؟.
الجواب: الإعداد في هذه الآية مرتب على المسلمين الموصوفين بكل ما ذكر في الآية
من الصفات لا على كل فرد فرد من الصفات، فالمعطوفات من عطف الصفة لا من عطف
الذوات، والمراد بهم البالغون درجة الكمال من هذه الأمة، والمراد بالعد أكمل ما أعد
بدليل تنكير مغفرة الدال على التعظيم وتنكير أجر الدال عليه أيضاً ووصفه تعظيماً، وإذا قال
الله لشيء: عظيم فهو عظيم جداً لا يعبر عنه وذلك أبلغ ما أعد للمسلمين الذين لم يتصفوا
بكل هذه الصفات أو ببعضها فإن أجرهم دون ذلك، هذا من حيث الاستنباط المأخوذ من
قواعد العربية والمعاني، وأما من حيث النقل عن العلماء فقد قال الغزالي في بعض كلامه:
إن الموعود في القرآن بالجنة لم يقع مرتباً على مجرد الإسلام أو الإيمان، بل لم يقع فيه إلا
مقروناً باشتراط انضمام الأعمال إليه، ذكر ذلك في معرض الحث على الأعمال، فهذا يدل
على أن الأعمال الواقعة في هذه الآية كل منها جزء المحكوم عليه وليس كل منها محكوماً
عليه استقلالاً، ويؤيده أيضاً من حيث الاستنباط أنه لو كان كل فرد محكوماً عليه استقلالاً
لزم الحكم على فرد من الأعمال كالصوم أو الصدقة المذكور في الآية مجرداً عن الوصف
المصدر به وهو الإسلام والإيمان وهو باطل قطعاً وإذا بطل اللازم بطل الملزوم فإن قال
قائل: هذا مستثنى لا بد من اعتبار لما دل عليه من خارج. قلنا: والباقي أيضاً دل على
اعتبار مجموعه القواعد العربية، والبيانية، والسياق يرشد إليه، والأحاديث الواردة في
الحساب، والوزن، والتقاص إذا وقعت عليها بلفظها مع مراعاة قواعد الاستدلال وأساليب
البيان وغير ذلك من الأمور المشترطة في الاجتهاد انتجت للمجتهد أن الاعداد مرتب على
المجموع لا على كل فرد فرد والله أعلم.
سورة سبأ
مسألة :
ومنزل الكتب للتبيين للأمم
الحمد لله باري الخلق والنسم
محمد المصطفى الهادي من الظلم
ثم الصلاة على المبعوث من مضر
والتابعين بإحسان لاثرهم
وآله وصحاب ثم شيعته
وقدوة الخلق للرحمن بالحكم؟
ماذا تقول موالينا وسادتنا
بفاطر وسواها أي منتظم
من مدحهم بكتاب الله منتظم
وفي ازدياد علوم فوق علمهم
أبقاهم الله في خير وفي دعة

٣٠٥
الفتاوى القرآنية
منساته وبجر الهاء كالقسم
هل جاز أن يقرأ الإنسان في سبأ
بكسر زاي وضم الراء في الكلم؟
وهل يجازي بها بالياء إن ضممت
عن ابن عامر أبراهام ملتزم؟
وهل هشام قرأ في نص مذهبه
ترون فيمن قرأ هذا بلا كتم
في سورة الحج أو في الأنبياء وما
وحالف بطلاق من حليلته
بأن ذا ليس من سبع على الأمم
الجواب: أما من قرأ (منسأته) بالجر فهو لاحن مخطىء غالط جاهل لأنها مفعول تأكل
والمنسأة العصا، وأما ﴿وَهَلْ تُجَرِىّ إِلَا اُلْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] ففيه قراءتان بضم الياء وفتح
الزاي مبنياً للمفعول ورفع الكفور نائباً عن الفاعل، وبضم النون وكسر الزاي مبنياً للفاعل
ونصب الكفور مفعولاً وليس فيه غير ذلك، وأما ابراهام في (الحج) (والأنبياء) فلم يرد من
طريق التيسير والشاطبية، لكن ابن الجزري ذكر. في النشر أن عياشاً روى عن ابن عامر أنه
قرأ ابراهام في القرآن كله، وقد ذكر هو وغيره أن القراءات ليست منحصرة فيما في التيسير
والشاطبية، لكن أخشى أن تكون هذه الرواية من شواذ السبعة، فقد ذكر السبكي. وغيره أن
عندهم شيئاً كثيراً شاذاً، وأما الحالف بالطلاق أن هذه القراءة ليست من السبع فأقول: إن
كان من المبتدئين في هذا الفن ممن أخذ بالتيسير، والشاطبية فلا حنث عليه لأن مراده
ليست من السبع من طريق هذين الكتابين اللذين عليهما الآن المعول فيمينه مخصوصة. وإن
كان من المتبحرين ممن أمكنه الاطلاع على ما في النشر فإنه يحنث إلا أن يصل إلى درجة
الترجيح بحيث يترجح عنده شذوذ هذه الرواية وعدم إثباتها فلا يحنث حينئذ، وقلت في
الجواب نظماً:
ثم الصلاة على المبعوث للأمم
الحمد لله ذي الافضال والنعم
بالجر فهو حمار قده باللجم
من قال في سبأ منساته وأتى
ومن قرأ هل نجازي نون أوله
وليس نفي الحج ابراهام واقتربا
لكن في النشر عن عياش يأثره
وحالف بطلاق إذ نفاه من السـ
إن كان مبتدئاً لا حنث يلحقه
إذ المراد بنفي السبع من طرق
وإن يكن من علاة الفن يحنث لا
وابن السيوطي قد خط الجواب لكي
وكسر زاي فنصب الراء عنه نمى
لا في القصيد ولا التيسير فاحتكم
عن ابن عامرهم يا طيب نشرهم
ـبع الجواب له التفصيل فارتسم
إذ نفيه بيمين وفق ظنهم
أتت بتيسيرهم أو في قصيدهم
إن كان مجتهداً يعلو لنفيهم
ينجو غداً من سعير النار والضرم

٣٠٦
الفتاوى القرآنية
سورة يس
مسألة: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةٌ﴾ [يس: ٧٨] الآية؟.
الجواب: روى الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس قال: جاء العاصي بن
وائل إلى رسول الله وَّار بعظم حائل(١) ففته فقال: يا محمد أيبعث الله هذا بعد ما أرم؟
قال: ((نعم يبعث الله هذا ويميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم)) فنزلت الآيات: ﴿أَوَلَمْ يُرّ
اَلْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (*)﴾ [يس: ٧٧] إلى آخر السورة، ومن
هذا الحديث يعرف معنى الآية، فالإنسان المذكور هو العاصي بن وائل السهمي وهو أحد
المستهزئين المذكورين في سورة الحجر قتل ببدر كافراً وضربه المثل بالعظم الرميم ونسي
خلقه أولاً من نطفة ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] والقادر
على الإنشاء قادر على الإعادة بل هي أهون.
سورة الصافات
٣٦ - القول الفصيح في تعيين الذبيح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد فقد وردت إلى فتوى في السيد إسحاق،
والسيد إسماعيل من الذبيح منهما؟ والخلاف الوارد فيهما ما الأصح والراجح منه؟ فأجبت
الخلاف في الذبيح معروف مشهور بين الصحابة فمن بعدهم ولكل من القولين حجج.
أما القول بأنه إسماعيل فهو قول علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي الطفيل،
وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، ويوسف بن مهران ، والحسن البصري، ومحمد بن
كعب القرظي، وسعيد بن المسيب، وأبي جعفر الباقر، وأبي صالح، والربيع بن أنس،
والكلبي، وأبي عمرو بن العلاء، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. وهو إحدى الروايتين عن ابن
عباس، ورجحه جماعة خصوصاً غالب المحدثين، وقال أبو حاتم: الصحيح أنه إسماعيل،
وقال البيضاوي، إنه الأظهر، وفي الهدى أنه الصواب عند علماء الصحابة، والتابعين، فمن
بعدهم، قال وأما القول: بأنه إسحاق فمردود بأكثر من عشرين وجهاً، روى الحاكم في
المستدرك، وابن جرير في تفسيره، والأموي في مغازيه، والخلعي في فوائده من طريق
إسماعيل بن أبي كريمة عن عمر بن أبي محمد الخطابي عن العتبي عن أبيه عن عبد الله بن
سعد الصنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية رضي الله عنه فتذاكر القوم إسماعيل، وإسحاق
ابني إبراهيم أيهما الذبيح؟ فقال بعض القوم: اسماعيل، وقال بعضهم: بل إسحاق فقال
(١) في النهاية لابن الأثير الحائل المتغير.

1
٣٠٧
الفتاوى القرآنية
معاوية: على الخبير سقطتم كنا عند رسول الله وَلقر وعنده أعرابي فقال: يا رسول الله
خلفت الكلأ يابساً، والماء عابساً هلك العيال وضاع المال فعد على مما أفاء الله عليك
يا ابن الذبيحين، فتبسم رسول الله و 8﴿ ولم ينكر عليه، فقال القوم: من الذبيحان يا أمير
المؤمنين؟ قال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل أمرها أن ينحر بعض
بنيه فلما فرغ أسهم بينهم وكانوا عشرة فخرج السهم على عبد الله فأراد أن ينحره فمنعه
أخواله بنو مخزوم وقالوا: أرض ربك وافد ابنك فقداه بمائة ناقة، قال معاوية: هذا واحد.
والآخر إسماعيل، هذا حديث غريب وفي إسناده من لا يعرف حاله. وروى الإمام أحمد في
مسنده من طريق حماد بن سلمة عن أبي عاصم الغنوي عن أبي الطفيل عن ابن عباس قال:
لما أمر إبراهيم بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه فسبقه إبراهيم ثم ذهب به
جبريل إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم عرض له عند
الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات وثم تله للجبين - وعلى إسماعيل قميص أبيض - فقال
له: يا أبت ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره فاخلعه حتى تكفنني فيه فعالجه ليخلعه فنودي من
﴿﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَاً﴾ [الصافات: ١٠٤، ١٠٥] الحديث بطوله في
خلفه ﴿أَنْ يَكَإِبْرَهِيمُ
المناسك، ثم رواه أحمد من طريق حماد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس فذكره إلا أنه قال: إسحاق، قال ابن كثير: والأول أصح لأن أمور المناسك إنما
وقعت لإبراهيم، وإسماعيل، وروى أحمد أيضاً عن سفيان عن منصور عن خاله مسافع عن
صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا أرسل
رسول الله ◌َّه إلى عثمان بن طلحة وقالت مرة: أنها سألت عثمان لم دعاك النبي ◌َّر؟
قال: قال: إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما
فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلين، قال ابن كثير: هذا دليل
مستقل على أن الذبيح إسماعيل فإن قريشاً توارثوا قرني الكبش الذي ندى به إبراهيم خلفاً
عن سلف، وقال الشعبي: قد رأيت قرني الكبش في الكعبة، وقال ابن جرير: ثنا يونس أنا
ابن وهب أخبرني عمرو بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: المفدى
إسماعيل وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود، وقال ابن إسحاق: ذكر محمد بن
كعب أن عمر بن عبد العزيز أرسل إلى رجل كان يهودياً فأسلم وحسن إسلامه وكان من
علمائهم فسأله أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال إسماعيل: والله يا أمير المؤمنين وإن يهود
لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب، وقال ابن كثير: نص في التوراة أن إسماعيل
ولد - ولإبراهيم ست وثمانون سنة - وولد إسحاق - وله تسع وتسعون - وعندهم أن الله أمر
إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده - وفي نسخة بكره - فأقحموا ههنا كذباً وحسداً - إسحاق .
وحرفوا وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره فإن إسماعيل كان بمكة، وهذا تحريف وتأويل
باطل فإنه لا يقال وحيد إلا لمن ليس له غيره، وأيضاً فإن أول ولد له معزة ما ليست لمن
بعده من الأولاد فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار، ولأن الله تعالى قال بعد ذلك:

٣٠٨
الفتاوى القرآنية
﴿وَبَشِّرْنَهُ بِسْحَقَ﴾ [الصافات: ١١٢] فدل على أن المأمور بذبحه غيره وقال: ﴿فَبَشَّرْنَهَا
بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي يولد له ولد يسمى يعقوب وذلك لا يتخلف
فامتنع أن يؤمر بذبحه، قال: ومن قال: إنه إسحاق فإنما أخذه عن أهل الكتاب بلا حجة
وليس فيه كتاب، ولا سنة. قال: وقد ورد في ذلك حديث لو ثبت لقلنا به على الرأس
والعين وهو ما رواه ابن جرير عن أبي كريب عن زيد بن حباب عن الحسن بن دينار عن
علي بن زيد بن جدعان عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب عن
النبي وَّر قال: ((الذبيح إسحاق))، والحسن بن دينار متروك، وشيخه منكر الحديث، وقد
رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن مسلم بن إبراهيم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد به
مرفوعاً، ثم رواه عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن الأحنف عن العباس قوله: وهذا أشبه
وأصح انتهى.
قلت: قد رفعه مبارك مرة فرواه البزار في مسنده عن معمر بن سهل الأهوازي عن
مسلم بن إبراهيم عن مبارك عن الحسن عن الأحنف عن العباس عن النبي وَّر قال: ((الذبيح
إسحاق)) وله شواهد: أحدها ما أخرجه البزار عن أبي كريب عن زيد بن الحباب عن أبي
سعيد عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف عن العباس عن النبي وَّ قال: قال: ((داود
أسألك بحق آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب قال: أما إبراهيم فألقي في النار فصبر من أجلي
وتلك بلية لم تنلك، وأما إسحاق فبذل نفسه للذبح فصبر من أجلي وتلك بلية لم تنلك،
وأما يعقوب فغاب يوسف عنه وتلك بلية لم تنلك))، وأبو سعيد هو الحسن بن دينار ضعيف
كما تقدم، وأخرج الديلمي في مسند الفردوس من طريق عبد الله بن محمد بن ناجية عن
محمد بن حرب النسائي عن عبد المؤمن بن عباد عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد.
الخدري قال: قال رسول الله وملهم: ((إن داود سأل ربه مسألة فقال: اجعلني مثل إبراهيم،
وإسحاق، ويعقوب، فأوحى الله إليه إني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، وابتليت إسحاق بالذبح
فصبر، وابتليت يعقوب فصبر)) الحديث الثاني ما أخرجه الدارقطني، والديلمي في مسند
الفردوس من طريقه عن محمد بن أحمد بن إبراهيم الكاتب عن الحسين بن فهم عن
خلف بن سالم عن بهز بن أسد عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن
مسعود قال: قال رسول الله ◌َ ر: ((الذبيح إسحاق)). الثالث: ما أخرجه الطبراني في الكبير
من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال: افتخر رجل عند ابن مسعود - وفي
لفظ فاخر - أسماء بن خارجة رجلاً فقال: أنا ابن الأشياخ الكرام فقال عبد الله: ذاك
يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله وهذا إسناد صحيح موقوف،
وروى أيضاً عنه قال: سئل رسول الله * من أكرم الناس؟ قال: ((يوسف بن يعقوب بن
إسحاق ذبيح الله)) وفي سنده بقية وهو مدلس، وأبو عبيدة عن أبيه عبد الله منقطع. الرابع:
ما أخرجه الطبراني في الأوسط، وابن أبي حاتم في تفسيره من طريق الوليد بن مسلم عن

٣٠٩
الفتاوى القرآنية
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَر: (إن الله خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي أو شفاعتي فاخترت شفاعتي
ورجوت أن يكون أعم لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لعجلت دعوتي أن الله
لما فرج عن إسحاق کرب الذبح قيل له يا إسحاق سل تعطه قال: أما والله لأتعجلنها قبل
نزغات الشيطان اللهم من مات لا يشرك بك شيئاً قد أحسن فاغفر له)) وعبد الرحمن
ضعيف، قال ابن كثير: والحديث غريب منكر قال: وأخشى أن يكون فيه زيادة مدرجة وهي
قوله: إن الله لما فرج إلى آخره، وإن كان محفوظاً فالأشبه أن السياق عن إسماعيل وحرفوه
بإسحاق .
وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن القاسم قال: اجتمع أبو هريرة، وكعب
فجعل أبو هريرة يحدث عن النبي وَ ير: ((إن لكل نبي دعوة مستجابة وأني قد خبأت دعوتي
شفاعة لأمتي يوم القيامة)) فقال كعب: أفلا أخبرك عن إبراهيم؟ أنه لما رأى ذبح ابنه إسحاق
قال الشيطان: إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبداً، فخرج إبراهيم بابنه ليذبحه فذهب
الشيطان فدخل على سارة فقال: أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: غدا به لبعض حاجاته،
قال: فإنه لم يغد به لحاجة وإنما ذهب به ليذبحه قالت: ولم يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره
بذلك، قالت: قد أحسن أن يطيع ربه، فذهب الشيطان في أثرهما فقال للغلام: أين ذهب
بك أبوك،؟ قال: لبعض حاجاته؟ قال: فإنه لا يذهب بك لحاجة ولكنه يذهب بك
ليذبحك، قال: ولم يذبحني؟ قال: يزعم أن ربه أمره بذلك، قال: فوالله لئن كان الله أمره
بذلك ليفعلن، فتركه ولحق بإبراهيم فقال: أين غدوت بابنك؟ قال: لحاجة، قال: فإنك لم
تغد به لحاجة إنما غدوت به لتذبحه، قال: ولم أذبحه؟ قال: تزعم أن ربك أمرك بذلك،
قال: فوالله لئن كان الله أمرني بذلك لأفعلن، فتركه ويئس أن يطاع)). وقد رواه ابن جرير
عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب أن عمرو بن أبي
سفيان بن أسيد بن حارثة الثقفي أخبره أن كعباً قال لأبي هريرة: فذكره بطوله، وقال في
آخره: ((وأوحى الله إلى إسحاق أني أعطيتك دعوة استجيب لك فيها، قال إسحاق: اللهم
إني أدعوك أن تستجيب لي أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئاً فادخله
الجنة)) وقال عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد: أنا الليث ابن خالد أبو بكر البلخي حدثنا
محمد بن ثابت العبدي عن موسى بن أبي بكر عن سعيد بن جبير قال: لما رأى إبراهيم في
المنام ذبح إسحاق سار به من منزله إلى المنحر بمنى مسيرة شهر في غداة واحدة فلما صرف
عنه الذبح وأمر بذبح الكبش ذبحه ثم راح به رواحاً إلى منزله في عشية واحدة مسيرة شهر
طويت له الأودية والجبال، وهذا القول نسبه القرطبي للأكثرين وعزاه البغوي وغيره إلى
عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، والعباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد،
والشعبي، وعبيد بن عمير، وأبي ميسرة، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن شقيق، والزهري،
والقاسم بن يزيد، ومكحول، وكعب، وعثمان بن حاضر، والسدي، والحسن، وقتادة،

٣١٠
الفتاوى القرآنية
وأبي الهذيل، وابن سابط، ومسروق، وعطاء، ومقاتل - وهو إحدى الروايتين - عن ابن
عباس. واختاره الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري. وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه كان قد
بلغ معه السعي - أي العمل - ومن الممكن أنه كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضاً، وأما
القرنان فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام، وقال سعيد بن جبير: سار به من الشام على
البراق حتى أتى به منى في ليلة واحدة فلما صرف عنه الذبح سار به كذلك، وأخرج من
طريق داود عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢] قال:
بشر به نبياً حين فداه الله من الذبح ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده، وجزم بهذا القول
القاضي عياض في الشفاء، والسهيلي في التعريف، والاعلام وكنت ملت إليه في علم التفسير
وأنا الآن متوقف في ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم (١).
سورة الفتح
مسألة: قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَلِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
الجواب: أحسن ما يجاب به عن الآية الكريمة أنه كنى بالمغفرة عن العصمة أي
ليعصمك الله عن الذنب فيما تقدم من عمرك وما تأخر، وقد نص غير واحد على أن
المغفرة، والعفو، والتوبة جاءت في القرآن، والسنة في معرض الاسقاط والترخيص وإن لم
يكن ذنب، ومنه قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] عفا الله لكم عن
صدقة الخيل، والرقيق ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] ﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ
تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي رخص لكم. ﴿عَلِمَ أَن ◌َّنْ
تُخْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] وقد ألفت في ذلك مؤلفاً سميته المحرر في قوله تعالى:
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
سورة الواقعة
٠١٧ [الواقعة: ١٧] هل الولدان من
مسألة: قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَهِمْ وِلْدَانُ تُغْلَّدُونٌ
مخلوقات الدنيا أو من مخلوقات الجنة؟ وهل هم طوال أو قصار؟ وهل يتمتعون في الآخرة
بالنساء؟ .
الجواب: الولدان من مخلوقات الجنة لا الدنيا وهم متفاوتون في الخلقة بالطول والقصر
وكذلك الحور بخلاف أهل الجنة من البشر فإنهم سواء في الخلقة ولا يتمتع الولدان في
الجنة بالنساء بل هم معدون لخدمة أهل الجنة.
(١) انظر الكلام في (كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للعجلوني) و(جنى
الجنتين في تمييز نوعي المثنيين للمحبي) فإنه ذكر في هذين الكتابين ما لم يرد هنا من الكلام على
الذبیحین .

٣١١
الفتاوى القرآنية
سورة المجادلة
مسألة من حلب: وقع في تفسير البيضاوي في سورة ﴿قد سمع الله﴾ ﴿وَلِلْكَفِينَ عَذَابُ
[المجادلة: ٤] قال القاضي: وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾
[آل عمران: ٩٧] فما وجه كونه نظيراً له؟.
الجواب: وجه إيقاع لفظ الكفر موضع عدم الفعل فإنه هناك أوقع ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ موضع
ومن لم يحج وهنا أوقع وللكافرين موضع وللذين لا يقبلونها .
سورة الملك
مسألة: من حلب - وقع في تفسير البيضاوي في تفسير الملك في قوله: ﴿فَسُحْقًا
لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] قال: والتغليب للإيجاز إلى آخره فالتغليب في ماذا؟.
الجواب: هو في قوله: ﴿لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ فإنه أريد به الفريقان أصحاب السعير والذين
قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَتْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَا﴾ [الملك: ١٠] فيهم ولو جاء على طبق الآية المتقدمة
لقبل: فسحقاً لهم ولأصحاب السعير منهم فوقع التغليب للإيجاز ولأن الذين يكونون فيهم
يصبرون منهم .
سورة المدثر
﴾ [المدثر: ٣٤] هل له تعلق بضوء
٣٤
مسألة: في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلُّبْحِ إِذَّا أَشْفَرَ
الشمس أم لا؟ وهل للنهار ضوء غير ضوء الشمس مختص به أم لا نور له ولا ضوء أصلاً؟
وما معنى قوله تعالى: ﴿حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَرِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]
وهل الوارد في الحديث أن الله تعالى خلق نور محمد ◌َ لل فجزاه أربعة أجزاء فخلق من
الجزء الأول العرش. وخلق من الجزء الثاني القلم. وخلق من الثالث اللوح، ثم قسم
الجزء الرابع وجزأه أربعة أجزاء. وخلق من الجزء الأول العقل. وخلق من الجزء الثاني
المعرفة. وخلق من الجزء الثالث نور الشمس والقمر ونور الأبصار ونور النهار، وجعل
الجزء الرابع تحت ساق العرش مدخوراً يقتضي أن نور الشمس غير نور النهار أم لا؟ وهل
قال قائل: إن المراد بقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَشُعَنَهَا﴾ [الشمس: ١] إن الضحى هنا هو النهار
في قوله تعالى: ﴿وَلِنَّهَارِ إِذَا جََّا (٣)﴾ [الشمس: ٣] وهل هما غيران أم لا؟ افتونا مأجورين
وابسطوا الجواب أثابكم الله الجنة؟.
الجواب: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الصبح في اللغة هو الفجر كذا في
الصحاح وأسفر معناه أضاء كذا أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن قتادة، وإذا تعلق بهذين
الأمرين لم يكن للآية تعلق بضوء الشمس، ومقتضى الأدلة من الأحاديث والآثار وكلام
الأئمة في تفسير الآيات وكلام أهل اللغة مختلف منه ما يشهد لأن النهار نوره غير نور

٣١٢
الفتاوى القرآنية
الشمس ومنه ما يشهد لأن نوره نورها، فمن الأول ما أخرجه ابن جرير في تفسيره عن
السدي في قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ النُّلُمَتِ وَالنُّورِ﴾ [الأنعام:
١] قال: الظلمات ظلمة الليل، والنور نور النهار، فهذا تصريح بأن النهار له نور حيث
أضافه إليه وقابله بظلمة الليل وليس سببه الشمس كما أن ظلمة الليل لها سبب نشأت عنه،
وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية قال: خلق الله السموات قبل الأرض وخلق الظلمة قبل
النور وخلق الجنة قبل النار، وأخرج ابن المنذر عن أبي عبيدة في الآية قال: النور الضوء
فهذان صريحان في أن المراد بالنور ضوء خلقه الله على حياله لا تعلق له بالشمس ولا
بغيرها، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن عكرمة قال: سئل ابن عباس الليل كان قبل
النهار؟ فقرأ ابن عباس: ﴿أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَا رَبْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠] قال: فالرتق
الظلمة - الليل كان قبل النهار، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَحَوْنَآ ءَايَةً أَلَيْلِ وَحَعَلْنَاً
ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] فكما أن الليل كان يسمى ليلاً قبل خلق القمر فيه كذلك
كان يسمى النهار نهاراً قبل خلق الشمس، واستمرت التسمية في الليل والنهار بعد خلق
القمر والشمس، فالنهار على هذا غير الشمس وضوؤها غير نورها، وقال الكرماني القديم
في تفسيره في سورة الأنعام في قوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورِ﴾ جمع الظلمات لأنها تحدث
عن أشياء كظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة البحر، ووحد النور لأنه متحد الوصف
وهو ما يرى ويرى به، وأعظم دليل على أن النهار له نور يخصه لا تعلق له بالشمس أن
الجنة فيها نهار بلا شمس، أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن شعيب بن الحجام قال:
خرجت أنا وأبو الغالب الرياحي قبل طلوع الشمس فقال: نبئت أن الجنة هكذا، وقد وردت
آثار بأن الأيام على عدتها أجسام مخلوقة تتكلم وتحشر كأثر: «ما من يوم ينقضي من الدنيا
إلا قال ذلك اليوم الحمد لله الذي أخرجني من الدنيا وأهلها ثم يطوى عليه فيختم إلى يوم
القيامة حتى يكون الله هو الذي يفض خاتمه)) أخرجه أبو نعيم في الحلية عن مجاهد، وروى
ابن خزيمة، والحاكم في المستدرك حديث: ((تحشر الأيام على هيئتها وتحشر الجمعة زهراء
منيرة أهلها يحفون بها كالعروس تضيء لهم يمشون في ضوئها)) فهذه كلها تدل على أن
النهار له ضوء يخصه لا تعلق له بالشمس، لكن عارض هذا أن ابن جرير قال في تفسيره:
(1)) فقال قتادة: معنى ذلك والشمس
اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنْهَا
والنهار وكان يقول الضحى هو النهار كله، وقال مجاهد: (وضحاها) ضوؤها، قال ابن
جرير: والصواب إن يقال أن الله تعالى أقسم بالشمس ونهارها لأن ضوء الشمس الظاهرة هو
النهار، هذه عبارة ابن جرير وهي صريحة في أن النهار هو ضوء الشمس، وقال الكرماني
القديم في تفسيره ما نصه: والشمس سراج النهار بالإجماع، وضحاها ارتفاعها وضوؤها
وحرها وقيل هو النهار كله، ثم قال: ﴿وَاَلنََّرِ إِذَا جََّهَا (٣)﴾ أي جلا الظلمة، وقيل جلا
الشمس لأنها تظهر بالنهار وإن كان النهار من ضوئها - هذه عبارته وهي أيضاً صريحة في أن
النهار من ضوء الشمس، وقال الراغب: الصبح والصباح أول النهار وهو وقت ما احمر

٣١٣
الفتاوى القرآنية
الأفق بحاجب الشمس فأسند نور الصباح والنهار إلى الشمس، وقد وردت آثار كثيرة
استوفيتها في التفسير المأثور شاهدة للقولين جميعاً ولا حاجة إلى الإطالة بذكرها، وفيها ما
يدل على أن الفجر أيضاً من نور الشمس وفيها ما يدل على خلافه، والحديث المذكورفي
السؤال ليس له إسناد يعتمد عليه، وقول السائل: وهل قال قائل إلى آخره؟ قد حكيناه فيما
تقدم عن قتادة والله أعلم.
سورة والمرسلات
٣٣)
كَأَنَّهُ جِمَلَتُ صُفْرٌ
مسألة: في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْبِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ
[المرسلات: ٣٢، ٣٣].
الجواب: في قوله تعالى: ﴿كَلْقَصْرِ﴾ قراءتان المشهورة بسكون الصاد والمراد به البيت
قاله ابن قتيبة، وقال ابن مسعود: كالحصون والمدائن [أخرجه الطبراني في الأوسط،
وسعيد بن منصور في سننه، وابن أبي حاتم في تفسيره]، وقرأ ابن عباس بفتح الصاد جمع
قصرة والمراد به أعناق الإبل وقيل أصول الشجر، قال ابن عباس: كانت العرب تقول في
الجاهلية: اقصروا لنا الحطب فيقطع على قدر الذراع والذراعين [أخرجه ابن مردويه، وفي
البخاري نحوه] وقوله: (جمالات) فيه قراءتان المشهورة بكسر الجيم جمع جمالة وجمالة
جمع جمل، والصفر هي السود شبهها بالإبل السود، وإطلاق الصفر على الإبل السود
معروف كإطلاق السواد على الخضرة، وقرأ ابن عباس جمالات بضم الجيم وفسره بحبال
السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوسط الرجال، رواه البخاري في صحيحه،
والقراءتان بتفسيرهما في قوله تعالى: ﴿حَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] وفي
رواية عن ابن عباس أن المراد بقوله: (جمالات صفر) قطع نحاس - أخرجها ابن أبي حاتم.
سورة الليل
وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْقَى
اٌلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَى
مسألة: في قوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَنَهَا إِلَّ اُلْأَنْقَى
١٧
[الليل: ١٥ - ١٧] إلى آخر السورة هل نزلت في رجلين معينين وما سبب نزولها؟
وهل المراد بالأتقى أبو بكر الصديق؟ .
الجواب: أخرج البزار في مسنده، وابن جرير، وابن المنذر في تفسيرهما عن عبد الله
ابن الزبير، وابن جرير أيضاً عن سعيد بن جبير، وابن أبي حاتم في تفسيره عن عروة بن
الزبير أن قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْقَى﴾ إلى آخر السورة نزلت في أبي بكر الصديق حيث
اشترى سبعة كلهم يعذب في الله وأعتقهم، وقال ابن جرير: أن الصحيح الذي قاله أهل
التأويل أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي
الله عنه أن الآية نزلت في أبي بكر وأن ما قبلها نزل في أمية بن خلف، وممن ذكر أنها نزلت
في أبي بكر الواحدي في أسباب النزول، والسهيلي في التعريف والأعلام، وقال القرطبي

٣١٤
الفتاوى القرآنية
في تفسيره: قال ابن عباس: الأشقى أمية بن خلف، والأتقى أبو بكر الصديق. وقال بعض
أهل المعاني: أراد بالأشقى والأتقى الشقي والتقي. ونقل ابن جرير هذا القول وضعفه
وصحح الأول وقد تواردت خلائق من المفسرين لا يحصون على أنها نزلت في أبي بكر
والله أعلم.
٣٧ - الحبل الوثيق في نصرة الصديق
ـةٍ
بِسْمِ اللهِ الرََّى الرَّحـ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد فقد رفع إلي سؤال في قوله تعالى: ﴿لَا
يَصْلَنْهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥)
اُلَّذِى يُؤْنِى مَالَهُ يَتَزََّ
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْقَى
اَلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَى
[الليل: ١٥ - ١٨] إلى آخر السورة هل نزل ذلك في رجلين معينين وما سبب نزوله؟ وهل
المراد بالأتقى أبو بكر الصديق أو الآية عامة فيه وفي غيره؟ وذكر السائل أن السبب في هذا
السؤال أن الأمير ازدمر حاجب الحجاب، والأمير خاير بك من حديد وقع بينهما تنازع في
أبي بكر رضي الله عنه هل هو أفضل الصحابة؟ وإن خاير بك قائل بذلك، وإن ازدمر ينكر
ذلك وأنه طالب خاير بك بدليل من القرآن على أن أبا بكر أفضل. وأن خاير بك استدل
عليه بقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْفَى﴾ فإنها نزلت في حق أبي بكر وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ
أَكْرَ مَكُرْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وإن ازدمر قال: الأتقى عام في أبي بكر، وغيره.
وطالب كل منهما الآخر بشهادة العلماء له بنصره قوله: وأن الشيخ شمس الدين الجوجري
كتب على سؤال نظير هذا السؤال. فقلت: أرني ما كتب فأرانيه فإذا فيه أن الآية وإن نزلت
في أبي بكر فإنها عامة المعنى إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فقلت: هذا شأن
من يلقي نفسه في كل واد والرجل فقيه فما له يتكلم في غير فنه، وهذه المسألة تفسيرية
حديثية أصولية كلامية نحوية، فمن لم يكن متبحراً في هذه العلوم الخمسة لم يحسن التكلم
في هذه المسألة، وأنا أوضح الكلام عليها في فصلين:
الفصل الأول: في تقرير أنها نزلت في حق أبي بكر رضي الله عنه. قال البزار في
مسنده: حدثنا بعض أصحابنا عن بشر بن السري ثنا مصعب بن ثابت عن عامر بن عبد الله
ابن الزبير عن أبيه قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَسَيُجَُّهَا الْأَنْقَىِ ﴿ الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزََّ
١٨
وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزَ (٣٦)﴾ [الليل: ١٧ - ١٩] إلى آخر السورة في أبي بكر الصديق،
وقال ابن جرير في تفسيره: حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطي ثنا هارون بن معروف ثنا
بشر بن السري به، وقال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا موسى بن هارون ثنا هارون بن
معروف ثنا بشر بن السري به، وقال الآجري في الشريعة ثنا أبو بكر بن أبي داود ثنا
محمود بن آدم المروزي ثنا بشر بن السري به، وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: ثنا أبي ثنا
محمد بن أبي عمر العدني ثنا سفيان ثنا هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر الصديق أعتق

٣١٥
الفتاوى القرآنية
سبعة كلهم يعذب في الله منهم بلال، وعامر بن فهيرة وفيه نزلت: ﴿وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْقَى﴾ إلى
آخر السورة. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى ثنا ابن ثور عن معمر قال: أخبرني عن
سعيد في قول: ﴿وَسَيُجَُّهَا الْأَلْقَى﴾ قال: نزلت في أبي بكر أعتق ناساً لم يلتمس منهم جزاءاً
ولا شكوراً ستة أو سبعة منهم بلال، وعامر بن فهيرة. وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن
أبي عتيق عن عامر بن عبد الله عن أبيه قال: قال أبو قحافة. لأبي بكر: أراك تعتق رقاباً
ضعافاً فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جلداً يمنعونك ويقومون دونك، فقال:
الَّذِى يُؤْتِى
يا أبت إِني إنما أريد ما أريد، ثم نزلت هذه الآيات فيه: ﴿وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْقَى
وَلَسَوْفَ يَرْضَى
٢٥
مَالَهُ يَتَزََّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَمُ مِنْ نِعْمَكِ تُجْزٌَ ﴿ إِلَّا أَبْشِفَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَ
﴾ [الليل: ١٧ - ٢١] أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق زياد البكائي عن ابن
إسحاق. وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال ابن جرير: حدثني هارون بن إدريس
الأصم ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن
عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر الصديق
يعتق على الإسلام بمكة فكان يعتق عجائز ونساء إذا اسلمن فقال أبوه: أي بني أراك تعتق
أناساً ضعفاء فلو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك فقال: أي
أبت إنما أريد ما عند الله قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه: ﴿فَمَّا مَنْ
[الليل: ٥، ٦] إلى قوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْرَ
وَصَدَّقَ بِالْمُنْفَ
أَعْطَیِ وَأَنَّغَ
· وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي ثنا منصور بن أبي مزاحم ثنا
إِلَّا آَبْغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَّ
ابن أبي الوضاح عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مسعود رضي الله
عنه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه اشترى بلالاً من أمية بن خلف، وأبي ابن خلف ببردة
وعشرة أواق فأعتقه الله فأنزل الله ﴿وَلَّلِ إِذَا يَغْتَى ﴾﴾ إلى آخرها في أبي بكر، وأمية بن
خلف. وقال الآجري في الشريعة: ثنا حامد بن شعيب أبو العباس البلخي ثنا منصور بن أبي
مزاحم ثنا أبو سعيد المؤدب عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عبد الله بن
مسعود قال: إن أبا بكر اشترى بلالاً من أمية بن خلف، وأبي بن خلف ببردة وعشرة أواق
فأعتقه الله فأنزل الله: ﴿وَّلِ إِذَا يَغْتَى ﴾ إلى قوله: ﴿وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْقَى ٧ الَّذِى يُؤْتِى مَالَمُ
يَتَزََّى ﴾﴾ يعني أبا بكر ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَمُ مِنْ نِعْمَةِ تَجْرٌَ﴾ قال: لم يصنع ذلك أبو بكر ليد
وفي تفسير البغوي
(٢٥) وَلَسَوْفَ يَرْضَى
كانت منه إليه فيكافئه بها ﴿إِلَّا أَبْغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَ
قال سعيد بن المسيب: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر الصديق في بلال حين قال:
أتبيعنيه؟ قال: نعم أبيعه بقسطاس - عبد لأبي بكر - صاحب عشرة آلاف دينار، وغلمان،
وجوار، ومواش وكان مشركاً يأبى الإسلام فاشتراه أبو بكر به فقال المشركون: ما فعل ذلك
أبو بكر ببلال إلا ليد كانت لبلال عنده فأنزل الله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَمُ مِنْ نِعْمَةِ تْرٌَ﴾ وفي تفسير
القرطبي روى عطاء، والضحاك عن ابن عباس قال: عذب المشركون بلالاً فاشتراه أبو بكر
برطل من ذهب من أمية بن خلف وأعتقه فقال المشركون: ما أعتقه أبو بكر إلا ليد كانت له

٣١٦
الفتاوى القرآنية
عنده فنزلت: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تَجْزَ﴾ قال الآجري: هذا وما قدمناه من الأحاديث
يدل على أن الله خص أبا بكر بأشياء فضله بها على جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم
فهذا ما يتعلق بنزول الآية وهو من علم الحديث، ويأتي في الفصل بعد هذا ما يتعلق بها من
العلوم الأربعة: التفسير، والكلام، وأصول الفقه، والنحو، وقد تواردت خلائق من
المفسرين لا يحصون على أنها نزلت في حق أبي بكر رضي الله عنه، وكذا أصحاب الكتب
المؤلفة في المبهمات.
الفصل الثاني: في تضعيف ما أفتى به الجوجري وذلك من أربعة وجوه: ثلاثة جدلية،
وواحد من طريق التحقيق. فأما الثلاثة الأولى فأحدها: أن نقول لا شك أنه لو جاز لأحد أن
يفتي في مسألة بمجرد نظره لها في كتاب أو كتابين من غير أن يكون متقناً لذلك الفن بجميع
أطرافه ماهراً فيه متبحراً فيه لجاز لآحاد الطلبة أن يفتوا بل العوام. والسوقة لا يعدم أحد
منهم أن يكون عارفاً بعدة من المسائل تعلمها من عالم أو رآها في كتاب، ولا ريب في أنه
لا يجوز لأحد منهم أن يفتي، وقد نص العلماء على أن العامي لو تعلم مسائل وعرفها لم
يكن له أن يفتي بها إنما يفتي المتبحر في العلم العارف، بتنزيل الوقائع الجزئية على الكليات
المقررة في الكتب، وما شرطوا في المفتي أن يكون مجتهداً إلا لهذا المعنى وأمثاله،
والمدار الآن على التبحر فمن تبحر في فن أفتى به وليس له أن يتعدى إلى فن لم يتبحر فيه
ويطلق قلمه فيه وهو لم يقف على متفرقات كلام أرباب ذلك الفن فلعله يعتمد على مقالة
مرجوحة وهو يظنها عندهم صحيحة، وهذه المسألة من ذلك كما سنبينه، وكذلك ليس
لأحد أن يفتي في العربية وقصارى أمره النظر في ابن المصنف، والتوضيح ونحو ذلك، بل
حتى يحيط بالفن خبرة ويقف على غرائبه وغوامضه ونوادره فضلا عن ظواهره ومشاهيره.
وما مثل من يفتي في النحو وقصارى أمره ما ذكر إلا مثل من قرأ المنهاج واقتصر عليه وأراد
أن يفتي في الفقه، فلو جاءته مسألة من الروضة مثلاً فإن كان ديناً قال: هذه لم أقف عليها
وإن كان غير ذلك أنكرها بالكلية وقال: هذا شيء لم يقله أحد بل ولا والله لا يكتفي في
إباحة الفتوى بحفظ الروضة وحدها فماذا يصنع في المسائل التي اختلف فيها الترجيح؟ ماذا
يصنع في المسائل ذات الصور والأقسام، ولم يذكر في الروضة بقية صورها وأقسامها؟ ماذا
يصنع في مسائل لها قيود ومحال تركت من الروضة وهي مفرقة في شرح المهذب وغيره من
الكتب؟ ماذا يصنع في مسائل خلت عنها الروضة بالكلية بل لا بد في المفتي من أن يضم
إلى الروضة حمل كتب، فإن لم ينهض إلى ذلك وعسر عليه النظر في كتب الشافعي رضي
الله عنه. وأصحابه المتقدمين فلا أقل من استيعاب كتب المتأخرين، وقد قال ابن تلبان
الحنفي في كتابه زلة القارىء: قال الشيخ أبو عبد الله الجرجاني في خزانة الأكمل: لا يجوز
لأحد أن يفتي في هذا الباب - يعني باب اللحن في القراءة - إلا بعد معرفة ثلاثة أشياء: حقيقة
النحو، والقراءات الشواذ، وأقاويل المتقدمين، والمتأخرين من أصحابنا في هذا الباب.

٣١٧
الفتاوى القرآنية
الوجه الثاني: أن نقول لا شك في أن القرآن الكريم حاو لجميع العلوم وأئمة المفسرين
أصناف شتى كل صنف منهم غلب عليه فن من العلوم فكان تفسيره في غاية الإتقان من
حيث ذلك الفن الغالب عليه، فينبغي لمن أراد التكلم على آية من حيثية أن ينظر تفسير من
غلب عليه ذلك الفن التي تلك الحيثية منه، فمن أراد التكلم على آية من حيث التفسير الذي
هو نقل محض ومعرفة الأرجح فيه فالأولى أن ينظر عليها تفاسير أئمة النقل، والأثر،
وأجلها تفسير ابن جرير الطبري فقد قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: كتاب ابن
جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله، وقريب منه من تفاسير المتأخرين تفسير الحافظ عماد
الدين بن كثير، وكذلك من أراد التكلم على آية تتعلق بالأخبار السابقة أو الآتية كأشراط
الساعة وأحوال البرزخ والبعث والملكوت ونحو ذلك مما لا مجال للرأي فيه، فالأولى
أخذها من التفسيرين المذكورين وسائر تفاسير المحدثين المسندة كسعيد بن منصور،
والقرباني، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ ومن جرى مجراهم، ومن أراد التكلم
على آية من حيث علم الكلام فالأولى أن ينظر عليها تفسير من غلب عليه الكلام واشتهر
بالبراعة فيه كابن فورك، والباقلاني، وإمام الحرمين، والإمام فخر الدين، والأصبهاني،
ونحوهم. ومن أراد التكلم عليها من حيث الإعراب فالأولى أن ينظر عليها تفسير أئمة النحو
المتبحرين فيه كأبي حيان. ومن أراد التكلم عليها من حيث البلاغة فالأولى أن ينظر عليها
الكشاف، وتفسير الطيبي ونحو ذلك. ومسألة تفضيل أبي بكر من علم الكلام وكونه هو المراد
بالآية من علم التفسير فكان الأولى للجوجري قبل الكتابة أن ينظر عليها كتاب ابن جرير
ونحوه لأجل معرفة الأرجح في التفسير، وكتاب الإمام فخر الدين ونحوه لأجل معرفة التقرير
الكلامي، ثم ينهض إلى مراجعة كتب أئمة الكلام لينظر كيف قرروا الاستدلال بها على أفضلية
الصديق ككتب الشيخ أبي الحسن الأشعري، وابن فورك، والباقلاني، والشهرستاني، وإمام
الحرمين، والغزالي ومن جرى مجراهم ويتعب كل التعب ويجد كل الجد ويعتزل الراحة
والشغل ولا يسأم ولا يضجر، ويدع الفتيا تمكث عنده الشهر والشهرين والعام والعامين، فإذا
وقف على متفرقات كلام الناس في المسألة ونظر وحقق وأورد على نفسه كل إشكال وأعدله
الجواب المقبول حطم حينئذ على الكتابة وحكم بين الأمراء وفصل بين العلماء، وأما
الاستعجال في الجواب والكتابة بمجرد ما يخطر بباله أو يظهر في بادىء الرأي مع الراحة
والاتكال على الشهرة وعدم التضلع بذلك الفن وما يحتاح إليه فيه فإنه لا يليق، ولهذا تجد
الواحد ممن كان بهذه المثابة يكتب ويرجع ويتزلزل بأدنى زلزلة ويضطرب قوله في المسألة
الواحدة مرات ويبحث معه أدنى الطلبة فيشككه، وأكثر ما يحتج به الواحد منهم إذا صمّم على
قوله أن يقول: الظاهر كذا أو كذا أو هذا الذي ظهر لي من غير اعتماد على مستند بيده أو
حجة يظهرها كأنه الشيخ أبو الحسن الشاذلي إمام أرباب القلوب في زمانه الذي كان يسأل
معتمداً على الإلهام الواقع في قلبه ذاك إلهامه صواب لا يخطىء وبعد موتات ماتها في الله.

٣١٨
الفتاوى القرآنية
الوجه الثالث: أن نقول: لا شك أن المفتي حكمه حكم الطبيب ينظر في الواقعة ويذكر
فيها ما يليق بها بحسب مقتضى الحال والشخص والزمان، فالمفتي طبيب الأديان وذلك
طبيب الأبدان، وقد قال عمر بن عبد العزيز: يحدث للناس أحكام بحسب ما أحدثوا من
الفجور قال السبكي: ليس مراده أن الأحكام الشرعية تتغير بتغير الزمان بل باختلاف الصور
الحادثة فإنه قد يحصل بمجموع أمور حكم لا يحصل لكل واحد منها، فإذا حدثت صورة
على صفة خاصة علينا أن ننظر فيها فقد يكون مجموعها يقتضي الشرع له حكماً خاصاً، هذا
كلام السبكي قرره في كتاب ألفه في شأن رافضي حكم بقتله - وسماه غيره الإيمان الجلي
لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - وقال السبكي أيضاً في فتاويه ما معناه: يوجد في
فتاوى المتقدمين من أصحابنا أشياء لا يمكن الحكم عليها بأنها المذهب في كل صورة لأنها
وردت على وقائع، فلعلهم رأوا أن تلك الوقائع يستحق أن يفتى بها بذلك ولا يلزم اطراد
ذلك واستمراره، وهذه الواقعة المسؤول عنها تتعلق برافضي وليته رافضي فقط بل زنديق
جاهل من كبار الجهلة، ولقد اجتمعت به مرة فرأيت منه العجب من إنكاره الاحتجاج
بحديث رسول الله وليفور ورد أقواله الشريفة ويقول لعنه الله وفض فاه: النبي واسطي ما قاله
وهو في القرآن فصحيح وما قاله وليس في القرآن وذكر كلمة لا أستطيع ذكرها فرجعت من
عنده ولم أجتمع به إلى الآن وألفت مؤلفاً - سميته مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة(١) -
وكان من جملة أقواله في ذلك المجلس: علي عنده العلم والشجاعة، وأبو بكر ليس عنده
ذلك، وإنما زوجه بابنته وأنفق عليه ماله فكافأه بالخلافة بعده، فقلت له: وردت الأحاديث
بأن أبا بكر أعلم الصحابة وأشجعهم؟ فقال: هذه الأحاديث كذب، ثم أعاد الآن الكلام في
ذلك مع خاير بك وطلب منه الاستدلال على أفضلية أبي بكر بآية من القرآن لأنه لا يرى
الحديث حجة فذكر له خاير بك هذه الآية ولم يقلها من عند نفسه بل رآها في بعض كتب
الكلام فذكرها، فكان لا يليق بالجوجري في مثل هذه الواقعة أن يفتي بأن الآية ليست
خاصة بأبي بكر ولا دالة على أفضليته فيؤيد مقالة الرافضي ويثبته على معتقده الخبيث
ويدحض حجة قررها أئمة كل فرد منهم أعلم بالتفسير والكلام وأصول الفقه من مائة ألف
من مثل الجوجري، والله لو كان هذا القول في الآية هو المرجوح لكان اللائق في مثل هذه
الواقعة أن يفتى به فكيف وهو الراجح والذي أفتى به الجوجري قول مرجوح، هذه الوجوه
الثلاثة الجدلية .
وأما الوجه الذي يرد به عليه من جهة التحقيق فأقول: قال البغوي في معالم التنزيل:
يريد بالأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى يطلب أن يكون عند الله زكياً لا رياء ولا سمعة - يعني أبا
بكر الصديق - في قول الجميع. وقال ابن الخازن في تفسيره: الأتقى هنا أبو بكر الصديق
(١) وقد طبعناه ولله الحمد مرتين مع تعليقات نفيسة.

٣١٩
الفتاوى القرآنية
في قول جميع المفسرين. وقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: أجمع المفسرون هنا
على أن المراد بالأتقى أبو بكر، وذهبت الشيعة إلى أن المراد به علي. فانظر إلى نقل هؤلاء
الأئمة الثلاثة. إجماع المفسرين على أن المراد بالأتقى أبو بكر لا كل تقي. وقال الأصبهاني
في تفسيره: خص الصلى بالأشقى. والتجنب بالأتقى، وقد علم أن كل شقي يصلاها وكل
تقي يجنبها لا يختص بالصلى أشقى الأشقياء ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، لأن الآية واردة في
الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما
المتناقضتين، فقيل الأشقى وجعل مختصاً بالصلى كأن النار لم تخلق إلا له، وقيل الأتقى
وجعل مختصاً بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له انتهى.
وهذا صريح في أن المراد بالأتقى أتقى الأتقياء على الإطلاق لا مطلق التقي، وأتقى
الأتقياء على الإطلاق بعد النبيين أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وقال النسفي في
تفسيره: الأتقى الأكمل تقوى - وهو صفة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه - قال: ودل
على فضله على جميع الأمة قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقْنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]
انتهى. وقال القرطبي في تفسيره: قال ابن عباس: الأتقى أبو بكر الصديق. وقال بعض أهل
المعاني: أراد بالأشقى والأتقى الشقي والتقي كقول طرفة:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أي واحد ووحيد فوضع أفعل موضعٍ فعيل انتهى، وهذا الذي نقله عن بعض أهل
المعاني هو الذي أفتى به الجوجري عادلاً عن قول جميع المفسرين إلى قول بعض أهل
النحو قال ابن الصلاح حيث رأيت في كتب التفسير: قال أهل المعاني: فالمراد به مصنفو
الكتب في معاني القرآن كالزجاج، والفراء، والأخفش، وابن الأنباري انتهى.
وكذا نقل ابن جرير في تفسيره هذه المقالة عن بعض أهل العربية ثم قال: والصحيح
الذي جاءت به الآثار عن أهل التأويل أنها في أبي بكر بعتقه من أعتق من المماليك ابتغاء
وجه الله. فأنت ترى هذه النقول تنادي على أن الذي أفتى به الجوجري مقالة في الآية
لبعض النحويين مشى عليها بعض المصنفين في التفسير، وأن الذي وردت به الآثار وقاله
المفسرون من السلف وصححه الخلف اختصاصها بأبي بكر إبقاء للصيغة على بابها - هذا
بيان رجحان ذلك من حيث التفسير - وأما من حيث أصول الفقه. والعربية فأقول: قول
الجوجري: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فرع أن يكون في اللفظ عموم حتى
يكون العبرة به والآية لا عموم فيها أصلاً ورأساً بل هي نص في الخصوص. وبيان ذلك من
وجھین :
أحدهما: أن العموم إنما يستفاد في مثل هذه الصيغة من (أل) الموصولة أو التعريفية
وليست (أل) هذه موصولة قطعاً لأن الأتقى أفعل تفضيل (وأل) الموصولة لا توصل بأفعل
التفضيل بإجماع النحاة وإنما توصل باسم الفاعل والمفعول. وفي الصفة المشبهة خلاف،
وأما أفعل التفضيل فلا توصل به بلا خلاف، وأما التعريفية فإنما تفيد العموم إذا دخلت على

٣٢٠
الفتاوى القرآنية
الجمع، فإن دخلت على مفرد لم تفده كما اختار الإمام فخر الدين، ومن قال: إنها تفيده
فيه قيده بأن لا يكون هناك عهد، فإن كان لم تفده قطعاً هذا هو المقرر في علم الأصول.
والأتقى مفرد لا جمع والعهد فيه موجود فلا عموم فيه قطعاً فعلم بذلك أنه لا عموم في
الأتقى. فتأمل فإنه نفيس فتح الله به علي تأييداً للجناب الصديقي.
الوجه الثاني: أن الأتقى أفعل تفضيل وأفعل التفضيل لا عموم فيه بل وضعه للخصوص
فإنه لتفرد الموصوف بالصفة وأنه لا مساوي له فيها كما تقول: زيد أفضل الناس أو الأفضل
فإنها صيغة خصوص قطعاً عقلاً ونقلاً، ولا يجوز أن تتناول غيره أبداً، فبان بذلك أنه لا
عموم في الأتقى وإلى ذلك يشير تقرير الأصبهاني حيث قال: فإن قلت كيف قال: ﴿لَا
يَصْلَنَّهَا إِلَّا الْأَثْقَى﴾ [الليل: ١٥] ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْقَى﴾ [الليل: ١٧] وقد علم أن كل شقي
يصلاها وكل تقي يجنبها لا يختص بالصلى أشقى الأشقياء ولا بالنجاة أتقى الأتقياء وإن
زعمت أنه نكر النار فأراد ناراً بعينها مخصوصة بالاشقى فما تصنع بقوله: ﴿ وَسَيُجَنَّهُهَا
الْأَنْقَى﴾؟ فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة لا الأتقى منهم خاصة.
قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين فأريد أن
يبالغ في صفتهما المتناقضتين فقيل: الأشقى وجعل مختصاً بالصلى كأن النار لم تخلق إلا
له. وقيل: الأتقى وجعل مختصاً بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له - هذه عبارته وهي
صريحة في إرادة الخصوص أخذاً من صيغة أفعل التفضيل، ومن جنح من أهل العربية إلى
أنها للعموم احتاج إلى تأويل الأتقى بالتقي ليخرج عن التفضيل وهذا مجاز قطعاً والمجاز
خلاف الأصل ولا يصار إليه إلا بدليل ولا دليل يساعده بل الدليل يعارضه وهو الأحاديث
الواردة في سبب النزول وإجماع المفسرين كما نقله من تقدم، فثبت بهذا كله أن الكلام على
حقيقته للتفضيل وأن اللام للعهد وأنه لا عموم فيه أصلاً. فإن قلت: لم يؤخذ العموم من
لفظ الأتقى بل من لفظ (الذي) يؤتى فإن (الذي) من صيغ العموم.
قلت: هذه غفلة منك وجهل بالعربية فإن (الذي) وصف للأتقى وقد تبين أن الأتقى
خاص فيجب أن تكون صفته كذلك لما تقرر في العربية أن الوصف لا يكون أعم من الموصوف
بل مساوياً له أو أخص منه، فاشدد بهذا الكلام يديك وعض عليه بناجذيك على أن في قوله:
﴾ [الليل: ١٩] وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ٢١] ما يشير
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تَجْزَ (١)]
إلى التنصيص على التخصيص، وقد قرر الإمام فخر الدين اختصاص الآية بأبي بكر
والاستدلال بها على أفضليته بطريق آخر فقال: أجمع المفسدون منا على أن المراد بالأتقى
أبو بكر، وذهب الشيعة إلى أن المراد به علي، والدلالة النقلية ترد ذلك وتؤيد الأول، وبيان
ذلك أن المراد من هذا الأتقى أفضل الخلق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنَقْنَكُمْ﴾
[الحجرات: ١٣] والأكرم هو الأفضل فالأتقى المذكور هنا هو أفضل الخلق عند الله، والأمة
مجمعة على أن أفضل الخلق بعد رسول الله وَالقر إما أبو بكر، وإما علي، ولا يمكن حمل
الآية على علي فتعين حملها على أبي بكر، وإنما لم يكن حملها على علي لأنه قال عقيب