Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
الفتاوى الفقهية / كتاب القرض
الافهام عند الإطلاق وبها تتعلق الزكاة وغيرها من الحقوق والمقادير الشرعية - ولا يمنع من
هذا كونه كان هناك دراهم أخرى أقل أو أكثر من هذا القدر، فإطلاق النبي ◌َّر الدراهم
محمول على المفهوم عند الإطلاق وهو كل درهم ستة دوانيق كل عشرة سبعة مثاقيل،
وأجمع أهل العصر الأول فمن بعدهم إلى يومنا هذا، ولا يجوز أن يجمعوا على خلاف ما
كان في زمن رسول الله وَلقر وخلفائه الراشدين.
وأما مقدار الدرهم والدينار فقال الحافظ أبو محمد عبد الحق في كتاب الأحكام: قال
ابن حزم: بحثت غاية البحث عند كل من وثقت بتمييزه فكل اتفق على أن دينار الذهب
بمكة وزنه ثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة من حب الشعير المطلق والدرهم سبعة
أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكي سبع وخمسون وستة أعشار حبة وعشر عشر حبة.
والرطل مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً بالدرهم المذكور ـ هذا كلام ابن حزم. قال
النووي بعد إيراده في شرح المهذب وقال غير هؤلاء: وزن الرطل البغدادي مائة وثمانية
وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم وهو تسعون مثقالاً انتهى.
وقال ابن سعد في الطبقات: حدثنا محمد بن عمر الواقدي حدثني عبد الرحمن بن أبي
الزناد عن أبيه قال: ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم سنة خمس وسبعين -
وهو أول من أحدث ضربها ونقش عليها - وفي الأوائل للعسكري أنه نقش عليها اسمه؛
وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق الحميدي عن سفيان قال سمعت أبي يقول: أول
من وضع وزن سبعة الحارث بن أبي ربيعة - يعني العشرة عدداً سبعة وزناً .
وأخرج ابن عساكر عن مغيرة قال: أول من ضرب الدراهم الزيوف عبيد الله بن زياد
وهو قاتل الحسين، وفي تاريخ الذهبي: أول من ضرب الدراهم في بلاد المغرب
عبد الرحمن بن الحكم الأموي القائم بالأندلس في القرن الثالث وإنما كانوا يتعاملون بما
يحمل إليهم من دراهم المشرق، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي جعفر قال:
القنطار خمسة عشر ألف مثقال والمثقال أربعة وعشرون قيراطاً، وأخرج ابن جرير في
تفسيره عن السدي في قوله تعالى: ﴿ وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] قال: يعني
المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم.
الفائدة الثامنة: في تحرير الدراهم النقرة التي كان يتعامل بها في القرن الثامن وشرطها
أرباب الدولة القلاوونية في أوقافهم كشيخون، وصرغتمش، ونحوهما، قال الذهبي في
تاريخه في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة: أمر الخليفة المستنصر بضرب الدراهم الفضة
ليتعامل بها بدلاً عن قراضة الذهب فجلس الوزير وأحضر الولاة والتجار والصيارفة وفرشت
الأنطاع(١) وأفرغ عليها الدراهم، وقال الوزير: قد رسم مولانا أمير المؤمنين بمعاملتكم بهذه
(١) جمع نطع وهو المتخذ من الأديم وفيه أربع لغات - فتح النون وكسرها - ومع كل واحد فتح الطاء
وسكونها .

١٠٢
الفتاوى الفقهية / باب القرض
الدراهم عوضاً عن قراضة الذهب رفقاً بكم وإنقاذاً لكم من التعامل بالحرام من الصرف
الربوي فأعلنوا بالدعاء، ثم أديرت بالعراق وسعرت كل عشرة بدينار فقال الموفق أبو
المعالي بن أبي الحديد الشاعر في ذلك.
أنت باعدتنا عن التطفيف
لا عدمنا جميل رأيك فينا
ه وما كان قبل بالمألوف
ورسمت اللجين حتى ألفنا
ليس للجمع كان منعك للصر ف ولكن للعدل والتعريف
وقال ابن كثير في تاريخه: في سنة ست وخمسين وسبعمائة: رسم السلطان الملك
الناصر حسن بضرب فلوس جدد على قدر الدينار ووزنه وجعل كل أربعة وعشرين فلساً
بدرهم وكان قبل ذلك الفلوس العتق كل رطل ونصف بدرهم. وهذا صريح في أن الدراهم
النقرة كان سعرها كل درهم ثلثاً رطل من الفلوس، كما أن ما قاله الذهبي صريح في أنه كان
سعرها حين ضربت كل درهم عشر دينار، وقال الحافظ ابن حجر في تاريخه: أنباء الغمر
في سنة ست وسبعين وسبعمائة بيع الأردب القمح بمائة وخمسة وعشرين درهماً نقرة
وقيمتها إذ ذاك ست مثاقيل ذهب وربع انتهى. وهذا على أن كل عشرين درهماً مثقال، وقال
ابن حجر أيضاً في هذه السنة: غلا البيض بدمشق فبيعت الحبة الواحدة بثلث درهم من
حساب ستين بدينار، وهذا أيضاً على أن كل عشرين درهماً مثقال.
التاسعة: التعامل بالفلوس قديم، قال الجوهري في الصحاح: الفلس يجمع على أفلس
وفلوس، وقد أفلس الرجل صار مفلساً كأنما صارت دراهمه فلوساً وزيوفاً، ويجوز أن يراد
به أنه صار إلى حال يقال فيها ليس معه فلس انتهى. وهذا يدل على وجودها في زمن
العرب، وقال سعيد بن منصور في سننه: ثنا محمد بن أبان عن حماد عن إبراهيم قال: لا
بأس بالسلف في الفلوس أخرجه الشافعي في الأم، والبيهقي في سننه دليلاً على أنه لا ربا
في الفلوس - وإبراهيم هو النخعي - وهذا يدل على وجودها في القرن الأول، وأخرج ابن
أبي شيبة في المصنف عن مجاهد قال: لا بأس بالفلس بالفلسين يداً بيد، وأخرج عن حماد
مثله، وأخرج عن الزهري أنه سئل عن الرجل يشتري الفلوس بالدراهم قال: هو صرف فلا
تفارقه حتى تستوفيه، وذكر الصولي في كتاب الأوراق أنه في سنة إحدى وسبعين ومائتين
ولي هارون بن إبراهيم الهاشمي حسبة بغداد في زمن الخليفة المعتمد فأمر أهل بغداد أن
يتعاملوا بالفلوس فتعاملوا بها على كره ثم تركوها.
العاشرة: أخرج سعيد بن منصور في سننه عن عمر بن الخطاب قال: من زافت عليه
ورقه فلا يخالف الناس أنها طياب وليبتع بها سمل ثوب أو سحق ثوب، وأخرج أيضاً عن
الشعبي أن عبد الله بن مسعود باع نفاية بيت المال زيوفاً وقسيات بدراهم دون وزنها فذكر
ذلك لعمر بن الخطاب فنهاه وقال: أو قد عليها حتى يذهب ما فيها من نحاس أو حديد
حتى تخلص الفضة ثم بع الفضة بوزنها .

١٠٣
الفتاوى الفقهية / باب الرهن
الحادية عشرة: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: قرض الدنانير والدراهم
من الفساد في الأرض، وأخرج عن عطاء في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِى الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ
يُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٣)﴾ [النمل: ٤٨] قال: كانوا يقرضون الدراهم.
الثانية عشرة: قال العسكري في الأوائل: أول من اتخذ ألسنة الموازين من الحديد
عبد الله ابن عامر بن كريز.
باب الرهن
مسألة: رجل رهن بيتاً فيه مطلقته المعتدة فهل يصح القبض له عن الرهن وهو مشحون
بأمتعة مطلقته؟ .
الجواب: يتوقف على مقدمة وهي أن الشيخين في الشرح، والمحرر، والروضة،
والمنهاج، وشرح المهذب عبرا في قبض العقار بأن قالا: يحصل بالتخلية والتمكين منه
بشرط فراغه من أمتعة البائع، وكذا عبر البغوي في التهذيب والقمولي في الجواهر فاختلف
المتأخرون في لفظه البائع هل هي قيد أو مثال؟ فقال الإسنوي في شرح المنهاج: خرج
بقوله أمتعة البائع أمتعة المشتري، والمستعير، والمستأجر، والغاصب، ثم قال: وفي هذا
التعميم نظر ولم يتعرض لذلك في المهمات، ونقل الشيخ ولي الدين العراقي هذا الكلام في
شرح البهجة واقتصر عليه ولم يتعرض له في النكت، وكذا قال ابن الملقن تقييده بأمتعة
البائع يخرج ما عداه كأمتعة المشتري والمستأجر، وكذا ابن النقيب في نكته، وأما السبكي
فلم يذكر شيئاً بل قال عقب عبارة المنهاج: فيشترط في صحة التسليم تفريغها، وقال
الأذرعي في الغنية: ذكر البائع يوهم التقييد به وأمتعة المستعير والمستأجر والموصى له
بالمنفعة والغاصب كأمتعة البائع، أما لو كانت مشغولة بأمتعة المشتري فالظاهر أنه لا يشترط
التفريغ لصحة القبض ، وقال في التوسط قوله بأمتعة البائع مثال ثم ذكر ما تقدم وقال:
ويحتمل أنه احتراز بأمتعة البائع عن أمتعة المشتري، والظاهر أنه خرج على الغالب ولا
مفهوم له، وأغرب الإسنوي فقال في شرح المنهاج أنه يخرج ما عداه واغتربه من شرح
المنهاج من أصحابه وهذا تخليط، ولم ينظر قوله في السفينة مشحونة بالقماش وهو يشمل
قماش البائع وغيره انتهى، ويشير إلى ذلك قول ابن المقري في مختصر الروضة بشرط فراغه
من متاع فنكره ليعم متاع البائع وغيره، إذا علمت ذلك فنعود إلى مسألتنا فالقبض في الرهن
كالقبض في البيع، فإن كان مشغولاً بأمتعة الراهن لم يصح بلا شك أو المرتهن صح بلا
شك أو المستأجر ونحوه، فعلى جعله قيداً يصح وعلى جعله مثالاً لا يصح، وأمتعة المعتدة
ليست كالمالك خلافاً لمن توهم ذلك بل كالمستأجر كما يفهم من تصرفاتهم في بيع الدار
المستحقة لسكنى المعتدة، والظاهر في المستأجر ونحوه عدم الصحة.
١
مسألة:
ماذا تقولون لا زال الزمان بكم زاه علمكم في الأرض منتشرا

١٠٤
الفتاوى الفقهية / باب الصلح
في الدين رهناً على حق بغير مرا
في مسلم أسلم الذمي توثقة
حاجاته ثم شاع القول واشتهرا
برهنه عند قاض شافعي ذكرا
ما لم يقله إمام كان معتبرا
للشافعية نقل بالذي صدرا؟
عند الإله الذي للعالمين برا
طه الحبيب ومن والاه أو نصرا
على الغصون وهبت نسمة سحرا
فضاع ليلاً من البيت الذي سرقت
فخاصم المسلم الذمي مدعياً
فألزم الحاكم الذمي معتمداً
هل حكمه باطل يا ذا العلوم وهل
جوزيتم بنعيم في الجنان غداً
ثم الصلاة وتسليم الإله على
ما لاح برق وما ناحت مطوقة
الجواب :
أقول من بعد حمد الله جل على
ثم الصلاة على خير البرية من
إن يسرق الرهن من حرز يليق فلا
وقوله بيمين منه نقبله
وإن يقصر ولم يجعله في سكن
قد خط معتمداً أحكام مذهبه
انعامه وأجل الحمد من شكرا
عمت رسالته من جاء أو غبرا
ضمان يلزم من ذا في يديه جرى
ولم يكلف بياناً فهو ما ظهرا
حرز يليق به يضمنه معتبرا
هذا جواب ابن الأسيوطي مستطرا
باب الصلح
مسألة: زقاق غير نافذ به بيوت وعلى كتفه مخزن فأراد صاحب البيوت أن يبني على
الزقاق باباً يصون به بيوته ويبني على الباب طبقة فهل لصاحب المخزن منعه؟.
الجواب: إن كان باب المخزن داخل الزقاق فله المنع من بناء باب وطبقة علوه إن كان
ذلك بحيث يصير باب المخزن داخل الباب، وإن كان الباب يبنى داخلاً بحيث يصير باب
المخزن خارجه فليس له المنع.
مسألة: رجلان لهما منزل مشترك فباع أحدهما حصته لآخر وللمشتري بجواره منزل
فجدد عمارة منزله وأضاف له قطعة من المشترك من غير قسمة فهل يلزمه هدمه أو قيمة
نصف القطعة؟ .
الجواب: ينبغي أن يقسم فإن خرج له الشق الذي فيه البناء اختص به ولا شيء عليه وإلا
خير شريكه بين القلع بلا غرم وبين الإبقاء بالأجرة.

١٠٥
الفتاوى الفقهية / باب الحوالة والضمان
باب الحوالة
مسألة: فيمن جبى بالأمانة ريع وقف بإذن ناظر شرعي وصرف ذلك للمستحقين
والعمارة بإذنه وفضل له شيء ومن الوقف حمام تجمد على مستأجرها من أجرتها شيء
فأحال الناظر الجابي عليه بما فضل له فهل تصح الحوالة أم لا؟.
الجواب: نعم وهي عبارة عن تعيين جهة للدين المستقر على الوقف.
مسألة: رجل أحال رجلاً بدين له على آخر ثم تقايلا أحكام الحوالة ومات المحتال
فادعى وارثه على المحال عليه بالمبلغ المحال به وقبضه منه فهل له الرجوع؟.
الجواب: المنقول عن الرافعي أنه جزم بعدم صحة الإقالة في الحوالة وإن كان البلقيني
حكى عن الخوارزمي فيها خلافاً وصحح الجواز، فعلى ما جزم به الرافعي يكون ما قبضه
وارث المحتال من المحال عليه صحيحاً واقعاً موقعه ولا رجوع عليه.
مسألة: شخص له على آخر دين به ضمان أحال به شخصاً على ذمة الأصيل والضامن
فهل الحوالة صحيحة أم لا؟ وإذا صحت فهل يطالب الأصيل على انفراده أو الضامن أو هما
معاً .
الجواب: هذه الحوالة باطلة فإن الرافعي، والنووي حكيا في صحتها وجهين ولم يرجحا
شيئاً، وصحح البلقيني البطلان ووجهه كما قال في الروضة أن صاحب الدين كان له مطالبة
واحد فلا يستفيد بالحوالة زيادة صفة.
مسألة: رجل له على رجل دين فمات الدائن وله ورثة فأخذ الأوصياء من المدين بعض
الدين وأحالهم على آخر بالباقي فقبلوا الحوالة وضمنوا آخر فمات المحال عليه فهل لهم
الرجوع على المحيل أم لا؟.
الجواب: يطالبون الضامن وتركة المحال عليه فإن تبين إفلاسهما بأن فساد الحوالة لأنها
لم تقع على وفق المصلحة للأيتام فيرجعون على المحيل.
باب الضمان
مسألة: قال أئمتنا فيمن أذن لرجل أن يؤدي عنه دينه وهو عشرة فصالح المأذون رب
الدين منها على نصفها أنه يرجع بالعشرة ولو أن رب الدين والحالة هذه أبرأ من خمسة
وقبض خمسة رجع المأذون بخمسة فقط وهم مصرحون بأن الصلح من الدين على بعضه
إبراء لباقيه، فإما أن لا يكون كل صلح حطيطة إبراء من الباقي، وإما أن يفرق بين إبراء
وإبراء بفرق يعقل معناه.
الجواب: قول السائل في صورة الصلح أنه يرجع بعشرة ممنوع فإن المنقول في الروضة
في الصورتين معاً أن المأذون لا يرجع إلا بخمسة ولم يحك في ذلك خلافاً، وإنما اختلفت
الصورتان في أن صورة الصلح يبرأ فيها الضامن والأصيل من الخمسة الباقية، وصورة

١٠٦
الفتاوى الفقهية / باب الإبراء
الإبراء لا يبرأ فيها من الخمسة الباقية إلا الضامن فقط ويبقى الأصيل وهذا هو محط
الإشكال فانقلب الأمر على السائل وقد فرق بينهما بفرق معقول فلينظر من كلامه.
مسألة: رجل ضمن شخصاً بإذنه في عشرين ديناراً وللمضمون المديون عند الضامن مال
وديعة فقال له أد العشرين مما عندك ثم إنه وكل وكيلاً في قبض الوديعة فهل للضامن إمساك
الوديعة عنده حتى يقضي منها الدين أم لا؟
الجواب: نعم له ذلك.
مسألة: رجل ضمن رجلاً في دين ثم مات الضامن وترك ورثة أخذوا ما خلفه فطالب
الدائن بعض الورثة بالدين فأجابه بأنه إنما يلزمه قدر حصته من الميراث فقال بل يلزمك
الكل بمقتضى أن القدر الذي خصه من الإرث يستغرق جميع الدين فهل يلزمه ذلك؟ .
الجواب: إنما يلزمه على قدر نسبة ماله من الإرث.
مسألة :
يا عالم الزمن المشهور كالعلم
يا منشئا لعلوم ما سبقت لها
مفتي الأنام ومجلي حندس الظلم
ماذا جوابك يا بحر العلوم ويا
مع رفقة ضمنوا في المال والذمم
على الأصيل وضمان بجمعهم
لضامن قادر خال من العدم
إلا الأصيل فقط بين شفا ألمي؟
بجاه خير البرايا أشرف الأمم
في رب دين على شخص أقربه
أحال ذو المال شخصاً بالمقر به
فهل لمحتال هذا المال من طلب
أو لا يطالب ضماناً لما ضمنوا
أثابك الله جنات مزخرفة
الجواب :
ثم الصلاة على المبعوث للأمم
الله أحمد حمداً غير منفصم
إلا الأصيل فقط فاحكم ولا تجم
ما الذي احتال إن صححت من طلب
فالنقل في ذاك باد فيه للحكم
ولا يطالب ضماناً بما ضمنوا
باب الإبراء
مسألة: أبراك الله هل تصح بها البراءة؟ .
الجواب: وقع في زوائد الروضة في البيع أنه نقل عن الغزالي وأقره أن باعك الله.
وأقالك الله. وزوجك الله كناية؛ ولم يذكر سوى هذه الثلاثة، وذكر في أصل الروضة نقلاً
عن العبادي أن طلقك الله وأعتقك الله يقع به الطلاق والعتاق، ثم قال: وظاهر هذا أنه
صريح، وذكر البوشنجي أنه كناية قال: وقول صاحب الدين للغريم أبرأك الله كقول الزوج

١٠٧
الفتاوى الفقهية / باب الإبراء
طلقك الله انتهى، فمقتضى ما ذكره في البيع تصحيح مقالة البوشنجي أن الكل كناية ويرشد
إليه استدراك مقالة العبادي بمقالته.
مسألة: رجل نزل لآخر عن اقطاع والتزم له أنه إذا صار اسمه في الديوان أعطاه مائتي
دينار فلما صار اسمه في الديوان أعطاه بعضها وأبرأه من الباقي فهل تصح؟.
الجواب: هذا الالتزام إن كان بطريق النذر كما هو العادة الآن فالذي يظهر لي أنه لا
تصح البراءة ولو تراضيا لأن النذر لا تصح البراءة منه لما فيه من حق الله كالزكاة والكفارة،
ويحتمل الصحة لأن الحق فيه لمعين بخلاف سائر النذور والزكاة والكفارة والأول أظهر كما
لو انحصرت صفة الاستحقاق في معين فإنه لا تصح البراءة منه، وأما إن كان هذا الالتزام لا
بطريق النذر بل في مقابلة النزول وقلنا بصحة ذلك كما استنبطه السبكي من خلع الأجنبي
فإن البراءة منه تصح كما للخلع.
١٥ - بذل الهمة في طلب براءة الذمة
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
مسألة: رجل اغتاب رجلاً بسبب أو نحوه أو قذفه أو خانه في أهله ثم إنه تاب بعد ذلك
فهل يكفي في ذلك توبته ورجوعه إلى الله وكثرة ذكره وعبادته أم لا بد من تحلله من ذلك
وذكره له ما ظلمه به إذا لم يكن علمه؟ .
الجواب: لا بد من تحلله من ذلك وذكره له ما ظلمه به لأن ذلك من شروط التوبة، وما
لم تصح التوبة لم يكفر الذنب المتعلق بالآدمي شيء، وإنما لا يحتاج إلى ذلك حيث تعذر
الوقوف على صاحب الحق لموت أو نحوه - هذا الذي جزمت به هو الموافق لنقل العلماء
من أصحابنا وللآثار.
أما النقل فقال الشيخ محيي الدين النووي في الأذكار في باب كفارة الغيبة والتوبة منها:
اعلم أن كل من أرتكب معصية لزمه المبادرة إلى التوبة منها، والتوبة من حقوق الله يشترط
فيها ثلاثة أشياء: أن يقلع عن المعصية في الحال، وأن يندم على فعلها، وأن يعزم أن لا
يعود إليها، والتوبة من حقوق الآدميين يشترط فيها هذه الثلاثة ورابع وهو رد الظلامة إلى
صاحبها وطلب عفوه عنها والإبراء منها، فيجب على المغتاب التوبة بهذه الأمور الأربعة لأن
الغيبة حق آدمي ولا بد من استحلاله من اغتابه، وهل يكفيه أن يقول قد اغتبتك فاجعلني في
حل أم لا بد أن يبين ما اغتابه به؟ فيه وجهان لأصحابنا أحدهما يشترط بيانه فإن أبرأه من
غير بيانه لم يصح كما لو أبرأه من مال مجهول، والثاني لا يشترط لأن هذا مما لا يتسامح
فيه ولا يشترط علمه بخلاف المال والأول أظهر لأن الإنسان قد يسمح بالعفو عن غيبة دون
غيبة، فإن كان صاحب الغيبة ميتاً أو غائباً فقد تعذر تحصيل البراءة منها، لكن قال العلماء:
ينبغي أن يكثر الاستغفار له والدعاء ويكثر من الحسنات - هذا كلام النووي بحروفه، وقال

١٠٨
الفتاوى الفقهية / باب الإبراء
الشيخ تقي الدين السبكي في تفسيره: قد ورد في الغيبة تشديدات كثيرة حتى قيل: إنها أشد
من الزنا من جهة أن الزاني يتوب فيتوب الله عليه والغائب لا يتاب عليه حتى يستحل من
المغيب، روي ذلك في حديث لكن سنده ضعيف قال: وهذا وإن كان في حقوق الآدميين
كلها ففي الغيبة شيء آخر وهو هتك الأعراض وانتقاص المسلمين وإبطال الحقوق بما قد
يترتب عليها وإيقاع الشحناء والعدوات، ثم قال: فإن قلت: ما تقول في حديث كفارة
الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته؟ قلت: في سنده من لا يحتج به وقواعد الفقه تأباه لأنه حق
آدمي فلا يسقط إلا بالإبراء فلا بد أن يتحلل منه، فإن مات وتعذر ذلك قال بعض الفقهاء:
يستغفر له فإما أن يكون أخذه من هذا الحديث. وإما أن يكون المقصود أن يصل إليه من
جهته حسنات عسى أن يعدل ما احتمل من سياته وأن يكون سبباً لعفوه عنه في عرصات
القيامة، وإلا فالقياس أن لا يسقط أيضاً، نعم بالنسبة إلى الأحكام الدنيوية كقبول الشهادة
ونحوها إذا تحققت منه التوبة وعجز عن التحلل منه بموت ونحوه يكفي ذلك انتهى.
وأما الآثار فأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت، والطبراني في الأوسط، والأصبهاني
في الترغيب عن جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري قالا: قال رسول الله وَ له: ((الغيبة
أشد من الزنا)) قيل: وكيف؟ قال: ((الرجل يزني ثم يتوب فيتوب الله عليه وإن صاحب الغيبة
لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه))، وأخرج ابن أبي الدنيا عن عطاء بن أبي رباح أنه سئل عن
التوبة من الفرية فقال: تمشي إلى صاحبك فتقول: كذبت بما قلت لك وظلمت وأسأت فإن
شئت أخذت بحقك وإن شئت عفوت، وأخرج الأصبهاني عن عائشة بنت طلحة قالت:
كنت عند عائشة أم المؤمنين وعندها أعرابية فخرجت الأعرابية تجر ذيلها فقالت بنت طلحة:
ما أطول ذيلها، فقالت عائشة: اغتبتيها أدركيها تستغفر لك .
وأما مسألة خيانة الرجل في أهله فقد روى مسلم، وأبو داود، والنسائي عن بريدة قال:
قال رسول الله وَّير: ((ما من رجل يخلف رجلاً في أهله فيخونه فيهم إلا نصب له يوم القيامة
فقيل له هذا قد خانك في أهلك فخذ من حسناته ما شئت فيأخذ من حسناته ما شاء حتى
يرضى أترون يدع له من حسناته شيئاً) هذا لفظ الحديث، فمن خان رجلاً في أهله بزنا أو
غيره فقد ظلم الزوج وتعلق له به حق يطالبه به في الآخرة لا محالة بنص هذا الحديث،
وهذا حق آدمي لا تصح التوبة منه إلا بالشروط الأربعة، ومنها استحلاله من ذلك بعد أن
يعرفه به بعينه على ما تقدم في كلام النووي، ثم أقول: له حالان، أحدهما أن لا يكون
على المرأة في ذلك تبعة ولا ضرر بأن يكون أكرهها على ذلك فهذا كما وصفنا لا شك فيه،
والثاني أن يكون عليها في ذلك ضرر بأن تكون مطاوعة فهذا قد يتوقف فيه من حيث إنه
ساع في إزالة ضرره في الآخرة بضرر المرأة في الدنيا والضرر لا يزال بالضرر، فيحتمل أن
لا يسوغ له في هذه الحالة أخباره به وإن أدى إلى بقاء ضرره في الآخرة، ويحتمل أن يكون
ذلك عذراً، ويحكم بصحة توبته إذا علم الله منه حسن النية، ويحتمل أن يكلف الأخبار به
في هذه الحالة ولكن يذكر معه ما ينفي الضرر عنها بأن يذكر أنه أكرهها، ويجوز الكذب

١٠٩
الفتاوى الفقهية / باب الشركة
بمثل ذلك، وهذا فيه جمع بين المصلحتين لكن الاحتمال الأول أظهر عندي.
ولو خاف من ذكر ذلك الضرر على نفسه دون غيره فالظاهر أن ذلك لا يكون عذراً لأن
التخلص من عذاب الآخرة بضرر الدنيا مطلوب، وقد أقر جماعة من السلف على أنفسهم
بالزنا ليقام الحد عليهم فيطهروا مع أن ذلك محض حق الله والستر فيه على أنفسهم أولى
فكيف في حق الآدمي، ويحتمل أن يقال: إنه يعذر بذلك ويرجى من فضل الله أن يرضى
عنه خصمه إذا علم حسن نيته، ولو لم يرض صاحب الحق في الغيبة والزنا ونحوهما أن
يعفو إلا ببذل مال فله بذله سعياً في خلاص ذمته والغبطة في ذلك له، ثم رأيت الغزالي قال
في منهاج العابدين في فضل التوبة من حقوق الآدميين: وأما الحرمة بأن خنته في أهله أو
ولده أو نحوه فلا وجه للاستحلال والإظهار فإنه يولد فتنة وغيظاً بل تفزع إلى الله سبحانه(١)
ليرضيه عنك ويجعل له خيراً كثيراً في مقابلته، فإن أمنت الفتنة والهيج وهو نادر فتستحل
منه، ثم قال في آخر كلامه: وجملة الأمر أن ما أمكنك(٢) من إرضاء الخصوم عملت وما
لم يمكنك راجعت الله (٣) بالتضرع [والابتهال] والصدق ليرضيه عنك فيكون ذلك في مشيئة
الله سبحانه يوم القيامة والرجاء منه بفضله العظيم وإحسانه العميم أنه إذا علم الصدق من
قلب العبد فإنه يرضي خصماءه من جزيل فضله (٤) يوم القيامة انتهى.
باب الشركة
مسألة: جماعة اشتركوا في مال واشتروا به قصبا وقلقاساً قائماً على أصوله ثم جاء
جماعة أخر ووافقوهم على أنهم شاركوهم في ذلك ولم يحضروه ولا وزنوا شيئاً من الثمن
ثم عملوا في قلع القصب، والقلقاس أياماً فهل الشركة الثانية صحيحة أم لا؟ وإذا فسدت
فهل أجرة المثل في العمل أم لا؟
الجواب: الشركة الثانية باطلة وإذا عملوا في القصب والقلقاس على مسمى فاسد فلهم
أجرة المثل وشراء القلقاس وهو مدفون في الأرض باطل، وكذا القصب في الأرض إن كان
مستوراً بقشره وإلا يصح.
مسألة: رجل يسمى عثمان أخرج من ماله مائة وخمسين ديناراً فأقرض منها خمسين لرجل
یسمی بدر الدين وشاركه بالمائة الباقية وجلسا في دكان واشتريا قماشاً بالمال وصارا يتصرفان
معاً بالبيع والشراء ويأخذ كل منهما حصته من الربح أولاً فأولاً، ثم تفاسخاً الشركة وأخذ عثمان
القماش بأسره ودفع لبدر الدين خمسين ديناراً عن حصته في القماش فادعى بدر الدين بعد ذلك
أنه لم يأخذ في مدة الشركة شيئاً من الربح وأن حصته منه باقية فهل يقبل قوله في ذلك؟
(١) في منهاج العابدين المطبوع بمصر سنة ١٣٤٧ هـ ص ١١ بل تتضرع لله سبحانه.
(٢) في المنهاج وجملة الأمر فما أمكنك.
(٣) في المنهاج رجعت إلى الله.
(٤) في المنهاج من خزانة فضله

١١٠
الفتاوى الفقهية / باب الوكالة والإقرار والغصب
الجواب: إن كان عثمان دفع لبدر الدين الخمسين على أنها عوض عن حصته من
القماش فهذا عبارة عن شرائها، فإن وجدت شروط البيع من الإيجاب والقبول والعلم
بالأعيان ونحو ذلك فهو بيع صحيح وليس له بعد ذلك دعوى بربح سابق لأن ذلك قد دخل
في الحصة التي باعها وقد رضي فيها بهذا الثمن سواء كان قدر القيمة أو أقل، هذا إن صدق
على البيع، فإن أنكر فالقول قوله بيمينه والشركة باقية في الأمتعة ويرد الخمسين ديناراً ما لم
تقم بينة على تصديقه، وإن لم توجد شروط البيع فالشركة باقية في الأمتعة - أعني شركة
الملكية - وإن كان عقد الشركة قد انفسخ والخمسون ديناراً قبضها بغير طريق شرعي فيردها
وله حصته من الأمتعة ولا حاجة حينئذ إلى دعوى ربح لأنه قائم بالأمتعة فإن ادعى أن عثمان
استبد بربح أخذه دونه وأنكر عثمان فالقول قول عثمان بيمينه.
باب الو کالة
مسألة: رجل وكل إنساناً في أن يسلم له في قمح ففعل وضمن المسلم إليه رجل فهل
تصح دعوى الموكل على المسلم إليه بالقمح وعلى ضامنه؟ وهل يجوز للوكيل أن يشهد
للموكل بالضمان أم لا؟
الجواب: نعم للموكل الدعوى على المسلم إليه والضامن، وأما شهادة الوكيل له فإن
كان قبل عزله لم تقبل وكذا بعده إن خاصم وإن لم يخاصم قبلت.
باب الإقرار
مسألة: إذا قال لفلان عندي أقل من ثلاثة دراهم كم يلزمه؟ .
الجواب: مقتضى القواعد أنه يلزمه بعض درهم وهو قدر ما يتمول من الدراهم.
مسألة: مريض صدر بينه وبين زوجته مبارأة ما عدا حقوق الزوجية ولم يستفسروه عن
مراده بالحقوق فهل تدخل كسوتها في لفظ الحقوق أو تحمل على حال الصداق ومنجمه
فقط؟ وهل ينفع قول المريض لغير الشهود قبل موته: ليس لزوجتي عندي سوى حال
الصداق ومنجمه؟
الجواب: هذه اللفظة في أصلها شاملة لكل حق للزوجة من صداق وكسوة ونفقة، ولا
يلزم من إطلاقها إرادة جميع مدلولاتها، فإذا طلقها الزوج وأراد بعض ذلك قبل منه وإذا
أخبر قبل موته أنه ليس لها عنده سوى الحال والمنجم نفع ذلك في تفسير هذه اللفظة
المطلقة في الإقرار.
باب الغصب
مسألة: سيد قطع يد عبده ثم غصبه غاصب فمات بالسراية عنده فماذا يلزم الغاصب؟
الجواب: مقتضى القواعد أنه لا يلزمه شيء لأن هلاكه مستند إلى سبب متقدم على
الغصب .

١١١
الفتاوى الفقهية / باب الغصب
مسألة: رجل ذمي نهى مسلماً عن منكر فهل له ذلك بناء على أنه مكلف بفروع الشريعة
أم لا؟ .
الجواب: لإنكار المنكر مراتب، منها القول كقوله: لا تزن مثلاً، ومنها الوعظ كقوله:
اتق الله فإن الزنا حرام وعقوبته شديدة، ومنها السب والتوبيخ والتهديد كقوله: يا فاسق
يا من لا يخشى الله لئن لم تقلع عن الزنا لأرمينك بهذا السهم، ومنها الفعل كرميه بالسهم
من أمسك امرأة أجنبية ليزني بها وككسره آلات الملاهي وإراقة أواني الخمور، وهذه
المراتب الأربعة للمسلم وليس للذمي منها سوى الأوليين فقط دون الآخرين لأن فيهما ولاية
وتسلطاً لا يليقان بالكافر، وأما الأوليان فليس فيهما ذلك بل هما مجرد فعل خير، وقد ذكر
الإسنوي في شرح المنهاج أن في حفظه أنه ليس للكافر إزالة المنكر - يعني بالفعل - وهي
المرتبة الرابعة، وكذا ذكر الغزالي في الإحياء وعلله بأن ذلك نصرة للدين فلا يكون من
أهلها من هوجاً حد لأصل الدين وعدوله، ثم قال في أثناء الباب ما نصه: فإن قيل هل
يجوز للكافر الذمي أن يحتسب على المسلم إذا رآه يزني؟ قلنا: إن منع المسلم بفعله فهو
تسلط عليه فنمنعه من حيث إنه تسلط وما جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً.
وأما مجرد قوله لا تزن فليس بممنوع منه من حيث إنه نهى عن الزنا بل من حيث إنه
إذلال للمسلم إلى أن قال بل نقول: إن الكافر إذا لم يقل للمسلم لا تزن يعاقب عليه إن
رأينا خطاب الكفار بالفروع.
١٦ - هدم الجاني على الباني
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّحِيَةِ
أخبرني شيخ الإسلام قاضي القضاة علم الدين البلقيني إجازة عن أبي إسحاق التنوخي
عن القاسم بن مظفر أن عبد الرحيم بن تاج الأمناء أخبره الحافظ أبو القاسم بن عساكر أنبأنا
أبو محمد بن الأكفاني أنا أبو محمد الحسن بن علي بن عبد الصمد الكلاعي أنا تمام بن
محمد أخبرني أبي حدثني أبو الحسن علي بن شيبان الدينوري أخبرني محمد بن
عبد الرحمن الدنيوري عن رجل أظنه الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي: سمعت
سفيان بن عيينة يقول: إن العالم لا يماري ولا يداري ينشر حكمة الله فإن قبلت حمد الله
وإن ردت حمد الله وبعد فقد رفع إلي أن رجلاً خربة بجوار مسجد وبنى بها مخازن ثم إنه
قصرها على سكنى من يعدها للفساد فيسكن فيها جماعة بعضهم عزاب وبعضهم متزوجون
وعيالهم بمسكن آخر، وإنما يعدون هذا المسكن ليختلوا فيه للفساد، وأن هذا الموضع
يجتمع فيه كل يوم ثلاثاء خلق كثيرون يأتونه من أطراف البلد من نساء ورجال وشباب مرد
فيجتمعون فيه على شرب الخمر، والزنا، واللواط بحيث يدخل جماعة يباشرون الزنا،
واللواط، ويتأخر جماعة ينتظرون انتهاء النوبة إليهم، فمنهم من يقف بالدهليز، ومنهم من
يقف بالطريق، ومنهم من يجلس على باب المسجد حتى قيل إنه رؤي رجل في ذلك

١١٢
الفتاوى الفقهية / باب الغصب
المسجد ومعه صبي يلوط به وصار ذلك مشاعاً في تلك الخطة وصار المكان معروفاً بذلك
بحيث يقصد من أمكنة بعيدة لهذه الأمور، وبجوار هذا المكان الخبيث رجل مبارك يقوم في
إنكار ما يراه بحسب استطاعته، فراجع صاحب البيت في إخلائه من هؤلاء وتسكين من هو
على سيرة حميدة فأبى بعد طول المراجعة سنين رغبة في زيادة الأجرة، وكان من جملة قوله
له هذه أمة مذنبة، ثم اتفق أن أخلى الله المكان من هؤلاء بعوارض طرأت لهم ثم زالت
تلك العوارض فعادوا ليسكنوا على منوالهم فجاءني ذلك الرجل المبارك وشكا إلي هذا
الأمر فقلت له: أذهب إلى صاحب المكان وقل له إن لم يخل هؤلاء منه أفتيت بهدمه، ومن
جملة الساكنين ثم رجل جهله فوق جهل الجاهلين ومقامه أسفل سافلين فلما بلغه هذا
الكلام قال: هذا ليس بحكم الله وذهب إلى الشيخ شمس الدين اليامي فاستفتاه فأفتاه بأنه لا
يهدم وإن من قال بهدمه يلزمه التعزير ثم جاء بهذه الفتوى وصار يجلس على الدكاكين في
الأسواق ويقول فلان مجازف في دين الله وانضم إليه عصبة من نمطه فمنهم من يقول هذا
الذي أفتى به - يعني قولي بالهدم - خرق للإجماع وآخر يقول هذا جاء به من إرم ذات
العماد، وصار كل من الجهال يرمي بكلام فألفت في ذلك كتاباً سميته - رفع منار الدين
وهدم بناء المفسدين - وهذا الكتاب مختصر منه ليسهل تناوله .
فأقول: أما ما تلفظ به الجهال فإن كلام الجاهلين لا يعبأ به ولا يلتفت إليه، وأما ما
أفتى به اليامي فإنه قد كتب في صحيفة عمله وطبع عليها بطابع وسوف يعرض عليه وهو
واقف على الصراط فيقرؤه ويطلب منه الخروج من عهدته يوم لا ينفع جاه ولا تعصب،
وأما الذي أفتيت أنا به فهو الذي وردت به الأحاديث وثبت عن الصحابة والتابعين ونص
عليه العلماء من أئمة المذاهب الأربعة ولم تزل عليه الخلفاء والملوك وولاة الأمور سلفاً
وخلفاً، وها أنا أبين ذلك.
ذكر الأحاديث المرفوعة
أخرج البخاري، ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَالر: ((إن
أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو
حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال
معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) استدل بهذا
الحديث من قال بأن الجماعة فرض عين وهم عطاء، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وداود،
وأبو ثور، وابن المنذر، وابن خزيمة، وابن حبان - الأربعة من أصحابنا، قال النووي في
شرح المهذب: والصحيح أنها فرض كفاية، والجواب عن الهم بتحريق بيوتهم ما أجاب به
الشافعي وغيره أن هذا ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة ولا يصلون فرادى قال:
وسياق هذا الحديث يؤيد هذا التأويل، قلت: إذا تأمل المنصف هذا الكلام عرف منه أن
الإمام الشافعي رضي الله عنه قائل بجواز العقوبة بتحريق البيوت فإنه لم ينكر سوى

١١٣
الفتاوى الفقهية / باب الغصب
الاستدلال بالحديث على فرضية الجماعة على الأعيان وقال بمقتضى الحديث في حق
المنافقين الذين لا يصلون، وأما القائلون بأنها فرض عين فاستدلالهم بالحديث صريح في
أنهم أيضاً قائلون بجواز تحريق البيوت على من تخلف عنها من المسلمين، وقال الرافعي
في شرح المسند: اللفظ لا يقضي كون الإحراق للتخلف فيحتمل أنه أراد طائفة مخصوصين
من صفتهم أنهم يتخلفون، فأما مطلق التخلف فإنه لا يقتضي الزجر بالإحراق قال:
ويوضحه أن الشافعي قال في الأم بعد رواية الحديث فيشبه أن يكون ما قاله من همه
بالإحراق إنما قاله في قوم تخلفوا عن صلاة العشاء لنفاق، وقال ابن فرحون المالكي:
اختلف في هذا الحديث هل هو في المؤمنين أو المنافقين؟ قال: والظاهر أنه في المؤمنين
لقوله في الرواية الأخرى: ((ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليس لهم عذر فأحرقها عليهم))
والمنافقون لا يصلون في بيوتهم قال: وفائدة قوله ((لقد هممت)) تقديم الوعيد والتهديد على
العقوبة لأن المفسدة إذا ارتفعت واندفعت بالأخف من الزواجر لم يعدل إلى الأعلى انتهى.
وقال الحافظ أبو الفضل بن حجر في شرح البخاري: ذهب جماعة إلى أن الحديث ورد
في المنافقين، والذي يظهر لي أن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر بدليل قوله في رواية
أبي داود: ((ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة))، فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق
معصية لا كفر لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا
في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، نبه عليه القرطبي، قال: ثم إنه قد
يستدل بالحديث لكون الجماعة فرض كفاية، إذ يحتمل أن يقال التهديد بالتحريق المذكور
يمكن أن يقع في حد تاركي فرض الكفاية كمشروعية قتالهم، وقال ابن دقيق العيد في
الحديث إنه ◌َّي و لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، وأما كونه ترك ولم يفعل فلاحتمال
أنهم انزجروا بذلك وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، قال الحافظ ابن حجر: وقد جاء في
بعض الطرق بيان سبب الترك وهو ما أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ: ((لولا ما في
البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار))
فهذا كلام الأئمة على هذا الحديث من الإمام الشافعي فمن بعده فإن قيل التحريق بالنار
منسوخ قلنا في الأدمي والحيوان فقط، وقد نص أصحابنا في باب السير على جواز تحريق
شجر الكفار وهدم بنائهم إذا دعت ضرورة لذلك، وقد ورد هذا الحديث من رواية جماعة
من الصحابة فأخرج ابن ماجه عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله وَالقر: ((لينتهين رجال
عن ترك الجماعة أو لأحرقن بيوتهم)) وأخرج أحمد، والنسائي عن زيد بن ثابت ((أن
رسول الله ﴿ كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصَّفَّان والناس في
قايلتهم وتجارتهم فأنزل الله: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَاتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِنِتِينَ
[البقرة: ٢٣٨] فقال رسول الله وَلهو: ((لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم)) وأخرج أحمد بسند
صحيح عن ابن أم مكتوم ((أن رسول الله وَ﴿ أتى المسجد فرأى في القوم رفقة فقال: ((إني
لأهم أن أجعل للناس إماماً ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا

١١٤
الفتاوى الفقهية / باب الغصب
أحرقته عليه)) وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أنس بن مالك أن النبي وَلّ قال:
((لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس في جماعة ثم أنصرف إلى قوم سمعوا النداء فلم
يجيبوا فأضرمها عليهم ناراً) وأخرج الحاكم في مستدركه عن ابن مسعود. أن النبي ◌َّ قال
لقوم يتخلفون عن الجمعة: ((لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أحرق على قوم
يتخلفون عن الجمعة بيوتهم)) وأخرج ابن مردوية في تفسيره عن ابن عباس قال: ((دعا
رسول الله وَر مالك بن الدخشم(١) فقال: أخرج لهذا المسجد، فقال مالك لعاصم: انظرني
حتى أخرج إليك بنار من أهلي فدخل على أهله فأخذ سعفات من نار وخرجوا يشتدون حتى
دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدموه وخرج أهله فتفرقوا عنه)) وأخرج ابن إسحاق،
وابن مردويه عن أبي رهم كلثوم بن الحصين وكان من أصحاب الشجرة قال: ((دعا
رسول الله خير مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي أخا عاصم بن عدي فقال: انطلقا إلى هذا
المسجد الظالم أهله فاهدماه وأحرقاه فخرجا سريعين فقال مالك لمعن: انظرني حتى أخرج
إليك فدخل إلى أهله وأخذ سعفاً من النخل فأشعل فيه ناراً ثم خرجا يشتدان حتى أتيا
المسجد وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه)) وأخرج ابن جرير من طريق ابن إسحاق عن
الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم قالوا:
((أقبل رسول الله وَلهو من تبوك وكان أصحاب مسجد الضرار قد أتوه وهو متجهز إلى تبوك
فقالوا يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة في الحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية
وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال: إني على جناح سفر وحال شغل ولو قدمنا أتيناكم
إن شاء الله فصلينا لكم فيه فلما نزل بذي أوان - بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار - وأتاه
خبر المسجد فدعا رسول الله وَّي مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي
أو أخاه عاصم بن عدي أخا بني العجلان فقال: انطلقا إلى هذا الظالم أهله فاهدماه وحرقاه
فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار
من أهلي فدخل أهله فأخذ سعفاً من النخل فأشعل فيه ناراً ثم خرجا يشتدان حتى دخلا
المسجد وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ونزل فيهم من القرآن ما نزل)) وأخرج ابن
المنذر في تفسيره من وجه آخر عن محمد بن إسحاق مثله، وأخرج البيهقي في دلائل النبوة
من طريق ابن إسحاق عن ثقة من بني عمرو بن عوف مرسلاً مثله، وأخرج أبو داود،
والترمذي، والحاكم وصححه من طريق صالح بن محمد بن زائدة قال: ((دخل مسلمة أرض
الروم فأتى برجل قد غل فسأل سالماً عنه فقال: سمعت أبى يحدث عن عمر عن النبي وَّ
قال: إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه قال فوجدنا في متاعه مصحفاً فسئل
سالم عنه فقال بعه وتصدق بثمنه)). وأخرج الحاكم وصححه من طريق عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده قال: «دخلت يوماً على رسول الله وَ ﴿ وعلي ثوبان معصفران فقال ما هذان؟
(١) هو بضم الدال المهملة والمعجمة بينهما خاء معجمة، ويقال بالنون بدل الميم، كما في الإصابة.

١١٥
الفتاوى الفقهية / باب الغصب
قلت صنعتهما لي أم عبد الله، قال: أقسمت عليك لما رجعت إليها فأمرتها أن توقد لهما
التنور ثم تطرحهما فيه فرجعت إليها ففعلت)) وأخرج مسلم، والنسائي من طريق طاوس عن
عبد الله بن عمرو قال: ((رأى النبي وَّ علي ثوبين معصفرين قال: أمك أمرتك بهذا قلت:
أغسلهما؟ قال: ((بل احرقهما)) قال النووي في شرح مسلم: الأمر بإحراقهما عقوبة وهتك
لزجره وزجر غيره عن مثل هذا الفعل.
ذكر ما ورد عن الصحابة والتابعين في ذلك
قال ابن سعد في الطبقات في ترجمة عمر بن الخطاب قالوا: إن عمر أول من ضرب في
الخمر ثمانين واشتد على أهل الريب والتهم وأحرق بيت رويشد الثققي وكان حانوتاً قال ابن
سعد: والنباذ بالمدينة يسمى الحانوت، وقال ابن سعد أيضاً في ترجمة إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف: أخبرنا يزيد بن هرون، ومعن بن عيسى، ومحمد بن إسماعيل بن
أبي فديك قالوا: حدثنا ابن أبي ذئب عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عمر بن الخطاب حرق
بيت رويشد الثقفي وكان حانوتاً للشراب وكان عمر قد نهاه فلقد رأيته يتلهب كأنه جمرة،
أخرجه الدولابي في الكنى من وجه آخر عن سعد بن إبراهيم، ورويناه أيضاً في نسخة
إبراهيم بن سعد راوية كاتب الليث عنه، وقال عبد الرزاق في المصنف: أنا عبد الله بن عمر
عن نافع عن صفية ابنة أبي عبيد، ومعمر عن نافع عن صفية قالت: وجد عمر رضي الله عنه
في بيت رجل من ثقيف خمراً وكان قد جلده في الخمر فحرق بيته وقال ما اسمك؟ قال:
رويشد، قال: بل أنت فويسق، وأخرج عن عبد القدوس عن نافع قال: وجد عمر في بيت
رويشد الثقفي خمراً فحرق بيته وقال: ما اسمك؟ قال: رويشد، قال: بل أنت فويسق،
وقال ابن أبي شيبة في المصنف ثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن شبيل
عن أبي عمرو الشيباني قال: بلغ عمر بن الخطاب أن رجلاً أثرى في بيع الخمر فقال:
اكسروا كل آنية له وسيروا كل ماشية له، وقال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا محمد بن عمر
حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه عن حبيب بن عمير عن مليح بن عوف
السلمي قال: بلغ عمر بن الخطاب أن سعد بن أبي وقاص صنع باباً مبوباً من خشب على
باب داره وخص على قصره خصاً من قصب فبعث محمد بن مسلمة وأمرني بالمسير معه
وقد أمره أن يحرق ذلك الباب وذلك الخص فانتهينا إلى دار سعد فأحرق الباب والخص،
وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا مسكين بن ميمون ثنا عروة بن رويم قال: بينا
عمر بن الخطاب يتصفح الناس يسألهم عن أهل أجنادهم إذ مر بأهل حمص فقال: كيف
أنتم وكيف أميركم؟ فقالوا: خيراً يا أمير المؤمنين إلا أنه بنى علية يكون فيها فكتب كتاباً
وأرسل إليه بريداً وأمره إذا جئت باب عليته فاجمع حطباً وأحرق باب عليته، فلما قدم جمع
حطباً وأحرق باب العلية فأخبروه فقال دعوه فإنه رسول أمير المؤمنين. وقال ابن

١١٦
الفتاوى الفقهية / باب الغصب
عبد الحكم في فتوح مصر: حدثنا شعيب عن الليث، وعبد الله بن صالح عن الليث عن
يزيد بن أبي حبيب قال: أول من بنى غرفة بمصر خارجة بن حذافة فبلغ ذلك عمر بن
الخطاب فكتب إلى عمرو بن العاصي: سلام عليك أما بعد فإنه بلغني أن خارجة بن حذافة
بنى غرفة ولقد أراد خارجة أن يطلع على عورات جيرانه فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها إن شاء
الله والسلام. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف من طريق سعد بن إبراهيم عن أبيه قال:
دخل عبد الرحمن بن عوف ومعه ابن له عليه قميص حرير على عمر فشق القميص.
فهذه آثار صحيحة عن عمر بن الخطاب في هدم بيوت الخمارين وإتلاف أمكنة الفساد
إذا تعينت طريقاً لإزالة الفساد، وقد فعل ذلك في خلافته والصحابة يومئذ متوافرون ولم
ينكره أحد منهم فكان ذلك إجماعاً وقد قال النبي بَلقر: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر
وعمر)) وقال البخاري في الأدب المفرد: حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني معن حدثني ابن
المنكدر عن أبيه عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير بن عبد الله أن رجلين اقتمرا على ديكين
على عهد عمر فأمر عمر بقتل الديكة فقال له رجل من الأنصار: أتقتل أمة تسبح؟ فتركها،
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عثمان بن عفان أنه قال في النرد: لقد هممت أن آمر
بحزم حطب ثم أرسل إلى بيوت الذين هم في بيوتهم فأحرقها، وأخرج سعيد بن منصور،
والبيهقي عن الحسن أن عثمان بن عفان كان يأمر بذبح الحمام التي يلعب بها، فهذان أثران
عن عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين وقد قال النبي ◌َّر: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» وقد فعل ذلك عثمان وقاله في قصة
النرد ولم ينكر عليه أحد والصحابة يومئذ متوافرون فكان إجماعاً مع أن اللعب بالحمام ليس
من المحرمات، وأخرج البيهقي عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنت جالساً مع عبد الله بن
مسعود فأتاه ابن له قد ألبسته أمه قميصاً من حرير وهو معجب به فقال: يا بني من ألبسك
هذا؟ قال: أمي قال أدنه فدنا منه فشقه ثم قال: أذهب إلى أمك فلتلبسك ثوباً غيره، وأخرج
ابن أبي شيبة من طريق المهاجر بن شماس عن عمه قال: رأى ابن مسعود ابناً له عليه قميص
من حرير فشقه وقال: إنما هذا للنساء، وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جحيف قال: انطلقت
مع عبد الله حتى أتيت داره فأتاه بنون له عليهم قمص حرير فحرقها وقال: انطلقوا إلى أمكم
فتلبسكم غير هذا، وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، والبيهقي عن ابن الزبير أنه خطب
بمكة فقال: بلغني عن رجال يلعبون بلعبة يقال لها النردشير إني أحلف بالله لا أوتي بأحد
يلعب بها إلا عاقبته في شعره وبشره وأعطيت سلبه من أتاني به. وأخرج ابن أبي الدنيا،
والبيهقي عن مجاهد قال: مر ابن عمر بقوم يلعبون بالشهاردة فأحرقها بالنار، وأخرج
البيهقي عن مالك أنه قال: الشطرنج من النرد بلغنا عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم
فأحرقها. وقال أبو نعيم في الحلية: حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا
أحمد بن زيد الخزاز ثنا ضمرة ثنا أكدين بن سليمان أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى عامله
عبد الله بن عوف على فلسطين أن اركب إلى البيت الذي يقال له المكس فاهدمه ثم احمله

١١٧
الفتاوى الفقهية / باب الغصب
إلى البحر فانسفه في اليم نسفاً. وقال ابن جرير في تفسيره: ثنا ابن حميد ثنا هارون عن أبي
جعفر عن ليث أن شقيقاً لم يدرك الصلاة في مسجد بني غاضرة فقيل له مسجد بني فلان لم
يصلوا بعد فقال: لا أحب أن أصلي فيه فإنه بني على ضرار وكل مسجد بني ضراراً أو رياء
أو سمعة فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني على ضرار.
ذكر نقول العلماء من أئمة المذاهب الأربعة في ذلك
قال الشيخ تاج الدين السبكي في الطبقات الوسطى في ترجمة الاصطخري أحد أئمة
أصحابنا الشافعيين أصحاب الوجوه ما نصه: ولي الحسبة ببغداد وأحرق طلق اللعب من
أجل ما يعمل فيه من الملاهي، وقال في الطبقات الكبرى في ترجمة الإصطخري أيضاً من
أخباره في حسبته إنه كان يأتي إلى باب القاضي فإذا لم يجده جالساً يفصل القضايا أمر من
يستكشف عنه هل به عذر من أكل أو شرب أو حاجة الإنسان ونحو ذلك؟ فإن لم يجد به
عذراً أمره بالجلوس للحكم، ومنها أنه أحرق مكان الملاهي من أجل ما يعمل فيه من
الملاهي، قال ابن السبكي: وهذا منه دليل على أنه كان يرى جواز إتلاف مكان الفساد إذا
تعين طريقاً - هذه عبارة ابن السبكي، وقد نقل الماوردي في الأحكام السلطانية فعل
الاصطخري ولم ينكره، وقال أيضاً في الأحكام السلطانية: يمتاز والي الجرائم على القضاة
بأوجه: منها أن له فيمن تكررت منه الجرائم ولم ينزجر بالحدود استدامة حبسه إذا أضر
الناس بجرائمه حتى يموت، ومنها أن له أخذ المجرم بالتوبة قهراً ويظهر له من الوعيد ما
يقوده إليها طوعاً ويتوعده بالقتل فيما لا يجب فيه القتل.
وقال الغزالي في الإحياء: درجات النهي عن المنكر سبعة: الأولى التخويف بلطف أن
ذلك حرام وذلك للجاهل. الثانية: النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله. الثالثة: السب
والتعنيف بالقول الغليظ الخشن وذلك يعدل إليه عند العجز عن المنع باللطف وظهور
مبادىء الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح. الرابعة: التغيير باليد ككسر آلات الملاهي،
وإراقة الخمر ونحو ذلك. الخامسة: التهديد والتخويف كقوله: دع عنك هذا أو لأكسرن
رأسك أو لأضربن رقبتك. السادسة: مباشرة الضرب باليد والرجل وغير ذلك بلا شهر
سلاح وذلك جائز للآحاد بشرط الضرورة والأقتصار على قدر الحاجة في الدفع. السابعة :
أن يحتاج إلى أعوان يشهرون السلاح وفي احتياج هذا إلى إذن الإمام خلاف فقال قائلون:
يحتاج إليه لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن، وقال آخرون: لا يحتاج إلى إذن وهو الأقيس لأن
منتهاه تجنيد الجنود في رضاء الله ودفع معاصيه ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا
ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار قمعاً لأهل الكفر، فكذلك قمع أهل الفساد جائز، لأن
الكافر لا بأس بقتله فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله، والمقتول من القائمين
في حرب الفريقين شهيد، ثم قال الغزالي: فإن قلت: فليجز للسلطان زجر الناس عن
المعاصي بإتلاف أموالهم وتخريب دورهم التي فيها يشربون وإحراق أموالهم التي بها

١١٨
الفتاوى الفقهية / باب الغصب
يتوصلون للمعاصي فاعلم أن ذلك إن ورد الشرع به لم يكن خارجاً عن سنن المصالح
والمصالح يتبع فيها ولا يبتدع هذا كلام الغزالي.
فعلق القول به على وروده من الشرع لأنه لم يقف فيه على حديث، وقد صحت به
الأحاديث والآثار عن الخلفاء الراشدين فإن قيل: التعزير بإتلاف المال منسوخ في مذهبنا
قلت: محل ذلك فيما لم يتعين طريقاً لإزالة الفساد، أما ما تعين طريقاً لإزالته فإنه غير
منسوخ فيه ولهذا فعله عمر بن الخطاب وغيره من الخلفاء الراشدين وهلم جرا، وقد نص
أصحابنا على مثل ذلك في فروع: منها قولهم يجوز كسر أواني الذهب والفضة لتحريم
استعمالها واتخاذها، ومنها قولهم: إن آلات الملاهي تكسر وهو متفق عليه عندنا، ومنها
قال الغزالي في الإحياء: للولاة كسر الظروف التي فيها الخمور زجراً وتأديباً دون الآحاد
قال: وقد فعل ذلك في زمن رسول الله ومقر تأكيداً للزجر ولم يثبت نسخه هذا كلام
الغزالي، قال الإسنوي، في شرح المنهاج بعد نقله : - وهو من النفائس المهمات فانظر إلى
قوله: ولم يثبت نسخه كيف صرح بأن هذا القسم مما لم يجر فيه النسخ وإن جرى في
القسم الآخر. ومنها قال الغزالي في الإحياء في إراقة الخمور للآحاد: ولو كانت الخمر في
قوارير ضيقة الرؤوس ولو اشتغل بإراقتها لأدركه الفساق ومنعوه أو لم يخف ذلك لكن كان
فيه تضييع زمانه وتعطيل شغله فله كسرها، إذا ليس عليه أن يضيع منفعة بدنه وغرضه من
أشغاله لأجل ظروف الخمر - نقله الإسنوي. وارتضاه - ومنها قال الغزالي في الإحياء: لو
کانت آنية من بلور أو زجاج على صورة حيوان وفي کسرها خسران مال کثیر جاز كسرها،
ومنها قال الغزالي في الإحياء: لو أخبره عدلان ابتداء من غير استخبار أن فلاناً يشرب
الخمر في داره، أو بأن في داره خمراً أعده للشرب فله إذ ذاك أن يدخل داره ولا يلزمه
الاستئذان ويكون قد تخطى ملكه بالدخول للتوصل إلى دفع المنكر ككسر رأسه بالضرب
للمنع مهما احتاج إليه، ومنها قال الغزالي: يتوقى في إراقة الخمور كسر الأواني، وفي
النهي عن لبس الحرير تمزيق الثوب إن وجد إلى ذلك سبيلاً، فإن لم يقدر إلا بالكسر
والتمزيق فله ذلك وسقطت قيمة الظرف ويقومه بسبب الخمر إذا صار حائلاً بينه وبين
الوصول إلى الخمر ولو ستر الخمر ببدنه لكنا نقصد بدنه للضرب والجرح لنتوصل إلى إراقة
الخمر فإذا لا تزيد حرمة ملكه على حرمة نفسه انتهى .
وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه في صفر سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة بلغ
الخليفة المقتدر بالله أن جماعة من الرافضة يجتمعون في مسجد نراثا فينالون من الصحابة
ولا يصلون الجمعة ويكاتبون القرامطة ويدعون إلى ولاية محمد بن إسماعيل الذي بين
الكوفة وبغداد ويدعون أنه المهدي ويتبرؤون من المقتدر ومن تبعه فأمر بالاحتفاظ عليهم
واستفتى العلماء في المسجد المذكور فأفتوا بأنه مسجد ضرار يهدم كما هدم مسجد الضرار
فأمر الخليفة بهدم المسجد المذكور كما أفتى بذلك العلماء فهدمه نازوك صاحب الشرطة
وأمر الوزير الخاقاني فجعل مكانه مقبرة فدفن فيه جماعة من الموتى.

١١٩
الفتاوى الفقهية / باب الغصب
وقال ابن عطية في تفسيره: روي أن مسجد الضرار لما هدم وأحرق اتخذ مزبلة يرمى
فيه الأقذار والقمامات قال: وروي أن رسول اللهمَّل﴿ لما نزلت: ﴿لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾
[التوبة: ١٠٨] كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد، وقال صاحب عيون التفاسير: كل
مسجد بني مباهاة ورياء وسمعة أو لغرض غير وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد
الضرار، وذكر نحو ذلك الكواشي في تفسيره وهو من الشافعية. والشهاب الأياسلوغي في
تفسيره وهو من الحنفية، وقال القرطبي في تفسيره ما نصه قال علماؤنا: لا يجوز أن يبنى
مسجداً إلى جنب مسجد ويجب هدمه والمنع من بنائه لئلا يتضرر المسجد الأول فيبقى
شاغراً إلا أن تكون المحلة کبیرة فلا یکفي أهلها مسجد واحد فیبنی حينئذ، وكذلك قالوا:
لا ينبغي أن يبنى في المصر الواحد جامعان ويجب منع الثاني ومن صلى الجمعة فيه لم
تجزئه وقد أحرق النبي ◌ّالر مسجد الضرار وهدمه.
[قال علماؤنا: وكل مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة فهو في حكم مسجد
الضرار] قلنا قال علماؤنا: وإذا كان المسجد الذي يتخذ للعبادة وحض الشرع على بنائه
يهدم وينزع إذا كان فيه ضرر فما ظنك بسواه؟ بل هو أحرى أن يزال ويهدم، هذا كله كلام
القرطبي. وقال ابن فرحون في طبقات المالكية في ترجمة الحارث بن مسكين أحد أئمة
المالكية قاضي مصر: كان عدلاً في قضائه محمود السيرة، قال محمد بن عبد الحكم: قال
ابن أبي دؤاد: لقد قام حارسكم مقام الأنبياء وقد هدم مسجداً كان بناه خرساني بين القبور
بناحية القطب في الصحراء وكان يجتمع فيه للقراءة والقصص والتعبير، قال ابن فرحون:
وبمثل هذا أفتى يحيى بن عمر في كل مسجد يبنى نائياً عن القرية حيث لا يصلي فيه أهل
القرية وإنما يصلي فيه من ينتابه، وبذلك أفتى في مسجد السبت بالقيروان، وبمثله أفتى أبو
عمران في المسجد الذي بني بجبل فاس. وقال ابن فرحون في كتابه تبصرة الحكام في
أصول الأقضية ومناهج الأحكام: التعزيز لا يختص بفعل معين ولا قول معين فقد عزر
رسول الله ﴿ بالهجر. وأمر عمر بن الخطاب بهجر صبيغ الذي كان يسأل عن مشكلات
القرآن فكان لا يكلمه أحد. وأمر رسول الله و ◌َل# بكسر دنان الخمر وشق ظروفها، ومن ذلك
إباحته سلب الصائد في حرم المدينة لمن وجده، وأمره عبد الله بن عمرو بتحريق الثوبين
المعصفرين. وأمره يوم خيبر بكسر القدور التي طبخ فيها لحوم الحمر. وهدمه لمسجد
الضرار. وأمره بتحريق متاع الغال. ويقطع نخل اليهود وتحريقها، ومن ذلك أنه ومسير بلغه أن
ناساً من المنافقين يثبطون الناس عنه في غزوة تبوك فبعث إليهم طلحة في نفر من أصحابه
وأمره أن يحرق عليهم البيت ففعل، ومن ذلك أن عمر بن الخطاب أمر بتحريق قصر
سعد بن أبي وقاص لما بلغه أنه احتجب عن الخروج للحكم بين الناس. وأمر أيضاً بتحريق
حانوت رويشد الثقفي الذي كان يبيع الخمر وقال له: أنت فويسق ولست برويشد، ومن ذلك
أنه أراق اللبن المغشوش، وغير ذلك مما يكثر تعداده، قال: وهذه قضايا صحيحة معروفة.

١٢٠
الفتاوى الفقهية / باب الغصب
وقال الإمام شمس الدين بن القيم الحنبلي: في كتاب الطرق الحكمية قد منع النبي وَله-
الغال من الغنيمة سهمه وحرق متاعه هو وخلفاؤه من بعده، ومنع القاتل من السلب لما أساء
شافعه على أمير السرية، وعزم على تحريق بيوت تاركي الجمعة والجماعة، وأمر بكسر دنان
الخمر وبكسر القدور التي طبخ فيها اللحم الحرام وبتحريق الثوبين المعصفرين، وسلك
أصحابه وخلفاؤه من بعده من ذلك ما هو معروف مشهور، فحرق عمر بن الخطاب حانوت
الخمار بما فيه، وحرق قرية يباع فيها الخمر، وحرق قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب
في قصره عن الرعية .
وسئل أستاذنا الإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي عن رجل يجمع في بيته جماعة على
الفسق فأجاب بما نصه قال الفقهاء: رجل أظهر الفسق في داره ينبغي أن يتقدم إليه أبداً
للعذر فإن كف لم يتعرض له وإن لم يكف فالإمام مخير إن شاء سجنه وإن شاء ضربه أسواطاً
وإن شاء أزعجه عن داره، وقد بالغ بعض أشياخنا حيث أمر بتخريب دار الفاسق انتهى.
وقال ابن فرحون: صرح الحنفية بقتل من لا يزول فساده إلا بالقتل وذكروا ذلك في
اللوطي إذا أكثر من ذلك يقتل تعزيراً. وفي معجم الأدباء لياقوت الحموي أن نور الدين
الشهيد لما فتح المدرسة الكبيرة بحلب استدعى البرهان البلخي إمام الحنفية في زمانه فألقى
فيها الدرس وكان الأذان بحلب على قاعدة الشيعة يزاد فيه حي على خير العمل محمد وعلي
خير البشر، فلما سمع البلخي ذلك أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الأذان وقال لهم: مروا
المؤذنين يؤذنوا الأذان المشروع ومن امتنع منهم ألقوه من فوق المنارة على رأسه ففعلوا فلم
يعد أحد يؤذن على ذلك.
وقال ابن كثير في سنة تسع وسبعمائة: برزت المراسيم السلطانية المظفرية بيبرس إلى
نواب البلاد الساحلية بإبطال الخمور وتخريب الحانات ففعل ذلك وفرح المسلمون فرحاً
كثيراً ولله الحمد.
وقال الذهبي في العبر في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة: خرب البازار المعد للفاحشة
ببغداد من أوله إلى آخره وما يعلم ما غرم على بنائه إلا الله تعالى من عظمه ولله الحمد،
وقال غيره في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة خرب آل ملك نائب السلطنة خزانة النبوذ وأراق
خمورها وكانت دار فسق وفجور، وقال الحافظ ابن حجر في أنباء الغمر في سنة ثلاث
وسبعين وسبعمائة: شدد منجك نائب الشام على أهل اللهو وأمر بقطع الأشجار الصفصاف
التي بين النهرين وبتحريق المكان الذي بالسوق الأعلى وأزال المنكرات منه ومن الذي فوق
الجهة وهدم الأبنية والحوانيت التي هناك.
قلت : : وما زال هذا دأب الخلفاء، والملوك سلفاً وخلفاً من عهد الصحابة وهلم جرا
والعلماء يفتونهم بذلك من غير نكير، ومن طالع تواريخ الأمة وقف على ذلك وعلمه علم
اليقين وقد قلت في هذه الواقعة:
يقول ربع الفسق ما مسلم مماله أرصدت يرضاني