Indexed OCR Text

Pages 401-420

٣٨٨
الحاوى للفتاوى
الى مثلها من الغد ، وأخرج اسحق بن راهويه فى مسنده من طريق الزهرى قال: أتى أبو بكر
الصديق بغراب وأفر الجناحين فقال: سمعت رسول الله محمدالش ◌َّم يقول: ماصيد صيدولا عضدت
حضاه ولا قطعت وشيجة (١) إلا بقلة التسبيح، وأخرجه أبو الشيخ فى كتاب العظمة. من طريق
ابن عون بن مهران عن أبى بكر موقوفاً ، وأخرج أبو نعيم فى الحلية مثله من حديث أبى هريرة،
وأبو الشيخ فى العظمة نحوه من حديث أبى الدرداء مرفوعاً ما أخذ طائر ولا حوت الا بتضييع
التسبيح، ومن حديث أنس مرفوعا آجال البهائم كلها وخشاش الأرض فى التسبيح فاذا انقضى
تسبيحها قبض الله أرواحها ، ومن حديث يزيد بن مرتدمرفوعا لا يصاد شىء من الطير والحيتان
الابما يضيع من تسيح الله .
وأما تفضيل الذكر على الصدقة ففيه أحاديث كثيرة مرفوعة وموقوفة فمن الموقرفة ما أخرجه
الحاكم. والترمذى عن أبى الدرداء مرفوعا ( ألا انتكم بخير أعمالكم وأزهها عند مليككم
وأرفعها فى درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم
ويضربوا أعناقكم قالوا: وما ذاك يارسول الله؟ قال: ذكر الله)) وأخرج الترمذى عن أبى
سعيد الخدرى أن رسول الله مع الجالية ((سئل أى العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة ؟ قال:
الذاكرون الله كثيرا قلت يارسول الله ومن الغازى فى سبيل الله؟ قال: لو ضرب بسيفه فى
الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان الذا كرون الله أفضل منه درجة)» وأخرج
الحاكم عن البراء مر فوعا ((من قال: لاإله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو
على كل شىء قدير عشر مرات فهو كمعتق نسمة)) وأخرج البيهقى فى شعب الايمان من طريق
أنس مرفوعا «لأن اقعدمع قوم يذكرون الله منذ صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلىّ
من أن اعتق أربعة من ولد اسماعيل ))*
ففى هذين عدل الذكر بالعتق وتفضيله عليه. ومن الموقوفات ، أخرج ابن أبى شيبة فى المصنف
عن ابن مسعود قال: (( لأن أسبح آسبیحات أحب الى من أن أنفق بعددهن دنائیر فی سبيل
الله)) وأخرج عنه قال: ((لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب
الى من أن أتصدق بعددها دنانير)) وأخرج عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((لأن أقول
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر أحب إلىّ من أن احمل على عدتها من خيل
بأرسانها، وأخرج عن ابن عمر قال: ((ذكر الله بالغداة والعشى أعظم من حطم السيوف
فى سبيل الله واعطاء المال سحاً)) وأخرج عن أبى الدرداء قال: ((لأن أسبح مائة تسبيحة
أحب إلىّ من أن اتصدق بمائة دينار على المساكين)) وأخرج عن معاذ بن جبل قال: ((لو
(١) الوشيجة -- بالجيم - ما التفمن شجر

٣٨٩
الاحاديث الواردة فى فضل الذكر
أن رجلين أحدهما يحمل على الجيادفى سبيل الله والآخر يذكر الله لكان الذاكرأعظم وأفضل
أجراً)) وأخرج عنه قال: ((لأن اذكر الله من غدوة حتى تطلع الشمس أحب إلى من أحمل
على الجياد فى سبيل الله)) وأخرج عن عبادة بن الصامت مثله، وأخرج عن سلمان الفارسى
قال: ((لو بات رجل يعطى القيان البيض وبات آخر يقرأ القرآن أو يذكر الله لرأيت أن ذاكر
الله افضل)) واخرج عن ابن عمرو قال: (( لو أن رجلين أقبل احدهما من المشرق والآخر
من المغرب مع أحدهما ذهب لا يضع منه شيئا الا فى حق والآخر يذكر الله حتى يلتقيا فى طريق
كان الذى يذكر الله أفضلهما)» فهؤلاء سبع صحابة صرحوا بتفضيل الذكر على الصدقة، ومن
أقوال غير الصحابة أخرج ابن أبى شيبة عن أبى الأحوص قال: ((لتسبيحة فى طلب حاجة خير من
لقوح صفى (١) فى عام أزبة أولزبة (٢)) وأخرج عن أبى بردة قال: ((لو أن رجلين أحدهما
فى حجره دنانير يعطيها والآخر يذكر الله كان ذاكر الله افضل)) والآثار فى هذا المعنى كثيرة
وفما أوردناه كفاية *
ومما استدل به على تفضيل الذكر على سائر العبادات انه لم يرخص فى تركه فى حال من الأحوال
- اخرج ابن جرير فى تفسيره عن قتادة قال: ((افترض الله ذكره عند أشغل ما تكونوا عند
الضراب بالسيوف فقال: ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم
تفلحون))، والله اعلم .
٤٤ (نتيجة الفكر فى الجهر فى الذكر* بسم الله الرحمن الرحيم)
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، سألت أكرمك الله عما اعتاده السادة
الصوفية من عقد حلق الذكر والجهربه فى المساجد ورفع الصوت بالتهليل وهل ذلك مكروه أولا؟*
الجواب - انه لا كراهة فى شىء من ذلك وقد وردت أحاديث تقتضى استحباب الجهر
بالذكر. واحاديث تقتضى استحباب الاسرار به والجمع ينهما أن ذلك يختلف باختلاف الاحوال
والأشخاص ما جمع النووى بمثل ذلك بين الأحاديث الواردة باستحباب الجهر بقراءة القرآن
[ والأحاديث ] الواردة باستحباب الاسرار بها وما أنا ابين ذلك فصلا فصلا.
﴿ ذكر الأحاديث الدالة على استحباب الجهر بالذكر تصريحا أو التزاما )
(الحديث الأول)أخرج البخارى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صَّ اله((: يقول
الله : أنا عندظن عبدى بى وانا معه اذا ذكرنى فإن ذكرني فى نفسه ذكرته فى نفسى وازذ كرنى
في ملأ ذكرته فى ملاُ خير (٣) منه)» والذكر في الملا لا يكون الا عن جهره
﴿ الحديث الثانى) أخرج البزار. والحاكم فى المستدرك وصححه عن جابر قال: ((خرج
(١) الصفى. الناقة الغزيرة اللبن وكذلك الشاة (٢) أي شدة جدب ومحل، كما فى النهاية،; (٣) في نسخة
( أعلي ) مكان ( خير )

٣٩٠
الحاوى للفتاوى
علينا النبى عَّ الله فقال: يا ايها الناس ان الله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر
فى الأرض فارتعوا فى رياض الجنة قالوا : وأين رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر فاغدوا
وروحوا فى ذكر الله)) .
﴿ الحديث الثالث) أخرج مسلم. والحاكم واللفظ له عن أبى هريرة قال : قال رسول الله
صَلى الله. وان لله ملائكة سيارة وفضلاء يلتمسون مجالس الذكر فى الأرض فإذا أتوا على مجلس
ذكر حف بعضهم بعضاباً جنحتهم الى السماء فيقول الله: من اين جئتم؟ فيقولون جئنا من
عند عبادك يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويهللونك، يسألونك ويستجيرونك فيقول ما يسألون
وهو أعلم فيقولون يسألونك الجنة فيقول: وهل رأوها فيقولون: لا يارب فيقول
فكيف لو رأوها ثم يقول ومم يستجيرونى؟ وهو أعلم بهم فيقولون من النار فيقول وهل
رأوها فيقولون لا فيقول فكيف لو رأوها ثم يقول اشهدوا أنى قد غفرت لهم وأعطيتهم
ما سألونى وأجرتهم بما استجارونى فيقولون ربنا ان فيهم عبداً خطاء جلس اليهم وليس منهم
فيقول وهو أيضا قد غفرت له هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)) *
﴿ الحديث الرابع) أخرج مسلم. والترمذى عن أبى هريرة. وأبى سعيد الخدرى
رضى الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله وَالَّة: ((ما من قوم يذكرون الله إلا حفتهم
الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده)) *
﴿الحديث الخامس) أخرج مسلم والترمذى عن معاوية ((أن النبي ◌ُ ◌ّه خرج
على حلقة من أصحابه فقال: ما يجلسكم ؟ قالوا: جلسنا تذكر الله وتحمده فقال: إنه أثانى
جبريل فأخبرنى أن الله يباهى بكم الملائكة » .
(الحديث السادس) أخرج الحاكم وصححه . والبيهقى فى شعب الإيمان عن أبى سعيد
الخدرى قال: قال رسول اللّه عَ اله: ((أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون)) .
﴿ الحديث السابع) أخرج البيهقى فى شعب الإيمان عن أبى الجوزاء رضى الله عنه
قال: قال رسول الله يخ فى: ((أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون انكم مراءون)) - مرسل،
ووجه الدلالة من هذا والذى قبله أن ذلك إنما يقال عند الجهر دون الاسرار.
﴿الحديث الثامن) أخرج البيهقى عن أنس قال: قال رسول الله الله: ((إذا مررتم
برياض الجنة فارتعوا قالوا: بارسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر)).
﴿ الحديث التاسع) أخرج بقى بن مخلد عن عبد الله بن عمرو ((أن النبي عجز ية مر
بمجلسين أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون اليه والآخر يعلمون العلم فقال: لا المجلسين خبر
وأحدهما أفضل من الآخر )) .

٣٩١
الأحاديث الواردة فى فضل الذكر
﴿ الحديث العاشر) أخرج البيهقى عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله عبدالله:
« مامن قوم اجتمعوا يذكرون الله إلا ناداهم مناد من السماء قوموا مغفورا لكم قد
بدلت سيئاتكم حسنات)*
﴿الحديث الحادى عشر) أخرج البيهقى عن أبى سعيد الخدرى عن النبى محمد الفل اني قال:
((يقول الرب تعالى يوم القيامة : سيعلم أهل الجمع اليوم من أهل المكرم فقيل ومن أهل الكرم
يارسول الله؟ قال: مجالس الذكر فى المساجد» .
﴿ الحديث الثانى عشر) أخرج البيهقى عن ابن مسعود قال : ان الجبل لينادى الجبل
باسمه يافلان هل مر بك اليوم لله ذاكر ؟ فان قال نعم استبشر ثم قرأ عبد الله (لقد جئتم
شيئا إداً تكاد السموات يتفطرن منه) الآية وقال أيسمعون الزور ولا يسمعون الخير .
﴿ الحديث الثالث عشر ) أخرج ابن جرير فى تفسيره عن ابن عباس فى قوله :
( فما بكت عليهم السماء والأرض ) قال : ان المؤمن اذا مات بكى عليه من الأرض الموضع
الذى كان يصلى فيه ويذ كو الله فيه، وأخرج ابن أبى الدنيا عن أبى عبيد قال: إن المؤمن اذا
مات نادت بقاع الأرض عبد الله المؤمن مات فتبكى عليه الأرض والسماء فيقول الرحمن :
ما يبكيكما على عبدى فيقولون ربنا لم يمش فى ناحية منا قط إلا وهو يذكرك « وجه الدلالة
من ذلك أن سماع الجبال والأرض للذكر لا يكون إلا عن الجهر به .
( الحديث الرابع عشر) أخرج البزار . والبيهقى بسند صحيح عن ابن عباس قال :
قال رسول اللّه مَ اتَّليلةٍ: ((قال الله تعالى: عبدى اذا ذكرتنى خاليا ذكرتك خاليا وان ذكرانى
فى ملأُ ذكرتك فى ملاً خير منهم وأكثر)) .
﴿ الحديث الخامس عشر) أخرج البيهقى عن زيد بن أسلم قال: قال ابن الأدرع
(( انطلقت مع النبي ◌ُ ◌ّه ليلة فر برجل فى المسجد يرفع صوته قلت: يارسول الله على أن
يكون هذا مرائيا؟ قال: لا ولكنه أواه، وأخرج البيهقى عن عقبة بن عامر «أن رسول الله
عَالخلق قال لرجل يقال له ذو البجادين (١) إنه أواه وذلك أنه كان يذكر الله))، وأخرج
البيهقى عن جابر بن عبد الله أن رجلا كان يرفع صوته بالذكر فقال رجل: لو أن هذا
خفض من صوته فقال رسول الله عَ ليه: دعه فإنه أواه)) .
﴿ الحديث السادس عشر) أخرج الحاكم عن شداد بن أوس قال: «أنا لعند النى
وَ الدَّ اذ قال: ارفعوا أيديكم فقولوا لا إله الا الله ففعنا فقال رسول الله مدلَّ له: اللهم انك
بعثتنى بهذه الكلمة وأمرتنى بها ووعدتنى عليها الجنة انك لا تخلف الميعاد ثم قال أبشروا فان
(١) اسمه عبد الله بن عبد نهم

٣٩٢
الحاوى للفتاوى
الله قد غفر لكم ،.
﴿ الحديث السابع عشر) أخرج البزار عن أنس عن النبى محمد لن قال: ((ان الله سيارة
من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفوا بهم فيقول الله تعالى: غشوهم برحمتى
فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم)) .
﴿ الحديث الثامن عشر) أخرج الطبرانى. وابن جرير عن عبد الرحمن بن سهل بن
حنيف قال: نزلت على رسول الله عَ الله وهو فى بعض أبياته ( واصبر نفسك مع الذين
يدعون ربهم بالغداة والعشى ) الآية خرج يلتمسهم فوجد قوما يذكرون الله تعالى منهم ثائر
الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد فلما رآهم جلس معهم وقال: الحمد لله الذى جعل فى
أمتى من أمرنى أن أصبر نفسى معهم، ٥
﴿الحديث التاسع عشر) اخرج الامام احمد فى الزهد عن ثابت قال: ((كان سلمان فى عصابة
يذكرون الله فر النبي صَّ له فكفوا فقال: ما كنتم تقولون؟ قلنا نذكر اللّه الله قال انى رأيت الرحمة
تنزل عليكم فأحببت ان اشارككمفيها ثم قال: الحمد لله الذى جعل فى امتى من أمرت ان اصبر نفسى معهم)،"
﴿ الحديث العشرون) أخرج الاصبهانى فى الترغيب عن أبى رزين العقيلى ((أن رسول الله
مَ ◌ّ قال له: ألا أدلك على ملاك الأمر الذى تصيب به خيرى الدنيا والآخرة؟ قال: بلى قال:
عليك بمجالس الذكر وإذا خلوت حرك لسانك بذكر الله).
﴿ الحديث الحادى والعشرون) أخرج ابن أبى الدنيا. والبيهقى. والأصبهانى عن أنس
قال: قال رسول الله وَ لَّلة: ((لأن اجلس مع قوم يذكرون الله بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع
الشمس أحب إلى مماطلعت عليه الشمس ولأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد العصر الى أن
تغيب الشمس أحب إلى من الدنيا وما فيها . .
﴿ الحديث الثانى والعشرون) أخرج الشيخان عن ابن عباس قال : ان رفع الصوت
بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي مَ اتَّم قال: ابن عباس كنت أعلم
اذا انصرفوا بذلك اذا سمعته *
﴿ الحديث الثالث والعشرون) أخرج الحاكم عن عمر بن الخطاب عن رسول الله مخ الفتالفقه
قال: « من دخل السوق فقال: لاإله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت
وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحاعنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف
ألف درجة وبنى له بيتا فى الجنة)) وفى بعض طرقه ((فنادى، *
﴿ الحديث الرابع والعشرون) أخرج أحمد وأبو داود، والترمذى وصححه، والنسائى.
وابن ماجه عن السائب أن رسول الله مح الهم قال: (جاءفى جبريل فقال: مراصحا بك يرفعوا

٣٩٣
الآثار الواردة في فضل الذكر
اصواتهم بالتكبير».
﴿ الحديث الخامس والعشرون) اخرج المروزى فى كتاب العيدين عن مجاهد أن
عبد الله بن عمر. وأباهريرة كاما يأتيان السوق أيام العشر فيكبران لا يأتيان السوق إلا لذلك، وأخرج
أيضا عن عبيد بن عمير قال: كان عمر يكبر فى قبته فيكبر أهل المسجد فيكبر أهل السوق حتى ترتج
منى تكبيرا، وأخرج أيضا عن ميمون بن مهران قال: أدركت الناس وأنهم ليكبرون فى العشر
حتى كنت أشبهها بالأمواج من كثرتها .
﴿فصل) إذا تأملت ما أوردنا من الأحاديث عرفت من مجموعها أنه لا كراهة البتة فى الجهر
بالذكر بل فيه ما يدل على استحبابه إماصريحا أو التزاما كما أشرنا إليه ، واما معارضته بحديث
((خير الذكر الخفى)) فهو نظير معارضة أحاديث الجهر بالقرآن بحديث المسر بالقرآن كالمسر
بالصدقة ، وقد جمع النووى بينهما بأن الاخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذى به مصلون
أو نيام والجهر أفضل فى غير ذلك لأن العمل فيه أكثر ولأن فائدته تتعدى الى السامعين ولأنه
يوقظ قلب القارىء ويجمع همه الى الفكر ويصرف سمعه اليه ويطرد النوم ويزيد فى النشاط ،
وقال بعضهم : يستحب الجهر ببعض القراءة والاسرار ببعضها لان المسر قد يمل فيأنس بالجهر
والجاهر قد يكل فيستريح بالاسرار انتهى، وكذلك نقول فى الذكر على هذا التفصيل وبه يحصل
الجمع بين الأحاديث ( فان قلت) قال الله تعالى: (واذكر ربك فى نفسك تضرعا وخيفة ودون
الجهر من القول) ﴿ قلت) الجواب عن هذه الآية من ثلاثة أوجه (الأول) الها مكية كاية
الاسراء (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) وقد نزلت حين كان النبى محمد ال يجهر بالقرآن فيسمعه
المشركون فيسبون القرآن ومن أنزله فامر بترك الجهر سداً للذريعة كما نهى عن سبب الأصنام
لذلك فى قوله تعالى: ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) وقد
زال هذا المعنى وأشار الى ذلك ابن كثير فى تفسيره (الثانى) ان جماعة من المفسرين منهم عبد
الرحمن بن زيد بن أسلم شيخ مالك. وابن جرير حملوا الآية على الذاكر حال قراءة القرآن وأنه
أمر له بالذكر على هذه الصفة تعظيما للقرآن أن ترفع عنده الاصوات ويقويه اتصالها بقوله:
( واذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) ﴿قلت) وكأنه لما أمر بالانصات خشى من ذلك
الاخلاد إلى البطالة فنبه على أنه وإن كان مأموراً بالسكوت باللسان إلا أن تكليف الذكر بالقلب
باق حتى لا يغفل عن ذكر الله ولذا ختم الآية بقوله: ( ولا تكن من الغافلين).
الثالث ماذكره الصوفية أن الأمر فى الآية خاص بالنبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم
الكامل المكمل وأما غيره ممن هو محل الوساوس والخواطر الرديئة فمأمور بالجهر لأنه أشد
تأثيرا فى دفعها ( قلت ) ويؤيده من الحديث ما أخرجه البزار عن معاذ بن جبل قال: قال
(م٥٠ - ج ١ - الحاوى)

٣٩٤
الحاوى للفتاوى
رسول الله وح القائلة: ((من صلى منكم بالليل فليجهر بقراءته فإن الملائكة تصلي بصلاته وتسمع
لقراءته وإن مؤمنى الجن الذين يكونون فى الهواء وجيرانه معه فى مسكنه يصلون بصلاته ويستمعون
قراءته وانه ينطرد بجهره بقراءته عن داره وعن الدور التى حوله فساق الجن ومردة الشياطين)*
﴿فإن قلت) فقد قال تعالى: (ادعواربكم تضرعاوخفية إنه لا يحب المعتدين) وقد فسر الاعتداء
بالجهر فى الدعاء ﴿ قلت) الجواب عنه من وجهين، أحدهما أن الراجح فى تفسيره انه تجاوز
المأمور به أو اختراع دعوة لا أصل لها فى الشرع ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه. والحالم فى
مستدركه وصححه عن أبى نعامة رضى الله عنه «أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول : اللهم انى
اسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة فقال: انى سمعت رسول الله من الله يقول: سيكون فى هذه
الأمة قوم يعتدون فى الدعاء) فهذا تفسير صحابى وهو أعلم بالمراد (الثانى) على تقدير التسليم فالآية
فى الدعاء لافى الذكر والدعاء بخصوصه الأفضل فيه الاسرار لأنه أقرب الى الاجابة ولذا قال
تعالى: (إذنادى ربه نداء خفيا) ومن ثم استحب الاسرار بالاستعاذة فى الصلاة اتفاقاً لأنها دعاءه
﴿فإن قلت) فقد نقل عن ابن مسعود أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت فى المسجد فقال:
ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد (قلت) هذا الأثر عن ابن مسعود يحتاج الى بيان
سنده ومن أخرجه من الأئمة الحفاظ فى كتبهم وعلى تقدير ثبوته فهو معارض بالأحاديث الكثيرة
الثابتة المتقدمة وهى مقدمة عليه عند التعارض ، ثم رأيت ما يقتضى انكار ذلك عن ابن مسعود
قال الامام أحمد بن حنبل فى كتاب الزهد: ثنا حسين بن محمد ثنا المسعودى عن عامر بن شقيق
عن أبى وائل قال: هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ما جالست عبد الله
مجلساً قط إلا ذكر الله فيه ، وأخرج احمد فى الزهد عن ثابت البنانى قال: إن أهل ذكر الله ليجلسون
الى ذكر الله وإن عليهم من الآثام أمثال الجبال وأنهم ليقومون من ذكر الله تعالى ما عليهم منها شىء .
٤٥ (الدر المنظم فى الاسم الاعظم * بسم الله الرحمن الرحيم)
الحمدلله الذى له الاسماء الحسنى والصفات العليا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد المخصوص
بالشفاعة العظمى. وعلى آله وصحبه ذوى المقام الأسنى ( وبعد) فقد سئلت عن الاسم الأعظم وما
ورد فيه فأردت أن اتتبع ما ورد فيه من الأحاديث والآثار والأقوال فقلت فى الاسم الأعظم
أقوال، الأول أنه لا وجود له بمعنى أن أسماء الله تعالى كلها عظيمة لا يجوز تفضيل بعضها على
بعض ذهب الى ذلك قوم منهم أبو جعفر الطبرى. وأبو الحسن الأشعرى. وأبو حاتم بن حبان.
والقاضى أبو بكر الباقلانى، ونحوه قول مالك. وغيره لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض
وحمل هؤلاء ماورد من ذكر الاسم الأعظم على أن المراد به العظيم ، وعبارة الطبرى اختلفت
الآثار فى تعيين الاسم الاعظم والذى عندى أن الأقوال كلها صحيحةاذ لم يرد فى خبر منها أنه

٣٩٥
هل تفضل بعض أسماء الله تعالى على بعض؟
الاسم الأعظم ولا شىء أعظم منه فكانه تعالى يقول كل اسم من أسمائى يجوز وصفه بكونه
أعظم فيرجع الى معنى عظيم ، وقال ابن حبان: الاعظمية الواردة فى الاخبار المراد بها مزيد ثواب
الداعى بذلك كما أطلق ذلك فى القرآن والمراد به مزيد ثواب الداعى والقارى . .
( القول الثانى) أنه ما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدامن خلقه كما قيل بذلك فى ليلة
القدر وفى ساعة الاجابة وفى الصلاة الوسطى .
﴿ القول الثالث) أنه (هو) نقله الامام فخر الدين عن بعض أهل الكشف واحتج له بأن
من أراد أن يعبر عن كلام عظيم بحضرته لم يقل أنت قلت كذا وإنما يقول هو تأدباً معه .
﴿ القول الرابع): (الله) لأنه اسم لم يطلق على غيره ولأنه الأصل فى الاسماء الحسنى
ومن ثم أضيفت اليه قال ابن أبى حاتم فى تفسيره: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا اسماعيل
ابن علية عن أبى رجاء حدثنى رجل عن جابر بن عبد الله بن زيد أنه قال: اسم الله الأعظم هو
الله ألم تسمع أنه يقول: (هو الله الذى لاإ٣ له إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم)
وقال ابن أبى الدنيا فى كتاب الدعاء : حدثنا اسحق بن اسماعيل عن سفيان بن عيينة عن مسعر
قال: قال الشعبي: اسم الله الأعظم يا أته .
( القول الخامس﴾ (الله الرحمن الرحيم) قال الحافظ ابن حجر فى شرح البخارى: ولعل
مستنده ما أخرجه ابن ماجه عن عائشة أنها سألت النبي تايمٍ أن يعدها الاسم الأعظم فلم يفعل
فصلت ودعت اللهم انى أدعوك الله. وأدعوك الرحمن. وأدعوك الرحيم. وأدعوك بأسمائك الحسنى
كلها ما علمت منها وما لم أعلم - الحديث، وفيه أنه يَّه قال لها: إنه لفى الأسماء التى دعوت
بها قال: وسنده ضعيف وفى الاستدلال به نظر انتهى ( قلت) أقوى منه فى الاستدلال ما أخرجه
الحاكم فى المستدرك وصححه ابن عباس أن عثمان بن عفان سأل رسول الله محمدالجاثم عن بسم الله
الرحمن الرحيم فقال: هو اسم من أسماء الله تعالى وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا
كما بين سواد العين وبياضها من القرب ، وفى مسند الفردوس للديلى من حديث ابن عباس
مرفوعا اسم الله الأعظم فى ست آيات من آخر سورة الحشر.
﴿ القول السادس﴾ (الرحمن الرحيم الحى القيوم) لحديث الترمذى وغيره عن أسماء بنت
يزيد أنه عليه السلام قال: اسم الله الأعظم فى هاتين الآيتين (وإلهكم إله واحد لاإله إلا
هو الرحمن الرحيم ) وفاتحة سورة آل عمران (الله لاإله إلا هو الحى القيوم) .
﴿القول السابع﴾(الحى القيوم) لحديث ابن ماجه. والحاكم عن أبى أمامة رضي الله تعالى عنه رفعه الاسم
الأعظم فى ثلاث سور. البقرة. وآل عمران. وطُّه، قال القاسم الراوى عن أبى أمامة: التمسته
فيها فعرفت أنه الحي القيوم، وقواه الفخر الرازى واحتج بأنهما يدلان على صفات العظمة

٣٩,٦
الحاوى للفتاوى
بالربوية مالا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما .
﴿ القول الثامن ﴾ (الحنان المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال والاكرام) لحديث
أحمد. وأبى داود، وابن حبان. والحاكم عن أنس (أنه كان مع رسول الله ستر الله جالساً ورجل
يصلى ثم دعا اللهم إنى أسألك بأن لك الحمد لاإله إلا أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض
ياذا الجلال والا كرام ياحى ياقيوم فقال النبى من الفقرة: لقد دعا الله باسمه العظيم الذى اذا دعى
به أجاب واذا سئل به أعطى )) *
﴿القول التاسع﴾ (بديع السموات والأرض ذو الجلال والاكرام) أخرج أبو يعلى من
طريق السرى بن يحيى عن رجل من طيء -وأثنى عليه خيرا قال: كنت أسأل الله تعالى أن
يرينى الاسم الأعظم فرأيت مكتوبا فى الكواكب فى السماء يا بديع السموات والأرض ياذا
الجلال والاكرام .
﴿ القول العاشر} (ذو الجلال والاكرام) لحديث الترمذى عن معاذ« سمع النبىمحمد الله رجلا
يقول باذا الجلال والا كرام فقال: قد استجيب لك فسل)) وأخرج ابن جرير فى تفسير سورة
النمل عن مجاهد قال: الاسم الذى اذا دعى به أجاب ياذا الجلال والاكرام واحتج له الفخر
بأنه يشمل جميع الصفات المعتبرة فى الالهية لأن فى الجلال، إشارة الى جميع السلوب وفى
الاكرام اشارة الى جميع الاضافات .
﴿ القول الحادى عشر﴾ (الله لاإله إلاهو الأحد الصمد الذي لم يلدولم يولد ولم يكن له
كفواً أحد) لحديث أبى داود. والترمذى، وابن حبان(1) والحاكم عن بريدة ((أن رسول
الله عَّاله سمع رجلا يقول اللهم انى أسألك بأنى أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد
الصمد الذى لم يلد يولدولم يكن له كفواً أحد فقال: لقد سألت الله بالاسم الذى اذا سئل به أعطى
واذا دعى به أجاب)) وفى لفظ عند أبى داود لقد سألت الله باسمه الأعظم قال الحافظ ابن
حجر: وهو أرجح من حيث السند عن جميع ماورد فى ذلك *
﴿ القول الثانى عشر) (ربرب) أخرج الحاكم عن أبى الدرداء. وابن عباس قالا: اسم
الله الأكبر رب رب، وأخرج ابن أبى الدنيا عن عائشة مرفوعاوم وقوفا اذا قال العبد: يارب
يارب قال الله تعالى : لبيك عبدى سل تعط .
﴿القول الثالث عشر)- ولم أدرمن ذكره - (مالك الملك) أخرج الطبرانى فى الكبير
بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَ ◌ّل: ((اسم الله الأعظم الذى اذا دعى به
أجاب فى هذه الآية من آل عمران ( قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء) - الى قوله :
(١) فى بعض النسخ (وابن ماجه) بدل ((ابن حبان))

٣٩٧
الأقوال الواردة فى اسم الله الأعظم
(وترزق من تشاء بغير حساب ))))*
( القول الرابع عشر ﴾ (دعوة ذى النون) لحديث النسائى. والحاكم عن فضالة بن عبيد رفعه
دعوة ذى النون فى بطن الحوت ( لاإله إلا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين ) لم يدع
بها رجل مسلم قط الا استجاب الله له، وأخرج ابن جرير من حديث سعد مرفوعا
(( اسم الله الذى اذا دعى به أجاب واذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى)) وأخرج الحاكم
عن سعد بن أبى وقاص مرفوعا (ألا أدلكم على اسم الله الأعظم دعاء يونس فقال: رجل
هل كانت ليونس خاصة؟ فقال ألا تسمع قوله: ( ونجيناه من الغم وكذلك تنجى المؤمنين) ،
وأخرج ابن أبى حاتم عن كثير بن معبد قال: سألت الحسن عن اسم الله الأعظم: فقال:
أما تقرأ القرآن؟ قول ذى النون لااله إلا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين.
﴿ القول الخامس عشر﴾ ( كلمة التوحيد) نقله عياض٥
﴿ القول السادس عشر ) نقل الفخر الرازى عن زين العابدين أنه ساًل الله أن يعلمه الاسم
الأعظم فرأى فى النوم هو الله الله الله الذى لاإله إلا هو رب العرش العظيم .
﴿ القول السابع عشر) هو مخفى فى الاسماء الحسنى ويؤيده حديث عائشة المتقدم لما دعت
ببعض الأسماء [ وبالأسماء] الحسنى فقال [ لها] انه لفى الاسماء التى دعوت بها.
﴿ القول الثامن عشر﴾ انه كل اسم من اسمائه تعالى دعا العبد به ربه مستغرقا بحيث لا يكون
فى فكره حالتئذ غير الله فان من دعا الله تعالى بهذه الحالة كان قريب الاجابة، وأخرج أبو نعيم
فى الحلية عن أبى يزيد البسطاى أنه سائله رجل عن الاسم الاعظم فقال: ليس له حد محدود
انما هو فراغ قلبك لوحدانيته فاذا كنت كذلك فافزع الى أى اسم شئت فانك تسير به الى المشرق
والمغرب، وأخرج أبو نعيم أيضا عن أبى سليمان الدارانى قال: سألت بعض المشايخ عن اسم
اللّه الاعظم قال: تعرف قلبك؟ قلت نعم قال: فإذا رأيته قد أقبل ورق فسل اللّه حاجتك
فذاك اسم الله الأعظم، وأخرج ابو نعيم ايضا عن ابن الربيع السامح ان رجلا قال له : علمنى
الاسم الأعظم فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم اطع الله يطعك كل شىء.
﴿ القول التاسع عشر﴾ (اللهم) حكاه الزركشى فى شرح جمع الجوامع واستدل لذلك بأن
الله دال على الذات والميم دالة على الصفات التسعة والتسعين ذكره ابن مظفر ولهذا قال الحسن
البصرى: اللهم مجمع الدعاء ، وقال النضربن شميل من قال: اللهم فقددا الله بجميع أسمائه .
﴿ العشرون) المّ اخرج ابن جرير عن ابن مسعودقال: المّ هو اسم الله الأعظم، واخرج
ابن أبى حاتم عن ابن عباس قال: المّ اسم من اسماء الله الاعظم، وأخرج ابن جرير. وابن ابى
حاتم عن ابن عباس قال: ٢١م قسم اقسم الله به وهو من اسمائه تعالى.
﴿ تم الجزء الأول من الحاوى للفتاوى ويليه الجزء الثانى اوله -المنحة فى السبحة)

الحَاوِى المشاوى
فِالفِقْوُ لُُِِّّالْجِرْوَِّنُون
لعالم مصر ومفتيها الامام العلامة جلال الدين
عبد الرحمن بن ابى بكر بن محمد السيوطى صاحب
التاليف الكثيرة المتوفى فى سحر ليلة الجمعة
تاسع عشر جمادى الأول منه احدى عشرة
وتسعمائة عن اثنتين وستين سنة
(الجزء الثانى )
هذه النسخة طبعت على نسختنا الممتازة وروجعت على نسخ فى دار الكتب المصرية
ودار الكتب الازهرية فياء فيها زيادات كثيرة وتصحيحات قيمة
عنى بنشره جماعة من طلاب العلم سنة ١٣٥٢ .
١٤٠٣ هـ / ١٩٨٣ م
دار الكتب العلمية
سَيْوت السنات

٤٥
ـِ اللَّه اله الحَهُ
*(المنحة فى السبحة ( بسم الله الرحمن الرحيم).
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ﴿ وبعد) فقد طال السؤال عن السبحة هل
لها أصل فى السنة؟ لجمعت فيها هذا الجزء متتبعا فيه ماورد فيها من الأحاديث والآثار.
والله المستعان.
أخرج ابن أبى شيبة. وأبو داود. والترمذى. والنسائى، والحاكم وصححه عن ابن
عمرو قال: ((رأيت النبى معَ اللّلم يعقد التسبيح بيده)). وأخرج ابن أبى شيبة. وأبو داود.
والترمذى. والحاكم عن بسيرة - وكانت من المهاجرات - قالت: قال رسول الله ◌ُ لَّه:
« عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس ولا تغفلن فتنسين التوحيد واعقدن بالأنامل فانهن
مسئولات ومستتنطقات ) *
وأخرج الترمذى. والحاكم. والطبرانى عن صفية قالت: ((دخل على رسول الله مُ للّه
وبين يدى أربعة آلاف نواة أسبح بهن فقال: ما هذا يا بنت حيى ؟ قلت: أسبح بهن قال :
قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا قلت : علمنى يارسول الله قال : قولى سبحان
الله عدد ماخلق من شىء)) صحيح أيضا، وأخرج أبو داود . والترمذى وحسنه. والنسائى.
وابن ماجه . وابن حبان. والحاكم وصححه عن سعد بن أبى وقاص (( أنه دخل مع النبى
حَرَِّّم على امرأة وبين يديها نوى - أو حصى - تسبح فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من
هذا وأفضل؟ قولى سبحان الله عدد ماخلق فى السماء سبحان الله عدد ماخلق فى الأرض سبحان
الله عدد مابين ذلك وسبحان الله عدد ماهو خالق الله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك
ولا إله إلا الله مثل ذلك ولا قوة إلا بالله مثل ذلك، .
وفى جزء هلال الحفار. ومعجم الصحابة للبغوى. وتاريخ ابن عساكر من طريق معتمر
ابن سليمان عن أبي بن كعب عن جده بقية عن أبى صفية مولى النبى مح التعليم أنه كان يوضع
له قطع ويجاء بونيل فيه حصى فيسبح به الى نصف النهار ثم يرفع فإذا صلى الأولى أتى به فيسبح
به حتى يمسى ؛ وأخرجه الامام احمد فى الزهد ثنا عفان ثنا عبد الواحد بن زياد عن يونس
ابن عبيد عن أمه قالت: رأيت أبا صفية - رجل من أصحاب النبي مَ ◌ّم وكان جارنا -
قالت : فكان يسبح بالحصى .

٣
الآثار الواردة فى فضل السبحة
وأخرج ابن سعد عن حكيم بن الديلى أن سعد بن أبى وقاص كان يسبح بالحصى،
وأخرج ابن أبى شيبة فى المصنف عن مولاة لسعد أن سعداً كان يسبح بالحصى . أو النوى ،
وقال ابن سعد فى الطبقات : أنا عبيد الله بن موسى أنا اسرائيل عن جابر عن امرأة حدثته
عن فاطمة بنت الحسين بن على بن أبى طالب أنها كانت تسبح بخيط معقود فيها .
وأخرج عبد الله بن الامام أحمد فى زوائد الزهد من طريق نعيم بن محرز بن أبى هريرة
عن جده أبى هريرة أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به، وأخرج أحمد
فى الزهد ثنا مسكين بن نكير أنا ثابت بن عجلان عن القاسم بن عبد الرحمن قال : كان لأبى
الدرداء نوى من نوى العجوة فى كيس فكان إذا صلى الغداة أخرجهن واحدة واحدة
يسبح بهن حتی ینفدن .
وأخرج ابن سعد عن أبى هريرة أنه كان يسبح بالنوى المجزع ، وقال الديلى فى مسند
الفردوس : أنا عبدوس بن عبد الله انا ابو عبد الله الحسين بن فتحويه الثقفى ثنا على بن محمد
ابن نصرويه ثنا محمد بن هرون بن عيسى بن المنصور الهاشمى حدثنى محمد بن على بن حمزة
العلوى حدثنى عبد الصمد بن موسى حدثةنى زينب بنت سليمان بن على حد ثنى أم الحسن بنت
جعفر بن الحسن عن أبيها عن جدها عن على مرفوعا نعم المذكر السبحة .
وأخرج ابن أبى شيبة عن أبى سعيد الخدرى أنه كان يسبح بالحصى ، واخرج من طريق
أبى نضرة عن رجل من الطفاوة قال : نزلت على ابراهيم (١) ومعه كيس فيه حصى أو نوى
فيسبح به حتى ينفد ، واخرج عن زاذان قال : اخذت من ام يعفور تسابيح لها فلما أتيت
علياً قال اردد على أم يعفور تسابيحها .
ثم رأيت فى كتاب تحفة العباد ومصنف متأخر عاصر الجلال البلقيني - فصلا حسنا فى
السبحة قال فيه مانصه : قال بعض العلماء : عقد التسبيح بالأنامل أفضل من السبحة لحديث
ابن عمرو لكن يقال ان المسبح ان آمن من الغلط كان عقده بالأنامل أفضل وإلا فالسبحة أولى.
وقد اتخذ السبحة سادات يشار اليهم ويؤخذ عنهم ويعتمد عليهم أبى هريرة رضى
الله عنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فكان لا ينام حتى يسبح به ثنتى عشرة ألف تسبيحة قاله
عكرمة ، وفى سنن أبى داود من حديث أبى نضرة الغفارى قال : حدثنى شيخ من طفاوة
قال : تثويت أبا هريرة بالمدينة فلم أر رجلا أشد تشميرا ولا اقوم على ضيف منه قال: فبينما
انا عنده يوما وهو على سرير له ومعه كيس فينه حصى او نوى وأسفل سنه جارية سوداء
وهو يسبح بها حتى اذا انفد ما فى الكيس ألقاه اليها فأعادته فى الكيس فدفعته اليه يسبح -
(١) ف بعض النسخ (أبي هريرة)) موضع ((ابراهيم))

٤
الحاوى للفتاوى
قوله تثويت - اى تضيفته ونزلت فى منزله - والمثوى المنزل وقيل: كان أبو هريرة رضى
الله عنه يسبح بالنوى المجزع ـ يعنى الذى حك بعضه حتى ابيض شىء منه وترك الباقى على
لونه - وكل مافيه سواد وبياض - فهو مجزع - قاله أهل اللغة: وذكر الحافظ عبد الغنى فى
الكمال فى ترجمة أبى الدرداء عويمر رضى الله عنه انه كان يسبح فى اليوم مائة ألف تسبيحة،
وذكر ايضا عن سلمة بن شبيب قال : كان خالد بن معدان يسبح فى اليوم أربعين ألف تسبيحة
سوى ما يقرأ فلما وضع ليغسل جعل بأصبعه كذا يحركها - يعنى بالتسبيح - ومن المعلوم
المحقق أن المائة ألف بل والأربعين ألفا واقل من ذلك لا يحصر بالأنامل فقد صح بذلك
وثبت أنهما كانا يعدان بآلة والله أعلم .
وكان لأبى مسلم الخولانى رحمة الله عليه سبحة فقام ليلة والسبحة فى يده قال: فاستدارت
السبحة فالنفت على ذراعه وجعلت تسبح فالتفت أبو مسلم والسبحة تدور فى ذراعه وهى
تقول سبحانك يامنات النبات ويادائم الثبات قال: هلى ياام مسلم فانظرى الى أعجب
الأعاجيب قال: فجاءت ام مسلم والسبحة تدور وتسبح فلما جلست سكتت. ذكره ابو القاسم
هبة الله بن الحسن الطبرى فى كتاب كرامات الأولياء.
وقال الشيخ الأمام العارف عمر البزار كانت سبحة الشيخ أبى الوفاء كيش - وبالعربى
عبد الرحمن- التى أعطاها لسيدى الشيخ محي الدين عبد القادر الكيلانى قدس الله أرواحهم إذا
وضعها على الأرض تدور وحدها حبة حبة، وذكر القاضى أبو العباس أحمد بن خلكان فى وفيات
الأعيان أنه رؤى فى يد أبى القاسم الجنيد بن محمد رحمه الله يوما سبحة فقيل له: أنت مع شرفك
تأخذ بيدك سبحة؟ قال : طريق وصلت به الى ربى لاأفار قه قال :وقد رويت في ذلك حديثا
مسلسلا - وهو ما أخبرنى به شيخنا الامام أبو عبد الله محمد بن أبى بكر بن عبد الله من لفظه -
ورأيت فى يدهسبحة قال: أنا الامام أبو العباس أحمدبن أبى المحاسن يوسف بن البانياسى بقراءتى
عليه ورأيت فى يده سبحة قال: أنا أبو المظهر يوسف بن محمد بن مسعود الترمذى ورأيت فى
يده سبحة قال: قرأت على شيخنا أبى الثناء ورأيت فى يده سبحة قال: [أنا عبد الصمد بن أحمد
ابن عبد القادر ورأيت فى إده سبحة قال: (١)]أنا أبو محمد يوسف بن أبى الفرج عبد الرحمن
ابن على ورأيت فى يده سبحة قال: أنا أبى ورأيت فى يده سبحة قال: قرأت على أبى الفضل بن
ناصر ورأيت فى يده سبحة قال: قرأت على أبى محمد عبد الله بن أحمد السمرقندى ورأيت
فى يده سبحة قلت له: سمعت أبابكر محمد بن على السلمى الحداد ورأيت فى يده سحبة؟ فقال: نعم
قال: رأيت أبا نصر عبد الوهاب بن عبدالله بن عمر المقرى ورأيت فى يده سبحة قال: رأيت أباالحسن
(١) هذه الزيادة سقطت من بعض النسخ

الآثار الواردة فى السبحة ومن استعملها
على بن الحسن بن ابى القاسم المترفق الصوفى وفى يده سبحة قال: سمعت أبا الحسن المالكي بقول:
وقد رأيت فى يده سبحة فقلت له : يا أستاذ وانت الى الآن مع السبحة ؟ فقال: كذلك رأيت
أستاذى الجنيدوفى يده سبحة فقلت له : يا أستاذ وأنت الى الآن مع السبحة؟ قال: كذلك رأيت
أستاذى سرى بن مغلس السقطى وفى يده سبحة فقلت : يا أستاذ أنت مع السبحة ؟ فقال :
كذلك رأيت استاذى معروف الكرخى وفى يده سبحة فسألته عما سألتنى عنه فقال: كذلك
رأيت [ بشر الحافى وفى يده سبحة فسألته عما سألتنى عنه فقال كذلك رأيت ](١) استاذى عمر
المالكى وفى يده سبحة فسألته عما سألتنى عنه فقال : كذلك رأيت استاذى الحسن البصرى وفى
يده سبحة فقلت: يا أستاذ مع عظم شأنك وحسن عبادتك وأنت الى الآن مع السبحة ؟ فقال
لى: شىء كنا استعملناه فى البدايات ما كنا نتركه فى النهايات، أحب أن اذكر الله بقلبى وفى
يدى ولسانى، فلو لم يكن فى اتخاذ السبحة غير موافقة هؤلاء السادة والدخول فى سلكهم والتماس
بركتهم لصارت بهذا الاعتبار [من أهم الأمور (٢) ] وآكبدها فكيف بها وهى مذكرة بالله
تعالى لأن الانسان قل أن يراها إلا ويذكر الله وهذا من أعظم فوائدها وبذلك كان يسميها
بعض السلف رحمه الله تعالى. ومن فوائدها أيضا الاستعانة على دوام الذكر كلما رآهاذ كرأنها
آلة للذكر فقاده ذلك الى الذكر فيا حبذا سبب موصل الى دوام ذكر الله عز وجل ، وكان
بعضهم يسميها حبل الوصل، وبعضهم رابطة القلوب . وقد أخبرنى من أثق بقوله : انه كان
مع قافلة ث درب بيت المقدس فقام عليهم سرية عرب وجردوا القافلة جميعهم وجردونى معهم
فلما أخذوا عمامتى سقطت مسبحة من رأسى فلما رأوها قالوا : هذا صاحب سبحة فردوا على
ما كان أخذ لى وانصرفت سالما منهم فانظر يا أخى الى هذه الآلة المباركة الزاهرة وماجمع
فيها من خيرى الدنيا والآخرة، ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز
عد الذكر بالسبحة بل كان اكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك مكروها وقد رؤى بعضهم يعد
تسبيحا فقيل له : أتعد على الله ؟ فقال: لا ولكن أعد له، والمقصود أن اكثر الذكر المعدود
الذى جاءت به السنة الشريفة لا ينحصر بالأنامل غالبا ولو أمكن حصره لكان الاشتغال بذلك
يذهب الخشوع وهو المراد والله أعلم .
وأخرج ابن عسا کر فی تار یخه عن بکر بن خنيس عن رجل سماه قال : کان فی ید أبی
مسلم الخولانى سبحة يسبح بها قال : فقام والسبحة فىيده فاستدارت السبحة فالتفت على ذراعه
وجعلت تسبح فالتفت أبو مسلم والسبحة تدور في ذراعه وهى تقول: سبحانك يامنات النبات
ويادائم الثبات فقال: هلم يا أم مسلم وانظرى الى اعجب الاعاجيب بيت أم مسلم والسبحة
(١) سقطت هذه الزيادة من بعض النسخ (٢) الزيادة من نسختنا

4
الحاوى للفتاوى
تدور تسبح فلما جلست سكنت ، وقال عماد الدين المناوى فى سبحة :
ومنظومة الشمل يخلو بها اللبيب فتجمع من همته
عليها تفرق من هيبته
اذا ذكر الله جل اسمه
مَسْالة - هل تداوى النبى عُنَّ الَّ فانه ثم من أنكر ذلك وقال إنه أمر بالتداوى ولم يتداو ?ه
الجواب - نعم قال النووى فى شرح مسلم فى حديث «هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون
وعلى ربهم يتوكلون» اختلف العلماء فى معنى هذا الحديث فقال الإمام أبو عبد الله المازري:
احتج بعض الناس بهذا الحديث على أن التداوى مكروه ومعظم العلماء على خلاف ذلك واحتجوا
بما وقع فى أحاديث كثيرة من ذكره من الم لمنافع الأدوية والأطعمة كالحبة السوداء. والقسط
والصبر وغير ذلك وبأنه مح الم لهم تداوى، وباخبار عائشة بكثرة تداويه ثم نقل عن القاضى
عياض أنه مؤلم تطبب فى نفسه وطبب غيره انتهى ( قلت): يشير بذلك الى ما أخرجه ابن
السنى. وأبو نعيم كلاهما فى الطب النبوى من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: قلت لعائشة
رضى الله عنها : يا أم المؤمنين أعجب من بصرك بالطب قالت: يا ابن أختى إن رسول اللهمن له
لما طعن فى السن سقم فوفدت الوفود فنعتت فمن ثم، وأخرج أبو نعيم من طريق محمد بن عبد
الرحمن المليكى قال : حدثنى عروة بن الزبير قال : قلت : لعائشة يا خالة إنى لأفكر فى أمرك
واتعجب أن وجدتك عالمة بالطب فمن أين؟ فقالت: إن رسول الله و الله كثرت أسقامه فكنا
تعالج له، وأخرج أبو نعيم من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة أنه قيل لها من أين تعلمت
الطب؟ قالت: كان رسول الله محمد الم رجلا مسقاما وكان يقدم عليه وفود العرب والعجم قتنعت
له فتعلمت ذلك، وأخرج البخارى. ومسلم عن سهل بن سعد أنه سئل بأى شىء دووى جرح
النبى يَّ يوم أحد فقال: كانت فاطمة تغسل الدم وعلى يسكب الماء عليها فلما رأت فاطمة
الدم لا يزيد الا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقتها حتى اذا صارت رمادا ألصقته بالجرح
فاستمسك الدم، وأخرج أبو داود. والحاكم وصححه عن ابن عباس أن النبى بِ اللّهِ استعط،
وأخرج ابن السنى عن ابن عباس قال: ((احتجم رسول الله مِّ الّ واستعط، وأخرج ابن
السنى عن أبى هريرة ((أنه دخل على النبى مع الفريق وهو يحتجم فقال أى شىء هذا يارسول الله؟
فقال: الحجم قلت: وما الحجم يارسول الله؟ قال: خير ما تداوى به العرب)) وأخرج
الحاكم وصححه عن سمرة قال: ((دخل اعرابى على النبى بَّ له وهو يحتجم فقال: ما هذا يارسول
الله؟ قال: هذا الحجم وهو خير ما تداويتم به، وأخرج ابن السنى عن عبد الله بن جعفر قال:
احتجم رسول الله من الكريم على قرنه بعد ماسم، وأخرج أبو داود، وابن ماجه عن جابر أن النبى
قَبِّ احتجم على وركه من وفي كان به [ يعني من وهن دون الخلع والكسر] ، وأخرج ابن

٧
هل من يقول أنا عالم فهو جاهل؟
حبان فى صحيحه عن أنس أن النبى مع الم احتجم [ وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به .
واخرج أبو نعيم عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم احتجم (١)] فى رأسه من أذى
كان به، وأخرج أبونعيم عن أنس أن النبى مَ ◌ّلم احتجم من وجع كان برأسه وهو محرم »
وأخرج أبو نعيم عن أبى هريرة قال: كان رسول اللّه من العام إذا نزل عليه الوحى صدع فيغلف
رأسه بالحناء (٢) وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عثمان أن النبى مع الم احتجم تحت كتفه
اليسرى من الشاة التى اكل يوم خيبر؛ وأخرج أبو نعيم عن على قال: «لدغت التى عد له عقرب
وهو يصلى فقال: لعنك الله لا تدعين نبياً ولا غيره ثم دعا بماء وملح فجعل يمرسها عليها» .
﴿ أعذب المناهل )
٤٦
﴿ فى حديث من قال أنا عالم فهو جاهل « بسم الله الرحمن الرحيم)
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى « سئلت عن حديث من قال أنا عالم فهو جاهل.
الجواب - هذا إنما يعرف من كلام يحيى بن أبي كثير موقوفاً عليه على ضعف فى إسناده
اليه ويحيى من صغار التابعين فانهرأى أنس بن مالك وحده وقد يعد فى أتباع التابعين باعتبار
أنه لم يلقّ غيره من الصحابة ولا يعرف له عن أحد منهم رواية متصلة وقد وهم بعض الرواة
فرفعه إلى النبى صلى الله عليه وسلم ان وجد عنه الجزم بذلك وذلك ان الحديث أخرجه الطبرانى
فى الأوسط من طريق ليث بن أبى سليم عن مجاهد عن ابن عمر لا أعلمه إلا عن النبى منز لته فذكره
وقال الطبرانى: لا يروى عن النبى ◌َّ اله إلا بهذا الاسناد وهذا الحديث حكم عليه الحفاظ بالوهم
فى رفعه فان ليث بن أبى سليم متفق على ضعفه قال فيه أحمدبن حنبل: مضطرب الحديث ، وقال:
مارأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأياً فى أحد منه فى ليث لا يستطيع أحد أن يراجعه فيه، وقال:
فيه ابن معين، والنسائى ضعيف، وقال ابن معين: ليث أضعف من عطاء بن السائب، وقال
عثمان بن أبى شيبة : سالت جريراًعن ليث. وعن عطاء بن السائب. وعن يزيدبن أبي زياد فقال:
كان يزيد أحسنهم استقامة فى الحديث ثم عطاء وكان ليث أكثرهم تخليطا قال عبد الله بن أحمد
ابن حنبل : وسألت ابى عن هذا فقال: اقول ا قال جرير، وقال ابراهيم بن سعيد الجوهرى
حدثنا يحيى بن معين عن يحيى بن سعيد القطان انه كان لا يحدث عن ليث بن ابى سليم، وقال
عمرو بن على: كان يحي لا يحدث عن ليث بن ابى سليم، وقال أبو معمر القطيعى: كان ابن
عيينة يضعف ليث بن أبى سليم، وقال على بن المدينى: قلت لسفيان ان ليثاً روى عن طلحة
ابن مصرف عن أبيه عن جده أنه رأى النبى مد ◌ّه يتوضأ فانكر ذلك سفيان وجب منه ان يكون
جد طلحة لقى النبى عنّ اله ، وقال على بن محمد الطنافسى: سألت وكيعا عن حديث من حديث
(١) هذه الزيادة من نسختنا (٢) أى يلطخه بها

٨
الحاوى للفتاوى
ليث بن أبى سليم فقال: ليث ليث كان سفيان لا يسمى ليثا ، وقال قبيصة. قال شعبة: لليث
ابن ابى سليم اين اجتمع لك عطاء. وطاووس . ومجاهد ؟ فقال اذ أبوك يضرب بالخف ليلة
عرسه فمازال شعبة منقيا لليث مذ يومئذ، وقال ابوحاتم : اقول فى ليث كما قال جرير بن عبدالحميد،
وقال ابن أبى حاتم : سمعت أبى. وأبا زرعة يقولان: ليث لا يشتغل به وهو مضطرب
الحديث ، وقال أبو زرعة أيضاً ليث لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث، وقال مؤمل
ابن الفضل: قلنا لعيسى بن يونس لم تسمع من ليث بن أبى سليم؟ قال: قد رأيته وكان قد اختلط
وكان يصعد المنارة ارتفاع النهار فيؤذن ، وقال ابن حبان : اختلط فى اآخر عمره .
هذا مجموع كلام أئمة الحديث فى تخريجه . والحاصل أنه كان فى حال صحة عقله كثير التخليط
فى حديثه بحيث جرح بسبب ذلك ثم طرأ له بعد ذلك الاختلاط فى عقله فازداد حاله سوءاً
وحكم المختاط الذى كان قبل اختلاطه من الثقات الحفاظ المحتج بهم أن مارواه بعد اختلاطه
يرد وكذا ماشك فيه هل رواه قبل الاختلاط أو بعده فانه مردود . فإذا كان هذا حكم من
اختلط من الثقات الحفاظ الذين يحتج بهم فكيف بمن اختلط من الضعفاء المجروحين الذين لا يحتج
بهم قبل طروء الاختلاط عليهم. وقد جرت عادة الحفاظ اذا ترجموا أحداً من تكلم فيه أن
يسردوا فى ترجمته كثيراً من الأحاديث التى انكرت عليه وإن كان له احاديث سواها صالحة
نبهواعلى ان ماعدا ماسردوه من أحاديثه صالح مقبول خصوصاً اذا كان ذلك الرجل من
خرج له فى احد الصحيحين فانهم يقولون: ان صاحب الصحيح لم يخرج من حديثه إلا ماصح
عنده من طريق غيره فلا يلزم من ذلك قبول كل مارواه هكذا نصوا عليه. وهذا الرجل روى
له مسلم مقرونا بأبى إسحق الشيبانى فالحجة فى رواية ابى إسحق والحديث الذى خرجه صحيح
من طريق ابى اسحاق لامن طريق ليث بن أبى سليم . ولما ترجمه ابن عدى فى الكامل سرد
احاديثه التى انكرت عليه ثم قال: له احاديث صالحة غير ماذكرت ، وكذاصنع الحافظ الذهبى
فى الميزان سرد له ا كثر من عشرة أحاديث انكرت عليه منها هذا الحديث الذى نحن فيه-اعنى
حديث من قال انا عالم فهو جاهل - وحديث من ولد له ثلاثة اولاد فلم يسم أحدهم محمداً
فقد جهل، وقد اورده ابن الجوزى فى الموضوعات ، وحديث كان باليمن ماء يقال له زعاق
من شرب منه مات فلما بعث النبى وَ الَّةٍ وجه اليه ايها الماء أسلم فقد اسلم الناس فكان
بعد ذلك من شرب منه حم ولا يموت ، فى أحاديث أخر على ان هذا الحديث الذى نحن فيه
لم يجزم ليث برفعه لقوله فيما تقدم: لا اعله الا عن النبى مع الله وهذه صيغة تقال عند الشك»
وما يؤيد بطلان هذا الحديث الذى نحن فيه من جهة المعنى ثبوت هذا اللفظ عن جماعة
من الصحابة منهم على بن أبى طالب. وعبد الله بن مسعود، ومعاوية بن أبى سفيان.

٩
حکم تشبيك الایدی
اللّـ
وعبد الله بن عباس رضى الله عنهم، وما كان هولاء ليقعوا فى شىء ورد فيه ذم عن النى عَّ
وكذا ثبت مثل ذلك عن خلائق لا يحصون من التابعين فمن بعدهم كماسقت رواياتهم والفاظهم
فى الكتاب المسمى - بالصواعق على النواءق -ولاشك ان مثل هؤلاء الأئمة لا يطبقون على
التلفظ بما ذم النبي ◌ُ ◌ّم التلفظ به، وأبلغ من ذلك قول نبي الله يوسف عليه السلام فيما حكاه
الله عنه فى التنزيل (إنى حفيظ عليم) ﴿فان قلت ) كيف حكم على الحديث بالابطال وليث
لم يتهم بكذب ( قلت) الموضوع قسمان، قسم تعمد واضعه وضعه وهذاشأن الكذابين.
وقسم وقع غلط الاعن قصدوهذا شأن المخلطين والمضطر بين الحديث كما حكم الحفاظ بالوضع على الحديث
الذى أخرجه ابن ماجه فى سننه وهو من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهارفانهم اطبقوا
على أنه موضوع وواضعه لم يتعمد وضعه وقصته فى ذلك مشهورة. والى ذلك أشار العراقى فى ألفيته بقوله:
ومنه نوع وضعه لم يقصد * نحو حديث ثابت من كثرت ٥ صلاته الحديث وهلة سرت
وأكثر ما يقع الوضع للمغفلين والمخلطين والسى الحفظ بعزو كلام غير النبى صلى الله تعالى
عليه وآله وسلم إليه إما كلام تابعى. أو حكيم. أو أثر إسرائيلى كما وقع فى المعدة بيت الداء والحمية
رأس الدواء وحب الدنيا رأس كل خطيئة وغير ذلك يكون معروفا بعزوه الى غير النبى عز الله
فيلتبس على المخلط فيرفعه إليه وهماً منه فيعده الحفاظ موضوعا وما ترك الحفاظ بحمد الله
شيئا إلا بينوه ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ولكن يحتاج الى سعة النظر وطول
الباع وكثرة الاطلاع، وقد يقع الوضع فى لفظة من الحديث لا فى كله كديث لا سبق إلا فى
نصل أو خف أوحافر أو جناح فان الحديث صدره ثابت وقوله: أو جناح موضوع تعمده
واضع تقربا إلى الخليفة المهدى لما كان مشغوفا باللعب بالحمام ، وقد وقع نظير ذلك لليث هذا
صاحب هذا الحديث فانه روى عن مجاهد. وعطاءعن أبى هريرة فى الذى وقع على أهله فى رمضان
قال له النبي ◌ُ التَّةَ: اعتق رقبة قال: لا أجد قال: اهد بدنة قال: لا أجد ، قال الحفاظ: ذكر
البدنة فيه منكر والظاهر أن ليثا إنما زادها غفلة وتخليطا لا عن قصد وعمد والله اعلم .
(حسن التسليك فى حكم التشبيك * بسم الله الرحمن الرحيم)
٤٧
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قال البخارى فى صحيحه: ((باب تشبيك الأصابع فى
المسجد وغيره)) وأورد فيه حديث أبى موسى الأشعرى عن النبى معَ الَّه قال: إن المؤمن للمؤمن
كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه، وحديث أبى هريرة (صلى بنا رسول اللهحمد الله
إحدى صلاتى العشى فصلى بنا ركعتين ثم سلم فقام الى خشبة معروضة فى المسجد فاتكاً
عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه)» قال الحافظ ابن حجر فى
شرحه : حديث أبى موسى دال على جواز التشبيك مطلقا ، وحديث أبى هريرة دال على جوازه
(٢٢ - ج ٢ - الحاوى)

١٠
الحاوى للفتاوى
فى المسجد فهو فى غيره أجوز. ووقع فى بعض سخ البخارى قبل هذين الحديثين حديث آخر
نصه حدثنا حامد بن عمر نا بشر ثنا عاصم ثنا واقد عن أبيه عن ابن عمر قال: شبك التى مر الوجه
أصابعه، قال الحافظ مغلطاى: هذا الحديث ليسموجودا فى أكثر نسخ الصحيح، وقال الحافظ
ابن حجر: هو ثابت فى رواية حماد بن شاكر عن البخارى قال ابن بطال: المقصود من هذه الترجمة
معارضة ماورد فى النهى عن التشبيك فى المسجد وقد وردت فيه مراسيل ومسند من طرق غير
ثابتة، وقال ابن المنير: التحقيق أنه ليس بين الأحاديث تعارض إذ المنهى عنه فعله على وجه
العبث ، وجمع الاسماعيلى بأن النهى مقيد بما اذا كان فى الصلاة أو قاصداً اليها اذ منتظر
الصلاة فى حكم المصلى ، وقيل: إن حكمة النهى عنه لمنتظر الصلاة ان التشبيك يجلب النوم وهو
من مظان الحدث، وقيل ان صورتهتشبه صورة الاختلاف فكره ذلك لمن هو فى حكم الصلاة
حتى لا يقع فى المنهى عنه وهو قوله مريم للمصلين: ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وقال الحافظ
مغلطاى فى شرح البخارى: زعم بعضهم أن هذه الأحاديث التى أوردها البخارى فى هذا
الباب معارضة لحديث النهى عن التشبيك، وقال ابن بطال : إن حديث النهى ليس مساويالهذه
الأحاديث فى الصحة، وقال: الأكثر حديث النهى مخصوص بالصلاة وهو قول مالك: روى
عنه أنهقال: انهم لينكرون تشبيك الأصابع فى المسجد وما به بأس وانما يكره فى الصلاة ورخص
فيه ابن عمر . وسالم ابنه. فكانا يشبكان بين أصابعهما فى الصلاة، ثم قال مغلطاى: والتحقيق
أنه ليس بين حديث النهى عن التشيك وبين تشيكه والتكافية بين أصابعه معارضة لأن النهى
انما ورد عن فعله فى الصلاة أو فى المضى البها وفعله عن الله للتشبيك ليس فى صلاة ولا فى المضى
اليها فلا معارضة اذن وبقى كل حديث على حياله انتهى (قلت): ومن الأحاديث فى تشيكـ م لَّه
ما أخرجه البخارى. والبيهقى فى شعب الإيمان عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله عمق لو بغناء
الكعبة مختبا يده هكذا - زاد البيهقى - وشبك بين أصابعه. وأخرج أبو داود عن عبد الله بن عمرو
ابن العاص ((أن رسول الله مَاتَالإ قال: كيف بكم وبزمان يغربل الناس فيه غربلة تبقى حثالة من
الناس قد مرجت عهودهم وآمانانهم واختلفوافكانوا هكذاوشبك بين أصابعه،، وأخرج البزار
عن ثوبان قال: قال رسول الله وَالَ:((كيف أنتم فى قوم مرحت عهودهم وأيمانهم وأماناتهم
وصاروا هكذا وشبك بين أصابعه)). وأخرج الطبرانى عن سهل بن سعد الساعدي قال: ((خرج
علينارسول الله معالعالم يومافقال: كيف ترون اذا أخرتم فى زمان حثالة من الناس قدمرجت
عهودهم وتذورهم فاشتبكوا فكانوا هكذا وشبك بين أصابعه؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: تأخذون
ما تعرفون وتدعون ما تنكرون ويقبل أحدكم على خاصة نفسه ويذر أمر العامة، ٥
وأخرج الطبر انى عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللّه بت اله: ((كيف أنت اذا كنت فى حثالة من