Indexed OCR Text

Pages 161-180

وكانت فاختة ابنة غزوان، اخت عتبة أيضاً ، زوجة لعثمان بن عفان رضي الله عنه (١) ، أي أن أباهريرة
عديل عثمان ، وفي ذلك زيادة توثيق لا تخفى .
أولاده
ذكروا له أربعة أولاد وبنتاً ، أشهرهم وأكبرهم ابنه (المحرّر)، ترجم له البخاري (٢) وابن أبي حاتم (٣)
وترجم له ابن حجر (٤) ، وابن سعد وقال فيه ( توفي بالمدينة في خلافة عمر بن عبد العزيز ، وقد روى عن أبيه،
وكان قليل الحديث .) (٥) .
والمحرر هذا له روايات عديدة في دواوين الحديث ، فالزهري عن محرر عن أبيه عن عمر بن الخطاب
حديث في مسند أحمد (٦) ، وفي المستدرك وسنن الدارقطني عن أبيه (٧)، وفي سنن الدارمي (٨)، وعند النسائي(٩)
ومسند الحميدي (١٠)، ومعاني الآثار (١١).
ويروي الشعبي أيضاً عن المحرر .
والمحرر ابن يقال له : أبو نعيم ، يروي عن أبيه (١٢).
ولأبي هريرة ابن آخر يقال له مُحَرِّز ، ذكره البخاري (١٣)، وأبو الفرج (١٤) ، وهو من الرواة عن أبيه
أيضاً (١٥).
ولحرز هذا ابن يقال له: (أبو عمر سالم بن محرز ابن أبي هريرة ، يحدث عنه صبيح بن وهيب.) (١٦).
والثالث : عبد الرحمن ابن أبي هريرة ، يروي عنه سليمان بن سنان المزني (٧) ، وترجم له البخاري (٨)،
(١) تاريخ الطبري ٨٢/٤
(٣) الجرح والتعديل ٤٠٨/ج١٢/٤
(٥) الطبقات ٢٥٤/٥
(٧) المستدرك ٣٣١/٢، الدار قطني ٢٠٣/٤
(٩) النسائي ٢٣٤/٥
(١١) المعاني ٣٣٠/١
(١٣) تاريخ البخاري، ضمن ترجمة أحد الرواة وليس في باب
من اسمه محرز .
(١٦) الكتى والاسماء ٤٠/٢
(١٨) التاريخ الكبير ٣/٣١٩/ق١
(٢) التاريخ الكبير ٤/٢٢/ق٢
(٤) التهذيب ٥٥/١٠
(٦) المسند ٢٤٧/١ بتحقيق أحمد شاكر
(٨) الدارمي ٢٣٧/٢،٣٣٢/١
(١٠) المسند ١٧٨/١
(١٢) تذكرة الحفاظ ٣٥/١
(١٤) الأغاني ٣٧٤/١٧
(١٥) روايته عند ابن ماجة ٦٢٠/١
(١٧) التهذيب ١٩٨/٤
١٦١

وابن أبي حاتم (١) ، وابن حبان (٢)، وله رواية عند الدارقطني (٣).
والرابع : اسمه بلال ، ذكره ابن أبي حاتم وغيره(٤) . وله ابن يقال له : محرر بن بلال (٥) .
أما اختهم فلم أجد اسمها ، لكن ذكر ابن سعيد أن سعيد بن المسيب تزوجها . وفي الإصابة ذكر
صهر آخر لأبي هريرة ، وهو الصحابي الجارود بن المعلى ، كان زوج أخت أبي هريرة ، وفي هذه المصاهرة
توثيق ضمني يضاف إلى ما قدمنا .
ويبدو أن ذرية أبي هريرة استمرت معروفة في المجتمع الاسلامي ، وقد ذكر صاحب نفح الطيب منهم :
يوسف بن يحيى بن يوسف، المتوفى سنة ٢٨٨ هـ، وهو من علماء وأدباء الأندلس الذين هاجروا إلى المشرق . (٦)
أقاربه
(لأبي هريرة أخ يقال له كُريم). (٧).
وذكر ابن أبي حاتم (٨) خولة بنت وهب الله، أمها بنت أخت أبي هريرة، وذكر مولى لها اسمه سلمة بن
رباح ، لكن أبا حاتم جهل حالها .
وآل أبي ذباب الدوسيون بيت مشهور في صدر الاسلام في المدينة وبقية الحجاز ، وهم أعمام أبي هريرة،
ورووا عنه الحديث وعن غيره من الصحابة ، وكبيرهم سعد ابن أبي ذباب كان أمير دوس في الجاهلية والإسلام،
وقد أتينا على ذكر أخبارهم في الفصل الاول .
مواليه
كان له غلام أعتقه يوم وصوله خيبر أول هجرته (٩) ، وفي ذلك دليل على أنه لم يكن فقيراً حين هجرته ،
(١) الجرح والتعديل ٢٠/٢٦١/ق٢
(٣) سنن الدار قطني ص ٢٦٧
(٥) الطبقات ٣٨٠/٢
(٦) نفح الطيب ٢٧٤/٣
(٧) ذكره محمد عجاج نقلا عن تاريخ دمشق لابن عساكر
٤٤٤/٤٧، جمهرة أنساب العرب ص ٣٦٠
(٢) الثقات ص ١٥٢
(٤) الجرح والتعديل ٢٥/١/٣٩، ٢١٦/ ٢٥/٢،
الثقات ص ١٨، وهو مذكور في جمهرة أنساب العرب
ص ٣٦٠ كما يقول محمد عجاج ص ١٢٦ .
(٨) الجرح والتعديل ١٦/٢/١٦٠.
(٩) البخاري ٢٢١/٥
١٦٢

وإنما افتقر أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه اختار الملازمة في الصفّة على التكسب وارتياد السوق .
ثم صار له موالي فيما بعد اشتهر منهم عدد .
فمنهم :
أبو مريم ، روى الحديث عن أبي هريرة (١)، وروى عنه معاوية بن صالح، وكان خادم مسجددمشق(٢)
وأبو يونس سليم أو سليمان بن جابر أو جبير ، روى الحديث أيضاً عن أبي هريرة (٣).
وابراهيم بن محمد ، أحد الرواة عن ابن مسعود (٤).
وعبد الرحمن بن مهران ، ذكره البخاري (٥) ، وابن أبي حاتم (٦)، وله روايات كثيرة عن أبي هريرة (٧).
وعبيد بن باب الدوسي ، ذكره البخاري (٨)، وهو والد عمرو بن عبيد البصري الزاهد المعتزلي(٩).
وثابت بن مشكل ، أحد الرواة عنه أيضاً (١٠).
ومولى آخر اسمه : سحيم (١١).
والوليد بن عبد الرحمن (١٢).
وآخر اسمه موسى (١٣).
ومحمد بن جعفر بن الوليد (١٤).
(١) روايته عند أبي داود ٢١٣/١، ٦٤٢/٢، وذكره
البخاري في الکی ص ٦٨
(٤) الجرح والتعديل ٢٥/١/١٥١، الكنى والاسماء ١٢٤/١
(٥) التاريخ الكبير ١٥/٣٢/٣٥٢
(٧) روايته في صحيح مسلم ١٣٢/٢، مسند أبي عوانة ٣٩٠/١
وغيرها .
(١٠) الجرح والتعديل ١/٤٥٧/ق١، الثقات ص ٢٦
(١٢) سنن الدار قطني ١٧٩/٢
(١٤) الاغاني ٢٢٩/١٢
(٢) الجرح والتعديل ٤٣٧/ ٤/ق٢
(٣) مسلم ٦٤/٢٠/٢، المستدرك ٢٤/١/، وذكره
الدولابي في الكتى والاسماء ١٦٠/٢
(٦) الجرح والتعديل ٢٨٤ جـ٢/ق٢
(٨) التاريخ الكبير ٣/٤٤٣/ق١
(٩) الثقات لابن حبان ص ١٦٩
(١١) الجرح والتعديل ٢/٣٠٣/ق١، الثقات ص ١٠٥
(١٣) مسند أحمد ٣٤٩/٢
١٦٣

ومحرز بن جعفر (١) ، وقد يكون هو الذي قبله وصحف .
وذكرنا في فصل تحلّيه بأخلاق المؤمنين اشتراكه رضي الله عنه في عتق الأغر بن سليك، وتصدقه بداره على
مواليه .
وكل هؤلاء حدثوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة وغيره ، وهم ثقات ، مما يدل على
أن أبا هريرة كان يبذل جهداً تربوياً مع مواليه ، إذ لم يشتهر مثل هذا العدد من الرواة الموالي لغيره إلا لقلة ،
وهذا الجهد التربوي يعطينا صورة فاضلة لجانب من شخصية أبي هريرة رضي الله عنه .
(١) اخبار القضاة لوكيع ٢٢٠/٢٠٧/١
١٦٤
:

أبُو هُريرَة يودّع الدّنيَا
ها نحن الآن أخيراً أمام شيخ كبير ناهز الثمانين مسرع إلى لقاء الله تعالى بعد أن أدى الأمانة التي في عنقه
ونشر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلّمه الناس .
حياة حافلة ذات مشاهد تستوقف الناظر المتتبع . هجرة من أرض بعيدة ، وعيشة كفاف ، وملازمة قوية
لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتال الشرك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحاربة الردة، ومشاركة
في الفتوح ، وتفان في الدفاع عن الخلافة ، واعتزال للفتنة ، وإذاعة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم
يبق إلا الإسراع للقاء رب العالمين .
مشاهد تمرّ أمام أبي هريرة وهو مسجى على فراش الموت فيبكي، ( فقيل له : ما يبكيك يا أيا هربرة ؟
قال : أما إني لا أبكي على دنياكم هذه ، ولكني أبكي لبعد سفري وقلة زادي . أصبحت في صعود مهبطة على
جنة ونار ، فلا أدري إلى أيهما يسلك بي .) (١).
ثم يوصي أن (إذا أنا مت فلا تنوحوا علي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه.) (٢).
(١) طبقات ابن سعد ٣٣٩/٤، الزهد لأحمد بن حنبل ص
١٥٣، زيادات نعيم بن حماد على كتاب الزهد لابن
المبارك ص ٣٨، التاريخ الكبير ١٥٧ /٢٥/٢، عيون
الاخبار ٣٠٩/٢
(٢) المستدرك ٣٨٢/١
١٦٥

ثم يوصيهم مرة أخرى فيقول : ( لا تضربوا علي فسطاطاً ، ولا تتبعوني بمجمر ، وأسرعوا بي ، فاني سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا وضع الرجل الصالح على سريره قال: قدموني قدموني، وإذا وضع
الرجل السوء على سريره قال: يا ويلة ؟ أين تذهبون بي.) (١) . ثم يبكي فيقال له: ما يبكيك ، فيقول: (بعد
المفازة ، وقلة الزاد ، وعقبة كؤد.) (٢).
ويدخل عليه مروان قبل لحظات من موته فيقول : ( شفاك الله يا أبا هريرة.) لكن أبا هريرة يحلّق في أجواء
أخرى ، فلا يجيب مروان ، ويلتفت لمناجاة ربه مناجاة الواثق المليء اليدين بأفعال الخير المنتظر لرحمة ربه
فيقول : (اللهم إني أحب لقاءك فأحبّ لقائي.) يقول المقبري: ( فما بلغ مروان أصحاب القطا حتى مات أبو
هريرة. ) (٣) .
لكن ذكره الطيب سيبقى في قلوب المؤمنين إلى يوم القيامة .
و ( سنة وفاته مختلف فيها) (٤).
فقد ذكر خليفة بن خياط أن وفاته كانت سنة سبع وخمسين (٥) ، وكذا نقل البخاري وفاته عن هشام بن
عروة (٦)، وتردد ابن حبان ، فذكر أن وفاته كانت سنة سبع أو ثمان وخمسين (٧) ، لكنه جزم خلال ترجمة
سعيد بن العاص بأن وفاة أبي هريرة كانت سنة ثمان وخمسين (٨).
وخلافاً لخليفة ، ومن قبله هشام بن عروة ، ذكر ضمرة بن ربيعة أن أبا هريرة مات سنة ثمان وخمسين (٩) ،
ووافقه الهيثم بن عدي (١٠) ، وأبو معشر يوسف بن يزيد شيخ شيوخ البخاري (١١).
أما ابن اسحاق فيقول انه مات سنة تسع وخمسين (١٢)، ووافقه الواقدي (١٣)، وأبو عبيد (١٤) ، وبقولهم
قال إمام العراق محمد بن عبد الله بن نمير (١٥).
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢٨٢/٣، مسند أحمد ٣٩/١٥ طبعة
شاكر بسند صحيح ، مسند الطيالسي ص ٣٠٧ ، طبقات
ابن سعد ٣٣٨/٤، معاني الآثار ٢٧٦/١
(٥) طبقات خليفة ص ١١٤، تاريخ خليفة ٢١٣/١
(٧) مخطوطة ترتيب الثقات للهيشي ١٧٢/٣
(٩) التاريخ الكبير ٢٥/٣/١٣٢، التاريخ الصغير ص ٥٢.
(١١) المستدرك ٥٠٧/٣
(١٣) طبقات ابن سعد ٣٤٠/٤، المستدرك ٥٠٨/٣
(١٥) تاريخ خليفه ٢١٦/١
(٢) الزهد لأحمد ص١٧٨
(٣) طبقات ابن سعد ٣٣٩/٤ بسند صحيح
(٤) المستدرك ٥٠٧/٣
(٦) التاريخ الكبير ٢٥/٣/١٣٢، التاريخ الصغير ص ٥٢.
(٨) الثقات ص ٨٢
(١٠) اسد الغابة ٣١٥/٥، التهذيب ٢٦٦/١٢
(١٢) التاريخ الكبير للبخاري ٣/١٣٢/ق٢
(١٤) التهذيب ٢٢٦/١٢
١٦٦

وكان له يوم توفي ثمان وسبعون سنة فيما يقول الواقدي والهيثم بن عدي ، وكان هو الذي صلى على عائشة
حين ماتت (١) سنة ثمان وخمسين، واستطرد الواقدي فذكر أنه صلى أيضاً على أم سلمة زوج النبي صلى الله
عليه وسلم ، وهو خطأ رده ابن حجر في الفتح .
وكان موته رضي الله عنه بالعقيق ، الوادي المجاور للمدينة ، وحمل إلى المدينة (٢) ، فصلى عليه الوليد بن
عتبة ابن أبي سفيان (٣)، وكان أميراً على المدينة لعمّه معاوية ، ومروان يومئذ معزول .
وحمل ولد عثمان بن عفان رضي الله عنه ( سريره حتى بلغوا البقيع، حفظاً بما كان رأيه في عثمان. ) (٤)
ونصره إياه يوم حصار الدار .
وكان ( أبو سعيد الخدري ومروان يمشيان أمام الجنازة.) (٥) ، وكان ابن عمر أيضاً (في جنازة أبي هريرة
وهو يمشي أمامها ويكثر الترحم عليه ويقول : كان ممن يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على
المسلمين . ) (٦) .
ثم ( كتب الوليد بن عتبة إلى معاوية يخبره بموت أبي هريرة فكتب اليه : انظر من ترك فادفع الى ورثته عشرة
آلاف درهم وأحسن جوارهم وافعل اليهم معروفاً فانه كان ممن نصر عثمان وكان معه في الدار (٧) .
رحمه الله ورضي عنه وأرضاه .
(١) مخطوطة تاريخ ابن أبي خيشة ص ٨١
(٣) الثقات لابن حبان ص ١٩١
(٥) (٦) (٧) طبقات ابن سعد ٣٤٠/٤
(٢) أسد الغابة ٣١٥/٥
(٤) طبقات ابن سعد ٣٤٠/٤
١٦٧٠

الْقِشْمُ الثَّانِى
أبو هريرة بين جوم الأعداء ونقد الأصدقاء
• أبو هريرة والشيعة
• الاستدراك على أبي هريرة

أبو هريرة وَالِشِيعَة
حُبّه عليًّا وَفاطمة وَابْنَاءِهما
حبّ عليّ رضي الله عنه خصلة إيمانية لا بد من استقرارها في قلب كل مسلم ، وظهورها على لسان
كل محبّ للنبي صلى الله عليه وسلم، لقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم إسلامه، وبلائه في معارك
الإسلام جميعاً وتزوجه سيّدة نساء هذه الأمة فاطمة الزهراء البتول رضي الله عنها .
ولا يستقيم إيمان المسلم أبداً مع ميل القلب عن عليّ وكراهيته .
لكن المفترين يفترون على أبي هريرة ، فيصورونه عدواً لعلي وأبنائه ، كارهاً لهم ، عاملاً ضدهم ،
فظلموه بفريتهم هذه .
حبّة علياً وفاطمة رضي الله عنهما
فأبو هريرة هو الذي يروي منقبة عليّ يوم خيبر ، إذ أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر :
( لأعطيّن هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه.) (١).
(١) مسلم ١٢١/٧
١٧١

ثم روى اعطاءه إياها .
أفهذه رواية كاره لأمير المؤمنين رضي الله عنه ؟
وفي مناقب فاطمة رضي الله عنها يروي أبو هريرة قول النبي صلى الله عليه وسلم:
( إن فاطمة سيدة نساء أمتي.) (١).
وكيف لا تكون كذلك وهي التي قاست أول البعثة ما قاسى أبوها صلى الله عليه وسلم من التكذيب
والأذى والاستهزاء ، ثم عاشت أيام المدينة في زهد وقناعة ، تكتفي بالقليل الذي تطحنه بالرحا ؟ .
حبه الفائق للحسن رضي الله عنه
ثم بعد هذا تتميز أحاديث أبي هريرة في حبّ الحسن بن علي على وجه الخصوص ، وله معه وقائع
وأخبار تدل على حبّ عظيم كان أبو هريرة يكنّه للحسن لم يبلغ أحد من محبي الحسن مبلغه .
يقول أبو هريرة : ( قام الحسن بن علي يمشي وفي عنقه السخاب (٢) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم
بيده هكذا ، فقال الحسن بيده هكذا ، فالتزمه ، فقال :
اللهم إني أحبه ، فأحبه ، وأحبّ من يحبه .
وقال أبو هريرة : فما كان أحد أحب إلي من الحسن بن عليّ بعد ما قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ما قال .) (٣)
ويروي لنا أبو هريرة صورة أخرى للحسن رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول :
( لا أزال أحبّ هذا الرجل بعد ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ما يصنع . رأيت الحسن وهو
في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يدخل أصابعه في لحية النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى اللّه
عليه وسلم يدخل لسانه في فمه ، ثم قال : اللهم إني أحبه فأحبه . ) (٤)
وينقل سعيد المقبري صورة جديدة يترجم فيها أبو هريرة هذا الحب للحسن فيقول : ( كنا مع أني
(١) التاريخ الكبير للبخاري ١٢/٢٣٢/ق١ بسند موصول
(٣) البخاري ٢٠٥/٧، ٨٢/٣، فضل الله الصمد شرح الادب
المفرد ٥٦٧/٢، مسلم ١٣٠/١٢٩/٧
(٢) أي : القلادة
(٤) المستدرك ١٦٩/٣ بسند صحيح أقره الذهبي .
١٧٢

هريرة فجاء الحسن بن علي ابن أبي طالب علينا ، فسلم ، فرددنا عليه السلام ، ولم يعلم به أبو هريرة ،
فقلنا : يا أبا هريرة : هذا الحسن بن علي قد سلم علينا . فلحقه وقال: وعليك السلام يا سيدي ، ثم قال :
سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول: إنه سيد.) (١)
فلا غرابة بعد هذا الحب أن رأينا أبا هريرة يبكي يوم يموت الحسن ويدعو الناس إلى البكاء .
يقول من حضر ذاك اليوم :
( رأيت أبا هريرة قائماً على المسجد يوم مات الحسن يبكي وينادي بأعلى صوته : يا أيها الناس : مات
اليوم حِبّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فابكوا) (٢).
حبه الحسين رضي الله عنه
ولم يكن حب الحسين رضي الله عنه أقل ظهوراً عند أبي هريرة من حب الحسن ، إذ ينقل لنا حادثة أخرى
للنبي صلى الله عليه وسلم فيقول: ( ما رأيت الحسين بن علي إلا فاضت عيني دموعاً، وذاك أن رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم خرج يوماً فوجدني في المسجد ، فأخذ بيدي واتّكأ علي فانطلقت معه حتى جاء سوق
بني قينقاع ، قال : وما كلمني ، فطاف ونظر ثم رجع ورجعت معه فجلس في المسجد واحتبى وقال لي :
ادع لي لكاع ، فأتى حسين يشتد حتى وقع في حجره ثم أدخل يده في لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح فم الحسين ، فيدخل فاه فيه ويقول: اللهم اني احبه فأحبه.) (٣)
والقصة هذه رويناها عن البخاري وفيها أنه الحسن لا الحسين ، لكن الحاكم أشار إلى أن كلا الروايتين
محفوظة واردة ، وذلك محتمل ، لأن فيها ذكر الرجوع إلى المسجد .
وأي الروايتين هي الصحيحة ليس ذلك بالمهم ، إذ وردت أحاديث أخرى يرويها ابو هريرة في حبهما
معاً ، الحسن والحسين عليهما السلام .
احاديث يرويها أبو هريرة في حب الحسن والحسين معاً
أخرج الحاكم عنه أنه قال : ( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن والحسين، هذا
(١) المستدرك ١٦٩/٣ أيضاً، بسند صحيح، ونسبه الهيثمي
في مجمع الزوائد ١٧٨/٩ إلى الطبراني ووثق رجاله .
(٢) التهذيب ٣٠١/٢ ونقله عن ابن اسحاق.
(٣) المستدرك ١٧٨/٣ بسند صحيح أقره الذهبي .
١٧٣

على عاتقه وهذا على عاتقه ، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة ، حتى انتهى إلينا ، فقال له رجل : يا رسول
اللّه: إنك تحبهما؟ فقال: نعم ! من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني) (١).
وأخرج الامام أحمد ايضاً هذا الحديث مختصراً (٢).
كذلك أخرج الحاكم عنه انه قال : (كنا إنصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء، فكان يصلي، فاذا
سجد وثب الحسن والحسين على ظهره ، وإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعاً رفيقاً ، فاذا عاد عادا،
فلما صلى جعل واحداً ها هنا وواحداً هاهنا فجئته فقلت : يا رسول اللّه ألا اذهب بهما إلى أمهما ؟ قال : لا،
فبرقت برقة فقال : إلحقا بأمكما ، فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا. ) (٣)
وينقل ابن حجر مشهداً آخر فيقول : ( قال اسحاق ابن أبي حبيبة عن أبي هريرة : اشهد لخرجنا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنا ببعض الطريق سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت
الحسن والحسين وهما يبكيان مع أمهما ، فأسرع السير حتى أتاهما ، فسمعته يقول : ما شأن ابني ؟ فقالت
العطش . قال : فأخلف رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلى شنة يتوضأ بها فيها ماء ، وكان الماء يومئذ، أغداراً
والناس يريدون الماء ، فنادى : هل أحد منكم معه ماء؟ فلم يجد أحد منهم قطرة ، فقال : ناوليني أحدهما ،
فناولته اياه من تحت الخدر ، فأخذه فضمه إلى صدره وهو يصغو ما يسكت ، فادبع له لسانه فجعل يمصه
حتى هدأ وسكن ، وفعل بالآخر كذلك . (٤)
ثم مرة أخرى نلتقي مع أبي هريرة في يوم موت الحسن رضي الله عنه لنراه مذيعاً لمناقبهما ، فيخرج
الحاكم عن أبي حازم قال : ( إني لشاهد يوم مات الحسن بن علي ، فرأيت الحسين بن علي يقول لسعيد
ابن العاص ويطعن في عنقه ويقول : تقدم ، فلولا أنها سنة ما قدمتك ، وكان بينهم شيء ، فقال ابو
هريرة : أتنفسون على ابن نبيكم صلى الله عليه وسلم بتربة تدفنونه فيها وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول : من أحبهما فقد أحبي ومن أبغضهما فقد أبغضني .) (٥) .
ويقول لمروان يومها حين لم يرض بدفن الحسن بجوار جده صلى الله عليه وسلم : ( والله ما أنت بوال ،
وإن الوالي لغيرك ، فدعه . ) ثم قال : ( لكنك تدخل فيما لا يعنيك، إنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب
عنك ، يعني معاوية ، ) (٦) . رحمك الله أبا هريرة محباً لعلي وذريته، وعامل اللّه بعدله من طمس هذه
الحقائق وحجبها ومنع محبيهم من التلذذ بها
(١) المستدرك ١٦٦/٣ بسند صحيح اقره الذهبي.
(٣) المستدرك ١٦٧/٣ دلائل النبوة ص ٤٩٤ وانظر التهذيب
٢٩٧/٢.
(٦) البداية والنهاية ١٠٨/٨
(٢) المسند ٢٦٠/١٤ بسند صحيح.
(٤) التهذيب ٢٩٨/٢ ولم يذكر المصدر .
(٥) المستدرك ١٧١/٣ بسند صحيح اقره الذهبي وانظر التهذيب
٣٠١/٢
١٧٤

رواية أبناء علىّ وفرسَانه وَاصحابه وَمواليه
وجماهير الشيعة الأوائل عَن أبي هربيرة
مقدمة
كذب النّظام وأبو جعفر الاسكافي ، المعتزليان ، على الإمام علي رضي الله عنه ورويا دون سند تكذيباً
لأبي هريرة زعما أن الإمام عليّ تفوه به ، فأوهما متأخري الشيعة ، وحملاهم على الاعتقاد بأن أبا هريرة
كذاب .
إن هذه الكلمة المزعومة لا تقبل، ولا يمكن لأحد الاعتداد بها"، لورودها بلا سند ، والعلماء النقاد
رفضوا كل الأخبار العارية عن الأسانيد . لكننا مع ذلك ، سنثبت في هذا الفصل بالدلائل القطعية الكافية
اعتداد أبناء علي رضي الله عنهم بحديث أبي هريرة ، وروايتهم عنه ، ورواية كبار فرسان علي وأمراء
جنده ، الذين قاتلوا معه في معارك الجمل وصفين والنهروان ، عن أبي هريرة ، ورواية جمهرة من التابعين
عنه ممن لاقوا علياً رضي الله عنه ورووا عنه، إضافة إلى رواية بعض موالي أبناء علي عنه ، ورواية عدد
كبير آخر من جماهير الشيعة والكوفيين ومحبي ذرية علي من طبقة أتباع التابعين والطبقة التي تليهم لحديث
أبي هريرة ، واستعمالهم له ، واستدلالهم به ، وتدوينه في كتبهم .
إن اجتماع هذه الروايات ، وإثباتنا تداول كل هؤلاء لحديث أبي هريرة ، ليعطينا الدليل الواضح على
ان هذا التكذيب المنسوب للإمام علي رضي الله عنه لم يعلم به أبناؤه ولا مواليهم ولا جنوده ولا سامعوه الرواة
عنه ، ولا الصدر الأول من الشيعة ، ولا أهل الكوفة ، عاصمة الإمام علي وقلعة التشيّع ، ولو كانت هذه
المقالة المفتراة صحيحة غير موضوعة لاشتهرت عند هؤلاء ، ولتركوا أبا هريرة ، ولما رووا عنه ، ولا
حرصوا على تدوين حديثه وجمعه ممن سمعوه .
١٧٥

ومن هنا فان هذا الفصل هو من أهم فصول كتابي هذا ، إذ لم يسبق ان كتب فيه أحد .
وفي الفصل الذي بعده سنثبت سكوت جموع الهاشميين الأفاضل عن نقل هذه الكلمة .
تروّي بفخر عنه أيضاً وتحمل
وكم من رواةٍ عن علي بكوفةٍ
على نحو ما ألفى أباه يسجّلُ
روى جعفر الصدق الهُمام حديثه
فيا عجباً من آخرٍ لا يعوّلُ
كذلك زين العابدين وصحبهم
بخافٍ عواج في قصود تزملُ
أبا جعفرٍ ميط اللثام ولم يعد
توهمتُ أنّا عن فراها نُغَفّلُ
فإن كنت تروي عن عليّ مقالةً
فضحت ونكّئنا الذي كنت تغزلُ
وإن كنت عمداً قد وضعت لها فقد
وأبناؤه طراً لها لم يدولوا ؟
لماذا إذن صدر التشيع ساكت
وسكت جموع الهاشميين يكملُ
فهم أطبقوا سكتاً ، وعفّ لسانهم
وسأعتمد في التعريف بهؤلاء أولاً على مصادرنا الحديثية غير الشيعية ، كطبقات ابن سعد والجرح
والتعديل لابن أبي حاتم ، والثقات لابن حبان ، وتهذيب التهذيب لابن حجر ، وميزان الاعتدال للذهبي ،
ثم اثبت صحة كونهم من الشيعة من المصادر الشيعية المهمة نفسها ، وقد اعتمدت على جملة كتب عليها
التعويل عند الشيعة .
منها : كتاب ( الفهرست ) للشيخ الطوسي ، الذي يقول فيه محققه محمد صادق آل بحر العلوم إنه ذلك
( الأثر الثمين الذي اعتمد عليه علماء الإمامية على بكرة أبيهم في علم الرجال . ) (١) ، ويقول في منهجه
( الظاهر أن جميع من ذكره الشيخ في الفهرست من الشيعة الامامية ، الا من نص فيه على خلاف ذلك من
الرجال الزيدية ، والفطحية ، والواقفة ، وغيرهم ، كما يدل عليه وضع هذا الكتاب ، فانه في فهرست
كتب الأصحاب ومصنفاتهم دون غيرهم من الفرق ، وكذا كتاب النجاشي (٢) رحمه الله، فكل من ذكر
له ترجمة في الكتابين فهو صحيح المذهب ، ممدوح بمدح عام. ) (٣).
والشّيخ الطوسي المتوفى سنة ٤٦٠هـ هو أبرز علماء الشيعة طراً خلال تاريخهم ، وأول وآخر من حمل
لقب (شيخ الطائفة)، وأول من جعل النجف مركزاً علمياً للشيعة ، وتلمذ لكبار الشيعة ، كالسيد المرتضى
اخي الرضى ، والشيخ المفيد ، والشيخ الغضائري ، وأبي القاسم التنوخي ، وهؤلاء هم أشهر مشاهير الشيعة .
(١) مقدمة الفهرست ص ٧
(٣) مقدمة الفبرست ص ١٥
(٢) سيأتي ذكره
١٧٦

ومنها كتاب ( الرّجال ) للشيخ الطوسي أيضاً .
ومنها كتاب ( الرّجال ) للشيخ النجاشي ، من علماء القرن الرابع ، ومن أقران الطوسي ، وقد سبق
قول محمد صادق آل بحر العلوم في كتابه ومنهجه .
ومنها كتاب (الرّجال ) للشيخ الكِتّي .
وهذه هي الأصول الأربعة المعتمدة عند الشيعة كما يفيد أحمد الحسيني في مقدمته لكتاب الكشيّ وآل
بحر العلوم في مقدمته للفهرست . وأقدمها كتاب الكشي ، وكل منها ينفرد بذكر جماعة غير مذكورة في
الكتب الاخرى .
وتلحق بهذه الكتب كتب اخرى لا تقل أهمية عنها .
منها كتاب ( الرجال ) للعلامة ابن المطهر الحلي ، سرد الثقات أولاً ثم الضعفاء .
ومنها كتاب العلامة المامقائي بتنقيح الشيخ التستري ، واسم الكتاب : ( قاموس الرجال ) ، وهو مهم
أيضاً وجامع لما سبقه من الكتب كلها ، ومنزلته بين كتب رجال الشيعة كمنزلة كتاب تهذيب التهذيب لابن
حجر عند أهل الحديث في جمعه لكافة ما قاله القدماء ، لكن لم يكمل طبعه .
ومنها كتاب ( الرجال ) للسيد محمد المهدي آل بحر العلوم ، أحد رؤساء طائفة الشيعة في العراق سابقاً ،
توفي سنة ١٢١٢ هـ .
ومما يجدر ذكره ان هذه الكتب قد قلبت جميع صفحاتها فلم أعثر على ترجمة لأبي هريرة ولا تكذيب
له في أثناء ترجمة أخرى ، مع أنهم ترجموا لكثيرين من الضعفاء ، سوى قول التستري عرضاً أنه كذاب ،
وهذا لأنه متأخر جداً يعتد بأقوال النظام والاسكانفي ، أما الكتب الخمسة الأولى فليس فيها حرف واحد من
ذلك ، ولهذه الظاهرة مغزى مهم للشيعي المنصف ، فيها برهان له على أن تضعيف أبي هريرة قول محدث
متأخر عندهم .
ويوجد كتاب مهم آخر راجعته ، وهو كتاب ( الرجال ) لأبي جعفر أحمد ابن أبي عبدالله البرقي
ومعه كتاب ( الرجال ) للحسن بن علي بن داود الحلي المولود سنة ٦٤٧هـ وهذا قد مدح أبا هريرة صراحة ،
وكتابه ( من أمهات كتب الرجال عند الشيعة الإمامية ) كما يصفه محققه الأرموي .
رواية الامام زين العابدين حديثاً لأبي هريرة واعتداده به
أول من يطالعنا في جولتنا هذه مع الصدر الأول من الشيعة إمام كبير عدل ثقة من أبناء علي ، هو الإمام
زين العابدين علي بن الحسين بن علي ابن ابي طالب ، رضي الله عنهم.
قال البخاري - وكل ما في البخاري صحيح - : ( حدثنا أحمد بن يونس حدثنا عاصم بن محمد قال
١٧٧

حدثني واقد بن محمد قال حدثني سعيد بن مرجانة صاحب علي بن حسين قال : قال لي أبو هريرة رضي اللّه
عنه : قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيما رجل أَعتق أمرءًا مسلماً استنقذ اللّه بكل عضو منه عضواً من النار.
قال سعيد بن مرجانة : فانطلقت إلى علي بن حسين ، فعمد علي بن حسين رضي اللّه عنهما إلى عبد له
قد اعطاه به عبدالله بن جعفر عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار، فأعتقه.) (١)، وفي لفظٍ: ( فقال علي
ابن الحسين رضي الله عنهما: يا سعيد: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ قال: نعم . فقال علي بن حسين
عند ذلك لغلام له إمرة غلمانه : ادع لي مطرَّفاً . قال : فلما قدم بين يديه قال : اذهب ، فانت حرٌ لوجه
الله.) (٢).
وظاهر ان في استفسار علي بن الحسين رضي الله عنهما هذا زيادة في الافصاح قولاً عن ثقته بأبي هريرة،
ثم أفصح عن ثقته به ثانية بالعمل بما يرويه وعتقه العبد .
ثم أخذ علي بن الحسين وابن مرجانة بعد ذلك يرويان هذا الحديث ، ويبشران به الناس ، فرواه عمر بن
علي بن الحسين عن ابن مرجانة (٣) . وزيد بن أسلم عن علي (٤).
وسعيد بن عبد الله بن مرجانة هذا من أوائل الشيعة ، وعدّه البرقي في كبار أصحاب علي بن الحسين
رضي الله عنهما (٥)، (وكان منقطعاً إليه. فعرف بصحبته. ) (٦)، وروى التستري في قاموس الرجال (٧)
نسبة الطوسي سعيد بن مرجانة إلى التشيع ، ونقل عن المامقاني أنه عده إمامياً .
وقد أفصح ابن مرجانة مرة أخرى عن كبير ثقته بأبي هريرة فروى عنه حديثاً قدسياً (٨)، وظاهر أن
الهيبة والاحتياط في رواية الحديث القدسي هما اكبر من مقدارهما في رواية الحديث النبوي في الفضائل .
ولابن مرجانة أحاديث أخرى عن أبي هريرة (٩) .
وهكذا نرى ان علي بن الحسين قد سارع إلى تصديق أبي هريرة ، وعمل بما يرويه ، ثم أخذ هو یرویه،
فما بال المتأخرين ؟
والمشهور عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه كان يجلس إلى فقيه المدينة زيد بن اسلم ، وزيد من
(١) البخاري ١٧٨/٣، مسلم ٢١٨/٤
(٢) منتقى ابن الجارود ص ٣٢٤ بسند صحيح ، مسند أبي
عوانة ١٤٥/١، فتح الباري ٧٣/٦
(٣) صحيح مسلم ٢١٧/٤، مشكل الآثار ٠٣١١/١ تاريخ
جرجان للسهمي ص ٦٦
(٤) البخاري ١٨١/٨، مسند أحمد ٤٢٠/٢
(٥) رجال البرقي ص ٩
(٦) الفتح ٧٢/٦
(٧) قاموس الرجال ٣٧٣/٤
(٨) صحيح مسلم ١٧٦/٢
(٩) كما في معاني الآثار ٢٨١/١ مثلا
:
١٧٨

الرواة عن أبي هريرة ، فلا بد أنه كان يتداول في مجلسه أحاديث أبي هريرة ، ما ربما يكون قد سمعها ، وما
سمعها من غيره من أصحاب أبي هريرة ، فلم لم ينكر علي بن الحسين على زيد اعتماده على أبي هريرة وهو
الذي يقول في تبرير جلوسه عند زيد: ( إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه. ) (١) ؟
وزوجة علي بن الحسين هي بنت عمه الحسن رضي الله عنه، فان كان هو لم يسمع من أبيه عن جده
شيئاً في ذم أبي هريرة ، أفما سمعت زوجه من أبيها ؟
وأصحاب أبي هريرة الكبار ، الذين تولوا نشر حديثه ، ومعهم تلامذتهم ممن لم يلحق بأبي هريرة
وأخذوا مروياته بواسطتهم : نراهم يروون عن علي بن الحسين رضي الله عنهما ، كأبي سلمة بن عبد الرحمن
بن عوف ويحيي ابن سعيد الانصاري ، والقعقاع بن حكيم ، وطاوس بن كيسان (٢)، والزهري (٣) ،
وأبي الزناد (٤)، وغيرهم ، أفما ذكر زين العابدين لهم قول جده في أبي هريرة خلال الأربعين سنة التي
عاشها بعد أبي هريرة ؟ أو لم يسمع عن أبيه تلك الكلمة وقد كان عمره ثلاثاً وعشرين سنة يوم كربلاء (٥) ؟
إن سكوت زين العابدين رضي الله عنه عن نقل الكلمة المنسوبة إلى جده قرينة قوية على عدم وجودها
تضاف إلى قرينة روايته وعمله بحديث العتق .
محمد الباقر و جعفر الصادق یرویان لأبي هريرة
ثم يضع التنقيب أمامنا كنزاً آخر ثميناً جداً، ويبرز أمامنا إمامان ثقتان جليلان : محمد الباقر بن علي بن
الحسين بن علي ابن أبي طالب ، وابنه جعفر الصادق ابن محمد الذي ينتسب إليه الشيعة طراً ، وعلى أقواله
مدار كل فقههم .
فأما محمد الباقر فأمه بنت الحسن بن علي ، وكان ثقة كثير الحديث ، وحديثه في الصحيحين ، وذكره
النسائي في فقهاء أهل المدينة من التابعين . (٦) .
وأما ابنه جعفر الصادق فأشهر منه ، وأكثر حديثاً ، وحديثه في الصحيحين كذلك ، وله مكانة بارزة
بين فقهاء المدينة .
(١) التهذيب ٣٩٦/٣، وعد البرقي ص ٩ زيداً في أصحاب
زين العابدين .
(٤) يروي ابو الزناد عن علي بن الحسين في صحيح مسلم ١٣٦/٣
وغيره .
(٥) في التهذيب ٣٠٧/٧ أن أصح ما قيل في موته انه كان سنة
٩٤ أو ٩٥ هـ، وأن سنه يوم كربلاء كان ثلاثاً وعشرين ،
وكانت وقعة كربلاء سنة ٦١ هـ .
(٢) التهذيب ٣٩٦/٣، ٣٨٣/٨
(٣) يروي الزهري عن علي بن الحسين في البخاري ٧٥/٦١/٣/
١٤١، ٨٦/٤، ١٨٧/٢٨/٥، ١٨٤/٧، وفي صحيح
مسلم ٨٥/٦، ٣٦/٧ ومواضع أخرى ، وعده البرقي
ص ٨ في أصحاب زين العابدين .
(٦) التهذيب ٣٥٠/٩
١٧٩

وكلاهما يرويان لأبي هريرة ، وقد اجتمعا في صحيح مسلم (١) مرتين في سند حديث يرويه عبد العزيز
الدراوردي ، ، وحاتم بن اسماعيل ، وسليمان بن بلال ، ثلاثتهم عن جعفر الصادق ، عن أبيه محمد ، عن
عبيد اللّه ابن أبي رافع مولاهم كاتب الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
إلا أن هؤلاء الثلاثة أهملوا نسبة الصادق ، فقالوا : عن جعفر بن محمد عن أبيه ، وذلك لشهرته ، وأهل العلم
برجال الحديث يعرفون الأسماء المهملة من أسماء الرواة عنها ، وهؤلاء الثلاثة الرواة عن جعفر يكثرون
جداً الرواية عن الصادق عن أبيه . (٢)، وسكوته عن نقل كلمة عليّ المزعومة لهم، في الحين الذي يعرف
تداولهم لحديث أبي هريرة. (٣) ، لدليل يضاف إلى روايته هو في بيان كذبها .
والباقر لا يروي حديث أبي هريرة مجرد الرواية ، وإنما يستخدمه كدليل فقهي ويفتي به ويعمل به ،
كما ذكر الإمام الشافعي رحمه الله ، فقد قال في معرض ذكره أدلة قبول خبر الواحد والاحتجاج به :
( ووجدنا كذلك محمد بن علي بن حسين يخبر عن جابر عن النبي ، وعن عبيد اللّه ابن ابي رافع عن أبي
هريرة عن النبي، فيثبِّت كلَّ ذلك سُنّةً. (٤) ).
ويعني الشافعي أن محمد بن علي يحتج بما ينفرد به أبو هريرة في الحلال والحرام ، فهو معنى قوله : يثبته
سنة ، كما شرحه الشافعي نفسه (٥) .
والمحدثون يصنّفون الصادقين من الرواة إلى صنفين ، فمنهم الصادق الذي يَهِم وتكون عنده الأخطاء
ولا يعرف بفقه ، فيروون عنه ما يوافقه فيه غيره من أهل الصدق ، ومنهم الصادق الضابط المتقن الفقيه ،
فيقبلون ما ينفرد به من الحديث مطلقاً ، ومحمد بن علي هنا ، كما يخبر الشافعي سيد الثقات ، كان يعامل أبا
هريرة معاملة الصادق الضابط الفقيه بلا ريب .
فيا عجباً من آخِرٍ لا يعوِّل !!!
ومثلما رأينا لعلي بن الحسين أصحاباً وتلامذة تركهم أحراراً في تداول مرويات أبي هريرة ولم ينههم ،
فإنا نجد لابنه محمد ، ولحفيده الصادق أصحاباً من مشاهير متداولي مرويات أبي هريرة ، تركاهم أحراراً ،
ولم يبلغاهم بحرف مما زعم الاسكاني ان علياً قاله ، فكان سكوتهما قرينة أخرى جديدة تضاف إلى روايتهما
العملية وجعلهما الحديث الذي يرويه أبو هريرة حجة .
(١) مسلم ١٥/٣
(٣) توضح الخارطات التي في القسم الثالث من كتابنا هذا مدى
تداولهم لحديثه .
(٤) الرسالة، للامام الشافعي ص ٤٥٥ فقرة ١٢٤٥، وهذا
من النصوص النادرة .
(٢) يروي الدراو ردي عن الصادقعندا بن ماجة ٩٨٨/٢وغيره ويروى
حاتم بن اسماعيل عن الصادق في سنن النسائي ٢٩٠/٢٧٠/١،
١٦/٢، ٢٧٤/٥٠ وغيرها، ويروي سليمان عن الصادق
في صحيح مسلم ١١/٩/٣، ٤١/٣٩/٤ وغيره .
(٥) الرسالة ص ٤٥٣ فقرة ١٢٣٨.
١٨٠