Indexed OCR Text
Pages 61-80
أخرج مسلم عنه أنه قال ( كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة ، فدعوتها يوماً فاسمعتني في رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله: إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليّ ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره ، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: اللهم اهد أم أبي هريرة فخرجت مستبشراً بدعوة نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف ، فسمعت أمي خَشْفَ قدميّ فقالت : مكانك يا أبا هريرة ، وسمعت خضخضة الماء ، قال : فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت : يا أبا هريرة ، أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . قال : فرجعت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح ، قال : قلت : يا رسول الله: أبشر، قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة ، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيراً.) (١) وهذه القصة أخرجها ابن سعد في الطبقات (٢) والامام أحمد (٣)، والبخاري (٤) وكذلك الحاكم في المستدرك (٥) ومن بره ما أخرجه مسلم أيضاً عن سعيد بن المسيب قال : ( قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : للعبد المملوك المصلح أجران ، والذي نفس أبي هريرة بيده : لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي ، لأحببت أن أموت وأنا مملوك . قال : وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه ، لصحبتها.) (٦). كذلك أخرج ابن سعد أيضاً بسند مرسل عن الزهري(أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت امه، لصحبتها.)(٧) وهذا بعد أدائه الفرض ، إذ أنه حج مع أبي بكر لما ولاه الرسول صلى الله عليه وسلم إمارة الحج ، ثم حج حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن بره بها ما أخرجه ابن سعد بسند صحيح عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه تمرتين . قال أبو هريرة: ( فأكلت تمرة وجعلت تمرة في حجري ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: يا أبا هريرة: لم رفعت هذه التمرة ؟ فقلت : رفعتها لأمي . فقال: كلها ، فانا سنعطيك لها تمرتين ، فأكلتها وأعطاني لها تمرتين. ) (٨). وأصدق صورة لحب أبي هريرة أمه ينقلها لنا عبدالله بن وهب، وهو من شيوخ شيوخ البخاري ، في جامعه (١) مسلم ١٦٥/٧ (٣) المسند ٣٢٠/٢ (٥) ٦٢١/٢ (٧) الطبقات ٣٢٩/٤ (٢) ٣٢٨/٤ (٤) فضل الله الصمد شرح الأدب المفرد ١٠٩/١ (٦) مسلم ٩٤/٥ (٨) الطبقات ٣٢٩/٤ ٦١ من طريق عبدالله بن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد ابن أبي هلال قال : كان أبو هريرة يدخل على أمه كل يوم فيقول: جزاك الله يا أمّ خيراً كما ربيتني صغيراً، قال: وتقول هي: جزاك الله يا بني خيراً كما بررتني كبيراً.) (١)، وذكرها البخاري أيضاً (٢). ثم يأتي الآن من عسى أن يكون متخوماً وأمه تتضور جوعاً يطعن في أبي هريرة ! هيهات والله أن ينالوا منه شيئاً . تواضعه العلمي وعدم إغتراره كان رضي الله عنه أحفظ الصحابة ، لكن ذلك لم يدعه إلى تفضيل نفسه عليهم ، فقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف قوله لابن عباس الذي هو من أصغر الصحابة : (أنت خير مني وأعلم.) (٣) وفي صورة أخرى نرى أبا هريرة يتواضع تجاه التابعي الكبير عمرو بن أوس الثقفي المتوفى سنة ٧٥ هـ ، أحد أقران عروة بن الزبير ، فيقول لرهط يسألونه فيهم عبد الرحمن بن نافع بن لبيبة: ( تسألوني وفيكم عمرو بن أوس؟) (٤). ثم يأتي أبو رية المتكبر الذي يصف من يردّ عليه بتعفن الفكر وتحجر العقل يريد أن ينال من أبي هريرة ! هيهات . تثبته في الفتوى وأهليته لها ذكر ابن حزم ثلاثة عشر صحابياً من المتوسطين فيما روي عنهم من الفتيا ، فكان أبو هريرة رابعهم في الترتيب ، ومن الآخرين : أم سلمة ، وأنس ، والخدري ، وعثمان ، وعبدالله بن عمرو ، وابن الزبير ، وأبو موسى ، وسعد ، وسلمان ، وجابر ، ومعاذ، وأبو بكر ، ثم قال : ( فهم ثلاثة عشر فقط ، يمكن أن يجمع من فتيا كل امرىء منهم جزء صغير جداً .) (٥) ، ثم أضاف لهم سبعة آخرين . (١) جامع ابن وهب ص ٢٣، وعبد الله بن لهيعة من ابرز علماء مصر ، لكن كتبه احترقت ، وكان يعتمد عليها ، فضعفوه من ناحية حفظه ، لكن روايته في مثل قصتنا هذه مقبولة . (٣) سهوت عن تسجيل رقم الصفحة حين استللته . (٥) الاحكام في اصول الاحكام ٩٢/٥، ونقله عنه ابن القيم في اعلام الموقعين عن رب العالمين ١٣/١ طبعة عبد الرحمن الوكيل ، وابن حجر في الاصابة ٢٢/١ (٢) فضل الله الصمد شرح الادب المفرد للبخاري ٦٤/١ (٤) الجرح والتعديل ٣/٢٢٠/ق١، التهذيب ٧/٨ ٦٢ ومع ذلك فان أبا هريرة كان خائفاً من الإفتاء ، وجلاً منه، لأن من أعراف المؤمنين وسجاياهم أن يتثبتوا في الفتوى ، وكان كثير من السلف يتحرج من الافتاء ولا يجيب إذا وجد غيره ممن يصلح للافتاء . أخرج الدارمي عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أفتى بفتيا من غير ثبت فانما إثمه على من أفتاه . ) (١) وكان خوفه منها رضي الله عنه يحدوه إلى أن يسأل إذا لم يكن متأكداً من فتواه ، خلاف ما يقوله المغرضون عنه ، فقد أخرج البخاري عنه أنه قال حين سأله أهل البحرين عن أكل السمك الميت الذي يطفو في البحر : (لا بأس)، قال : (فسألت عمر فقال مثله،) (٢)، وأخرج سعيد بن منصور عنه أنه سأل عمر بن الخطاب ثانية في بعض أمور الطلاق بعد مشكلة عرضها عليه أحد أهل البحرين ايضاً . (٣). كرمه وعتقه العبيد وإحسانه لمواليه وكفالته الايتام . عن الطفاوي قال: ((تثويت أبا هريرة بالمدينة ، فلم أر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أشد تشميراً ولا أقوم على ضيف منه .) (٤) وعن حميد بن مالك بن خثيم قال : ( كنت جالساً مع ابي هريرة بأرضه بالعقيق ، فأتاه قوم من أهل المدينة على دواب فنزلوا . قال حميد : فقال أبو هريرة : اذهب الى أمي وقل لها : إن ابنك يقرؤك السلام ويقول : أطعمينا شيئاً . قال : فوضعت ثلاث أقراص من شعير وشيئاً من زيت وملح في صحفة ، فوضعتها على رأسي فحملتها اليهم ، فلما وضعته بين أيديهم كبّر أبو هريرة وقال: الحمد لله الذي اشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الاسودان: التمر والماء.) (٥) وعن أبي الزعيزعة كاتب مروان قال : ( بعث مروان إلى أبي هريرة بمائة دينار ، فلما كان بعد أرسل اليه فقال : إنه ليس اليك بعثت وانما غلطت ، فقال : ما عندي منها شيء، وإذا خرج عطائي فاقتصره ، فقال : وإنما أراد مروان أن ينفقها أم يحبسها .) (٦) والعجيب أن كتاب هذا الزمان من أتباع اليهود يعيبون على أبي هريرة قبوله العطاء من الأمراء ، ولا يعيبون على أنفسهم الأخذ من مؤسسات الكفر . وأخذه رضي الله عنه ما كان إلا كبقية الصحابة ممن حفظ لهم الأمراء (١) الدارمي ٥٧/١ (٣) سنن سعيد بن منصور ٣/٣٥٦/ق١ (٥) فضل الله الصمد شرح الأدب المفرد ٣١/٢ بسند صحيح، سير اعلام النبلاء ٤٣٩/٢ (٢) التاريخ الكبير ١٢/١٨٥/ق٢ بسند صحيح (٤) أبو داود ٥٠١/١ بسند صحيح، تذكرة الحفاظ ٣٥/١، وقوله : تثويت ، اي : نزلت ضيفاً عليه (٦) الكنى والأسماء للدولابي ١٨٤/١ بسند صحيح ٦٣ جهادهم الأول ورصدهم أنفسهم لتعليم الناس ، فأعطوهم من المال شيئاً ، كما تخصص الدولة اليوم راتباًتقا عدياً لمن يخدم الأمة والعلم أو تعطيه منح التفرغ وجوائز التأليف ، وأحدهم اليوم يتسلم الرواتب التقاعدية الضخمة ويبذرها على السفاسف ثم يحلو له أن يعيب أبا هريرة لأنه أخذ شيئاً من بيت مال المسلمين صرفه في سبيل الله ولمساعدة المسلمين . وأعتق رضي الله عنه الأغر بن سليك أبا مسلم المدني بالاشتراك مع أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، والأغر نزل الكوفة فيما بعد وصار من المحدثين وروى عنه أهل الكوفة الأوائل . (١) وأخرج ابن سعد من طريق الواقدي أن أبا هريرة كان ينزل ذا الحليفة قرب المدينة ، وله دار بالمدينة تصدق بها على مواليه (٢) وكفل أبو هريرة رضي الله عنه اليتيم معاوية بن معتب الهذلي، وكان في حجره (٣)، وعلّمه مما يعلم، حتى صار أحد التابعين الرواة ، وله روايات عن أبي هريرة في مسند الامام أحمد (٤) وغيره ، وكفالة الايتام خصلة إيمانية تدخل صاحبها الجنة إن صلحت نيته ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما رواه عنه سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: ( أنا وكافل اليتيم في الجنة ، هكذا ، وقال باصبعيه السبابة والوسطى.) (٥)، ويزداد الأجر إن اضاف الكافل حسن التأديب والتعليم إلى مجرد الكفالة والإطعام . وهذه الأخبار تدل على أن أبا هريرة رضي الله عنه كان في احدى الحالتين : يكون عنده مال فينفقه في سبيل الله ، في العتق ، أو في مساعدة المحتاجين ، وفي كفالة الأيتام، أو يكون هو مقلاً محتاجاً فيصبر ويكتفي بما يتيسر لديه ، أو يقبل العطاء من بيت مال المسلمين ، فاذا أخذه أعطاه لغيره أو شارك لغير فيه ، وهذه الحال والتي قبلها لا يقوى عليها الا المخلصون . تربيته الصالحة لأولاده كان رضي الله عنه يحمل اهله وبنيه على الزهد والعمل الصالح ، فربى ابنه المحرر تربية علمية جعلت كبار الرواة يحتاجون اليه ويروون عنه ما فاتهم من حديث أبيه ، كالشعبي والزهري ، كما سيأتي خبر ذلك في فصل آخر ، وحَمَل بنته على الزهد فيقول لها : ( لا تلبسي المذهب ، إني أخشى عليك اللهب ، ولا تلبسي الحرير اني أخشى عليك الحريق .) (٦) . ثم يأتي الآن من عسى أن تكون بنته تعرض في الشارع آخر أزياء باريس يتناوش أبا هريرة . هيهات واللّه. (١) التاريخ الكبير للبخاري ١/٤٤/ق٢، التهذيب ٣٦٥/١ (٣) الجرح والتعديل[٢/٣٧٩ ٤/ق١ (٥) البخاري ١٠/٧ (٢) الطبقات ٣٤٠/٤ (٤) المسند ٥١٨/٣٠٧/٢ (٦) الزهد لأحمد ص ١٥٣، حلية الأولياء٣٨٠/١ بسند صحيح، تذكرة الحفاظ ٣٤/١ ٦٤ دعابته المؤمن طلق الوجه ، يألف ويؤلف ، حسن البشر إذا لقي الغير ، وكذلك كان أبو هريرة رضي الله عنه . أخرج ابن سعد بسند صحيح عن أبي رافع قال : كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة فيركب حماراً قد شد عليه ، قال عفان: قرطاطاً ، وقال عارم (١) : برذعة ، وفي رأسه خلبه من ليف ، فيسير فيلقى الرجل فيقول : الطريق قد جاء الأمير ، وربما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الغراب فلا يشعرون بشيء حتى يلقي نفسه بينهم ويضرب برجليه فيفزع الصبيان ويفرون ، وربما دعاني إلى عشائه بالليل فيقول : دع العراق (٢) للأمير، فأنظر فاذا هو ثريد بزيت.) (٣). وأخرج أبو نعيم الأصبهاني عن ثعلبة ابن أبي مالك القرظي أن ( أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمة حطب ، وهو يومئذ خليفة لمروان ، فقال : أوسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك . فقلت له : يكفي هذا . فقال : أوسع الطريق للأمير ، والحزمة عليه.) (٤) (وقد استغل الطاعنون في أبي هريرة ، أمثال جولدتسيهر ، هذه الدعابة التي كانت فيه فبنوا عليها أنه كان ضعيف العقل ، ويظهر أن مؤلف فجر الإسلام يستحسن هذا الرأي ، ولذلك أشار فيما كتبه عن أبي هريرة إلى ما ذكره ابن قتيبة من نوادره ، ولم ير في جميع خلاله وأخلاقه ما يستحق منه مثل هذا التنبيه ، ولا ريب أن هذا تحامل على أبي هريرة وتشويه لحقيقته على غير أساس ، فظهور الرجل بمظهر المتلطف المداعب المحب للمزاح لا يحط من قدره ، ولا يكون مظهراً من مظاهر اضطراب عقله وخفته ، والإ لزم أن يكون كل لطيف مزوح : خفيف العقل ، وكل ثقيل الظل جافي الطبع : كبير العقل وافر التفكير.) (٥) . وقد (زعم أبو رية أن المؤرخين أجمعوا على أن أبا هريرة كان رجلاً مزاحاً مهذاراً، ثم شرح معنى الهذر بأنه الكلام الكثير الرديء الساقط، .. وهذا افتراء على اللّه وعلى أبي هريرة وعلى المؤرخين والتاريخ .. ونتحداك. بأن تأتينا بصحابي أو تابعي أو مؤرخ موثوق وصف أبا هريرة بالهذر ، وإلا فأنت من الكاذبين الذين يستهينون، بعقول الناس . وأما مزاحه فهذا مما عرف به ، وهو خلق أكرمه الله به وحببه به إلى الناس أجمعين ، وما كان المزاح في دين الله مكروهاً، وإلا كانت الثقالة وغلاظة الحسّ والروح أمراً محبوباً في الاسلام ، وحاشا لله ولرسوله أن يستحبا ذلك وقد قال اللّه لرسوله : ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك . (١) عفان وعارم هـ رواة الخبر وكلاهما ثقة. (٣) الطبقات ٣٣٦/٤، عيون الاخبار ٣١٥/١ (٢) العراق: العظم الذي نزع عنه اللحم وبقي عليه قليل. (٤) حلية الأولياء ٣٨٥/١، ونقلها السباعي رحمه المعارف لابن قتيبة . (٥) من كلام السباعي رحمه اللّه في كتاب السنة ومكانتها ص ٢٧٥ ٦٥ وما كان المزاح خلقاً معيباً عند كرام الناس ، وقد كان رسول اللّه يمازح أصحابه ، وكان الصحابة يمزحون ، وكان فيهم مشهورون بالمزاح البريء في حدود الشريعة والأخلاق ، ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه ، فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن بكر بن عبدالله قال : ( كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم متبادحون بالبطيخ ، أي يترامون به ، فاذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال . ولعمري لقد كان أبو هريرة كذلك ، ولو أن أبا رية رأى في بعض الروايات أن أبا هريرة تبادح بالبطيخ مع بعض الرجال والشباب ماذا كان يقول أبو رية الوقور عن هذا المزّاح المهذار ؟ .. وأخرج البخاري أيضاً في الأدب المفرد عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي قال : حدثني أبي أنهم كانوا غزاة في البحر زمن معاوية ، فانضم مركبنا الى مركب أبي أيوب الأنصاري ، فلما حضر غداؤنا أرسلنا اليه فأتانا ... وكان معنا رجل مزّاح يقول لرجل أصاب طعامنا : جزاك الله خيراً وبراً ، فغضب عليه حين أكثر عليه ، فقال لأبي أيوب : ما ترى في رجل إذا قلت له : جزاك الله خيراً وبراً غضب وشتمني ؟ فقال أبو أيوب : إنا كنا نقول : ان من لم يصلحه الخير أصلحه الشر، فاقلب عليه ، فقال له حين أتاه : جزاك الله شراً وعرّاً، فضحك ورضي وقال: ما تدع مزاحك؟ فقال الرجل: جزى الله أبا أيوب الأنصاري خيراً . هكذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن أنكر على أبي هريرة مزاحه فقد أنكر أمراً من الدين مباحاً ، وخلقاً لدى الكرام محبوباً .) (١) ثم ان هذه القصص عن أبي هريرة لا تدل على التكرار، فربما حدثت مرة واحدة ومع قوم أراد أن يداعبهم، وروح النكتة والدعابة مشهورة عند المؤمنين ، فإذا كان الجد والعمل والجهاد كانوا هم الرجال حقاً ، كما وصفهم بكر بن عبداللّه، وقد كان الصحابي نعيمان رضي الله عنه يأتي بما يضحك النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه الشريف . (وقد درج الصالحون والخيار، على أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبسم والطلاقة والمزاح ، بالكلام المجانب للقدح والشتم والكذب . فكان علي رضي الله عنه يكثر الدعابة . وكان ابن سيرين بضحك حتى يسيل لعابه . ) (٢) - (١) اقتباس ايضاً من كلام السباعي ص ٣٢٥ وما بعدها مع بعض تصرف وحذف ، وانظر هذه القصص التي أوردها السباعي رحمه الله في فضل الله الصمد شرح الا دب المفرد ٣٦٦/١ /٣٧٩ (٢) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص ٢٩٥/٢٩٤ ٦٦ : ( وكان شريح يمزح في مجلس الحكم ، وكان الشعبي من افكه الناس ، وكان صهيب مزاحاً ، وكان أبو العالية مزاحاً . وكل هؤلاء اذا مزح لم يفحش ، ولم يشتم ، ولم يغتب ، ولم يكذب ، وإنما يذم من المزاح ما خالطته هذه الخلال ، أو بعضها .) (١) . وقد مزح أبو هريرة مع من استفسر منه عن سبب كنيته الغريبة ، فيما أخرجه الترمذي عن عبدالله بن رافع قال : ( قلت لابي هريرة : لم كنيت أبا هريرة ؟ قال : أما تفرق مني ؟ قلت : بلى والله اني لأهابك.) (٢). وأنا أقول : والله ان المبطلين ليفرقون منك يا أبا هريرة، ويهابون حديثك الفاضح لهم ، وإنما الراجح أنت ، وإنما الرابح أنت ، وانما الطود الشامخ أنت ، رضي اللّه عنك وأرضاك. (١) المصدر السابق (٢) التر مذي ٢٢٨/١٣ ٦٧ . . أبو هريرة الحَافِظ الشِقة حِفظهُ وَدِفاعُه عَن نفسهِ يعتد أبو هريرة رضي الله عنه بحفظه كثيراً، ويثق بنفسه وثوقاً كبيراً ، فلا يجد حرجاً في أن يقول : (إني لا أعرف أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون احفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني .) (١) وذلك لأنه أفرغ ذهنه للحفظ في سنوات مصاحبته للرسول صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول : (صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين لم اكن في شيء أحرص مني أن أحفظ شيئاً في تلك السنين ،) (٢)، وفي لفظ آخر: ( ما كنت سنوات قط أعقل مني ولا أحب إلي أن أعيّ ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم مني فيهن.) (٣). وقد ولّد له هذا الحرص والحفظ حيازة حديث كثير رأى نفسه معه أنه أكثر الصحابة حديثاً خلا عبدالله بن عمرو بن العاص ، فيقول : ( ما من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم أحد أكثر حديثاً عنه مني ، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو ، فانه كان يكتب ولا أكتب.) (٤)، وفي لفظ أبي جعفر الطحاوي : ( فاني كنت أعي بقلبي ، وكان يعي بقلبه ويكتب بيده ، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له.) (٥). (١) ابن سعد ٣٣٢/٤ بسند صحيح، الدارمي ٨٦/١ بسند صحيح ايضاً . (٣) ابن سعد ٣٢٧/٤ بسند صحيح (٢) مسند الحميدي ٤٥٥/٢ بسند صحيح، مسند الامام أحمد ١٤٤/١٥ بسند صحيح ايضاً . (٤) البخاري ٣٨/١، الترمذي ٢٢٨/١٣، ١٣٦/١٠، مسند أحمد ١١٩/١٣، الدار مي ١٢٥/١ (٥) معاني الآثار ٣٨٤/٢ ٦٩ و (هذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره من أكثرية ما عند عبدالله بن عمرو ، أي ابن العاص ، على ما عنده . ويستفاد من ذلك أن أبا هريرة كان جازماً بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم منه إلا عبداللّه، مع أن الموجود المروي عن عبدالله ابن عمرو أقلّ من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة . فان قلنا : الاستثناء منقطع ، فلا إشكال ، إذ التقدير : لكن الذي كان من عبداللّه ، وهو الكتابة ، لم يكن مني ، سواء لزم منه كونه أكثر حديثاً ، لما تقتضيه العادة ، أم لا . وان قلنا : الاستثناء متصل ، فالسبب فيه من جهات . أحدها : أن عبدالله كان مشتغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم ، فقلت الرواية عنه . ثانيها : أنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف ، ولم تكن الرحلة اليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة ، وكان أبو هريرة متصدياً فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات ، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة ، فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمانمائة نفس من التابعين ، ولم يقع هذا لغيره . ثالثها : ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له بأن لا ينسى ما يحدثه، كما سنذكره قريباً . رابعها : أن عبدالله كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب ، فكان ينظر فيها ويحدث منها ، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين . والله أعلم .) (١). ويلاحظ أن إذن النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمرو بن العاص بكتابة الحدیث وارد بأسانيد صحيحة في مسند أحمد (٢). وقول أبي هريرة : لا أكتب (قد يعارضه ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو بن أمية ، قال : تحدث عند أبي هريرة بحديث ، فأخذ بيدي فأرانا كتباً من حديث النبي صلى الله عليه وسلم وقال : هذا هو مكتوب عندي . قال ابن عبد البر : حديث همام (٣) أصح ، ويمكن الجمع بأنه لم يكن يكتب في العهد النبوي ، ثم كتب بعده .) (٤) ، لكن (أقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوباً عنده أن يكون بخطه ، وقد ثبت أنه لم يكن يكتب ، فتعين أن المكتوب عنده بغير خطه .) (٥) . والراجح عندي أنه لميصح تدوينه للحديث ، والحاكم ، وإن روى رواية أخرى مفادها أنه كانت له كتب يراجعها إذا نسي حديثاً ، إلا أن الذهبي قال معقباً: ( هذا منكر لم يصح.) (٦) ، ويؤيده ما أخرجه (١) فتح الباري ٢١٧/١ (٢) المسند ٢١/١٠، ٢١٤/١٥٧/٦٣/١١ (٣) اي الذي يقول فيه لا ا کتب ، وهمام هو راويه عنه (٤) الفتح ٢١٧/١ (٥) نفس المصدر (٦) المستدرك ٥١١/٣ ٧٠ الدارمي عنه أنه قال عن نفسه : (لا يكتب ولا يكتّب .) (١) ، بتشديد وكسر تاء الثانية ، أي لا هو يكتب بيده ولا يملي على غيره ، وربما عنى : ولا يلتمس من غيره أن يكتبوا له ، أي لا يستكتب ، وهو بعيد . وفي لفظ ابن سعد أنه قال عن نفسه: (إن أبا هريرة لا يكتم ولا يكتب ) (٢)، بالميم وبلا تشديد الثانية . وهذا اللفظ أصح عندي ، إذ سنرى في آخر الكتاب أنه أملى نسخاً على بعض تلاميذه . وقد مدّ أحمد أمين وغيره من صنايع المستشرقين أعناقهم فعيّروا أبا هريرة بأنه لم يكن يكتب ، وأن عدم كتابته مظنة الخطأ ، وتناسوا أنه ما هو بالوحيد من الصحابة ممن لم يكتبوا الحديث ، بل لم يكتب من الصحابة إلا قلة قليلة، كعبدالله بن عمرو ، وعلي بن أبي طالب ، وهما لم يكتبا كل ما سمعا . وتجاهلوا أن اعتماد جمهور الصحابة كان على الحفظ ، كابن عباس وعائشة وأنس وغيرهم من المكثرين. فهل نتشكك في حديث كل الصحابة لأنهم لم يكتبوا ؟ سخافة يريدون بها التشكيك في صحة كل الأحاديث المروية ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ( إنا أمة أميّة لا نكتب ولا نحسب .) (٣)، لكنهم كانوا أمة الرواية والحفظ. لا غرابة إذن ، بعد أن رأى أبو هريرة نفسه أحفظ الصحابة وأكثرهم حديثاً معاً ، أن نجده فعلاً يكثر التحديث والرواية والتصدي لتبليغ ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كبار الصحابة ، فكان إكثاره هذا مدعاة لأن يلتمس منه بعض الصحابة الاقلال ، خوفاً عليه من الوقوع في الخطأ ، أو مدعاة لتعجب بعض التابعين ممن لم يعلم بملازمته الكثيرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، أو مدعاة لأن يتطاول بعض الجهلة من جيل التابعين من أهل العراق فيكذبونه ، والعراق يومئذ ، باجماع المؤرخين ، كان مركز التجمع اليهودي والمجوسي ، ومركز التآمر على الإسلام والطعن في رجالاته ، من هنا ، ورداً على الطوائف الثلاثة ، وتبريراً لإكثاره وجرأته على الرواية : دافع أبو هريرة عن نفسه ، وبين الأسباب التي جعلته يثق بنفسه ، واضطر لذكر بعض فضائله ومناقبه ، لا من باب الغرور والادلال ، وإنما من باب التذكير والتحدث بنعمة الرب عز وجل ، والدعوة إلى انتهاج مسلك الانصاف والموازنة بين ظروفه وظروف غيره ، والفرق الذي يجهله البعض أو يتجاهله أو ينساه . وأشهر دفاع له عن نفسه ما أخرجه البخاري في مواضع كثيرة عنه أنه قال : (يقولون : إن أبا هريرة يكثر الحديث، والله الموعد، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه ؟ وان إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل (١) الدارمي ١٢٢/١ بسند صحيح (٣) البخاري ٣٤/٣ (٢) الطبقات ٣٦٤/٢ من نفس طريق الدارمي ٧١ أموالهم، وكنت امرءاً مسكيناً ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون .) (١) . وفي لفظ الإمام أحمد : ( وإني كنت امرءاً معتكفاً ، وكنت أكثر مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أحضر إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا .) (٢). وفي لفظ الحاكم : ( إنه لم يكن يشغلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس ولا صفق بالأسواق ، إنما كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها.) (٣). وفي لفظ آخر للبخاري : ( كنت ألزم النبي صلى الله عليه وسلم لشبع بطني ، حين لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير ، ولا يخدمني فلان ولا فلانة ، وألصق بطني بالحصباء ، وأستقرىء الرجل الآية وهي معي كي ينقلب بي فيطعمني .) (٤). قوله رضي الله عنه في اللفظ الأول: والله الموعد. هو (بفتح الميم، وفيه حذف تقديرُه: وعند الله الموعد، لأن الموعد إما مصدر وإما ظرف زمان أو ظرف مكان ، وكل ذلك لا يخبر به عن اللّه تُعالى، ومراده : أن اللّه تعالى يحاسبني إن تعمدت كذباً، ويحاسب من ظن بي ظن السوء. (٥) . أما قوله : على ملء بطني : (أي مقتنعاً بالقوت ، أي فلم تكن له غيبة عنه .) (٦)، لا كما يدعي المرجفون أنه يصحبه لأجل اللقمة ليس إلا ، (فأبو هريرة لم يتكلم عن اسلامه ولا هجرته ولا صحبته المشتركة بينه وبين غيره من الصحابة وإنما تكلم عن مزيته ، وهي لزومه للنبي صلى اللّه عليه وسلم دونهم ، ولم يعلل هذه المزية بزيادة محبته أو زيادة رغبته في الخير أو العلم أو نحو ذلك مما يجعل له فضيلة على اخوانه ، وإنما عللها على أسلوبه في التواضع بقوله : على ملء بطني ، فانه جعل المزية لهم عليه بأنهم أقوياء يسعون في معاشهم وهو مسكين ، وهذا والله أدب بالغ تخضع له الاعناق.) (٧). إن اتهام أبي هريرة بالنهم والحرص على الطعام اتهام (لا يقوله إلا موتور، ولا يفهم معنى كلام أبي هريرة على هذا إلا من في عقله خلل ، أو في صدره دغل ، وإلا فكيف يسوغ لعاقل أن يفهم أن أبا هريرة يترك (١) البخاري ١٣٥/٣، وأخرجه بالفاظ مقاربة في ٦٥/٣، ١٣٣/٩٠١٦٧/١٦٦/٧، وهو في مسند أحمد حديث رقم ٧٢٧٣ وعند ابن سعد ٣٦٢/٢، ٣٣٠/٤، ومصادر. أخرى . (٣) المستدرك ٥١٠/٣ بسند صحيح . (٥) فتح الباري ٢٥/٥؛ (٧) من كلام المعلمي رحمه الله في الأنوار الكاشفة ص ١٤٧ (٢) المسند ١٢٢/١٤ (٤) البخاري ١٠٠/٧، وهو في ٢٤/٥ بالفاظ مقاربة. (٦) الفتح ١٩٢/٥ ٧٢ بلاده وقبيلته وأرضه التي نشأ فيها ويترك ذلك كله بعيداً ليأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأكل ويشرب فقط ؟ ! أكان أبو هريرة لا يجد في قبيلته ما يأكل ويشرب ؟ أكانت أرض دوس ، وهي قبيلة عظيمة ذات شرف ومكانة ، أرضاً مجدبة قاحلة ضاقت بأبي هريرة حتى لم يجد فيها طعامه وشرابه ؟ ولم جاء أبو هريرة إلى المدينة ؟ أما وجد في تجارتها وزراعتها ما يأكل به ويشرب كما يأكل ويشرب التجار والزراع فيها ؟ وهل نجد إلا عند المتسولين العالميين أن يهاجروا من بلادهم إلى بلاد نائية ليأكلوا ويشربوا ؟ بل إنا لا نجد عند هؤلاء مجرد الرغبة في الأكل والشرب ، بل وجمع الأموال ، وأبو رية لا يتهم أبا هريرة بأنه صحب الرسول لجمع الأموال ، أفليس أبو هريرة في رأي أبي رية أحط شأناً من هؤلاء المتسولين العالميين النور أو الغجر ؟ أهكذا يصل عمى البصيرة والحقد الأسود بصاحبه إلى هذا الدرك ؟ ثم إن الرواية الصحيحة الثانية في صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم ليست هي كما أوردها أبو رية ، بل هي كما رواها البخاري في كتاب البيوع: وكنت الزم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ملء بطني، يقول ذلك في إيضاح كثرة روايته للحديث كما سبق . ورواها مسلم أيضاً في فضائل الصحابة ، يقول : كنت رجلاً مسكيناً أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني. فلا ذكر للصحبة هنا بل الملازمة والخدمة ، ولم يكن ذلك في صدد الباعث له على صحبة النبي صلى الله عليه وسلم كما زعم أبو رية ، بل في صدد السبب الذي من أجله كان أكثر الصحابة حديثاً. لقد كان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق في التجارة ، وكان الأنصار أصحاب زرع تشغلهم زراعتهم ، بينما هو كان يلازم النبي ويخدمه أينما ذهب ، فأين يأتي زعم أبي رية بأنه كان صريحاً صادقاً في كشف سبب صحبته للنبي صلى اللّه عليه وسلم؟ ولم يكتف أبو رية بتحريف الكلم عن مواضعه بل زاد على ذلك أن لفظ: ((على))، في قوله : على ملء بطني، إنما هو للتعليل، وإن ابن هشام ذكر أن من معاني ((على)) هو التعليل، كقوله تعالى: (( ولتذكروا الله على ما هداكم)). أي لما هداكم . وهذا افتراء آخر ودليل آخر على أنه لا يريد الحق وإنما يريد أن يتلمس الطريق إلى الحط من شأن أبي هريرة . إن ابن هشام رحمه الله ذكر أن (على) تأتي على تسعة معان ، إحداها التعليل ، فلماذا تعيّن عند أبي رية أن تكون لمعنى واحد من هذه المعاني التسع ، مع أنها في قول أبي هريرة تصلح لأكثر تلك المعاني ؟ وقد فهمها العلماء الذين أنار الله بصائرهم وطهر قلوبهم من الحقد على صحابة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم على حقيقتها دون ما فهمه أبو رية . ٧٣ قال الإمام النووي في شرح قول أبي هريرة : على ملء بطني : أي ألازمه وأقنع بقوتي ولا أجمع مالا الذخيرة ولا غيرها ، ولا أزيد على قوتي ، والمراد من حيث حصول القوت من الوجوه المباحة ، وليس هو من الخدمة بالاجرة . شرح النووي على مسلم (١) . وقال الحافظ ابن حجر : على ملء بطني : أي مقتنعاً بالقوت ، أي فلم تكن له غيبة عنه . وقال العلامة العيني : على ملء بطني : أي مقتنعاً بالقوت (٢) . وخلاصة القول : إن أبا رية قد انكشف انكشافاً فاضحاً حين أراد أن يتخذ من قصة إسلام أبي هريرة وملازمته له مجالاً للتشكيك في صدق إسلامه واخلاصه في حب النبي صلى الله عليه وسلم ، من حيث كانت تلك القصة وهذه الصحبة من مفاخر أبي هريرة ومن أقوى الدلائل على حبه لله ولرسوله ، حباً خالصاً لا تشوبة شائبة من حب للدنيا أو رغبة في المال أو حرص على الجاه . أما الدنيا فقد خلّفها وراءه منذ اعتزم أن لا يتاجر في المدينة ولا يزرع ولا يكون له هم إلا ملازمة الرسول صلى الله عليه وسلم وتلقي حديثه وحمل أمانته للمسلمين من بعده . وأما المال فان أبارية - على سفهه وشططه في فهم النصوص - لم يجرؤ أن يفتري على أبي هريرة أنه كان في إسلامه راغباً في المال .) (٣). هذه هي ظروف أبي هريرة ، وهي ظروف لا ينكر أي منصف فضلاً عن مؤمن أنها تساعد أبا هريرة على التجرد للسماع والحفظ ورؤية جميع المشاهد النبوية . وفعلاً نجد أن بعض كبار الصحابة قد أقرّوا بأنهم ألهاهم الصفق بالأسواق عن سماع بعض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما وصفهم أبو هريرة، فهذا الفاروق عمر رضي الله عنه يسمع حديثاً من أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فينكره ، فيشهد أبو سعيد الخدري لأبي موسى رضي الله عنهما بأنه سمع الحديث نفسه أيضاً ، فيقول عمر : ( خفي عليّ هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ألهاني عنه الصفق بالأسواق .) (٤) بل لم يكن رضي الله عنه يلهيه الصفق بالأسواق فحسب، وإنما كانت داره في عوالي المدينة ، لا كأبي هريرة على بعد خطوات من حجرة عائشة رضي الله عنها . - (١) شرح النووي على مسلم ٥٣/١٦ (٣) من كلام السباعي رحمه الله في كتاب السنة ومكانتها ص ٣١٤ وما بعدها . (٢) عمدة القاري ٣٩٤/٥ (٤) مسلم ١٧٩/٦ ٧٤ : أخرج البخاري عنه أنه قال : ( كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد ، وهم من عوالي المدينة ، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل يوماً ، وأنزل يوماً ، فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك.) (١) . وهذا أبو بكر رضي الله عنه كان مسكنه بالسُنح، وهو مكان بعيد عن المسجد أيضاً (٢). فاذن : ليس بمستغرب أن يعلم أبو هريرة شيئاً لا يعلمه قدماء الصحابة ، بل أكثر من هذا : ليس بمستغرب أن يعلم شيئاً لا يعلمه أهل الاختصاص منهم بموضوع معين ، كما كان حذيفة رضي الله عنه مختصاً بمعرفة الفتن وأشراط الساعة لكثرة ما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها ، ومع ذلك خفي عليه بعض علمها وعرفه أبو هريرة . قال الحاكم : ( قد اتفق الشيخان رضي الله عنهما على حديث شعبة عن عدي بن ثابت عن عبدالله بن يزيد عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ، فما منه شيء إلا وقد سألته عنه ، إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة .) (٣) ، بينما يروي أبو هريرة في ذلك حديثاً في نفس الصفحة من المستدرك ، وهو في البخاري (٤). # لذلك يقول أبو هريرة حين تعرض به مروان بن الحكم : ( كنت والله أعلم الناس بحديثه ، قد والله سبقني قوم بصحبته والهجرة إليه من قريش والأنصار ، وكانوا يعرفون لزومي له ، فيسألوني عن حديثه ، منهم عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير ، فلا والله ما يخفى عليّ كل حديث كان بالمدينة ، وكل من أحب الله ورسوله، وكل من كانت له عند رسول الله منزلة، وكل صاحب له ، وكان أبو بكر صاحبه في الغار وغيره .) ثم قال : (ليسألني أبو عبد الملك عن هذا وأشباهه ، فانه يجد عندي منه علماً جماً ومقالاً.) (٥) . وحين تتعرض له عائشة رضي الله عنها ، وهي امرأة، يضطر أبو هريرة لأن يذكرها بظروفها الخاصة التي تجعلها أقل منه مشاهدة لأمور النبي صلى الله عليه وسلم ، بكلمات طريفة تدل على نكتته . تقول له عائشة : ( يا أبا هريرة : ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل سمعت إلا ما سمعنا ، وهل رأيت إلا ما رأينا؟) (٦)، فيجيبها : ( يا أماه : إنه كان يشغلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المرآة والمكحلة والتصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء.). (١) البخاري ٣٦/٧ (٣) المستدرك ٤٢٦/٤ (٥) البداية والنهاية ١٠٨/٨ (٢) البخاري ٨٦/٢ (٤) البخاري ٢٦/٣ (٦) المستدرك ٥٠٩/٣ بسند صحيح أقره الذهبي وطبقات ابن سعد ٣٦٤/٢ بسند على شرط الصحيح . ٧٥ ووثوقاً بنفسه تجاوز رضي الله عنه موقف الدفاع إلى موقف التعرض بعائشة ومعاندتها ، فيأتي إلى جانب حجرتها يحدث (١) ، ثم يتعرض بها ويقول: ( إسمعي يا ربة الحجرة ، إسمعي يا ربة الحجرة ، وعائشة تصلي.) (٢)، (فلما قضت صلاتها قالت لعروة: ألا تسمع الى هذا ومقالته آنفاً، إنما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يحدث حديثاً لو عدّه العاد لأحصاه .) (٣)، وفي لفظ آخر: ( ألا يعجبك أبو فلان ، جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعني ذلك، وكنت أسبّح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم.) (٤) فهذا هو سبب إنكارها، ولم تضعّفه ، ولم تتهمه بكذب كما يحلو للبعض أن يدعي ، ومع ذلك فهي تعترف أنه قام قبل أن تقضي سبحتها ، أي صلاتها ، وليس وقت الصلاة بالوقت الطويل . ولفظ مسلم لهذه القصة : ( ألا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جنب حجرتي.) (٥) وقولها : لو عدّه العاد لأحصاه : ( أي لو عد كلماته أو مفرداته أو حروفه لأطاق ذلك وبلغ آخرها ، والمراد بذلك المبالغة في الترتيل والتفهيم .) (٦) أما قولها : كنت أسبّح: ( أي أصلي نافلة ، أو على ظاهره ، أي: أذكر الله، والأول أوجه.) (٧)، وقولها: لو أدركته لرددت عليه: (اي لأنكرت عليه وبينت أن الترتيل في التحديث أولى من السرد .) (٨) وقولها: لم يكن يسرد الحديث كسردكم : ( أي يتابع الحديث استعجالاً بعضه إثر بعض لئلا يلتبس على المستمع : زاد الاسماعيلي من رواية المبارك عن يونس : انما كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلاً فهماً تفهمه القلوب.) (٩). وقول عائشة هذا إنما قالته عندي في الأعم من أحوال النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإلا فقد قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: ( حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً حديثاً طويلاً عن الدجّال، فكان فيما يحدثنا به أنه قال : .. ) (١٠)، وقال أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أكثر أن يقول: سلوني) في مجلس من مجالسه (١١)، وكذلك أبو هريرة رضي الله عنه، لم يكن دائماً يطيل التحديث، إذ يقول عكرمة تلميذه : ( ألا أخبركم بأشياء قصار حدثنا بها أبو هريرة ؟ نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن .. ) (١٢) فهو يبين أنها قصار . وبالله عليك أيها المنصف : هل يأتي الذي يريد أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرع بكذبه آذان أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أم الأجدر به أن يتوارى بعيداً ؟ ومع ذلك فإن أبا هريرة إن كان يكثر في المجلس الواحد فنعتذر عنه ( بأنه كان واسع الرواية ، كثير (١) البخاري ٢٣١/٤ (٤) البخاري ٢٣١/٤ معلقاً عن الليث (٦) إلى (٩) فتح الباري ٣٩٠/٣٨٩/٧ (١١) البخاري ١١٨/٩ (٢)(٣) مسلم ٢٢٩/٨، أبو داوود ٢٨٨/٢ (٥) مسلم ١٦٧/٧ (١٠) البخاري ٧٦/٩ (١٢) البخاري ١٤٥/٧ ومسند الحميدي ٤٨٢/٤٦٢/٢ ٧٦ : المحفوظ ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث ، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر فتتزاحم القوافي على فيّ .) (١) . * * * ويوضح أبو هريرة رضي الله عنه سبباً آخر لحفظه ، فيقول بعد ذكره عدم التهائه بالصفّق بالأسواق : ( وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم يوماً : لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئاً أبداً ، فبسطت نمرة (٢) ليس علي ثوب غيرها ، حتى قضى النبي صلى اللّه عله وسلم مقالته ، ثم جمعتها إلى صدري ، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا) (٣) ، وفي آخر رواية الحميدي : ( قال المسعودي : وقام آخر فبسط رداءه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبقك :ها الغلام الدّوْسي.) (٤). وقد شجعت هذه الطريقة السهلة الطريفة أبا هريرة على أن يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم بسط ثوبه مرة أخرى ، فيقول : ( قلت : يا رسول الله: إني سمعت منك حديثاً كثيراً " فأنساه . قال : ابسط رداءك ، فبسطت ، فغرف بيده فيه ، ثم قال : ضمّه ، فضممته ، فما نسيت حديثاً بعد .) (٥) ، وهذا من علامات النبوة . وهل إن عدم النسيان اختصت به أحاديث ذلك المجلس فقط أم يشمل كل ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك المجلس ايضاً ؟ نفى ابن حجر (٦) اختصاصها بذلك المجلس وجعلها شاملة ، ويشهد له قول أبي هريرة في بعض ألفاظ هذه القصة : ( فما نسيت حديثاً سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم بعد مجلسي ذاك. ) (٧)، إلا أن الطحاوي يروي هذه القصة من طريقين : الأول : طريق سعيد بن المسيب ، ولفظه : ( فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئاً حدثني به .). الثاني : طريق الأعرج ، ولفظه : ( ما نسيت من مقالته تلك كلمة إلى يومي هذا .). (١) الفتح ٣٩٠/٧ (٣) مصادره هي نفس المصادر المذكورة في حاشية رقم١ ص٧٢ وراجع أيضاً مسند أحمد ٣٣٤/٢ بألفاظ مقاربة . (٥) البخاري ٢٥٣/٤، وبالفاظ مقاربة في ٤٠/١، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٣٦٢/٢، ٣٢٩/٤، والترمذي ٢٢٥/١٣ بلفظ: ( اسمع منك اشياء فلا احفظها .). (٢) النمرة: ( بفتح النون وكسر الميم) كساء ملون، وقال ثعلب : هي ثوب مخطط ، وقال القزاز : دراعة تلبس فيها سواد وبياض.) فتح الباري ١٩٢/٥. (٤) مسند الحميدي ٤٨٣/٢ (٦) الفتح ٢٢٦/١ (٧) التاريخ الكبير للبخاري ١/١٣٦/ق١ ٧٧ ورجّح الطحاوي رواية الأعرج الثانية ، بقرينة أن أبا هريرة صرح بأن عبد الله ابن عمرو أكثر منه حديثاً لأنه كان يكتب وهو لا يكتب ، وهذا يتضمن اعترافه بأنه نسي بعض الأحاديث لعدم كتابته لها ، ثم قال : ( ولما كان الأمر كذلك ، وكان عبدالله بن عمرو أكثرهما حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجب القضاء للأعرج على ابن المسيب فيما اختلفا فيه عن أبي هريرة ، فكان الذي مع أبي هريرة مما انتفى عنه فيه النسيان هو ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الموطن الواحد ، لا فيما كان قبله ، ولا فيما كان منه بعده . ) (١) . وقد حاول أبو رية التشكيك أصلاً في قصة النمرة ، فادعى أن الامام مسلماً قال : إن مالكاً انتهى حديثه عند قول أبي هريرة الموقوف عليه ، أي ذكره لعدم صفقه بالأسواق وملازمته النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه لم يذكر قصة النمرة ، وزعم أبو رية أن رواية مالك هي الصحيحة ، لأن الكلام بعد ذلك مفكك الأوصال ، وهذه محاولة فاشلة من أبي رية (تنم عن جهل عميق بمقصد مسلم وطريقة المحدثين ، وعن بغض دفين لأبي هريرة حمله على أن يحرف الكلم عن مواضعه ، والذي في صحيح مسلم أن الزهري راوي الحديث عن ابن المسيب عن أبي هريرة قد روى عنه الحديث ثلاثة : مالك ، وسفيان بن عيينة ، ومعمر ، أما مالك فقد اقتصر على كلام أبي هريرة ، وهو دفاعه عن نفسه وبيان الأسباب التي هيأت له الاكثار، وأما سفيان ومعمر فقدذكرا قصة بسط الثوب ومقالة النبي صلى الله عليه وسلم ، فالقصة وردت من طريق ابن عيينة ومعمر ، وناهيك بهما إمامين جليلين ، وكذلك وافق سفيان بن عيينة ومعمر في ذكر القصة ابراهيم بن سعد ، وحديثه عند البخاري . ) (٢) # ويعطينا أبو هريرة مثلاً عملياً لترصده لحفظ ما يصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم التفات البعض الآخرين ، فيقول : ( يقول الناس: أكثر أبو هريرة (٣)، فلقيت رجلاً فقلت: بما قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم البارحة في العَتّمة ؟ فقال : لا أدري . فقلت : لم تشهدها ؟ قال: بلى. قلت : لكن أنا ادري ، قرأ سورة كذا وكذا .) (٤). ٠ ٠ ٠ ومع ذلك فان ما حدثنا به أبو هريرة ليس كل ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ أخفى أحاديث (١) مشكل الآثار ٢٦٧/٢ (٣) قال ابن حجر: ( هذا يدل على انه كان يقول هذه المقالة امام ما يريد أن يحدث به ، مما يدل على صحة اكثاره ، وعلى السبب في ذلك ، وعلى سبب استمراره على التحديث . ) الفتح ٣٣٣/٣ ٠ (٢) من كلام الشيخ ابي شهبة في (دفاع عن السنة) ص ١٦٦ (٤) البخاري ٨١/٢، طبقات ابن سعد ٨١/٢ ٧٨ : : كثيرة خشبي من سامعيها أن يستغربوها فيكذبوه فيها ، أو خشي من الأمراء آنذاك أن يعدوها تحريضاً عليهم فيؤذوه من أجلها ، فيقول : (رب كيس عند أبي هريرة لم يفتحه ، يعني من العلم.) (١) .. ويقول : ( حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثته، وأما الآخر فلو بثثته : قطع هذا البلعوم.) (٢). قال ابن حجر عن ابن المنير شارح البخاري : ( أراد أبو هريرة بقوله : قطع ، أي قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم وتضليله لسعيهم ، ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها ، لما ذكره في الحديث الأول من الآية الدالة على ذم من كتم العلم (٣). وقال غيره (٤) : يحتمل أن يكون أراد مع الصنف المذكور ما يتعلق بأشراط الساعة وتغير الأحوال والملاحم في آخر الزمان ، فينكر ذلك من لم يألفه ، ويعترض عليه من لا شعور له به .) (٥). ويؤكد أبو هريرة جانب التكذيب، فيقول في لفظ الحاكم : (حفظت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث ما حدثتكم بها ، ولو حدثتكم بحديث منها لرجمتموني بالأحجار .) (٦) ، وفي لفظ ابن سعد بسند صحيح : ( لو أنباتكم بكل ما أعلم لرماني الناس بالخزف وقالوا : أبو هريرة مجنون .) (٧)، وألفاظ أخرى قريبة من هذه أهملتها . والحقيقة أنه لا غرابة في أن يكون أبو هريرة سمع مثل هذه الأحاديث التي يستغربها السامع ويتهمه بالكذب من أجلها ، إذ سمع حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أيضاً مثل تلك الأحاديث ، وخشي التحديث بها لنفس السبب الذي منع أبا هريرة . أخرج الحاكم بسند صحيح أقرّه الذهبي عن أبي الطفيل قال : ( انطلقت أنا وعمرو بن ضليع إلى حذيفة ابن اليمان وعنده سماطان من الناس ، فقلنا : يا حذيفة : أدركت ما لم ندرك ، وعلمت ما لم نعلم، وسمعت ما لم نسمع، فحدثنا بشيء لعل الله أن ينفعنا به، فقال: لو حدثتكم بكل ما سمعت ما انتظرتم بي الليل القريب.) (٨) وقال لخيثمة بن عبد الرحمن لما طلب منه ذلك: (لو فعلت لرجمتموني .) (٩) . فلا داعي إذن لأن يرى أبو رية أو المستشرق أو المبتدع في قول أبي هريرة هذا دليلاً على الكذب ، وإلا لاقتضى الأمر أيضاً تكذيب حذيفة ، وهو ما لم يقله أحد . (١) سير أعلام النبلاء ٤٣٢/٢ (٣) سيأتي الحديث ومعه الآية (٥) الفتح ٢٢٧/١ (٧) الطبقات ٣٣١/٤ (٩) المستدرك ٤٧١/٤ (٢) البخاري ٤٠/١، طبقات ابن سعد ٣٦٢/٢، ٣٣١/٤ (٤) اي غير ابن المنير (٦) المستدرك ٥٠٩/٣ بسند صحيح اقره الذهبي. (٨) المستدرك ٤٦٩/٤ ٧٩ بل وحتى هذا المقدار الذي حدثنا به أبو هريرة من الأحاديث لم يكن ليحدثنا به لولا أن خاف أن ينسب يوم القيامة إلى كتمان العلم، فيقسم رضي اللّه عنه أنْ ( واللّه: لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئاً أبداً : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ، إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم، وأنا التواب الرحيم.) (١) من هنا ، وبنفسية الواثق بما عنده ، راح أبو هريرة رضي الله عنه يرد بعنف مرة ، وبعتاب ، أخرى وبسخرية ثالثة ، كل تهم الكذب التي وجهت اليه . يشهد تلميذه أبو رزين مشهداً من ذلك فيقول : ( خرج إلينا أبو هريرة فضرب بيده على جبهته فقال : ألا إنكم تحدثون أني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لتهتدوا وأضل، ألا وإني أشهد لسمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول :... ) (٢). ويتحداهم فيقول بعد رواية حديث: (شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.) (٣). ذلك لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. ) (٤)، وهو أخوف من أن يجلس على الجمرة الصغيرة فضلاً عن المقعد . ومن أسخف ما قيل أن أبا هريرة كذاب لأنه نفى عنه الكذب، وأن هذا خلق الكاذب يحاول نفي الكذب عنه ، ولا يخفى ما في هذا التفسير من الالتواء ، ذلك أن كثيراً من الصحابة كانوا ينفون عن أنفسهم الكذب لبعث الطمأنينة في نفوس السامعين ، وأبو هريرة ما نفى عن نفسه الكذب الا لمثل ذلك . إن أبا هريرة رضي الله عنه لم ينفرد بنفي الكذب عنه ، فهذا الصحابي عمرو بن عَبَسة السلمي رضي اللّه عنه (٥) ، جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في مكة في بدء الدعوة وأسلم ، حتى إنه سأل الرسول صلى اللّه عليه وسلم آنذاك: (من معك على هذا؟ قال حرٌ وعبدٌ .) أي أبو بكر وبلال رضي الله عنهما، ثم أمره (١) البخاري ١٣٥/٣ ومواضع أخرى، ومسند أحمد رقم ٧٢٧٤ جـ ١٢ وابن سعد ٣٣١/٤ والآية من البقرة ١٥٩ (٣) أبو داود ١٤٨/٢ (٥) ترجم له البخاري في التاريخ الكبير ٣/٣٠٢/ق٢ وساق خبراً فيه أنه جاء أول مرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعكاظ ، فهو من قدماء الصحابة ، وترجم له ابن حجر في التهذيب ٦٩/٨ وبين أنه اخوابي ذر لأمه ، وان ابن مسعود وسهل بن سعد رويا عنه . (٢) مسلم ١٥٣/٦ (٤) البخاري ٣٨/١ ٨٠ : :