Indexed OCR Text
Pages 1-20
التَّارِ الشّعبَ الإِمَانِ تأليف الإِمَامَ الْحَافِظُ أَبْ نَكُر أحمدَ بن الحُسَِّنِ الْبَّهَقِيْ ٣٨٤ ھ - ٤٥٨ ھ الجزء الأوّك حقّقَهَ وَرَاجع نصوصهُ وضّح أحاديثه الدكتور عَبْدُ العَبِيت عبد الحميد خَاشِر مَكتَبَة الرُّشْد تَاشرون حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ - ٠٢٠٠٣ مكتبة الرشد للنّشر والتوزيع * المملكة العربية السعودية - الرياض - طريق الحجاز ص ب ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ هاتف ٤٥٩٣٤٥١ فاكس ٤٥٧٣٣٨١ E-MAIL: alrushd@suhuf.net.sa www.alrushd.com فرع مكة المكرمة : - هاتف ٥٥٨٥٤٠١ _ ٥٥٨٣٥٠٦ * · فرع المدينة المنورة : - شارع أبي ذر الغفاري - هاتف ٨٣٤٠٦٠٠ * فرع القصيم بريدة طريق المدينة - هاتف ٣٢٤٢٢١٤ * فرع أبها : - شارع الملك فيصل هاتف ٢٣١٧٣٠٧ * فرع الدمام : - شارع ابن خلدون - هاتف ٨٢٨٢١٧٥ وكلاؤنا في الخارج * الكويت : - مكتبة الرشد - حولي - هاتف: ٢٦١٢٢٤٧ * القاهرة : - مكتبة الرشد - مدينة نصر - هاتف: ٢٧٤٤٦٠٥ التَّامِعُ الشَّعَةِ الإِمَانَ VI 3> 囍風味 كلمة الناشر الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين والمبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن سار على منهجه واقتدى بهديه إلى يوم الدين أما بعد فيسر مكتبة الرشد بالتعاون مع الدار السلفية بومباي الهند أن تقدم إلى المكتبة الإسلامية هدية نادرة من كتب التراث الإسلامي مطبوعة في صورة تروق عين الناظرين وترضي ذوق العلماء والباحثين وهي الموسوعة الحديثية العظيمة القدر الجامع المصنف في شعب الإيمان للإمام الحافظ المحدث أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (م ٤٥٨). ونحمد الله عز وجل على فضله وإنعامه بأن وفقنا - بكرمه ولطفه - بإصدار هذا الكتاب بتحقيق علمي. ويعتبر ذلك نجاحًا كبيرًا وخطوة إلى الأمام في تنفيذ المشاريع العلمية التي تتبناها مكتبة الرشد من يوم نشأتها في مجال إحياء التراث الإسلامي. وقد سبق أن أصدرت الدار أكثر من ثلاثمائة كتابٍ تتناول الموضوعات المختلفة من التفسير والحديث والعقيدة والفقه والفتاوى. ونسأل الله سبحانه وتعالى العون والتوفيق والسداد في قيامنا بمزيد من الأعمال لخدمة الدين الإسلامي خالصة لوجهه الكريم. الناشر ٧ الجامع لشعب الإيمان كلمة المحقق إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران ١٠٢/٣] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَ رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء ٤/ ١] ﴿يَا أَّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَغْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب :٧١،٧٠/٣٣] أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد نصار، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد ! فهذا هو كتاب ((الجامع المصنف في شعب الإيمان)) للإمام الحافظ أبي بكر أحمد ابن الحسين البيهقي، تقدمه الدار السلفية للقراء، ولعل ذلك يعتبر من أهم المشروعات العلمية التي يتم تنفيذها في هذه الدار التي عكفت منذ أول يوم نشأتها على إحياء التراث الإسلامي وإشاعة السنة النبوية والجهاد ضد البدع والخرافات. والكتاب يتناول موضوعًا هامًّا يمس حياة المسلم على وجه هذه الأرض، فالله تبارك وتعالى خلق الجن والإنس ليعبدوه، وأرسل الرسل والأنبياء لهدايتهم إلى ما فيه صلاحهم وفلاحهم، وختم هذه الحلقة ببعث أفضل الأنبياء وسيد الرسل محمد وله الذي جاء يعلم البشر طريقة إقامة الصلة المطلوبة بين العبد وربه، كما أوضح معالم ٨ الجامع لشعب الإيمان الحياة السعيدة ونبه على أن مناط الفوز والخسران في الدار الآخرة يكون على نجاح الفرد أو فشله في الوفاء بالشروط والواجبات التي يتطلبها الإيمان بالله. وليس الإيمان عبارة عن التفوّه بكلمة الشهادة، ولا هو عبارة عن مجرد الطقوس والعبادات الظاهرة التي يأتي بها الإنسان. بل الإيمان عبارة عن مجموعة من الخصال والأعمال، تغطي جوانب الحياة كلها كما أشار إلى ذلك رسول الله وَ له بقوله: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان)) . وهذه الشعب أشار إليها النبي المصطفى وَطّ في أحاديثه. وقد حاول جمعها في كتاب بعض العلماء وأحسن ما ألف فيه على طريقة المحدثين هو هذا الكتاب الذي بين أيديكم الآن. وهو يطبع لأول مرة بالتحقيق العلمي. والفضل يرجع في إخراجه إلى جهود الأخ الفاضل الشيخ مختار أحمد الندوي صاحب الدار السلفية الذي عرف بجهوده المخلصة لإشاعة السنة النبوية وهدم البدع الذميمة في الهند وخارجها . وأريد أن أعبر عن خالص شكري للأخ الفاضل الشيخ مختار أحمد الندوي الذي رآني أهلًا لهذا العمل ووضع ثقته فيّ. وأرجو أن أكون وفقت في إنجاز ما عهد إليّ من العمل . كما أشكر أولاده الثلاثة -أسلم وأكرم وأرشد - الذين قاموا بجانبي طوال مدة العمل يحاولون تذليل الصعاب وإزالة العقبات التي كانت تعرقل سبيلنا، كما حاولوا أن يحففوا عني وطأة المسئوليات الاجتماعية. فجزاهم الله وأطال عمرهم وكتب لهم النجاح والسعادة . وأود أن أشكر الأستاذ الفاضل الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي - حفظه الله - الذي قام بالتعاون معنا في إخراج هذا الكتاب، وأخبرنا عن نسخ الكتاب ومواضع وجودها، وساعدنا في الحصول على صور منها. وكان لتوجيهاته ونصائحه المخلصة فائدة كبيرة في عملنا. فجزاه الله أحسن الجزاء وأفادنا بعلمه . ٩ الجامع لشعب الإيمان وكذلك أشكر الأستاذ الفاضل صبحي السامرائي - حفظه الله - الذي تكرم بإهداء صور ((الجامع المصنف لشعب الإيمان)) من مكتبته الخاصة كما زودنا بكتب أخرى هامة استفدنا منها في إخراج هذا الكتاب. كما أشكر الزملاء الذين اشتركوا معي في العمل وهم: السيد/ ضياء الحسن السلفي الذي قام بنسخ الكتاب من المخطوطات، وقام بعمل فهارس ومراجعتها لتخريج أحاديث شعب الإيمان، والسيد/ زكي إختر الذي قام بإعداد فهرس كامل لرجال الكتاب، كما أعد فهرسًا منفصّلا لشيوخ البيهقي الذين يبلغ عددهم حوالي مائتي شيخ، وساهم في البحث عن تراجمهم في كتب التاريخ. والسيد خورشيد أنور الذي قام بصف الحروف على الكمبيوتر وإعطاء الكتاب شكله النهائي . أشكر كل هؤلاء وغيرهم ممن ساهم في إخراج هذا الكتاب. وأدعو الله أن يثيبهم على ما قاموا به من عمل ويكتب لهم التوفيق والسعادة . وضعت في أول الكتاب فصلين يتناول أحدهما ترجمة المؤلف والآخر كتابه الذي نحن بصدد نشره. وقد كتب كثير من العلماء، الذين قاموا بتحقيق كتب البيهقي ونشرها - أخيرًا - ترجمته، ولكن أحسن ما رأيت هو ما كتب أستاذي الجليل السيد أحمد صقر في مقدمة كتاب ((معرفة السنن والآثار)) ولقد استفدت من كلامه واقتبست منه. وأرجو الله أن يوفقني للسداد ويعصمني من الخطأ والزلل، ويقبله مني . إنه على كل شيء قدير . وصلى الله على النبي الأمي وعلى آله وأصحابه وأهل بيته أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. عبد العلي عبد الحميد حامد ١١ الجامع لشعب الإيمان الفصل الأول ترجمة المؤلف هو الإمام، العلامة، الحافظ، المحدث، الفقيه، الأصولي، الزاهد، أبو بكر أحمد ابن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الخسروجردي. ونسبته إلى بيهق، قال ياقوت : ناحية كبيرة، وكورة واسعة، كثيرة البلدان والعمارة من نواحي نيسابور، وتشتمل على ثلاثمائة وإحدى وعشرين قرية بين نيسابور وقومس وجوين، بين أول حدودها ونيسابور ستون فرسخاً، وكان قصبتها أولا ((خسروجرد))، ثم صارت ((سبزوار)). وأول حدود بيهق من جهة نيسابور آخر حدود ريوند إلى قرب دامغان خمسة وعشرون فرسخاً طولا وعرضها قريب منه ... إلى أن قال : ((وقد أخرجت هذه الكورة من لا يحصى من الفضلاء، والعلماء، والفقهاء، والأدباء، ومع ذلك فالغالب على أهلها مذهب الرافضة الغلاة(١)). ولد الإمام البيهقي في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة في شعبان، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة في جمادى الأولى. عاش ٧٤ سنة. وقف حياته كلها في خدمة العلم، في البحث والدراسة، والتصنيف والتأليف، والإفادة والتدريس. ساعده على ذلك القناعة باليسير، والتجمل بالزهد والورع. كانت نفسه أشربت حب العلم والمعرفة فأحاطها من جميع أقطارها، وملك خوف الله عز وجل ومحبة دينه قلبه من كل جانب فلم يتركا فيه مكانا للدنيا وأسبابها، ولذائذها ومنافعها. فركز همومه وصرفها إلى جهة واحدة هي العمل على بث العلم، وإفادة الناس، ونشر السنة (١) ((معجم البلدان)) (٥٣٧/١-٥٣٨). ١٢ الجامع لشعب الإيمان والدفاع عنها، والحرب ضد من تسول له نفسه النيل منها، أو الغض من شأنها . وكان في ذلك كله متدرعًا بسلاح من التقوى والورع والتواضع وكسر النفس، مع نزاهة القصد، وخلوص النية، وسعة الاطلاع، وقوة الحفظ، ودقة الفهم. كان أول سماعه للحديث في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وهو ابن خمس عشرة سنة(١) ورحل وطوف الآفاق في طلب العلم، فسافر إلى العراق والجبال والحجاز، وتجول في قراها ومدنها كنوقان وإسفرايين ونيسابور، والطابران، والدامغان، وبغداد، والكوفة، ومكة، وسمع من شيوخها، وأفاد واستفاد. وبعدما حصل على بغيته، وسكنت نفسه المتعطشة إلى الطلب والحصول رجع إلى موطنه، وعكف فيه يبث ما كان جمعه من العلوم فأقبل على التأليف والتصنيف والبحث والتدريس بنفس مطمئنة راضية لا يقلقها طلب معاش، وفكر متجمع لا يشوشه فكرة مال ولا تجارة، ولا التقرب إلى ذي سلطان. وهذه ميزة يتعجب منها الإنسان حينما يرى أن العصر الذي عاشه كان يسوده قدر غير قليل من الفتن والقلاقل السياسية والدينية. عصره: عاش البيهقي في فترة كانت من أشد الفترات اضطراباً، وأكثرها فتناً وقلاقل. كانت بلاد المسلمين كلها تموج بالفتن، وكان الوضع السياسي غير مستقر، فضعف الخلافة المركزية في بغداد أتاح لكل مغامر فرصة للوثوب على الحكم، واقتطاع جزء من الأرض لإقامة دولة جديدة. وهكذا كثرت الدويلات في طول البلاد وعرضها، ولم تكن العلاقات بينها تقوم على مودة وصفاء، وتفاهم وتعاون، بل كان يجري بينها حروب متواصلة مما قضى على الأمن والسلام، وأصبح الناس يعيشون في خوف دائم وقلق مستمر. وصار بلاط الأمراء والوزراء مسرح مؤامرات ومكيدات. ولم يكن بهم الإمام البيهقي ما كان يجري في الدوائر السياسية، ولكن كان عصره يموج بنوع (١) ((السير)) (١٦٤/١٨). - ١٣ الجامع لشعب الإيمان آخر من الفتن كان كل عالم مخلص يقلق لها. كانت الأمة الإسلامية انقسمت إلى معسكرات متناحرة متقاتلة(١)، فهناك طائفة الشيعة في حرب مع أهل السنة، وهؤلاء في مناظرة مع المعتزلة، وأهل السنة أنفسهم لم يكونوا متوافقين فيما بينهم، مجتمعين على كلمة واحدة. فكانت العلاقات بينهم عبارة عن مطارحات ومناقشات كانت سرعان ما تتحول إلى قتال دامٍ. وكانت الوحدة التي دعا إليها الإسلام اختفت، والألفة بين الناس تلاشت، وعواطف الأخوة والمحبة انعدمت، ومات الشعور بالتعاون والتضامن، وحل مكانه الشعور بالأنانية، والتفرق والتشتت والكراهية والحقد، والاختلاف والتحازب. وكانت النتيجة أن ضعفت شوكة المسلمين، وانعدم ذلك الرعب الذي نصر الله به هذه الأمة، وذهبت ريح المسلمين طبقاً لما أنذر الله في كتابه حين قال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾(٢) . وكان العلماء أهملوا واجبهم، فبدلا من أن يعملوا على تأليف القلوب والإصلاح بين الناس، صاروا في مقدمة الذين يوقدون نيران الفتن، أو ينضمون للقائمين عليها . وهذا التشتت في صفوف الأمة أدى إلى ضعف بين أدركه أعداء الإسلام الذين كانوا يتربصون بالمسلمين، فاغتنموا ذلك، وأعدوا عدتهم، وبدأوا حملاتهم، وأذاقوا المسلمين أنواعا من العذاب من القتل والأسر والتشريد. وكان الخلفاء والأمراء والسلاطين يخوضون أحيانا غمار هذه الفتن. وكان انحيازهم إلى طائفة ما يعني غلبتها وانتصارها من مخالفيهم الذين كانوا يتعرضون لأقصى المحن والبلايا على أيديهم. فمثلا كان هوى الخليفة القادر بالله مع أهل السنة وقام بنصرتهم في أكثر من موقع، ففي سنة ثمان وأربعمائة وقعت فتنة عظيمة في بغداد بين أهل السنة والشيعة قتل فيها عدد كبير من الخليقة، فتدخل الخليفة، وطرد زعماء الباطنية والجهمية والمشبهة، واستتاب فقهاء المعتزلة فأظهروا الرجوع، وتبرءوا من (١) انظر ((الكامل)) لابن الأثير و((البداية والنهاية)) لابن كثير و ((شذرات الذهب)) حوادث سنة ٤٠٨ هـ، ٤٢٠ هـ، ٤٥٨ هـ. (٢) الأنفال (٤٦/٨). ١٤ الجامع لشعب الإيمان الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام - وتبع السلطان محمود بن سبكتكين- وهو الحاكم على خراسان، خطوة الخليفة، فسعى في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم، ونفاهم وأمر بلعنهم على المنابر، وأبعد جميع طوائف أهل البدع، ونفاهم عن ديارهم. ولم يكتف الخليفة على ما فعل من استتابة المعتزلة وطرد زعماء أهل البدع، فجمع كتابا في مظاهرة أهل السنة، فيه الرد على أهل البدع وتفسيق من قال بخلق القرآن، وأمر بجمع العلماء والأعيان من كل الفرق، وقرئ عليهم الكتاب، وأخذت عهودهم ومواثيقهم بالموافقة عليه . ثم تقدم الخليفة خطوة أخرى فعزل خطباء الشيعة وولى خطباء السنة وعلى تشجيع من الخليفة اضطهد السلطان محمود بناحية من الري بطائفة من الباطنية، وأحل بهم قتلا ذريعا وصلبا شنيعا . وهكذا تمتع أهل السنة بنوع من حماية الدولة وأفادوا منها وانتفعوا بها في تنكيل معارضيهم، ولكن لم تدم هذه الحماية، ودالت الدولة عليهم فمات الخليفة المنتصر لهم، وزالت دولة بني سبكتكين، واستولى آل سلجوق على الملك في خراسان، ووجدت أهل التشيع والرفض والاعتزال الفرصة فانتصروا من أهل السنة، وكالوا لهم الكيل، وأشعلوا بمساعدة الحكام نيرانا للفتن اصطلى فيها البيهقي نفسه مع غيره من العلماء فعُذّبوا، وطُردوا من ديارهم، وسُجنوا وتُهبت بيوتهم، وأبعدوا عن الوظائف ولاسيما الخطابة، وأُحل غيرهم محلهم. حدث ذلك في سنة خمس وأربعين وأربعمائة وكان طغرلبك سلطان الوقت وكان رجلا سنيا حنفيا. والأحناف كانوا معروفين بلين الجانب مع المعتزلة بخاصة(١) فانتهز هؤلاء الفرصة وتقربوا إلى وزيره عميد الملك أبي نصر محمد بن نصر الكندري الذي يقول عنه السبكي (٢) الذي ذكر هذه الفتنة بإسهاب - إنه كان معتزليا، رافضيا، (١) انظر ((السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي)) (ص٢٤٢). (٢) ((طبقات الشافعية)) (٢٧٠/٢) وانظر فيه خبر هذه الفتنة. ١٥ الجامع لشعب الإيمان خبيث العقيدة. كان جمع أنواعا من النقائص والنقائض، فكان يقول بخلق الأفعال وغيره من قبائح القدرية، وسبّ الشيخين وسائر الصحابة وغير ذلك من قبائح شر الروافض، وتشبيه الله بخلقه وغير ذلك من قبائح الكرامية والمجسمة. فاجتمع حوله طوائف من القدرية والباطنية وتظاهروا بالانتساب إلى المذهب الحنفي. وتقربوا إليه، وما زالوا يمكرون ويدبرون حتى أغروه بالتوسل لدى السلطان، وإقناعه بسب المبتدعة على المنابر في أيام الجمع، فأصدر أمره بذلك. فاتخذ الكندري ومعارضو الأشعريين ذلك وسيلة إلى سبّ أبي الحسن الأشعري على المنابر وأحلوا بأصحابة من الشافعية أنواعا من النكال بالإهانة والأذى، والضرب والسجن، والمنع من الوعظ والتدريس، والإقصاء عن الوظائف ولاسيما الخطابة وإحلال الأحناف محلهم. ونسبوا إلى الأشعري أقوالا لم يقلها، فقالوا إنه يقول إن نبوة النبي ◌ُّ انتهت بموته، وإن الله تعالى لا يجازي المطيعين على إيمانهم وطاعتهم، ولا يعذب الكفار والعصاة على كفرهم ومعاصيهم، وإن موسى عليه السلام لم يسمع كلام الله عز وجل، وإن القرآن لم يكن بين الدفتين، وليس القرآن في المصحف. واتهموا الأشعري أيضا بأنه يقول بتكفير العوام. وقد ردّ على هذه الاتهامات الباطلة أبو القاسم القشيري في رسالة وجهها إلى علماء البلاد وسماها ((شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من الفتنة)) (١) وأثارت الرسالة مشاعر العلماء فكتبوا إلى الوزير يطلبون منه إخماد نيران هذه الفتنة التي طار شررها في الآفاق في خراسان والشام والعراق والحجاز ومن الذين كتبوا إليه أبو إسحاق الشيرازي، والقاضي الدامغاني. والبيهقي، ولم يكن لهذه الرسائل أثر في نفس الكندري وعملائه. وسدروا في غيهم، وتمادوا في عدوانهم حتى ضاقت على أهل السنة الأرض بما رحبت، واضطروا إلى الفرار بأنفسهم وأهاليهم فمنهم من خرج إلى العراق، ومنهم من ذهب إلى الحجاز وكان فيمن ذهب إلى الحج الحافظ أبو بكر البيهقي، والأستاذ أبو القاسم القشيري، وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني. ويقال (١) انظر نص هذه الرسالة في المرجع المذكور (٢٧٥/٢-٢٨٨). ١٦ الجامع لشعب الإيمان جمعت تلك السنة أربعمائة قاض من قضاة المسلمين من الشافعية والحنفية(١) هجروا بلادهم بسبب عدوان الوزير الكندري وعملائه. وقدر الله أن يموت السلطان طغرلبك في عام ٤٥٥ هـ وأن يتولى الملك بعده ابنه ألب أرسلان، ولم يمض شهور حتى نقم السلطان الجديد على الكندري وعزله وولى الوزارة مكانه نظام الملك، وأمره بالقبض على الكندري، وسجنه ومصادرة أمواله ثم قتله. وأبطل الوزير الجديد ما كان بدأ الكندري من سبّ الأشاعرة على المنابر، وانتصر للشافعية وأکرم علمائهم. في هذا العصر المليء بالمحن والفتن عاش الإمام البيهقي، وجاهد وكافح في سبيل مناصرة السنة. وألف كتبا في علوم الحديث والفقه وأصول الدين والزهد. وهذه النواحي الأربعة هي أبرز ما عنده ولذلك نود أن نخصص كل واحد منها بالكلام على وجه الاختصار. (أ) البيهقي وعلم الحديث: يبدو أن علم الحديث كان أول ما استرعى انتباه البيهقي وجذبه إليه فاندفع في تعلمه وتلقيه من الشيوخ برغبة شديدة وطموح جامح. فبدأ السماع وهو لا يزال في مقتبل الشباب في الخامسة عشرة من عمره، واستمر يقصد الشيوخ الكبار ويضرب أكباد الإبل إلى المدن البعيدة في طلب الحديث النبوي حتى تم له ما أراد، وأتقن علم الحديث وتبحّر فيه، وصار له في ذلك مكانة مرموقة ومنزلة عالية، وقد اعترف بفضله، وعلو درجته في علم الحديث، ومعرفة الوجوه والأسانيد، وإتقانه صناعة المحدثين الشيخ أبو محمد الجويني والدي إمام الحرمين أبي المعالي الجويني الذي كان بدأ بتأليف كتاب سماه ((بالمحيط)) وعزم فيه على عدم التقيد بالمذهب، فلما اطلع البيهقي على الأجزاء الأولى من هذا الكتاب، رأى فيه أوهامًا حديثية فبادر بالكتابة إليه يبين له ذلك، ويوضح ما كان خفي على أبي محمد من معرفة علوم الحديث. فلما (١) نفس المرجع (٢/ ٢٧٢). - ١٧ الجامع لشعب الإيمان وصلت الرسالة(١) إلى أبي محمد ما كان منه إلا التوقف عما كان عزم عليه، والاعتراف بمبلغ علم البيهقي في الحديث. وقال البيهقي في رسالته: ((وقد علم الشيخ -أدام الله توفيقه- اشتغالي بالحديث واجتهادي في طلبه، ومعظم مقصودي فيه في الابتداء التمييز بين ما يصح الاحتجاج به من الأخبار وبین ما لا یصح)). وقد نعى على الفقهاء عدم خبرتهم بالحديث وعدم الدقة في نقل الألفاظ مما يعطي المعارضين للشافعي الفرصة للكلام عليه. بينما كان منهج الإمام التمسك بما صح من السنة وترك العمل برواية الضعفاء والمجهولين. ثم وضح أن كل عالم يريد أن يشتغل بالحديث ويتكلم في متونه عليه أن يعلم مبدئيا أن الأحاديث المرفوعة على ثلاثة أنواع. ١- نوع اتفق أهل العلم به على صحته. ٢- ونوع اتفقوا على ضعفه. ٣- ونوع اختلف في ثبوته. فبعضهم يضعف بعض رواته بأسباب ظهرت له وخفيت على غيره، أو علل اطلع عليها فاتت من عداه. وكان البيهقي من أول أمره مولعا بالجمع والتصنيف لأحاديث النبي ◌َّ وأصحابه والتمييز بين الصحيح والضعيف، كما عبر عن ذلك بنفسه، فيقول في كتابه ((معرفة السنن والآثار)): ((وإني مذ نشأت وابتدأت في طلب العلم، أكتب أخبار سيدنا المصطفى وَّر وعلى آله أجمعين، وأجمع آثار الصحابة الذين كانوا أعلام الدين، وأسمعها ممن حملها. وأتعرف أحوال رواتها من حفاظها، وأجتهد في تمييز صحيحها من سقيمها، ومرفوعها من موقوفها، وموصولها من مرسلها)). (١) وقد ذكر السبكي في ((طبقات الشافعية)) ((٢١٠/٣ - ٢١٧]) ((الرسالة)) كاملة. ١٨ الجامع لشعب الإيمان كما أشار إلى منهجه في التأليف فيما يتعلق بقبول الأخبار وردها. فقال في مقدمة (دلائل النبوة)) (١): ((وعادتي في كتبي المصنفة في الأصول والفروع الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح، ليكون الناظر فيها من أهل السنة على بصيرة لما يقع الاعتماد عليه ولا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزا فيما اعتمد عليه أهل السنة من الآثار)). وأضاف قائلا: ((ومن وقف على تمييزي في كتبي بين صحيح الأخبار وسقيمها - وساعده التوفيق- علم صدقي فيما ذكرته. ومن لم ينعم النظر في ذلك ولم يساعده التوفيق فلا يغنيه شرحي لذلك وإن أكثرت، ولا إيضاحي له وإن بلغت كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾(٢)) وتوفرت له الوسائل الكفيلة لبلوغ هذه الدرجة من الإتقان والخبرة في علوم الحديث بأن رزقه الله شيوخا كانوا بلغوا الغاية في هذا الفن، ولما أحسوا منه الرغبة الصادقة واكتشفوا مواهبه، عنوا به عناية بالغة وقاموا بتدريبه على أحسن وجه، وأعدوه أكمل إعداد، لكي يكون خلفا من بعدهم في بث العلم وإذاعة السنة، على بصيرة ومعرفة . وقد ظفرت مؤلفات البيقهي في الحديث بإعجاب العلماء وتقديرهم قديما وحديثا، فقال النووي: إن الحفاظ متفقون على أنه أشد تحريا من أستاذه وشيخه الحاكم أبي عبد الله صاحب ((المستدرك))(٣) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه (٢٤٠/٣٢) البيهقي أعلم أصحاب الشافعي بالحديث. ولقبه ابنه أبو علي شيخ القضاة ((بشيخ السنة))(٤)، ولقبه أستاذنا السيد أحمد صقر(٥) في العصر الحديث ((بمنظم السنة))، (١) انظر ((المدخل إلى دلائل النبوة)) (تحقيق أستاذنا السيد صقر) (ص ٥٨، ٥٩). (٢) سورة يونس (١٠١/١٠). (٣) ((تدريب الراوي)) (١٠٦/١) نقلا عن المجموع شرح المهذب. (٤) تبيين كذب المفتري (٢٦٦). (٥) مقدمة ((دلائل النبوة)) (٧). ١٩ الجامع لشعب الإيمان - لجهوده في تنظيم السنة وتقريبها إلى طلابها. ورجع كماله وفضله في هذا المجال إلى شيوخه الذين تدرب على أيديهم البيهقي، والذين عنوا بالبيهقي المتعلم لما رأوا فيه من الاهتمام بهذا العلم. وفي مقدمة هؤلاء الشيوخ: ١- أبو عبدالله الحاكم، محمد بن عبدالله بن محمد بن حَدوَيْه، النيسابوري، الملقب بابن البيّع (٣٢١-٤٠٥هـ)(١). صاحب ((المستدرك على الصحيحين)) وشيخ المحدثين في عصره. طلب الحديث في صغره بعناية والده وخاله. وكان أول سماعه في سنة ثلاثين ولحق الأسانيد العالية بخراسان، والعراق وما وراء النهر. يقال إنه سمع من نحو ألفي شيخ. وحدث عن أبي العباس الأصم، وأبي عبدالله بن الأخرم، ومحمد بن أحمد بن بالويه الجلاب، وأبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغي، وأمم سواهم. روى عنه الدارقطني - وهو من شيوخه- وأبو يعلى الخليلي، وأبو القاسم القشيري، وأبو ذر الهروي، وأبو بكر البيهقي وخلق سواهم. وصنف وخرج، وجرح وعدل، وصحح وعلل، وكان من بحور العلم على تشيع قلیل منه. كان يقول: شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف(٢). قال ابن طاهر: سألت سعد بن علي الحافظ عن أربعة تعاصروا أيهم أحفظ؟ (١) ترجمته في ((تاريخ بغداد)) (٤٧٣/٥، ٤٧٤)، ((الأنساب)) (٤٠٠/٢ - ٤٠٢ البيع) تبيين كذب المفتري (٢٢٧-٢٣١)، ((وفيات الأعيان (٢٨٠/٤ - ٢٩١)، ((السير)) (١٦٢/١٧-١٧٧)، (التذكرة)) (١٠٣٩/٣ - ١٠٤٣)، ((الميزان)) (٦٠٨/٣)، ((الوافي)) (٣٢٠/٣-٣٢١)، ((التقييد)) (٦٤/١)،((طبقات السبكي)) (٦٤/٣-٧٢)، ((طبقات ابن قاضي شهبة)) (١٨٩/١-١٩١)، (شذرات الذهب)) (١٧٦/٣)، ((تاريخ التراث العربي)» (٤٥٤/١-٤٥٧). (٢) انظر ((تبيين كذب المفتري)) (٢٢٨)، ((الأنساب)) (٤٠١/٢)، ((السير)» (١٧١/١٧)، («تذكرة الحفاظ)) (١٠٤٤/٣)، ((طبقات السبكي)) (٦٦/٣). ٢٠ الجامع لشعب الإيمان قال: من؟ قلت: الدارقطني، وعبد الغني، وابن منده، والحاكم. قال: أما الدار قطني فأعلمهم بالعلل، وأما عبد الغني فأعلمهم بالأنساب، وأما ابن منده فأكثرهم حديثا مع معرفة تامة. وأما الحاكم فأحسنهم تصنيفا(١). قال الخطيب: كان من أهل العلم والفضل والمعرفة والاطلاع(٢). وقال عبد الغافر: هو أمام أهل الحديث في عصره، العارف به حق معرفته(٣). له مؤلفات كثيرة يقال إنها خمسمائة جزء، وقيل ألف جزء، وقيل ألف وخمسمائة جزء(٤). منها: ١- المستدرك على الصحيحين: قصد فيه جمع أحاديث صحت على شرط الشيخين - البخاري ومسلم - أو على شرط أحدهما ولم يخرجاه، ولكنه لم يلتزم بمنهجه فأخرج فيه أشياء كثيرة من الضعيف والموضوع وانتقده العلماء لذلك. وقيل في الدفاع عنه أنه لم يجد فرصة لإعادة النظر فيما كتب، فمات ولم يبيض المسودة، والله أعلم. ٢- معرفة علوم الحديث. ٣- تاريخ نيسابور. ٤ - الإكليل. ٥- المدخل إلى الصحيح. ٦ - فضائل الشافعي . وغير ذلك. روى عنه البيهقي فأكثر ومعظم الروايات في هذا الكتاب عنه. (١) ((السير)) (١٧٤/١٧)، ((تذكرة الحفاظ)) (١٠٤٥/٣)، ((طبقات السبكي)) (٦٦/٣). (٢) ((تاريخ بغداد)) (٤٧٣/٥). (٣) ((تذكرة الحفاظ)) (١٠٤٣/٣)، ((السير)) (١٦٩/١٧). (٤) ((طبقات ابن قاضى شهبة)) (١٩٠/١) ..