Indexed OCR Text
Pages 1-20
البائع لأخلاق الراويْ وَ آدَابِ السَّاريخ تأليف الحَافِظ الخطيب البغدادي ٣٩٢ - ٤٦٣ هـ تحقِيق الدكتور محمود الطجَّان أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة كليّة أصُول الدّين بالرياض مَكتبَة المعَارف الريَاض حُقوق الطَبع محفوظة للناشر ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣م مَكتبَة المعَارف - ص.ب: ٣٢٨١ - هاتف ٤٠١٣٧٠٨ - ٤٠٢٣٩٧٩ الرياض - المملكة العَربيّة السعُوديّة ٧ لأخلاق الرّاوى وَ آدَابِ السَّائع معد بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد الحمد لله القائل: ((وإنك لعلى خلق عظيم)» والصلاة والسلام على نبيه الكريم، سيدنا محمد بن عبد الله الذي كان خلقه القرآن، القائل: ((إنما بعثت لأتم مكارم الأخلاق)).(١) وعلى آله وصحبه الكرام الذين تخلّقوا بأخلاقه، وتتبعوا سننه وآدابه، فكانوا قدوة لمن بعدهم في الخُلُق والدين . أما بعد: فقد سبق لي الاطلاع على كتاب ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع )) للحافظ أبي بكر الخطيب، قبل عشر سنوات، وذلك بسبب بحثي في موضوع («الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث )) الذي كان موضوع رسالتي لنيل العالمية من درجة أستاذ (الدكتوراه) في الحديث الشريف وعلومه، من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر. فقد جمعت- بسبب بحثي المذكور- جميع ما أمكنني الوصول إليه من مؤلفات الخطيب، سواء كانت مخطوطة أو مطبوعة. وكان منها هذا السِفْر العظيم، الفريد في بابه، الذي لم يُسْبَق مؤلفُه إليه، بل لم يَزِدْ مَنْ أتى بعده عليه. ولقد قرأته وأعطيت وصفاً كاملاً عنه في رسالتي التي نوقشت من عشر سنوات. ومذ ذلك الوقت وأنا أفكر في تحقيق هذا الكتاب وإخراجه بشكل يليق بمقامه ومقام مؤلفه. فقد صَوَّرْتُ الموجود من نُسَخه المخطوطة من ذلك الوقت، وابتدأت بنسخها، لكنني توقفت عن متابعة النسخ والتحقيق أمَلاً في العثور على نسخ أخرى مخطوطة له. ولكن ما يسر الله ذلك طوال تلك الفترة، مع السؤال والبحث الحثيث. ولما انقطع أملي في الحصول على نسخ منه ، استأنفت (١) أخرجه مالك في الموطأ بلاغاً - كتاب حسن الخلق - ٩٠٤/٢- بلفظ ((بعثت لأتم حسن الأخلاق. وقال ابن عبد البر: «هو حديث مدني صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره)) وأخرجه الإمام أحمد في المسند ٣٨١/٢ بلفظ ((صالح الأخلاق)) ٥ العمل والتحقيق منذ سنتين تقريباً، مستعيناً بالله تعالى على إتمام تحقيقه وإخراجه بالشكل اللائق، ولقد منَّ الله تعالى عليّ بذلك، وهو خير معين، فيسر لي العمل فيه، وحبَّبَهُ إليّ، فكنت آنَسُ في تحقيقه في فترات من النهار، وساعات طويلة من الليل، حتى كّل الله مسعاي بإتمامه، وها هو ذا يخرج إلى حيز الحرية بعد أن كان حبيساً قرابة ألف عام، وأسأله تعالى أن أكون قد وفقت في سعي، وجانبت الشطط والزلل في عملي. كما أرجو من إخواني أهل العلم والتحقيق أن يغضوا الطرف عن الهفوات والزلات التي لا أبرّئ نفسي وعملي منها، فإن العصمة لكتاب الله وحده. كما أسأل إخواني طلبة العلم أن يتحفوني عند قراءته بدعوة صالحة، فهي خير ما أرجوه وأبتغيه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكتبه راجي عفو ربه المنّان أبو حفص محمود بن أحمد الطحان الرياض، غرة ربيع الأول من سنة ١٤٠١ هـ ٦ - تنبيه - اطلعت- أثناء إصلاح تجارب الطبع الأخيرة- على طبعة للكتاب ظهرت، تولتْ نشرها مكتبة الفلاح بالكويت، أهداني نسخة منها محققُها الدكتور محمد رأفت سعيد حفظه الله. ولدى اطلاعي السريع عليها فوجئت بأمور كثيرة وقع فيها الأستاذ المحقق ما كان ينبغي له الوقوع فيها، وأنا أذكرها بشكل عام، ثم استعرض الملاحظات التفصيلية والأخطاء في قراءة النص وفهمه في الصفحات الأولى من تحقيق النص. أولاً : الملاحظات العامة: ١ - اعتماد الأستاذ المحقق على نسخة مخطوطة كُتبت سنة ١٩٣٥م، التي رمز لها بحرف (ك) وقال: إنها نسخة كتبت عن النسخة القديمة التي رمز لها بحرف (م). وما أدري ما فائدة هذه النسخة في التحقيق؟ وما قيمتها العلمية؟ اللهم إلا تكثير عدد النسخ المخطوطة، وإثقال حواشي الكتاب بالمفارقات بينها، ثم إنه لم يذكر اسم ناسخها، فالظاهر أنه مجهول. ثم الظاهر أنه جاهل ليس من أهل العلم، بدليل أنه يخطىء في قراءة النص وفهمه، فيأتي الأستاذ ، فيعتمد تلك المفارقات، ويذكر ها وكأنها من الأهمية بمكان. ٢ - عنايته بذكر مفارقات النسخة (ك) وعدم عنايته بذكر مفارقات الجزء الرابع من المخطوطة الذي هو في المكتبة الظاهرية، والذي رمز له بحرف (ظ) مع أن هذا الجزء نفيس جداً. وعليه سماع يدل على أن هذه النسخة قرئت على المؤلف. وهو الجزء الرابع حقيقة من تجزئة الأصل، لا كما ذكر الاستاذ من أنه يرجح أنه الجزء الثالث، فهو خطأ واضح و فاحش. ٧ ٣ - تحريفه للنصوص، وذلك من عدم معرفته لقراءة النص وفهمه، فمثلاً في ٣٤/٢ ((عن عائشة قالت: خمس لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعهن في سفر ولا حضر، المرأة والمكحلة والمشط والمدر أو السواك)) هكذا جاء النص عند الأستاذ المحقق! والنص الصحيح - كما في النسخة المخطوطة- كما يلي (( ... المرآة والمكحلة والمشط، والمِدْرا، والسواك)) فحرّف النصَّ في ثلاثة مواضع، أولاً ((المرأة)) بدل ((المرآة)) بالمد، وشتان بين المرأة والمرآة. ثانياً في ((المدر)) بدل المِدْرَى، و((الِدْرِى)) هو شيء يشبه المشط كما هو معروف، وتكتب بالألف المقصورة، فأخطأ الناسخ - كعادته- وكتبها بالألف الطويلة، فظنها الأستاذ المحقق أنها ((المَدَر)) ثالثاً- وهو مبني على التحريف الثاني - لما قرأ الكلمة ((المَدَر)) أَلْحَقَ ألفها بواو العطف بعدها فصارت ((أو السواك)) بدل ((والسواك)) وهو شيء يفسد المعنى أيضاً، إذ يصبح العدد أربعة لا خمسة. وزاد الأستاذ المحقق الطين بَلَّة حين شرح كلمة المدر، فثبّت بذلك أن الأمر ليس خطأ مطبعياً، وإنما هو خطأ في قراءة النص وفهمه، فقال في شرحها: ((والمدري: هو الطين المتماسك لئلا يخرج منه الماء ، ومنه حديث: إنما هو مدر: أي مطبوع بالمدر، النهاية (٣٠٩/٤))) !... وأدع للقارئ الأمر بدون تعليق خشية الإطالة. ولكن أرجو من القارئ الرجوع إلى النهاية ٣٠٩/٤ ليرى سوء النقل وتحريفه أيضاً! ثم ما فائدة حمل النبي صلى الله عليه وسلم ((المدر)»- وهو الطين المتماسك - في السفر والحضر؟ الظاهر أنه أمر تعبدي لا دخل للعقل فيه، والعلم عند الله تعالى. ٤ - عدم الشكل والضبط: فلا يكاد يشكل أو يضبط كلمة أو عَلَماً من الأعلام، وهو قصور كبير في أصول التحقيق، حتى الكلمات التي ضُبطتْ في المخطوطة أهمل المحقق ضبطها . ٥ - خطؤه في أرقام الآيات عند عزوها، فهو دائماً يزيد في رقم الآية واحداً. فإذا كان رقم الآية/٢٥/ جعلها / ٢٦/ وإذا كانت / ٧/ ٨ جعلها / ٨/ وهكذا. ومن العجيب أنه في ٢٤٢/١ جاء قوله تعالى ((إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً )) فقال في الحاشية رقم (١) ((سورة النصر آية ٢، ٣))! يا ترى أين الآية رقم (١) التي قبل ((إذا جاء ... ))؟. ٦ - تركه للأخطاء المطبعية الكثيرة والفاحشة بدون تصحيح ولا جدول خطأ أو صواب في آخر الكتاب. ٧ - تخريجه لكثير من الأحاديث من المصادر غير الأصلية النازله، مع وجودها في المصادر الأصلية العالية الميسورة، وهو قصور فني كبير، فمثلاً في ١٧/٢ الحاشية رقم (٣) قال: في تخريج حديث (( إن الله طيب يحب الطيب الخ ... )) قال: ((رواه أحمد عن أبي ريحانة، ومسلم والترمذي عن ابن مسعود، وأبو يعلى عن أبي سعيد ، والطبراني عن أبي أمامة وابن عمرو وجابر الخ ... ثم قال: كشف الخفاء / ٢٤، حديث ٦٨٧ )) فهل يصلح هذا في أصول تخريج الأحاديث؟. ٨ - عدم التزامه بأصول الطباعة الحديثة، فلا يبدأ كل خبر أو حديث أو فكرة من أول السطر بفقرة مستقلة إلا قليلاً. وهو شيء لا يعذر فيه الطلاب في بحوثهم التي يقدمونها في المدارس والجامعات. - الملاحظات والأخطاء في قراءة النص أو الأخطاء المطبعية- في الصفحات الأولى من تحقيق النص ١ - جاء في ص ٧ - وهو أول صفحة في تحقيق نص الكتاب- في السطر (١٠) ما يلي: ((ما يجدوا إذا ... )) وقال في التعليق عليها ((هكذا رسم الكلمة في (م، ك) وبعدها (إذا))». قلت: هو خطأ، والنص واضح تمام الوضوح في (م) ((ما يحدو إذا)) فهي ((ذا )) وليس ((إذا )). ٢ - في ص ٨ - سطر ٥. سقطت الواو قبل كلمة ((نقله)). ٩ ٣ - في ص ٩ - سطر ١ ((ابو حلزم)) والصواب ((ابو حازم)). ٤ - في ص ٩ - سطر ٢ ((إملأ)) والصواب ((إملاءً)). ٥ - في ص ٩ - سطر ٢ ((محمد ابن إسحاق)) والصواب ((محمد بن إسحاق)). ٦ - في ص ١٠ - سطر ٦ ((غسان ابن رضوان)) والصواب ((غسان بن رضوان ». ٧ - في ص ١٠ - سطر ٧ ((البرا صعداد)) والصواب ((البزاز ببغداد)). ٨ - في ص ١٠ - سطر ٩ ((قلت آه عنده)) والصواب ((قلت له عنده)). ٩ - في ص ١٠ - سطر ١٠ ((فقال بيده كنا نروح يمنة ويسرة )) والصواب ((فقال بيده كذا يُرَوِّحِ يمِنة وَيَسْرَة )» ١٠- في ص ١١ - سطر ١ ((الحسن بن عبد الرحمن بن خلال)) والصواب ((الحسن بن عبد الرحمن بن خلاَّد)). ١١- ص ١١ - سطر ٢ ((النستري)) والصواب ((التُسْتَري)). ١٢- في ص ١١ - سطر ٥ ((نهياً)) والصواب ((تيهاً)). ١٣- في ص ١٣ - سطر ٣ ((أعلا)) والصواب ((أعلى)). ١٤- في ص ١٣ - سطر ٧ ((ناملك)) والصواب ((نا مالك)). ١٥- في ص ١٣ - سطر ١٠ ((أمامة)) والصواب ((أمامه)). ١٦- في ص ١٤ - سطر ١ ((غسان الفلالي)) والصواب ((غسان الغَلاَّبي)). ١٧- في ص ١٤ - سطر ٦ ((ونهمية أنواعه)) والصواب ((وتسمية أنواعه)). ١٨- في ص ١٤ - سطر ٧ ((حفاظ أخلاقنا)) والصواب ((حفاظ أخلافنا)). ١٩- في ص ١٤ - سطر ١١ ((المعافا)) والصواب ((المُعَافَى)). ٢٠- في ص ١٤ - سطر ١١ ((الهوى)) والصواب ((الهروي)). ٢١- في ص ٢١ - سطر ١ ((الرسوي)) والصواب ((الطَرَسوسي)). ٢٢- في ص ٢١ - سطر ٢ ((الدهري)) والصواب ((الداهري)). ٢٣- في ص ٢١ - سطر ٣ ((ربعي بن جراش)) والصواب ((ربعي بن حراش ». ٢٤- في ص ٢١ - سطر ٦ ((النريس)) والصواب ((النَّرْسِي)). ١٠ ٢٥- في ص ٢١ - سطر ٦ ((الْخُبَّلي)) والصواب ((الخُلُّي)). ٢٦- في ص ٢١ - سطر ٧ ((أبو حبيب)) والصواب ((أبو خُبَيْب)). ٢٧- في ص ٢١ - سطر ٧ ((أحمد بن العباد)) والصواب ((أحمد بن عاصم العَبَّاداني )). ٢٨- في ص ٢١ - سطر ٨ ((الوصيفي)) والصواب ((أبو صَيْفي)). ٢٩- في ص ٢١ - سطر ١٤ ((عن بن جريج)) والصواب ((عن ابن جُرَيْج)). ٣٠- في ص ٢١ - سطر ١٦ ((وتجتروا به المجالس)) والصواب ((وتخيَّروا به المجالس )). هذا عدا عن الأخطاء في التعليقات والحواشي فهي كثيرة أيضاً لكن أمرها أخف من الخطأ والتحريف في نص المؤلف الذي نود نشر علمه، فهو أمانة بين أيدينا ، فعلينا أن نوليه العناية الكبرى، ولو كانت العناية ابتغاء مثوبة الله تعالى فقط . هذا ولم أقصد من هذا التنبيه انتقاص الدكتور المحقق ولا الناشر، وإنما أردت البيان إبراء للذمة ونصحاً للعلم الذي ينبغي خدمته والمحافظة على نصوصه، وعدم تحريفها، ولعل الله يهدي الأستاذ المحقق والناشر أن يتلافيا هذه الأخطاء فيعيدا طبعه بشكل يليق بقدر الكتاب وقدر مؤلفه ، ولا أدعي أنا ولا غيري العصمة عن الخطأ والزلل، لكن كثرة الأخطاء وفحشها هو الذي يؤاخذ عليه المرء. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المحقق ١١ 1 مقدمة التحقيق وتشتمل على: ١ - ترجمة الخطيب. ٢ - التعريف بكتاب ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)» ٣ - التعريف بالنسخ المخطوطة. ٤ - عملي في التحقيق. ٥ - نماذج من مخطوطات الكتاب. - ١ ترجمة الخطيب (١) إن الباحث في حياة الخطيب يجد فيها مثالاً كريماً للعالم الدءوب الذي خالط حب العلم شغاف قلبه، وشغله التحقيق في مسائله، والغوص على دقائقه عن كل شيء، فحصل منه على كل ما يريد. فهو الذي يمكن أن يسمى بحق رجل العلم الذي عاش للعلم، ورحل للعلم، واضطهد في سبيل العلم. ويمكن للواقف على حياة الخطيب العلمية أن يميز فيها ثلاث مراحل بارزة، هذه المراحل هي: ١) مرحلة ابتداء الطلب والتثقيف العام. ٢) مرحلة إنشاء الرحلات لسماع الحديث وجمعه. ٣) مرحلة التصنيف والإسماع. وهي مراحل طبيعية يمر بها عادة أكثر المحدثين الذين اشتهروا ، وتألق نجمهم واستفاد الناس من علمهم ومصنفاتهم. مجمل حياته: ومجمل حياته أنه ولد من أسرة غير مشهورة سنة ٣٩٢هـ، ونشأ في رعاية والده فعلمه القرآن، ثم دفعه إلى مؤدب ليعلمه القراءة والكتابة، ولما بلغ (١) تراجع ترجمته في: البداية والنهاية: ١٠١/١٢ وتبيين كذب المفتري ص ٢٦٨ وتذكرة الحفاظ: ١١٣٥/٣ وشذرات الذهب: ٣١١/٣ ومعجم الأدباء: ١٣/٤ والمنتظم: ٢٦٥/٨ والنجوم الزاهرة: ٨٧/٥ ووفيات الأعيان ٧٦/١ وطبقات الشافعية الكبرى: ٢٩/٤ وغيرها . كما تنظر ترجمته العلمية الوافية في كتابي ((الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث )) الذي صدر قريباً. ١٥ الحادية عشرة من عمره بدأ بسماع الحديث ، ثم درس الفقه، ولما بلغ العشرين من عمره عزم على الرحلة، فرحل إلى البصرة لسماع الحديث ومرّ بالكوفة ثم رجع إلى بغداد. ولما بلغ الثالثة والعشرين رحل إلى نيسابور وأصبهان وهمذان والجبال والدينور، ثم رجع إلى بغداد وقد صار محدثاً وراوية كبيراً، ومكث في بغداد إلى أن بلغ ثنتين وخمسين سنة، وعندها خرج للحج ودخل دمشق وصور ليسمع من محدثيها ، ثم بعد الحج عاد إلى بغداد ، حتى إذا بلغ تسعاً وخمسين سنة خرج إثر فتنة البساسيري إلى دمشق مهاجراً، فاستقر في دمشق حتى بلغ تسعاً وستين سنة، حيث أخرج منها ، فقصد صور ، فبقي فيها- وفي تلك الفترة كان يتردد إلى القدس- وعندما بلغ سبعين سنة، أي قبل وفاته بسنة عزم على الرجوع إلى بلده بغداد ، فرجع إليها ماراً بطرابلس وحلب ، ومكث بقية عمره فيها إلى أن توفي ببغداد وله من العمر إحدى وسبعون سنة رحمه الله. هذا مجمل حياته، وهو عبارة عن إشارات وخطوط عريضة لا تشفي الغليل ، لكن في عرضها يرتسم بوضوح في ذهن القارئ معالم حياته وملخصها ، ولنبدأ الآن بعرض حياة الخطيب ومراحلها بشيء من التفصيل: اسمه ونسبه : اسمه أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، ويكنى أبا بكر ، واشتهر بالخطيب البغدادي. أصله : ذكر الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة والده(١) أن أصله من العرب، وأن له عشيرة كانوا يركبون الخيول، مسكنهم بالحصاصة(٢) من نواحي الفرات. أما والده أبو الحسن فلم يكن من العلماء المشهورين في فن من الفنون، وإنما كان له إلمام بسيط بالعلم، فقد كان يخطب الجمعة والعيدين بقرية قريبة من (١) تاريخ بغداد: ٣٥٩/١١. (٢) الحصاصة: قرية من قرى السواد قرب قصر ابن هبيرة من أعمال الكوفة: معجم البلدان ٢٦٣/٢ ١٦ بغداد اسمها (درزيجان)(١) فقد قال السبكي في كتابه ((طبقات الشافعية الكبرى )» ما يلي : ((وكان لوالده الخطيب أبي الحسن علي إلمام بالعلم، وكان يخطب بقرية (درزيجان) احدى قرى العراق)) (٢). ولذلك لم يصف الخطيب والده بأنه من العلماء ، وإنما وصفه بأنه من حفاظ القرآن فقد قال في ترجمته في تاريخ بغداد: (( ... كان أحد حفاظ القرآن، قرأ على أبي حفص الكتاني وتولى الإمامة والخطابة على المنبر بـ ((درزيجان )) نحواً من عشرين سنة)) (٣) ويبدو أن لقب الخطيب لحق والده بسبب توليه الخطابة مدة طويلة، ومن والده انتقل إليه. ويذكر ابن كثير في البداية أنه كان خطيباً للجمعة والعيدين في بغداد ، بينما في كتاب معجم الأدباء عن النخشي أنه كان يخطب بقرية من قرى بغداد ، وقد تكون تلك القرية ((درزيجان )» التي كان يخطب فيها والده من قبل. هذا ولم ينفرد الخطيب بهذا اللقب (الخطيب) فقد لقب به عدد من العلماء، منهم تلميذه الخطيب التبريزي وآخرون يطول ذكرهم. ولادته : ولد أبو بكر الخطيب يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة ثنتين وتسعين وثلاثمائة، هذا ما عليه أكثر مصادر التاريخ، كتاريخ دمشق لابن عساكر(٤)، ووفيات الأعيان(٥)، ومعجم الأدباء(٦)، والطبقات للسبكي، (١) في معجم البلدان: ٥٦٧/٢ ما نصه: ((درزيجان)): بفتح أوله وسكون ثانيه وزاء مكسورة وياء مثناة من تحت وجيم وآخره نون. قرية كبيرة تحت بغداد على دجلة بالجانب الغربي منها وكان والد أبي بكر أحمد بن ثابت الخطيب البغدادي يخطب بها . (٢) السبكي: ٢٩/٤. تاريخ بغداد: ٣٥٩/١١ (٣) (٤) ٣٩٩/١ ٧٦/١ (٥) (٦) ١٦/٤ ١٧ وشذرات الذهب، وتذكرة الحفاظ ، وغيرها . وتذكر بعض المصادر الأخرى أن ولادته كانت في سنة احدى وتسعين وثلاثمائة، مثل المنتظم لابن الجوزي(١)، وتبعه ابن كثير في البداية وغيره. وكأنه وهم منه، لأنه قال بعد ذلك: ((وأول ما سمع الحديث في سنة ثلاث وأربعمائة وهو ابن إحدى عشرة سنة)) فلو كانت ولادته سنة إحدى وتسعين لكان عمره في سنة ثلاث وأربعمائة اثنتي عشرة سنة. المرحلة الأولى من حياته نشأته: نشأ أبو بكر في كنف والده، فبعث فيه روح العلم والتقى، وحبب إليه القرآن والعلم ، وحضور مجالس العلماء ، وما أن صار في سن التمييز حتى دفعه إلى هلال بن عبد الله الطيبي (٢) ليعلمه القراءة والكتابة، فتأدب به، وتعلم القراءة والكتابة، وقراءة القرآن الكريم، كما تعلم وجوه القراءات (٣) وسمع الحديث وعمره إحدى عشرة سنة. المرحلة الثانية من حياته: وفي هذه السنة (٤١٢ هـ) تبدأ المرحلة الثانية من حياته، وهي مرحلة إنشاء الرحلات لجمع الحديث والتخصص فيه، فيلتقي فيها بمشاهير محدثي الإسلام في ذلك الوقت، ويأخذ عنهم الحديث. وقد قام بثلاث رحلات في هذه المرحلة من حياته، زار فيها ثلاث عشرة ناحية ومدينة، كانت من أشهر بلاد المسلمين ازدهاراً بالحديث وعلومه في ذلك الوقت. هذه الرحلات على الترتيب هي: ١) إلى البصرة: ماراً بالكوفة. ٢) إلى نيسابور: ماراً بأصبهان والري وهمذان والدينور والجبال. (١) المنتظم ٢٦٥/٨. ترجم الخطيب في تاريخ بغداد لمؤدبه المذكور في: ٧٥/١٤ بقوله: («هلال بن عبد الله بن محمد (٢) ابو عبد الله الطيبي (مؤدبي) سكن بغداد وحدث بها عن ابن مالك القطيعي. (٣) المنتظم ٢٦٥/٨ ١٨ ٣) إلى مكة المكرمة: ماراً بدمشق، وصور، والمدينة المنورة، والقدس. هذا عدا هجرته إلى دمشق، ومقامه بها، ثم إخراجه منها إلى صور، ثم مروره بطرابلس وحلب عند رجوعه إلى بغداد. وسأتكلم على هذه الرحلات الثلاث تفصيلاً . الرحلة الأولى: أما رحلته إلى البصرة، فكانت في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة(١). التقى هناك بكبار محدثيها وروى عنهم. ومن أبرزهم القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبدالواحد الهاشمي، رواية السنن. فيسمع منه سنن أبي داود، وغيرها، وأكثر عنه حتى أنه روى عنه في كتاب ((الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة)) وحده اثنين وثلاثين حديثاً، وقد قال الخطيب في ترجمة شيخه في تاريخ بغداد- لأنه دخلها وحدث بها ولكن قبل ولادة الخطيب -: (( ... وكان ثقة أمينا ولي القضاء بالبصرة، وسمعت منه بها سنن أبي داود وغيرها ... ))(٢). ومنهم أبو الحسن علي بن القاسم بن الحسن الشاهد (٣) كذلك أكثر الرواية عنه، وأخرج عنه في كتاب ((الأسماء المبهمة)) أحد عشر حديثاً، ومنهم أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن بشار النيسابوري، روى عنه في الكتاب السابق خبراً واحداً. ومنهم أبو الحسن علي بن أحمد بن إبراهيم البزاز الذي روى عنه خبرين في الكتاب السابق. ثم عاد إلى بغداد في السنة نفسها وفي طريقه مرّ بالكوفة، والتقى بمحدثيها ، وأخذ الحديث عنهم(٤) . وقد استفاد من هذه الرحلة فوائد لم يكن يعرفها شيوخه الكبار ببغداد ، (١) تاريخ بغداد: ٤١٧/١، حيث يقول في ترجمة أبي بكر بن حوران: «مات أبو بكر بن حوران سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وكنت إذ ذاك بالبصرة)) وانظر: السبكي: ٢٩/٤ والمنتظم ٢٦٥/٨ والتذكرة: ١١٣٦/٣. (٢) تاريخ بغداد: ٤٥١/١٢. (٣) التذكرة ١١٣٦/٣ (٤) التذكرة ١١٣٦/٣ والسبكي: ٢٩/٤. ١٩ فهذا شيخه الكبير أبو القاسم عبيد الله بن أحمد الأزهري- الذي يقول عنه الخطيب في تاريخ بغداد: ((وكان أحد المكثرين من الحديث كتابة وسماعاً ، ومن المعنيين به والجامعين له، وسمعنا منه المصنفات الكبار، والكتب الطوال))(١) - يحتاج إلى بعض مسموعاته التي جمعها من تلك الرحلة، ويطلب منه أن يقرأها عليه، فيجيبه الخطيب إلى طلبه، فيجلس مجلس المحدّثْ، ويقرأ على شيخه ما يريد (٢)، ومن هذه الحادثة وأمثالها تظهر فوائد الرحلة في طلب الحديث، ولذلك نرى المحدثين قد أكدوا على ضرورتها ، وطبقوها فعلاً. وقد شعر الخطيب بفوائد الرحلة وضرورتها لطالب الحديث، فصنف رسالة سماها ((الرحلة في طلب الحديث )). وفاة والده: هكذا شأن الحياة فلا يفرح الإنسان بشيء حتى يصاب بما يكدّره، فما تكاد عين والد الخطيب تقر برؤياه وهو يحدث ويروي، وما يكاد الخطيب يفرح بنتيجة رحلته حتى عاجلت المنية والده فتوفي يوم الأحد للنصف من شوال من السنة ذاتها ، فتولى ابنه دفنه بنفس صابرة محتسبة راضية بقضاء الله وقدره، ولم يكن هذا الحدث ليؤثر في نفس الخطيب، أو يثنيه عن الطريق الذي اختطه لنفسه وشجعه عليه والده، بل استمر بعزيمة أقوى وصبر أشد ، ليتم الطريق ، ومما يدل على عدم تأثره أمران: الأول منهما أنه استمر في الطريق نفسها. والثاني: أنه لما ذكر وفاة والده في ترجمته لم يذكر ما يشير إلى ذلك، فقد قال في ترجمته «وتوفي يوم الأحد للنصف من شوال سنة اثنتي عشرة وأربعمائة ، ودفنته من يومه في مقبرة باب حرب))(٣). ولم يزد على هذا كلمة واحدة. تاريخ بغداد: ٣٨٥/١٠. (١) تبيين كذب المفتري ص ٢٧١ ومعجم الأدباء: ٣٢/٤. (٢) تاريخ بغداد: ٣٥٩/١١. (٣) ٢٠