Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ حرف الهمزة ١٧٤٥ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا أُسْتَرْعَاهُ: أَحَفِظَ ذُلِكَ أَمْ ضَيَّعَهُ؟ حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ)). (ن حب) عن أنس. ١٧٤٦ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ)). (حم م ن) عن جابر بن سمرة (صح). سعد بن جنادة) بضم الجيم وخفة النون ودال مهملة والد عطية العوفي وفد من الطائف وأسلم قال الهيثمي فيه من لم أعرفه . ١٧٤٥ - (إن الله تعالى سائل) إشارة إلى تحقق وقوع ذلك (كل راع عما استرعاه) أي أدخله تحت رعايته (أحفظ ذلك أم ضيعه) بهمزة الاستفهام (حتى يسأل الرجل عن أهل بيته) أحفظهم أم ضيعهم فيعامل من قام بحق ما استرعاه عليه بفضله ويعامل من أهمله بعدله وما يعفو الله أكثر(١) قال الطيبي فيه أن الراعي ليس مطلوباً لذاته وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه فعليه أن لا يتصرف إلا بمأذون الشارع فيه وهو تمثيل ليس ألطف ولا أجمع ولا أبلغ منه وزاد في رواية فأعدوا للمسألة جواباً قالوا وما جوابها قال أعمال البر، خرجه ابن عدي والطبراني قال ابن حجر بسند حسن واستدل به على أن المكلف يؤاخذ بالتقصير في أمر من في حكمه وفيه بيان كذب الحديث الذي افتراه بعض المتعصبين لبني أمية ففي آداب القضاء للكرابيسي عن الشافعي رضي الله عنه بسنده دخل الزهري على الوليد بن عبد الملك فسأله عن حديث إن الله إذا استرعى عبداً للخلافة كتب له الحسنات ولم يكتب عليه السيئات فقال له كذب ثم تلا ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض - إلى - بما نسوا يوم الحساب﴾ [ص: ٢٦] فقال الوليد إن الناس ليغروننا (ن حب عن أنس) ورواه عنه أيضاً البيهقي في الشعب وفيه معاذ بن هشام حديثه في الستة لكن أورده الذهبي في الضعفاء وقال قال ابن معين صدوقاً وليس بحجة وقال غيره له غرائب وتفردات. ١٧٤٦ - (إن الله سمى) وفي رواية إن الله أمرني أن أسمي ولا تعارض لأن المراد أنه أمره بإظهار تسميتها (المدينة طابة) بمنع صرفها وفي بعض روايات البخاري طابة بالتنوين بجعلها نكرة وهي تأنيث طاب من الطيب وأصلها طيبة قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها وكان اسمها يثرب فكرهه النبي وسلّ لاستعمال الثرب في معنى القبح فبين أن الله سماها طابة لتطيب مكانها بالدين أو الخلوصها من الشرك وتطييبها منه أو لطيب رائحتها وأمورها كلها أو لحلول الطيب بها وهو المصطفى وَطير أو لكونها تنفي خبثها ويبقى طيبها أو لغير ذلك(٢) وتسميتها في التنزيل يثرب وقوله في حديث هذه يثرب باعتبار ما عند المنافقين أو نزول الآية سابق على التسمية (حم م ن عن جابر بن سمرة) ولم يخرجه البخاري . (١) أي ويرضى خصماء من شاء بجوده وكما يسأله عن أهل بيته يسأل أهل بيته عنه فظاهر الحديث أن الحكام أولى بالسؤال عن أحوال الرعايا من سؤال الرجل عن أهل بيته . (٢) أو لطيب ترابها وهوائها ومساكنها وطيب العيش بها قال بعض العلماء من أقام بالمدينة يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها. ٣٠٢ حرف الهمزة ١٧٤٧ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىْ صَانِعٌ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ)). (خ) في خلق أفعال العباد (ك) والبيهقي في الأسماء عن حذيفة (صح). ١٧٤٨ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَتَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ)). (ت) عن سعد (ح). ١٧٤٧ - (إن الله تعالى صانع) بالتنوين وعدمه (كل صانع وصنعته) أي مع صنعته فهو خالق للفاعل والفعل لقوله تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٦] وبهذا أخذ أهل السنة وهو نص صريح في الرد على المعتزلة وكمال الصنعة لا يضاف إليها وإنما يضاف إلى صانعها وهذا الحديث قد احتج به لما اشتهر بين المتكلمين والفقهاء من إطلاق الصانع عليه تعالى قال المؤلف فاعتراضه بأنه لم يرد وأسماؤه تعالى توقيفية غفلة عن هذا الخبر وهذا حديث صحيح لم يستحضره من اعترض ولا من أجاب بأنه مأخوذ من قوله ﴿صنع الله﴾ [النمل: ٨٨] انتهى ومنعه بعض المحققين بأنه لا دليل لما صرحوا به من اشتراط إذ لا يكون الوارد على جهة المقابلة نحو ﴿أم نحن الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٤] ﴿والله خير الماكرين﴾ [آل عمران: ٥٤] وهذا الحديث من ذلك القبيل وبأن الكلام في الصانع بأل بغير إضافة وما في الخبر مضاف وهو لا يدل على جواز غيره بدليل قول المصطفى وَيه يا صاحب كل نجوى أنت الصاحب في السفر لم يأخذوا منه أن الصاحب بغیر قید من أسمائه تقدس، نعم صح من حديث الحاكم والطبراني، اتقوا الله فإن الله فاتح لكم مصانع: وهذا دليل واضح للمتكلمين والفقهاء لا غبار عليه ولم يستحضره المؤلف ولو استحضره لكان أولى له مما يحتج به في عدة مواضع قال الذهبي واحتج به من قال الإيمان صفة للرحمن غير مخلوق كذا رأيته بخطه تتمة: قال الراغب سئل ابقراط عن دلالة الصانع فقال دل الجسم على صانعه فجمع بهذه اللفظة دلالة حدوث العالم لأن الجسم يدل على أنه مصنوع ولا بد له من صانع ولم يصنع نفسه وصانعه حکیم (ح في خلق أفعال) أي في كتاب خلق أفعال (العباد) وهو كتاب مفرد مستقل (ك) في الإيمان وصححه (والبيهقي في) كتاب الأسماء (والصفات) كلهم (عن حذيفة) مرفوعاً لكن لفظ الحاكم إن الله خالق بدل صانع ثم قال على شرط مسلم وأقره الذهبي وتقييد المصنف العزو للبيهقي بكتاب الأسماء يؤذن بأنه لم يخرجه في كتابيه اللذين وضع لهما المصنف الرمز وهما الشعب والسنن وليس كذلك فقد خرجه في الشعب باللفظ المزبور عن حذيفة المذكور. ١٧٤٨ - (إن الله تعالى طيب) بالتثقيل أي منزه عن النقائص مقدس عن الآفات والعيوب وكل وصف خلا عن كمال أو طيب الثناء أو مستلذ الأسماء عن العارفين بها وكيف ما كان فهو من أسمائه الحسنى لصحة الخبر به كالجميل قال الراغب وأصل الطيب ما تستلذه النفس والحواس والطيب من الناس من تزكى عن نجاسة الجهل والفسق وقبائح الأعمال وتحلى بالعلم والإيمان ومحاسن الأفعال (يجب الطيب) أي الحلال الذي يعلم أصله وجريانه على الوجه الشرعي العاري عن ضروب الحيل وشوائب الشبه فلا تقبل ولا ينبغي أن يتقربوا إليه إلا بما يناسبه في هذا المعنى وهو من خيار أموالكم ٣٠٣ حرف الهمزة ١٧٤٩ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَفُؤٌ يُحِبُّ الْعَفْوَ)). (ك) عن ابن مسعود (عد) عن عبد الله بن جعفر (صح). (كريم يحب الكرم) أي في حياته لا البخل في حياته الكريم عند موته بدليل الخبر المار وقوله (جواد) بالتخفيف (يحب الجود) عطف خاص على عام (نظيف) أي منزه عن سمات الحدوث متعال في ذاته عن كل نقص (يحب النظافة) أي نظافة الباطن بخلوص العقيدة ونفي الشرك ومجانبة الهوى والأمراض القلبية من نحو غل وحقد وحسد وغيرهما ومجانبة كل مطعم وكل مشرب وكل ملبس من حرام وشبهة، ونظافة الظاهر بترك الأدناس وملابسة العبادات ومفهومه أنه يبغض ضد ذلك وبه صرح في الخبر الآتي بقوله إن الله يبغض الوسخ الشعث ولا ينافيه خبر إن الله يحب المؤمن المبتذل الذي لا يبالي ما لبس إذ لا يلزم من كون الثوب خشناً أو بالياً أن يكون وسخاً، فالمنهي عنه إنما هو التزين والتصنع والتغالي في اللباس (فنظفوا) ندباً (أفنيتكم) جمع فناء وهو الفضاء أمام الدار. قال الطيبي الفاء فيه جواب شرط محذوف أي إذا تقرر ذلك فطيبوا كل ما أمكن تطييبه ونظفواكل ما سهل لكم تنظيفه وَليها حتى أفنية الدار وهي ما أمام الدار وهو كناية عن نهاية الكرم والجود فإن ساحة الدار إذا كانت واسعة نظيفة كانت أدعى لجلب الضيفان وتناوب الواردين والصادرين وإليه ينظر قول الحماسي: أَقَام به بَعْدَ الوُفُودِ وُفُودُ فإِنْ يُمْسِ مَهْجُورَ الفِنَاءِ فرُبّمَا وفي رواية بدله عذراتكم وهو بمعناه قال الزمخشري العذرة الفناء وبه سميت العذرة لإلقائها فيها كما سميت بالغائط وهو المطمئن (ولا تشبهوا) بحذف إحدى التاءين للتخفيف وأصله تتشبهوا (باليهود) في قذارتهم وقذارة أفنيتهم، ومن ثم كان للمصطفى وَله وصحبه مزيد حرص على النظافة وقد اختار الحق سبحانه من كل جنس أطيبه فاختصه لنفسه والطيب من كل شيء هو مختاره دون غيره وأما خلقه فعام للنوعين وبه يعرف عنوان سعادة العبد وشقاوته فإن الطيب لا يناسبه إلا الطيب ولا يسكن إلا إليه ولا يطمئن إلا به وبين الطيب والخبيث كمال الانقطاع ومنع الاجتماع (ت عن سعد) وحسنه ورواه من طريق أخرى عن أبي ذر وفيها شهر بن حوشب وهو ضعيف والأولى سالمة منه. ١٧٤٩ - (إن الله تعالى عفو) أي متجاوز عن السيئات (يحب العفو) لما سبق أنه سبحانه يحب أسماءه وصفاته ويحب من اتصف بشيء منها ويبغض من اتصف بأضدادها ولهذا يبغض قاسي القلب والبخيل والجبان والمهين واللئيم، قال العارف ابن أدهم رضي الله عنه خلا لي الطواف ليلة مطيرة فقلت بالملتزم يا رب اعصمني فقيل لي كل عبادي يطلبون العصمة فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل ولمن أغفر؟ قال الراغب رحمه الله العفو والصفح صورتا الحلم، ومخرجاه إلى الوجود، فالعفو ترك المؤاخذة بالذنب، والصفح ترك التثريب، واشتقاقه من تجاوز الصفحة التي أثبت فيها ذنوبه والإعراض بصفحة الوجه عن التلفت إلى ما كان فيه وهو محمود إذا كان على الوجه الذي يحب والعفو إنما يستحب إذا كانت الإساءة مخصوصة بالعافي كمن أخذ ماله أو شتم عرضه فإن عادت بالضرر على الشرع أو الناس فله ترك العفو (ك عن ابن مسعود) عبد الله (عد عن عبد الله بن جعفر). ٣٠٤ حرف الهمزة ١٧٥٠ - (((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ لِسَانِ كُلِّ قَائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ، وَلْيَنْظُرْ مَا يَقُولُ)). (حل) عن ابن عمر، الحكيم عن ابن عباس (ض). ١٧٥١ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَيُورٌ يُحِبُّ الْغَيُورَ، وَإِنَّ عُمَرَ غَيُورٌ)). رسته في الإيمان عن عبد الرحمن بن رافع مرسلاً (ض). ١٧٥٢ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ ١٧٥٠ - (إن الله تعالى عند) وفي رواية ذكرها المطرزي: وراء (لسان كل قائل) أي يعلمه قال في المغرب هذا تمثيل والمعنى أن الله تعالى يعلم ما يقوله الإنسان ويتفوه به كمن يكون عند الشيء مهيمناً لديه محافظاً عليه (فليتق الله عبد) نكرة للنوع أو إشارة إلى قلة المتقين (ولينظر) أي يتأمّل ويتدبر (ماذا يقول) أي ما يريد للنطق به هل هو عليه أو له ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٨] فجميع ما ينطق به مكتوب عليه مسؤول عنه، قال الليث مررنا براهب فنودي طويلاً فلم يجب ثم أشرف فقال يا هؤلاء لساني سبع فأخاف أن أرسله فيأكلني، وقال بعض العارفين إياك والمراء في شيء من الدين وهو الجدال فإنك لا تخلو أن تكون فيه محقاً أو مبطلاً كما يفعل الفقهاء اليوم في مجالس مناظراتهم يلتزم أحدهم في ذلك مذهباً لا يعتقده وقولاً لا يرتضيه وهو يحاول به الحق الذي يعتقده أنه حق ثم تخدعه النفس بأن تقول له إنما تفعل ذلك لتنفتح الخواطر لا لإقامة الباطل وما علم أنه تعالى عند لسان كل قائل وأن العامي إذا سمع مقالته بالباطل وظهوره على صاحب الحق وهو عنده أنه فقيه عمل على ذلك الباطل فلا يزال الإثم عليه ما دام ذلك السامع يعمل بما سمع منه (حل) من حديث محمد بن إسماعيل العسكري عن صهيب بن محمد بن عباد عن مهدي عن وهب بن أبي الورد عن محمد بن زهير (عن ابن عمر) بن الخطاب ومحمد بن زهير قال الذهبي قال الأزدي ساقط (الحكيم) الترمذي (عن ابن عباس) ورواه عنه أيضاً البيهقي في الشعب والخطيب في التاريخ باللفظ المزبور. ١٧٥١ - (إن الله تعالى غيور) فعول من الغيرة الحمية والأنفة وهي محال على الله تعالى لأنها هيجان الغضب يسبب ارتكاب ما ينهى عنه فالمراد لازمها وهو المنع والزجر عن المعصية (يحب الغيور) في محل الريبة كما يفيده قوله في الحديث الآتي غيرتان غيرة يحبها الله (وإن عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (غيور) فهو لذلك يحبه لأن من لمح لمحاً من وصف كان من الموصوف به باللطف لطف ووصف كل مرتبة بحسبها (رسته) بضم الراء وسكون المهملة وفتح المثناة لقب عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني الحافظ (في الإيمان) أي في كتاب الإيمان له (عن عبد الرحمن بن رافع) التنوخي قاضي أفريقية (مرسلاً) قال في الكاشف منكر الحديث مات سنة ١١٣ . ١٧٥٢ - (إن الله تعالى قال من عادى) من المعاداة ضد الموالاة (لي) متعلق بقوله (ولياً)(١) وهو من تولى الله بالطاعة فتولاه الله بالحفظ والنصر، فالولي هنا القريب من الله باتباع أمره وتجنب نهيه (١) المراد بالولي العارف بالله المواظب على طاعته المخلص في عبادته. ٣٠٥ حرف الهمزة عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا أَفْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَيْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لُأُعْطِيَنَّهُ، وَإِنْ أَسْتَعَاذَنِي لُأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضٍ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَّا أَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ)). (خ) عن أبي هريرة (صح) . وإكثار النفل مع كونه لا يفتر عن ذكره ولا يرى بقلبه سواه (فقد آذنته بالحرب) أي أعلمته بأني سأحاربه ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٩] ومن حاربه الله أي عامله معاملة المحارب من التجلي عليه بمظاهر القهر والجلال وهذا في الغاية القصوى من التهديد والمراد عادي ولياً لأجل ولايته لا مطلقاً فخرج نحو محاكمته لخلاص حق أو كشف غامض، فلا يرد خصومة العمرين رضي الله عنهما لعلّ والعباس رضي الله عنهما ومعاداته لولايته إما بإنكارها عناداً أو حسداً أو بسبه أو شتمه ونحو ذلك من ضروب الإيذاء، وإذا علم ما في معاداته من الوعيد علم ما في موالاته من الثواب (وما تقرب إلى عبدي بشيء) أي بفعل طاعة (أحب إلي مما افترضته عليه)(١) أي من آدابه عيناً أو كفاية لأنها الأصل الذي ترجع إليه جميع الفروع والأمر بها جازم يتضمن أمرين الثواب على فعلها والعقاب على تركها، فالفرض كالأرض والنفل كالبناء عليه (ولا يزال عبدي) الإضافة للتشريف (يتقرب) وفي رواية يتحبب (إلي بالنوافل) أي التطوع من جميع صنوف العبادة (حتى أحبه) بضم أوله وفتح ثالثه (فإذا أحببته) لتقربه إليّ بما ذكر حتى امتلأ قلبه بنور معرفتي (كنت) أي صرت (سمعه التي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده الذي يبطش بها ورجله التي يمشي بها) يعني يجعل الله سلطان حبه غالباً عليه حتى لا يرى ولا يسمع ولا يفعل إلا ما يحبه الله عوناً له على حماية هذه الجوارح عما لا يرضاه أو هو كناية عن نصرة الله وتأييده وإعانته له في كل أموره وحماية سمعه وبصره وسائر جوارحه عما لا يرضاه وحقيقة القول ارتهان كلية العبد بمراضي الرب على سبيل الاتساع فإنهم إذا أرادوا اختصاص شيء بنوع اهتمام وعناية واستغراق فيه ووله به ونزوع إليه سلكوا هذا الطريق، قال: ونَاري فِيْكَ لا تَخْبُو جُنُوني فيكَ لا يَخْفَى ظِرُ والمُهْجةُ والقَلْبُ وأنَتْ السَّمْعُ والنا ولمشائخ الصوفية رضي الله تعالى عنهم في هذا الباب فتوحات غيبية وإشارات ذوقية، تهتز منها العظام البالية لكنها لا تصلح إلا لمن سلك سبيلهم فعلم مشربهم بخلاف غيرهم فلا يؤمن عليه من الغلط فيهوي في مهواة الحلول والاتحاد، والحاصل أن من تقرب إليه بالغرض ثم النفل قرّبه فرقاه من (١) دخل تحت هذا اللفظ جميع فرائض العين والكفاية والفرائض الظاهرة فعلاً كالصلاة والزكاة وغيرها من العبادات وتركاً كالزنا والقتل وغيرهما من المحرمات والباطنة كالعلم بالله والحب له والتوكل عليه والخوف منه. فيض القدير ج٢ م٢٠ ٣٠٦ حرف الهمزة ١٧٥٣ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقاً أَلْسِتَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فَبِي خَلَفْتُ لُأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانَ، فَبِي يَغْتَرُونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِتُونَ)). (ت) عن ابن عمر (ح). درجة الإيمان إلى مقام الإحسان حتى يصير ما في قلبه من المعرفة يشاهده بعين بصيرته وامتلاء القلب بمعرفته يمحي كل ما سواه فلا ينطق إلا بذكره ولا يتحرك إلا بأمره فإن نظر فيه أو سمع فيه أو بطش فيه وهذا هو كمال التوحيد (وإن سألني لأعطينه) مسؤوله كما وقع لكثير من السلف (وإن استعاذ بي) روي بنون وروي بموحدة تحتية والأول الأشهر (لأعيذنه) مما يخاف وهذا حال المحب مع محبوبه وفي وعده المحقق المؤكد بالقسم إيذان بأن من تقرب بما مر لا يرد دعاؤه (وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن قبض نفس المؤمن) أي ما أخرت وما توقفت توقف المتردد في أمر أنا فاعله إلا في قبض نفس عبدي المؤمن أتوقف عليه حتى يسهل عليه ويميل قلبه إليه شوقاً إلى انخراطه في سلك المقربين والتبوء في أعلا عليين، أو أراد بلفظ التردد إزالة كراهة الموت عن المؤمن بما يبتلى به من نحو مرض وفقر، فأخذه المؤمن عما تشبث به من حب الحياة شيئاً فشيئاً بالأسباب المذكورة يشبه فعل المتردد فعبر به عنه (يكره الموت) لصعوبته وشدته ومرارته وشدة ائتلاف روحه لجسده وتعلقها به ولعدم معرفته بما هو صائر إليه بعده (وأنا أكره مساءته) وأريده له لأنه يورده موارد الرحمة والغفران والتلذذ بنعيم الجنان فالمراد ما رددت شيئاً بعد شيء مما أريد أن أفعله بعبدي كترددي في إزالة كراهة الموت عنه بأن يورد عليه حوادث يسأم معها الحياة ويتمنى الموت كما تمنى علي كرم الله وجهه الموت لاختلاف رعيته عليه وقتالهم له مع كونه الإمام الحق وقد يحدث الله بقلب عبده من الرغبة فيما عنده والشوق إليه ما يشتاق به إلى الموت فضلاً عن كراهته فيأتيه وهو له مؤثر وإليه مشتاق وذلك من مكنون ألطافه فسبحان اللطيف الخبير، وهذا أصل في السلوك كبير (خ) في الرقائق (عن أبي هريرة) قال في الميزان غريب جداً ولولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه من منكرات خالد بن مخلد لغرابة لفظه وانفراد شريك به وليس بالحافظ ولم يرد هذا المتن إلا بهذا الإسناد ولا خرجه غير البخاري. ١٧٥٣ - (إن الله تعالى قال لقد خلقت خلقاً) من الإنس (ألسنتهم أحلى من العسل) فبها يملقون ويداهنون (وقلوبهم أمر من الصبر) فبها يمكرون وينافقون، وإطلاق الحلاوة والمرارة على ما ذكر مجاز. قال الزمخشري من المجاز حلا فلان في صدري وفي عيني وهو حلو اللقاء وحلو الكلام وأمر ومر وما أمر فلان وما أحلا (فبي حلفت) أي بعظمتي وجلالي لا بغير ذلك كما أفاده تقديم المعمول (لأتيحنهم) بمثناة فوقية فمثناة تحتية فحاء مهملة فنون أي لأقدرن لإتاحة وأنزلها بهم، والاتاحة التقدير فالمراد لأقدرن عليهم (فتنة) أي بلاء ومحنة عظيمة كما يفيده التنكير (تدع الحليم) باللام (منهم حيران) أي تترك تلك الفتنة العاقل متحيراً أي لا يقدر على دفع تلك الفتنة ولا كف شرها (فبي يغترون أم علّ يجترئون) الهمزة للاستفهام الإنكاري والاغترار هنا عدم الخوف من الله تعالى وترك التوبة؛ والاجتراء الانبساط والتخشع ذكره القاضي وقال الطيبي أم منقطعة؛ أنكر أولاً اغترارهم بالله وإمهاله إياهم حتى اغتروا ثم أضرب عن ذلك وأنكر عليهم ما هو أعظم منه وهو اجتراؤهم عليه وهذا تهديد ٣٠٧ حرف الهمزة ١٧٥٤ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: أَنَّا خَلَقْتُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، فَطُوبَى لِمَنْ قَدَّرْتُ عَلَى يَدِهِ الْخَيْرَ، وَوَيْلٌ لِمَنْ قَدَّرْتُ عَلَى يَدِهِ الشَّرَّ). (طب) عن ابن عباس (ض). ١٧٥٥ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىْ قَبَضَ أَزْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلاَلُ قُمْ فَأَذِّنِ النَّاسَ بِالصَّلاَةِ». (حم خ دن) عن أبي قتادة (صح). أكيد ووعيد شديد على النفاق العملي وكل الأمراض القلبية من غل وحقد وحسد وغيرها وفيه تحذير من الاغترار به تعالى ومن سوء عاقبة الجرأة عليه (ت) في الزهد (عن ابن عمر) بن الخطاب وقال حسن غريب . ١٧٥٤ - (إن الله تعالى قال أنا خلقت الخير والشر فطوبى لمن قدرت على يده) وفي رواية يديه (الخير وويل لمن قدرت على يده الشر) وذلك لأنه تعالى جعل هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير والرشاد وشرها أوعاها للبغي والفساد وسلط عليها الهوى وامتحنها بمخالفته لتنال بمخالفته جنة المأوى ثم أوجب على العبد في هذه المدة القصيرة التي هي بالإضافة إلى الآخرة كساعة من نهار أو كبلل ينال الإصبع حين يدخلها في بحر من البحار عصيان النفس الأمارة ومنعها من الركون إلى الدنيا ولذاتها لتنال حظها من كرامته فأمرها بالصيام عن محارمه ليكون فطرها عنده يوم القيامة (طب عن ابن عباس) قال الهيثمي فيه ابن مالك بن يحيى البكري وهو ضعيف وقال الحافظ العراقي رواه ابن شاهين أيضاً في شرح السنة من حديث أبي إمامة وسنده ضعيف. ١٧٥٥ - (إن الله تعالى قبض) حين شاء (أرواحكم) عن أبدانكم أيها الذين ناموا في الوادي عن صلاة الصبح وذلك بأن قطع تعلقها عنها وتصرفها فيها ظاهراً لا باطناً، فالقبض مجاز عن سلب الحس والحركة الارادية لأن النائم كمقبوض الروح في سلبها عنه فهو من قبيل ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ [الزمر: ٤٢] ولا يلزم من قبض الروح الموت فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهراً وباطناً والنوم انقطاعه عن ظاهره فقط (حين شاء وردها عليكم) عند اليقظة (حين شاء) وحين شاء في الموضعين ليس لوقت واحد فإن نوم القوم لا يتفق غالباً في وقت واحد بل يتتابعون، فحين الأولى خبر عن أحيان متعددة والمراد بذلك أنه لا لوم عليكم في نومكم حتى خرج وقت الصلاة إذ ليس في النوم تفريط ولا ينافيه أن المصطفى ◌َّقه لما مر بعلي وفاطمة رضي الله تعالى عنهما وهما نائمان حتى طلعت الشمس أنكر عليهما فقال علي رضي الله عنه إن نواصينا بيد الله إن شاء أنامها وإن شاء أقامها فولى المصطفى ◌َ ﴿ وضرب بيده على فخذه قائلاً ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾ [الكهف: ٥٤] لأن قصده بذلك حثهما على عدم التفريط بالاسترسال في النوم وهذا قاله حین نام هو وصحبه عن الصبح في الواد حتى طلعت الشمس فسلاهم به وقال أخرجوا بنا من هذا الوادي فإن فيه شيطاناً فلما خرجوا قال (يا بلال قم فأذن الناس بالصلاة) كذا هو مشدد الذال أي أذن وبالموحدة فيهما في رواية البخاري وفي رواية له فآذن بالمد وحذف الموحدة من بالناس وأذن معناه أعلم والمراد به الإعلام المحض بحضور وقتها لا خصوص الأذان المشروع فإن مشروعيته كانت بعد، ذكره عياض، فلما أذن قام ٣٠٨ حرف الهمزة ١٧٥٦ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلهَ إِلَّ اللَّهُ يَبْتَغِي بِذْلِكَ وَجْهَ اللَّهِ)). (ق) عن عتبان بن مالك (صح). المصطفى ◌َ فتوضأ فلما ارتفعت الشمس وابيضت قام فصلى والأنبياء وإن كانوا لا تنام قلوبهم لكن صرف الله قلبه للتشريع وأما الجواب بأنه كان له حالات فتارة ينام قلبه وتارة لا: فضعفه النووي، والجواب الذي صححه أن رؤيا الشمس من وظائف البصر ضعفه جمع بأن النفوس القدسية تدرك الأشياء بلا واسطة آلة، ألا ترى إلى خبر أتموا الصفوف فإني أراكم من خلف ظهري قال الطيبي رحمه الله تعالى؛ فإن قلت كيف أسند هذه الغفلة ابتداء إلى الله ثم أسنده إلى الشيطان ثانياً؟ قلت هو من المسألة المشهورة في خلق أفعال العباد وكسبها، وتقريرها أن الله أراد خلق الإنسان والنوم فيهم فمكن الشيطان من اكتساب ما هو جالب للغفلة والنوم من الهدوء وغيره قال في المطامح والكلام في الروح من وراء حجاب إلا في حق من كشف له عن عالم الملكوت والصحيح أن العلم بحقيقتها غير متعذر لكنه أغمض من كل المعلومات وأعسر من جميع المطلوبات جعله الله آية عظيمة من الآيات ودلالة من الدلالات يجب القطع به وأنه مخلوق وفيه الأذان للفائتة وبه قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وأحمد والشافعي رضي الله تعالى عنهما في القديم، وفي الجديد لا، وهو قول مالك رضي الله تعالى عنه واختار النووي رضي الله تعالى عنه الأول لهذا الحديث وندب الأذان قائماً لقوله قم، ذكره عياض، ورده النووي رضي الله تعالى عنه بأن المراد بقوله قم اذهب إلى محل بارز فناد فيه للصلاة ليسمعك الناس ولا تعرض فيه للقيام حال الأذان (حم خ دن عن أبي قتادة) الأنصاري وهذا الحديث كثير الفوائد فمن أرادها فليراجع شروح الصحيح. ١٧٥٦ - (إن الله قد حرم على النار) أي نار الخلود لما ثبت أن طائفة من الموحدين يعابون ثم يخرجون بدليل أخبار الشفاعة (من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) أي يقولها خالصاً من قلبه يطلب بها النظر إلى وجه الله تعالى وظاهر الخبر الاكتفاء بقولها مرة واحدة في أي وقت كان من العمر لكن بشرط الاستمرار على اعتقاد مدلولها إلى الموت المشار إليه بخبر من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، وأجرى بعضهم الحديث على ظاهره من إطلاق التحريم على النار وقال الكلام فيمن قالها بالإخلاص والصدق وهم فریقان أعلى وأدنی فالأدنی من یقف عند صنعه وأمره کالعبيد أما صنعه فهو حكمه عليه من عز وذل وصحة وسقم وفقر وغنى بأن يحفظ جوارحه السبع عن كل ما حكم به عليه وأما أمره فأداء الواجبات وتجنب المحرمات والإعلاء أن يكون في هذين حافظاً لقلبه قد راض نفسه وماتت شهواته ورضي بأحكام الله وقنع بما أعطاه الله وفطم نفسه عن اللذات وانقاد لأمره ونهيه إعظاماً لجلاله، فخمدت نار شهوة النفس وخرج القلب من أسرها وقهرها فاستمسك بالعروة الوثقى فقوي، واتصل بربه اتصالاً لا يجد العدو إليه سبيلاً لإلقاء شرك أو شك لما لزم قلبه من ذلك النور فإذا انتهى إلى الصراط صار ذلك النور وقاية من تحت قدمه ومن فوقه ومن حوله وأمامه فإذا مر بالنار قالت له يا مؤمن جز فقد أطفأ لهبي فهو محرم عليها وهي محرمة عليه، أما من قال لا إله إلا الله ونفسه ذات هلع وشره وشهوة غالبة فائرة بدخان لذاتها كدخان الحريق مضيعة لحقوق الله مشحونة بالكذب والغش والخيانة كثيرة الهواجس والاضطراب فليست النار محرمة عليه بل يدخلها للتطهير إلا أن ٣٠٩ حرف الهمزة ١٧٥٧ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىُ قَدْ أَمَدَّكُمْ بِصَلَةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: الْوَثْرُ، جَعَلَهَا اللَّهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ)). (حم دت هـ قط ك) عن خارجة بن حذافة (ض). يتداركه عفو إلهي وغفر رباني (ق عن عتبان) بكسر العين المهملة وسكون المثناة فوق وبموحدة تحتية (ابن مالك) الخزرجي السالمي بدري روى عنه أنس وغيره مات زمن معاوية قال: قام رسول الله وَل يصلي فقال أين مالك بن الدخشم فقال رجل ذاك منافق لا يحب الله ورسوله فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تقل ذلك ألا تراه قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله: وإن الله قد حرم إلى آخره. ١٧٥٧ - (إن الله قد أمدكم) بالتشديد أي زادكم كما جاء مصرحاً به في رواية، من مد الجيش وأمده إذا زاده، وألحق به ما يكثره قال القاضي والإمداد اتباع الثاني للأول تقوية وتأكيداً له من المدد وروي زادكم (بصلاة هي خير لكم من حمر) بسكون الميم (النعم) بالتحريك الإبل وهي أعز أموال العرب وأنفسها، فجعلت كناية عن خير الدنيا كله كأنه قيل هذه الصلاة خير مما تحبون من عرض الدنيا وزينتها لأنها ذخيرة اللّآخرة ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ [الاعلى: ١٧] (الوتر) بالجر بدل من صلاة والرفع خبر مبتدأ محذوف قال القاضي ولا دلالة فيه لوجوب الوتر إذ الإمداد والزيادة يحتمل كونه على سبيل الوجوب وكونه على سبيل الندب وقال غيره ليس فيه دلالة على وجوبه إذ لا يلزم أن يكون المزاد من جنس المزيد ففي حديث البيهقي عن أبي سعيد مرفوعاً إن الله زادكم صلاة على صلاتكم هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الركعتان قبل الفجر وقال الطيبي قوله إن الله أمدكم وارد على سبيل الامتنان على أمّته مراداً به مزيد فضل على فضل كأنه قيل إن الله فرض عليكم الخمس ليؤجركم بها ويثيبكم عليها ولم يكتف بذلك فشرع التهجد والوتر ليزيدكم إحساناً على إحسان وثواباً على ثواب وإليه لمح بقوله: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ [الاسراء: ٧٩] ولفظ لك يدل على اختصاص الوجوب به فدل مفهومه على أنه غير واجب على الغير (جعلها الله لكم) أي جعل وقتها (فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر) تمسك به من ذهب إلى أن الوتر لا يقضى وبه قال مالك وأحمد وسفيان وعطاء وغيرهم (حم د ت ، قط ك) كلهم (عن خارجة بن حذافة) بن غانم القرشي العدوي الذي كان يعد بألف فارس قال خرج علينا رسول الله وَّ فذكره وهو الذي قتله عمرو بن بكير الخارجي يظنه عمرو ليلة قتل عليّ ثم قال الحاكم صحيح تركاه لتفرد التابعي عن الصحابي وقال ابن حجر ضعفه البخاري وقال ابن حبان منقطع ومتن باطل وقال الفريابي في اختصار الدارقطني فيه عبد الله بن راشد عن أبي قرة لم يسمع منه وليس ممن يحتج به ولا يعرف لابن أبي قرة سماع من خارجة وقال ابن عدي لم يسمع من أبيه وليس له إلا هذا الحديث وفي الميزان حديثه عن خارجة في الوتر لم يصح وقال ابن حجر ورواه أحمد عن معاذ وفيه ضعف وانقطاع والطبراني عن عمرو بن العاص وفيه ضعف والحاكم والطحاوي عن أبي نضرة وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف لكن توبع والدارقطني عن ابن عباس وفيه النضر الخراز متروك وابن حبان عن ابن عمر وادّعى أنه موضوع وقال البزار أحاديث هذا الباب كلها معلولة انتهى . ٣١٠ حرف الهمزة ١٧٥٨ - (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، فَلَ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ)). (هـ) عن أنس (ح). ١٧٥٩ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ)). مالك (حم دن هـ حب ك) عن جابر بن عتيك (صح). ١٧٦٠ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَجَارَ أُمَّتِي أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَاَلَةٍ)». ابن أبي عاصم عن أنس (ض). ١٧٥٨ - (إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه) أي حظه ونصيبه الذي فرض له المذكور في آيات المواريث الناسخة للوصية للوالدين والأقربين (فلا وصية لوارث) ولو بدون الثلث إن كانت ممن لا وارث له غير الموصى له وإلا فموقوفة على إجازة بقية الورثة لقوله في الخبر الآخر إلا أن تجيز الورثة كذا قرره بعضهم وقال ابن حجر المراد بعدم صحة الوصية للوارث عدم اللزوم لأن الأكثر على أنها موقوفة على إجازة الورثة وقد كانت الوصية قبل نزول آية المواريث واجبة للأقربين فلما نزلت بطلت في الوصايا (عن أنس) قال إني لتحت ناقة رسول الله وَ ل ﴿ يسيل عليّ لعابها فسمعته يقول فذكره فظاهر صنيعه حيث اقتصر على عزوه لابن ماجه أنه تفرد به من بين الستة والأمر بخلافه فقد عزاه ابن حجر وغيره لأحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي أمامة ونحوه باللفظ المذكور بعينه قال ابن حجر وهو حسن الإسناد. اهـ. وقال في موضع آخر سنده قوي وقال في موضع آخر ورد من طرق لا يخلو إسناد منها من مقال لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلاً بل جنح الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأم إلى أن هذا المتن متواتر، إلى هنا كلامه وقال في تخريج المختصر رجاله رجال الصحيح إلا سعيد بن أبي سعيد فمختلف فيه فقيل هو المقبري فلو ثبت هذا كان الحديث على شرط الصحيح لكن الأكثر على أنه شيخ مجهول وذهب الذهبي قبله في التنقیح إلى صحته حيث قال راداً على ابن الجوزي بل حديث صحيح . ١٧٥٩ - (إن الله تعالى قد أوقع) أي صير (أجره) أي أجر عبد الله بن ثابت الذي تجهز للغزو مع رسول الله وَ﴿ فمات قبل خروجه (على قدر نيته) أي فيكتب له أجر الشهادة وإن كان مات على فراشه وهذا يحتمل كونه خصوصية لذلك الصحابي ويحتمل العموم (مالك) في الموطأ (حم دن ٥ حب ك) كلهم (عن جابر بن عتيك) وفي نسخة عبيد - فليحرر - ابن قيس الأنصاري من بني غنم بن سلمة صحابي جليل اختلف في شهوده بدراً وشهد ما بعدها. ١٧٦٠ - (إن الله تعالى قد أجار) في رواية بإسقاط قد (أمتي) أي حفظ علماءها عن (أن تجتمع على ضلالة) أي محرم، ومن ثم كان إجماعهم حجة قاطعة فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله إذ الواحد منهم غير معصوم بل كل أحد يؤخذ منه ويرد عليه إلا الرسول عليه، ونكر ضلالة لنعم وأفردها لأن الإفراد أبلغ (ابن أبي عاصم) وكذا اللالكائي في السنة (عن أنس) بن مالك قال ابن حجر ٣١١ حرف الهمزة ١٧٦١ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقَتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)). (حم م ٤) عن شداد بن أوس (صح). ١٧٦٢ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى أَبْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذُلِكَ لاَ مُحَالَةً، غريب ضعيف لكن له شاهد عند الحاكم من حديث ابن عباس بلفظ لا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة ويد الله مع الجماعة ورجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم بن ميمون. ١٧٦١ - (إن الله كتب) أي أوجب أو طلب والأول هو موضوع كتب عند أكثر أهل العرف لكن الثاني أولى لشموله للمندوب ومكملاته (الإحسان) مصدر أحسن وهو هنا ما حسنه الشرع لا العقل خلافاً للمعتزلة والمراد طلب تحسين الأعمال المشروعة بإتباعها بمكملاتها المعتبرة شرعاً (على) أي في، كما في ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ [البقرة: ١٠٢] أو إلى (كل شيء) غير الباري تقدس غني بذاته عن إحسان كل ما سواه فشمل الحيوان آدمياً أم غيره والنبات لاحتياجه للنمو والملائكة بأن تحسن عشرتهم فلا يفعل ما يكرهه الحفظة ولا يأكل ماله ريح كريه والجن بنحو نيتهم بسلام الصلاة وغير ذلك، والإحسان لشياطينهم بالدعاء لهم ككفار الإنس بالإسلام وفي إفهام كتب إشعار بأنه لا يتقاصر عنه من كتب عليه إلا انشرم دينه كما ينشرم خرز القربة المكتوب فيها، ذكره الحرالي (فإذا قتلتم) قوداً أو حداً غير قاطع طريق وزانٍ محصن لإفادة نص آخر التشديد فيهما وغيره نحو حشرات وسباع فلا حظ لهما في الإحسان على ما قيل لكنه عليل إذ وجوب قتلها لا ينافي إحسان كيفيته؛ وفرع هذا وما بعده على ما قبله مع أن صور الإحسان لا تحصر لكونها الغاية في إيذاء الحيوان فإذا طلب الإحسان إليهما فغيرهما أولى (فأحسنوا القتلة) بكسر القاف هيئة القتل بأن يختاروا أسهل الطرق وأخفها إيلاماً وأسرعها زهوقاً لكن تراعى المثلية في القاتل في الهيئة والآلة إن أمكن وإلا كلواط وسحر فالسيف (وإذا ذبحتم) بهيمة تحل (فأحسنوا الذبحة) بالكسر بالرفق بها فلا يصرعها بعنف ولا يجرها لتذبح بعنف وبإحداد الآلة وتوجيهها للقبلة والتسمية والإجهاز ونية التقرب بذبحها وإراحتها وتركها إلى أن تبرد وشكر الله حيث سخرها لنا ولم يسلطها علينا ولا يذبحها بحضرة أخرى سيما بنتها أو أمها (وليحد أحدكم) أي كل ذابح (شفرته) بالفتح وجوباً في الكالة وندباً في غيرها وهي السكين وشفرتها حدها فسميت به تسمية للشيء باسم جزئه وينبغي مواراتها منها حال حدها للأمر به في خبر (وليرح) بضم أوله في أراح إذا حصلت له راحة (ذبيحته) بسقيها عند الذبح ومر السكين عليها بقوة ليسرع موتها فترتاح وبالإمهال بسلخها حتى تبرد، وعطف ذا على ما قبله لبيان فائدته إذ الذبح بآلة يعذبها فراحتها ذبحها بآلة ماضية والذبيحة فعيلة بمعنى مفعولة وتاؤها للنقل من الوصفية إلى الإسمية قالوا وهذا الحديث من قواعد الدين (حم م عد عن شداد بن أوس) الأنصاري الخزرجي ابن أخي حسان ممن أوتي العلم والحكمة . ١٧٦٢ - (إن الله تعالى كتب) أي قضى وقدر يقال هذا كتاب الله أي قدره ومنه ﴿کتب علیکم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿كتب عليكم القصاص﴾ [البقرة: ١٧٨] قال الزمخشري سألني بعض ٣١٢ حرف الهمزة فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذُلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ)). (ق دن) عن أبي هريرة (صح). المغاربة ونحن بالطواف عن القدر فقلت هو في السماء مكتوب وفي الأرض مكسوب (على ابن آدم حظه من الزنا) أي خلق له الحواس التي بها يجد لذة الزنا وأعطاه القوى التي بها يقدر عليه وركز في جبلته حب الشهوات فمن للبيان وهو مع مجروره حال من حظه، ذكره القاضي (أدرك ذلك لا محالة) بفتح الميم أي أصاب ذلك ووصل إليه البتة، ولا لنفي الجنس قال الجوهري حال كونه تغير وحال عن العهد انقلب وحال الشيء بيننا حجز والمحالة الحيلة يقال المرء يعجز لا محالة وقولهم لا محالة أي لا بد قال البيضاوي وهذا استئناف جواب عمن قال هل يخلص ابن آدم عنه قال ابن رسلان كلما سبق في العلم لا بد أن يدركه لا يستطيع دفعه لكن يلام على صدوره منه لتمكنه من التمسك بالطاعة وبه تندفع شبه القدرية والجبرية وقال الطيبي الجملة الثانية مترتبة على الأولى بلا حرف الترتيب تعويضاً لاستفادته إلى ذهن السامع والتقدير كتب الله ذلك وما كتبه لا بد أن يقع (فزنا العين النظر) إلى ما لا يحل من نحو أجنبية وأمرد (وزنا اللسان المنطق) وفي رواية النطق بدون ميم أي بما لا يجوز وإطلاق الزنا على ما بالعين واللسان مجاز لأن كل ذلك من مقدماته (والنفس تمنی) أي تتمنى فحذف إحدی التاءین أي وزنا النفس تمنيها (وتشتهي) أي اشتهاؤها إياه (والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) أي إن فعل بالفرج ما هو المقصود من ذلك صار الفرج مصدقاً لتلك الأعضاء وإن ترك ما هو المقصود من ذلك فقد صار الفرج مكذباً، ذكره القاضي وقال الطيبي سمى هذه الأشياء باسم الزنا لأنها مقدمات له مؤذنة بوقوعه ونسب التصديق والتكذيب إلى الفرج لأنه منشؤه ومكانه أي يصدق بالإتيان لما هو المراد منه ويكذبه بالكف عنه والترك. قال الزمخشري في قوله كذب عليك الحج كذب كلمة جرت مجرى المثل في كلامهم وهو في معنى الأمر يريد أن كذب هنا تمثيل لإرادة تلك ما سولت لك نفسك من التواني في الحج وكذا ما نحن فيه من الاستعارة التمثيلية شبه صورة حالة الإنسان من إرساله الطرف الذي هو رائد القلب إلى النظر إلى المحارم وإصغائه الأذن إلى السماع ثم انبعاث القلب إلى الاشتهاء والتمني ثم استدعائه منه فصار ما يشتهي وتمنى باستعمال الرجلين في المشي واليدين في البطش والفرج في تحقيق مشتهاه فإذا مضى الإنسان على ما استدعاه القلب حقق متمناه وإذا امتنع عن ذلك خيبة فيه ثم استعمل في حال المشبه ما كان مستعملاً في جانب المشبه به من التصديق والتكذيب ليكون قرينة للتمثيل وقد نظر المحاسبي رضي الله عنه إلى هذا حيث قال: لقَلْبِكَ يَوْماً أَتْعَبَنْكَ المَنَاظِرُ وكُنْتَ مَتَى أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِداً عليه ولا عَنْ بَعْضِهِ أنْتَ صَابِرُ رَأَيتَ الَّذي لا كُلَّهُ أَنْتَ قَادرٌ قال الطيبي والإسناد في قوله والفرج يصدقه أو يكذبه مجازي لأن الحقيقي هو أن يسند إلى الإنسان فأسنده إلى الفرج لأنه مصدر الفعل والسبب الأقوى وهذا ليس على عمومه لعصمة الخواص وقد يحتمل بقاءه على عمومه بتكلف؛ وبدأ بزنا العين لأنه أصل زنا اليد والرجل والقلب والفرج ونبه بزنا اللسان بالكلام على زنا الفم بالتقبيل وجعل الفرج مصدقاً لذلك إن حقق الفعل ومكذباً له إن لم ٣١٣ حرف الهمزة ١٧٦٣ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذُلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيْئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى سَيَِّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّ هَالِكٌ)). (ق) عن ابن عباس (صح). يحققه فكان الفرج هو الموقع وفيه أن العبد لا يخلق فعل نفسه لأنه قد يريد الزنا فلا يطاوعه الذكر ولو كان خالقاً لفعله لم يعجز عما يريده مع استحكام الشهوة (ق د ن عن أبي هريرة) قال ابن حجر ورواه أحمد والطبراني أيضاً. ١٧٦٣ - (إن الله تبارك) تعاظم (وتعالى) تنزه عما لا يليق بعلا كماله (كتب الحسنات والسيئات) أي قدرهما في علمه على وفق الواقع أو أمر الحفظة بكتابتهما (ثم بين) الله تعالى (ذلك) للكتبة من الملائكة حتى عرفوه واستغنوا به عن استفساره في كل وقت كيف يكتبونه (فمن هم بحسنة) أي عقد عزمه عليها (فلم يعملها) بفتح الميم (كتبها الله تعالى) للذي هم بها أي قدرها أو أمر الحفظة بكتابتها (عنده حسنة كاملة) لا نقص فيها وإن نشأت عن مجرد الهم، والعندية للتشريف ومزيد الاعتناء سواء كان الترك لمانع أم لا قيل، ما لم يقصد الاعراض عنها جملة وإلا لم تكتب، واطلاع الملك على فعل القلب بإطلاع الله تعالى أو بأن يخلق له علماً يدرك به ذلك أو بأن يجد للهم بها ريحاً طيباً (فإن هم بها فعملها) بكسر الميم أي الحسنة (كتبها الله) أي قدر أو أمر (عنده) تشريفاً لصاحبها (عشر حسنات) لأنه أخرجها من الهم إلى ديوان العمل ومن ﴿جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦] وهذا أقل ما وعد به من الأضعاف (إلى سبعمائة ضعف) بكسر الضاد أي مثل وقيل مثلين (إلى أضعاف كثيرة) بحسب الزيادة في الإخلاص وصدق العزم وحضور القلب وتعدي النفع والله يضاعف لمن يشاء قال في الكشاف مضاعفة الحسنات فضل ومكافأة السيئات عدل (وإن هم بسيئة فلم يعملها) بجوارحه ولا بقلبه (كتبها الله عنده) عندية تشريف (حسنة كاملة) ذكره لئلا يظن أن كونها مجرد هم ينقص ثوابها وفي خبر مسلم الكف عن الشر صدقة (فإن هم بها فعملها) بكسر الميم (كتبها الله تعالى) عليه (سيئة واحدة) لم يعتبر مجرد الهم في جانب السيئة واعتبره في جانب الحسنة تفضلاً منه سبحانه، واستثنى البعض الحرم المكي فتضاعف فيه، وفيه (ولا يهلك على الله إلا هالك) أي من أصر على السيئة وأعرض عن الحسنات ولم ينفع فيه الآيات والنذر فهو غیر معذور فهو هالك أو من حتم هلاكه وسدت علیه سبل الهدى أو من غلبت آحاده وهو السيئات عشراته وهي الحسنات المضاعفة إلى أضعاف كثيرة، وأعظم بمضمون هذا الحديث من منة إذ لولاه لما دخل أحد الجنة لغلبة السيئات على الحسنات (ق عن ابن عباس) ظاهر أن كلاً من الشيخين روى الكل ولا كذلك بل الجملة الأخيرة رواها مسلم فقط دون البخاري كما نبه عليه ابن حجر. ٣١٤ حرف الهمزة ١٧٦٤ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ كِتَاباً قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمُوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامِ، وَهُوَ عِنْدَ الْعَرْشِ، وَإِنَّهُ أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلَ يُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلاَثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبُهَا شَيْطَانٌ)). (ت ن ك) عن النعمان بن بشير (ح). ١٧٦٤ - (إن الله كتب كتاباً) أي أجرى القلم على اللوح وأثبت فيه مقادير الخلائق على وفق ما تعلقت به إرادته أزلاً إثبات الكاتب على ما في ذهنه بقلمه على اللوح أو قدر وعين مقادير تعييناً بتاً يستحيل خلافه (قبل أن يخلق السموات والأرض) جمع السموات دون الأرض وهن مثلهن لأن طبقاتها بالذات متقارنة الآثار والحركات وقدمها لشرفها وعلو مكانها (بألفي عام) كنى به عن طول المدة وتمادى ما بين التقدير والخلق من المدد فلا ينافي عدم تحقق الأعوام قبل السماء والأعوام مجرد الكثرة وعدم النهاية مجازاً أو العدد من غير حصر فلا ينافي الزيادة ثم الظاهر أن المراد إحداث اللفظ أو ما يدل عليه في علم ملك أو في اللوح أو في كتاب كما قيل: ﴿في صحف مكرمة﴾ [عبس: ١٣] الآية ولا إشكال وإن أراد الأمر الأزلي فتوجيهه أن المراد بالقبلية مجرد التقدم ومن البين تقدم الأزلي على حدوث كل حادث وما قيل إن الأزلي لا يتصف بالقبلية فهو بالمعنى المذكور ممنوع فإنه لا يقتضي وقوع المقدم في الزمن كتقدم الزمن الماضي على المستقبل فالمعنى أنه تحقق دون خلق السماء وقد تخلل بينهما مقدار كثير فتأمله ليظهر به اندفاع ما لكثيرين هنا (وهو عند) وفي رواية وهو عنده فوق (العرش) أي علمه عند العرش والمكتوب عنده فوق عرشه تنبيهاً على تعظيم الأمر وقيل لله ما في السموات على ما مر وجلالة قدر ذلك الكتاب فإن اللوح المحفوظ تحت العرش والكتاب المشتمل على الحكم فوق العرش قال القاضي ولعل السبب فيه أن ما تحت العرش عالم الأسباب والمسببات واللوح يشتمل على تفاصيل ذلك وقضية هذا العالم وهو عالم العدل المشار إليه بقوله بالعدل قامت السموات والأرض إثابة المطيع وعقاب العاصي حسبما يقتضيه العمل من خير أو شر وذلك يستدعي غلبة الغضب على الرحمة لكثرة موجبه ومقتضيه كما قال تعالى: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم﴾ [النحل: ٦١] الآية وقبول إثابة التائب والعفو عن المشتغل بذنبه فيه كما قال: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس﴾ [الرعد: ٦] أمراً خارجاً عنه مترقياً منه إلى عالم العقل الذي هو فوق العرش، وفي أمثال هذا الحديث أسرار إفشاؤها بدعة انتهى وقيل كونه عند العرش عبارة عن كونه مستوراً عن جميع الخلق مرفوعاً عن حيز الإدراك (وأنه أنزل منه) أي من جملة الكتاب المذكور (الآيتين) اللتين (ختم بهما سورة البقرة) أي جعلها خاتمتها وأولهما ﴿آمن الرسول﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخرها وقيل: ﴿لله ما في السموات﴾ [البقرة: ٢٨٤] على ما مر (ولا يقرآن في دار) يعني مكان، داراً أو خلوة أو مسجداً أو مدرسة أو غيرها (ثلاث ليال) في كل ليلة منها، وكذا في ثلاثة أيام فيما يظهر: وإنما خص الليل لأنه محل سكون الآدميين وانتشار الشياطين (فيقر بها شيطان) فضلاً عن أن يدخلها فعبر بنفي القرب ليفيد نفي الدخول بالأولى ومن التقرير المار عرف أنه لا تعارض بين قوله هنا ألفي عام وفي خبر ابن عمرو خمسين ألف سنة على أن اختلاف الزمنين في إثبات الأمر لا يقتضي التناقض لجواز أن لا يكون مظهر الكوائن في اللوح دفعة بل تدريجياً وفائدة التوقيت تعريفه إيانا فضل الآيتين إذ سبق الشيء بالذكر على غيره يدل على اختصاصه ٣١٥ حرف الهمزة ١٧٦٥ - (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمْوَاتِ وَالأَرْضَ: إِنَّنِي أَنَّا الرَّحْمُنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَفَقْتُ لَهَا أَسْماً مِنَ أَسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ)). (طب) عن جرير (ض). ١٧٦٦ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ فَأَسْعَوْا)). (طب) عن ابن عباس (ض). بفضيلته ذكره القاضي تلخيصاً من كلام التوربشتي قال الطيبي وخلاصة ما قرراه، الكوائن كنبت في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام ومن جملتها كتابة القرآن ثم خلق الله خلقاً من الملائكة وغيرهم فأظهر كتابة القرآن عليهم قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام وخص من ذلك هاتين الآيتين وأنزلهما مختوماً بهما أولى الزهراوين، ونظير الكتابة بمعنى الإظهار على الملائكة قراءة طه ويس عليهم قبل خلق السموات والأرض بألفي عام تنبيهاً على جلالتهما وشرفهما قال ويجوز أن لا يراد بالزمانين التجريد بل نفس السبق فالمبالغة فيه للشرف والله أعلم بحقيقة الحال قال والفاء في قوله فيقربها للتعقيب أي لا يوجد ولا يحصل قراءتهما فيتعقبهما قربان الشيطان فالنفي مسلط على المجموع (ت ن ك عن النعمان بن بشير) وفيه أشعث بن عبد الرحمن قال في الكاشف قال أبو زرعة وغيره غير قوي وأورده في الضعفاء وقال قال النسائي ليس بقوي ورواه الطبراني قال الهيثمي رجاله ثقات. ١٧٦٥ - (إن الله تعالى كتب في أم الكتاب) اللوح المحفوظ أو علمه الأزلي (قبل أن يخلق السموات والأرض: إنني أنا الرحمن) الرحيم أي الموصوف بكمال الإنعام بجلائل الآلاء ودقائقها (خلقت الرحم) أي قدرتها (وشققت لها إسماً من اسمي) لأن حروف الرحم موجودة في اسم الرحمن فهما من أصل واحد وهو الرحمة أو يقال الرحم مشتقة من الرحمة المشتق منها اسم الرحمن (فمن وصلها وصلته) أي أحسنت إليه وأنعمت عليه (ومن قطعها قطعته) أي أعرضت عنه وأبعدته عن رحمتي ولم أزد له في عمره كما سيجيء في خبر إن صلة الرحم تعمر الديار وتزيد الأعمار، قال الحكيم خلق الله الرحم بيده وشق لها اسماً من اسمه ثم أرسل حواشي قميص الرحمة من العرش ليتعلق الخلق بها فمن وصل الرحم فقد تعلق بحاشية القميص ومن قطعها قصرت يده عن حواشي القميص فانقطع عن رحمة الله ولم يبق له إلا رحمة التوحيد. (تنبيه) الرحم ضربان رحم قرابة وولادة ورحم إيمان وإسلام ورحم القرابة نوعان رحم يرث ورحم لا يرث ورحم تجب نفقته بالحكم كالأصول والفروع ورحم لا تجب نفقته بالحكم كالحواشي بل بالصلة والإحسان والصلة تكون بالمال وتكون بالزيادة والإحسان وبالصفح في الأقوال وبالعون في الأفعال وبالألفة بالمحبة والاجتماع وغير ذلك من معاني التواصل هذا في الدنيا وأما فيما بعد الموت فبالاستغفار لهم والدعاء ونحو ذلك ومن الصلة للرحمين تعليمهم ما يجهلون وتنبيههم على ما ينفعهم ويضرهم (طب) وكذا الأوسط (عن جرير) قال الزين العراقي وفيه الحكم بن عبد الله أبو مطيع وهو متروك وتبعه الهيثمي. ١٧٦٦ - (إن الله تعالى كتب) أي فرض (عليكم السعي) بين الصفا والمروة في النسك فمن لم يسع لم يصح حجه عند الثلاثة وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه واجب لا ركن فيجبر بدم ويصح حجه ٣١٦ حرف الهمزة ١٧٦٧ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الْغَيْرَةَ عَلَى النِّسَاءِ، وَالْجِهَادَ عَلَى الرِّجَالِ، فَمَنْ صَبَرَ مِنْهُنَّ إِيمَاناً وَأَحْتِسَاباً كَانَ لَهَا مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ)). (طب) عن ابن مسعود (ح). (فاسعوا) أي اقطعوا المسافة بينهما بالمرور كما يرشد إليه قول ابن عمر رضي الله عنه في رواية كان إذا نزل من الصفا يمشي فليس المراد بالسعي العدو كما وهم وأصل السعي الإسراع في المشي حساً أو معنى ذكره الحرالي (طب عن ابن عباس) قال سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه واله وسلم عام حج عن الرمل فذكره قال الهيثمي وفيه الفضل بن صدقة وهو ضعيف انتهى. وفي الباب حديث صحيح وهو ما رواه جمع منهم ابن المبارك من حديث منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية عن نسوة من بني عبد الدار قال: رأينا رسول الله وسير يشتد إلى السعي حتى إذا بلغ زقاق بني فلان استقبل الناس فقال يا أيها الناس اسعوا إن الله قد كتب عليكم السعي قال الذهبي في التنقيح إسناده صحيح ورواه أيضاً الشافعي وأحمد رضي الله عنهما لكن فيه عندهما عبد الله بن المؤمل فيه ضعف قال ابن حجر لكن إذا انضمت إلى رواية الطبراني تقوّت . ١٧٦٧ - (إن الله كتب الغيرة) بفتح الغين أي الحمية والأنفة (على النساء) أي حكم بوجود الغيرة فيهنّ على رجالهنّ ومن ضرائرهنّ فليصبرن على جهاد أنفسهن عند ثوراتها كما يصبر الرجال على جهاد الأعداء. فإن لم تجاهد إحداهنّ نفسها وشيطانها ذهب كمال دينها وظفر بها شيطانها بتسخطها وظلمها زوجها فضرتها وربما جنت أو أهلكت نفسها فقد قالت امرأة لعمر زنيت فحدني فقال زوجها ما فعلت بل حملتها الغيرة (والجهاد على الرجال فمن صبر) القياس صبرت لكن ذكره رعاية للفظ من (منهنّ إيماناً واحتساباً) أي لوجه الله تعالى وطلباً للثواب (كان لها مثل أجر الشهيد) أي إنسان قتل في معركة الكفار بسبب القتال، فهذه تقابل وتجير تلك النقيصة وهي عدم قيامهنّ بالجهاد الذي كتب على الرجال وفيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغير بما يصدر عنها لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوباً بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة، وقد أخرج أبو يعلى بسند قال ابن حجر رحمه الله لا بأس به عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: إن الغيرة لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه. وخرج بقوله من صبر من لم يصبر فإن أظهرت الضجر والسخط فلا أجر لها أصلاً وبقوله إيماناً واحتساباً من صبرت ولم تحتسب صبرها فلا يكون لها أجر شهيد لكن لها أجر في الجملة (طب) والبزّار كلاهما من حديث عبيد بن الصباحٍ عن كامل عن أبي العلاء عن الحكم عن إبراهيم بن علقمة (عن ابن مسعود) قال: كنت جالساً مع رسول الله وَ إذ أقبلت امرأة عريانة فقام إليها رجل فألقى عليها ثوباً وضمها إليه فتغير وجه رسول الله ﴾ وقال احسبها غيرى ثم ذكره قال البزّار لا نعلمه إلا من هذا الوجه وعبيد لا بأس به وكامل كوفي مشهور على أنه لم يشاركه أحد فيه انتهى. وقال الهيثمي فيه عبيد بن الصباح ضعفه أبو حاتم ووثقه البزّار وبقية رجاله ثقات وقال في الميزان عبيد بن الصباح ضعفه أبو حاتم وساق هذا الخبر من مناكيره وفي اللسان أورده العقيلي في الضعفاء ولا يتابع عليه ولا يعرف إلا به اهـ. لكنه في الفتح عزاه للبزّار وحده ورجاله ثقات لكن اختلف في عبيد بن الصباح منهم هكذا قال. ٣١٧ حرف الهمزة ١٧٦٨ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثاً: اللَّغْوَ عِنْدَ الْقُرْآنِ، وَرَفْعَ الصَّوْتِ فِي الدُّعَاءِ، وَالتَّخَصُّرَ فِي الصَّلاَةِ)). (عب) عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً (ح). ١٧٦٩ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِهَ لَكُمْ سِتَّا: الْعَبَثَ فِي الصَّلاَةِ، وَالْمَنَّ فِي الصَّدَقَةِ، وَالرَّفَثَ فِي الصِّيَامِ، وَالضَّحِكَ عِنْدَ الْقُبُورِ، وَدُخُولُ الْمَسَاجِدِ وَأَنْتُمْ جُنُبٌّ، وَإِدْخَالَ الْعُيُونِ الْبُيُوتَ بِغَيْرِ إِذْنٍ)). (ص) عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً (ض). ١٧٧٠ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِهَ لَكُمُ الْبَيَانَ كُلَّ الْبَيَانِ)). (طب) عن أبي أمامة (ض). ١٧٦٨ - (إن الله تعالى كره لكم ثلاثاً) أي فعل خصال ثلاث أحدها (اللغو عند) قراءة (القرآن) أي التكلم بالمطروح من القول عند تلاوته بل ينبغي الإنصات والاستماع ﴿وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وخرج باللغو الكلام لفائدة دينية كتفسير غريبه والبحث في نحو شيء من أحكامه (و) ثانيها (رفع الصوت في الدعاء) فإن من تدعونه يعلم السر وأخفى ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ [الحديد: ٤] وفي رواية عند الدعاء أي يسن الإنصات عند دعاء الداعي وعدم اللغو حالتئذٍ حيث كان ذلك الدعاء مشروعاً (و) ثالثها (التخصر في الصلاة) أي وضع اليد على الخاصرة حال الصلاة فيكره تنزيهاً ودعوى أن المراد يتوكأ على عصا فيها أو أن يفرأ من آخر السورة آية أو آيتين ولا يكملها في فريضة بعيد من السياق ولو كثر اللغو حتى أدى إلى التخليط على القارىء أو كان الرفع يؤذي نحو مصلٍ أو كان التخصر كبراً وإعجاباً كانت الكراهة للتحريم (عب عن) أبي نصر (يحيي بن أبي كثير) ضد القليل الطائي مولاهم اليمامي لإمام أحد الأعلام واسم أبيه صالح أو يسار أو دينار من كبار التابعين وعبادهم (مرسلاً) قضية صنيع المصنف أنه لم يقف عليه مسنداً وإلا لما عدل الرواية الإرسال مع ما فيها من الإعلال وهو ذهول فقد خرجه الديلمي من حديث جابر مرفوعاً. ١٧٦٩ - (إن الله تعالى كره لكم ستاً) من الخصال أي فعلها، أولها (العبث في الصلاة) أي اللعب أي عمل ما لا فائدة فيه (و) ثانيها: (المن في الصدقة) فإنه محبط لثوابها ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن﴾ [البقرة: ٢٦٤] (و) ثالثها (الرفث في الصيام) أي الكلام الفاحش فيه (و) رابعها (الضحك عند القبور) فإنه يدل على قسوة القلب الموجبة للبعد عن الرب بل اللائق إكثار البكاء والقراءة والدعاء (و) خامسها (دخول المساجد) عبر بصيغة الجمع ليفيد عدم اختصاص النهي ببعضها كمسجده الشريف أو الحرم المكي أو الأقصى (وأنتم جنب) يعني دخولها بغير مكث فإنه مكروه تنزيهاً أو خلاف الأولى ومع اللبث حرام (و) سادسها (إدخال العيون البيوت) عمداً (بغير إذن) من أهلها يعني نظر الأجنبي إلى من في داخل بيت غيره بغير إذنه فإنه يكره تحريماً ومن ثم جاز لرب الدار أن يخذفه ويفقأ عينه أي إن لم يندفع إلا بذلك (ص) وكذا ابن المبارك عن إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن دينار الحمصي (عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً) قال ابن حجر وهو في مسند الشهاب من هذا الوجه وقال ابن طاهر عبد الله بن دينار هو الحمصي وليس المدني وهذا منقطع . ١٧٧٠ - (إن الله تعالى كره لكم البيان كل البيان) أي التعمق والمبالغة في إظهار الفصاحة في ٣١٨ حرف الهمزة ١٧٧١ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىْ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الأَخْلاَقِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا)). (طب حل ك هب) عن سهل بن سعد (صح). ١٧٧٢ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلاَ خَلِيفَةً إِلَّ وَلَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَبِطَانَةٌ لاَ تَأْلُوهُ خَبَالاً؛ وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ)). (خدت) عن أبي هريرة (صح). النطق وتكلف البلاغة في أساليب الكلام لأنه يجر إلى أن يرى الواحد منا لنفسه فضلاً على من تقدمه في المقال ومزية عليه في العلم أو الدرجة عند الله لفضل خص به عنهم فيحتقر من تقدمه ولا يعلم المسكين أن قلة كلام السلف إنما كان ورعاً وخشية الله ولو أرادوا الكلام وإطالته لما عجزوا غير أنهم إذا ذكروا عظمة الله تلاشت عقولهم وانكسرت قلوبهم وقصرت ألسنتهم، والبيان جمع الفصاحة في اللفظ والبلاغة في المعنى (تنبيه) قال الزمخشري البيان إظهار المقصود بأبلغ لفظ وهو من الفهم والذكاء وأصله الكشف والظهور (طب عن أبي أمامة) قال الهيثمي فيه عفير بن معدان وهو ضعيف قال الزين العراقي ورواه ابن السني في رياض المتعلمين عن أبي أمامة بسند ضعيف. ١٧٧١ - (إن الله تعالى كريم) أي جواد لا ينفد عطاؤه (يحب الكرم) لأنه من صفاته وهو يحب من تخلق بشيء منها كما سبق (ويحب معالي الأخلاق) من الحلم ونحوه من كل خلق فاضل لما ذكر (ويكره) لفظ رواية أبي نعيم ويبغض (سفسافها) بفتح أوله المهمل أي رديئها قال ابن عبد السلام الصفات الإلهية ضربان، أحدهما يختص به كالأزلية والأبدية والغنى عن الأكوان، والثاني يمكن التخلق به وهو ضربان. أحدهما لا يجوز التخلق بها كالعظمة والكبرياء، والثاني ورد الشرع بالتخلق به كالكرم والحلم والحياء والوفاء فالتخلق به بقدر الإمكان مرضٍ للرحمن مرغم للشيطان. (تنبيه) قال في الصحاح السفساف الرديء من الشىء كله والأمر الحقير وقال الزمخشري: تقول العرب شعر سفساف وكل عمل لم يحكمه عامله فقد سفسفه. وكل رجل مسفسف لئيم العطية وهن المجاز قولهم تحفظ من العمل السفساف ولا تسف له بعض الإسفاف : وسَامٍ جَسِيمَات الأمُور ولا تَكُنْ مُسِفّاً إلى ما دَقَّ مِنْهُنَّ دَانِيَا (طب حل ك عن سهل بن سعد) قال الحافظ العراقي بعدما عزاه لمن ذكر خلا أبي نعيم إسناده صحيح وقال الهيثمي رجال الطبراني ثقات. ١٧٧٢ - (إن الله تعالى لم يبعث نبياً ولا) استخلف (خليفة) فضلاً عن غيرهما وفي رواية من خليفة كالأمراء فإنهم خلفاء الله على عباده (إلا وله بطانتان) تثنية بطانة بالكسر وليجة وهو الذي يعرفه الرجل بأسراره ثقة به، شبه ببطانة الثوب هنا كما شبه بالشعار في خبر: الأنصار شعار والناس دثار ذكره القاضي (بطانة تأمره بالمعروف) أي ما عرفه الشرع وحكم بحسنه وفي رواية بدل بالمعروف وبالخير (ونهاه عن المنكر) ما أنكره الشرع ونهى عن فعله قال ابن حجر البطانة بكسر الموحدة اسم جنس يشمل الواحد والمتعدد (وبطانة لا تألوه خبالا) أي لا تقصر في إفساد أمره وهو اقتباس من قوله سبحانه ٣١٩ حرف الهمزة ١٧٧٣ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)). (طب) عن أم سلمة (صح). ١٧٧٤ - ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِضِ الزَّكَاةَ إِلَّ لِيُطَيِّبَ بِهَا مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَإِنَّمَا وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا﴾ [آل عمران: ١١٨]، ﴿ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً﴾ [النساء: ٣٨] واستشكل هذا التقسيم بالنسبة للنبي لأنه وإن جاز عقلاً أن يكون في من يداخله من يكون من أهل الشر لكنه لا يتصور من أن يصغي إليه ولا يعمل بقوله لعصمته، وأجيب بأن في بقية الحديث الإشارة إلى سلامة النبي من ذلك وهو قوله: (ومن يوق بطانة السوء) بأن يعصمه الله تعالى منها (فقد وقي) أي وقي الشر كله فهذا هو منصب النبوة الذي لا يجوز عليهم غيره وقد يحصل لغيرهم بتوفيقه تعالى وهدايته، وفي الولاة من لا يقبل إلا من بطانة الشر وفيهم من يقبل من هؤلاء تارة ومن هؤلاء أخرى فإن كان على حد سواء فلم يتعرض له في الحديث لظهوره وإن كان الأغلب عليه القبول من أحدهما فهو ملحق به إن خيراً فخير وإن شراً فشر قال ابن التين وغيره يحتمل أن يريد بالبطانتين الوزيرين ويحتمل الملك والشيطان ويحتمل النفس الأمارة واللوامة إذ لكل منهم قوة ملكية وقوة حيوانية والحمل على الأعم أتم لكن قد لا يكون للبعض إلا البعض وحينئذ فعلى الحاكم أن لا يبادر بما تلقى إليه حاشيته حتى يبحث عنه وأن يتخذ لسره ثقة مأموناً فطناً عاقلاً لأن المصيبة إنما تدخل على الحاكم المأمون من قبول قول غير موثوق به إذ كان هو حسن الظن فيلزمه التثبت والتدبر ويسأل الله الهداية والتبصر (خدت عن أبي هريرة) قال في الكبير صحيح غريب وفي الباب غيره أيضاً وهو البخاري بزيادة ونقص. ١٧٧٣ - (إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم) من الأمراض القلبية والنفسية أو الشفاء الكامل المأمون الغائلة (فيما حرم) بالبناء للفاعل ويجوز للمفعول (عليكم) لأنه سبحانه وتعالى لم يحرمه إلا لخبثه ضناً بعباده وحمية لهم وصيانة عن التلطخ بدنسه وما حرم عليهم شيئاً إلا عوضهم خيراً منه فعدولهم عما عوضه لهم إلى ما منعهم منه يوجب حرمان نفعه ومن تأمل ذلك هان عليه ترك المحرم المؤذي واعتاض عنه النافع المجدي، والمحرم وإن أثر في إزالة المرض لكنه يعقب بخبثه سقماً قلبياً أعظم منه فالمتداوي به ساع في إزالة سقم البدن بسقم القلب وبه علم أنه لا تدافع بين الحديث وآية ﴿منافع للناس﴾ [البقرة: ٢١٩] ومحل المنافع المنصوص عليها فيها على منفعة الاتعاظ فإن السكران هو والكلب واحد يلحس في ذا مرة وذا مرة تكلف بارد (طب) وكذا أبو يعلى كما في الدرر للمصنف (عن أم سلمة) قالت نبذت نبيذاً في كوز فدخل رسول الله هير وهو يغلي فقال: ما هذا؟ قلت: اشتكت ابنة لي فصنعت لها هذا فذكره، قال الهيثميّ إسناده منقطع ورجاله رجال الصحيح ورواه عنه أيضاً ابن حبان والبيهقي باللفظ المذكور قال في المهذب وإسناده صويلح انتهى وقال ابن حجر رحمه الله ذكره ابن خالد تعليقاً عن ابن مسعود قال وقد أوردته في تعليق التعليق من طرق صحيحة . ١٧٧٤ - (إن الله تعالى لم يفرض الزكاة) أي لم يوجبها من الفرض وهو الجز في الشيء لينزل فيه ما ٣٢٠ حرف الهمزة فَرَضَ الْمَوَارِيثَ لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ: إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ)). (دك هق) عن ابن عباس (صح). يسد فريضته حساً أو معنى ذكره الحرالي (إلا ليطيب) بالتشديد ويخفف أي بإفرادها عن المال وصرفها إلى مستحقيها (ما بقي) بعد إخراج الفرض (من أموالكم) أي يخلصها من الشبه والرذائل فإنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣] ومعنى التطيب أن أداء الزكاة إما أن يحل ما بقي من ماله المخلوط بحق الفقراء وإما أن يزكى من تبعة ما لحقه به من إثم منع حق الله (وإنما فرض المواريث) زاد ابن أبي حاتم من أموالكم (لتكون) في رواية لتبقى (لمن بعدكم) من الورثة وقوله وإنما فرض الخ معطوف على قوله إن الله لم يفرض الزكاة إلا لكذا ولم يفرض المواريث إلا لتكون لمن بعدكم والمعنى لو كان مطلق الجمع وضبطه محظوراً لما افترض الله الزكاة ولا الميراث (ألا) حرف تنبيه (أخبركم بخير ما يكنز) بفتح أوله (المرء) فاعل يكنز (المرأة الصالحة) أي الجميلة العفيفة الدينة فإنها خير ما يكنز وادخارها أنفع من كنز الذهب والفضة قال الطيبي المرأة مبتدأ والجملة الشرطية خبره ويجوز كونه خبر مبتدأ محذوف والجملة الشرطية بيان (إذا نظر إليها سرته) أي أعجبته لأنه ادعى لجماعها فيكون سبباً لصون فرجه ومجيء ولد صالح (فإذا أمرها أطاعته) في غير معصية (وإذا غاب عنها) في سفر أو حضر (حفظته) في نفسها وماله كما في خبر آخر ولابن ماجه وإن أقسم عليها أبرته قال الطيبي ووجه المناسبة بين المال والمرأة تصور الانتفاع من كل منهما وأنهما نوعا هذا الجنس ولذلك استثنى الله من أتى الله بقلب سليم من قوله ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون﴾ [الشعراء: ٨٨] وقوله إذا غاب عنها حفظته مقابل لقوله إذا نظر إليها سرته وقوله إذا أمرها أطاعته دلالة على حسن خلقها وسبب الحديث أنه لما نزل ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ [التوبة: ٣٤] الآية كبر ذلك على المسلمين فقال عمر أنا أفرج عنكم فقال: يا نبي الله أكبر على أصحابك هذه الآية فقال: إن الله ما فرض الزكاة إلا لتطيب ما بقي من أموالكم فكبر عمر رضي الله عنه فقال: ألا أخبركم إلى آخره قال القاضي لما بين لهم أنه لا حرج عليهم في كنز المال ما داموا يؤدون زكاته ورأى استبشارهم به رغبهم عنه إلى ما هو خير وأبقى وهو المرأة الصالحة الجميلة فإن الذهب لا ينفع الرجل ولا يغنيه إلى إن فر عنه والمرأة ما دامت معه رفيقته ينظر إليها فتسره ويقضي عند الحاجة منها وطره ويشاورها فيما يعن له فتحفظ سره ويستمد منها في حوائجه فتطيع أمره وإذا غاب عنها تحامي ماله وتراعي عياله ولو لم يكن لها إلا أنها تحفظ بذره وتربى زرعه فيحصل بسببها ولد يكون له وزيراً في حياته وخليفة بعد وفاته لكفى (دك هق) كلهم في الزكاة (عن ابن عباس) قال الحاكم على شرطهما وأقره الذهبي في التلخيص في الزكاة ورده في التهذيب في التفسير فقال عثمان القطان أي أحد رجاله لا أعرفه والخبر عجيب انتهى وقال في المهذب فيه عثمان أبو اليقظان ضعفوه انتهى وهذا الحديث لم أره في نسخة المصنف التي بخطه.