Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
حرف الهمزة
٢٧٧ - ((أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي ثَلاَثَاً: زَلَّهُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَالتَّكْذِيبُ
بِأَلْقَدَرِ)». (طب) عن أبي الدرداء.
٢٧٨ - ((أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي ثَلاثَاً: ضَلَاَلَةُ الأَهْوَاءِ، وَأَتِبَاعُ الشَّهَوَاتِ فِي
٢٧٧ - (أخاف على أمتي) زاد في رواية بعدي فالإضافة للتشريف (ثلاثاً) أي خصالاً ثلاثاً قال
الزمخشري: والخوف غم يلحق الإنسان لتوقع مكروه والحزن غم يلحقه لفوت نافع أو حصول ضار،
(زلة عالم) أي سقطته يعني عمله بما يخالف علمه ولو مرة واحدة فإنه عظيم المفسدة لأن الناس
مرتقبون لأفعاله ليقتدوا به ومن تناول شيئاً وقال للناس لا تتناولوه فإنه سم قاتل سخروا منه واتهموه
وزاد حرصهم على ما نهاهم عنه فيقولون لولا أنه أعظم الأشياء وألذها لما استأثر به؛ وأفرد الزلة لندرة
وقوعها منه (وجدال منافق بالقرآن) أي مناظرته به ومقابلته الحجة بالحجة لطلب المغالبة بالباطل وربما
أوّل منه شيئاً ووجهه بما يؤول إلى الوقوع في محذور ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه
ابتغاء الفتنة﴾ [آل عمران: ٧]، وربما غلب بزخرفته وتوجيهه العقائد الزائغة على بعض العقول
القاصرة فأضلها (والتكذيب بالقدر) بالتحريك أي أن الله يقدر على عبده الخير والشر كما زعمه
المعتزلة حيث أسندوا فعال العباد إلى قدرتهم فزعموا أن أفعال العباد خيرها وشرها مسندة إلى قدرة
العبد واختياره وعاكستهم الجبرية فأثبتوا التقدير لله تعالى ونفوا قدرة العبد بالكلية وكلا الفريقين من
التفريط والإفراط على شفا جرف هار والصراط المستقيم والقصد القويم مذهب أهل السنة أنه لا جبر
ولا تفويض إذ لا يقدر أحد أن يسقط الأصل الذي هو القدر ولا يبطل الكسب الذي هو السبب، قال
الطيبي: وقدم زلة العالم لأنها السبب في الخصلتين الأخيرتين فلا يحصلان إلّ من زلته ولا منافاة بين
قوله هنا ثلاثاً، وفيما يأتي ستاً وفي الخبر الآتي على الأثر ضلالة الأهواء إلى آخره لأنا إن قلنا إن مفهوم
العدد غير حجة وهو ما عليه المحققون فلا إشكال وإلا فكذلك لأنه أعلم أولاً بالقليل ثم بالكثير أو
لأن ذلك يقع لطائفة وهذا لأخرى (طب عن أبي الدرداء) قال الهيتمي: فيه معاوية بن يحيى الصدفي
وهو ضعيف.
٢٧٨ - (أخاف على أمتي من بعدي) بين به أن ذلك لا يقع في حياته فإن وجوده بين أظهرهم
أمان لهم من ذلك (ثلاثاً) من الخصال (ضلالة الأهواء) أي إضلال أهوية نفوسھم لهم وقد يراد بها
خصوص البدع والتعصب للمذاهب الباطلة، والضلال ضد الرشاد وفي الصحاح أصله أهلكه
والأهواء مفرده هوى مقصود وهو عرض نفساني ناشيء عن شهوة نفس في غير أمر الله، كذا ذكره
بعضهم وأوجز القاضي فقال: رأي يتبع الشهوة، وقال الراغب: والضلال أن يقصد لاعتقاد الحق أو
فعل الجميل أو قول الصدق فيظن بتقصيره وسوء تصرفه فیما کان باطلاً أنه حق فاعتقده أو فيما هو
قبيح أنه جميل وليس بجميل ففعله أو فيما كان كذباً أنه صدق فقاله والجهل عام في كل ذلك (واتباع
الشهوات) جمع شهوة، قال الحراني: وهي نزوع النفس إلى محبوب لا تمالك عنه، وقال الكشاف:
طلب النفس اللذة (في البطون والفروج) بأن يصير الواحد كالبهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه لا
يخطر بباله حقاً ولا باطلاً ولا يفكر في عاقبة أمره عاجلاً ولا آجلاً وأنشد بعضهم:

٢٦٢
حرف الهمزة
الْبُطُونِ وَالْفُرُوجِ، وَالْغَفْلَةُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ)). الحكيم، والبغوي، وابن منده، وابن قانع، وابن
شاهين، وأبو نعيم، الخمسة في كتب الصحابة عن أفلح.
ـذَرْ أنْ تكونَ لها قَتِيلا
تَجَنَّبِ الشَّهَوَاتِ وَاحْـ
قَدْ أَوْرَثتْ حُزْناً طوِيلا
فَلَرُبَّ شَهْوَةِ سَاعَةٍ
وخصهما لأنهما مرجع جميع الشهوات قال الراغب: وإنما خاف على أمته الشهوات لأنها أقدم
القوى وجوداً في الإنسان وأشدها به تثبتاً وأكثرها تمكناً فإنها تولد معه وتوجد فيه وفي الحيوان الذي هو
جنسه بل وفي النبات الذي هو جنس جنسه ثم توجد فيه قوة الحمية ثم آخراً توجد فيه قوة الفكر
والنطق من التمييز ولا يصير الإنسان متميزاً عن جملة البهائم متخلصاً من أسر الهوى إلا بإماتة الشهوة
البهيمية أو بقهرها وقمعها إن لم تمكن إماتتها، فهي التي تضره وتغره وتصرفه عن طريق الآخرة ومتى
قمعها أو أماتها صار حراً نقياً فتقل حاجاته ويصير غنياً عما في يد غيره سخياً بما في يده محسناً في
معاملته، لكن هنا شيء يجب التنبه له وهو أن الشهوة إنما تذم إن أفرطت وأهملها صاحبها حتى ملكت
القوى أما أذا أديت فهي المبلغة للسعادة حتى لو لم تكن لما أمكن الوصول إلى الآخرة وذلك لأنه لا
وصول إليها إلا بالعبادة ولا سبيل إليها إلا بالحياة ولا سبيل إليها إلا بحفظ البدن ولا يمكن إلا بإعادة
ما تحلل منه ولا يمكن إلا بتناول الغذاء ولا يمكن إلا بالقوة الشهوية فالأمر محتاج إليها ومقتضى
الحكمة إيجادها وتزيينها ﴿زين للناس حب الشهوات﴾ [آل عمران: ١٤] لكن هي كعدو تخشى
مضرته من وجه ونفعه من وجه ومع عداوته لا يستغنى عنه فحق العاقل أن يأخذ نفعه ولا يسكن إليه
قال :
عدوّاً له ما من صداقته بُدُّ
ومن نگَدِ الدنیا علی المرء أن یری
(والغفلة بعد المعرفة) أي إعمال الطاعة بعد معرفة وجوبها أو ندبها؛ هذا في حق العوام أما في
حق الخواص فالالتفات إلى غير الله حتى بمجرّد الدعوى أو العجب أو الركون إلى ما ظهر من مبادىء
اللطف وذلك هو المكر الخفي الذي لا يقدر على التحرز منه إلّ ذو القدم الراسخ، قال الغزالي: وإنما
كانت الغفلة من أعظم المصائب لأن كل نفس من العمر جوهرة نفيسة لا خلف لها ولا بدل منها
لصلاحيتها لأن توصل إلى سعادة الأبد وتبعد من شقاوة الأبد فإذا ضيعته في الغفلة فقد خسرت
خسراناً مبيناً وإن صرفته للمعصية هلكت هلاكاً فاحشاً، قال الحراني: والغفلة فقد الشعور بما حقه
أن يشعر به وأراد بأهل الأهواء البدع كما تقرر؛ وبدأ بها إشارة إلى أنها أخوف الثلاثة وأضرها إذ هي
مع كونها داعية لأصحابها إلى النار موقعة للعداوة مؤدية إلى التقاطع وإنما حدث التباين والفرق بسبب
ذلك حتى أدى إلى أن بعض تلك الفرق سب الشيخين ولعنهما وتعصب كل فريق فضلوا وأضلوا
وتلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وقيل لما نزل قوله تعالى: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا
الله﴾ [آل عمران: ١٣٥] صاح إبليس ودعا بالويل والثبور فجاءته جنوده، وقالوا: ما بال سيدنا؟
قال: نزلت آية لا يضر بعدها آدمياً ذنب، فقالوا: نفتح لهم باب الأهواء فلا يتوبون ففرح بذلك،
وقال الغزالي: قال الحسن: بلغنا أن إبليس قال سوّلت لأمة محمد المعاصي فقطعوا ظهري بالاستغفار،

٢٦٣
حوف الهمزة
٢٧٩ - ((أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي ثَلاثَاً: حَيْفُ الأَئِمَّةِ، وَإِيمَاناً بِالنُّجُومِ، وَتَكْذِيباً
بِالْقَدَرِ)». ابن عساكر عن أبي محجن (الثقفي).
فسولت لهم ذنوباً لا يستغفرون منها وهي الأهواء، قال الغزالي: رحمه الله تعالى وصدق الملعون فإنهم
لا يعلمون أن ذلك من الأسباب التي تجر إلى المعاصي فكيف يستغفرون، وقال الجنيد: لو أقبل عارف
على الله تعالى ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاته أكثر مما ناله، وقال الغزالي: قد نظر الحكماء
فردّوا مصائب العالم ومحنه إلى خمس: المرض في الغربة والفقر في الشيب والموت في الشباب والعمى بعد
البصر والغفلة بعد المعرفة، قال: وأحسن منه قوله القائل :
لِكُلِّ شيءٍ إذا فَارَقْتَهُ عِوَضٌ
ولَيْسَ لله إن فَارَقْتَ مِنْ عِوَضٍ
(تنبيه) قال في المناهج: الغفلة داء عظيم ينشأ عنه مضار دينية ودنيوية، وعرّفت في اصطلاح
الصوفية بأنها غشاوة وصدأ يعلو مرآة القلب يمنعه من التيقظ لما يقرب من حضرة الرب ومداواته أن
يعلم أنه غير مغفول عنه ويلحظ قوله تعالى: ﴿وما ربك بغافل عما تعملون﴾ [هود: ١٣٣] ويعلم أنه
يحاسب على الخطرة والهم أي المقترنة بالتصميم فمن تحقق بهذا وراعى أوقاته وزان أحواله زالت عنه
الغفلة (الحكيم) أبو جعفر محمد الترمذي (البغوي) أبو القاسم (وابن منده) عبد الله (وابن قانع)
عبد الباقي (وابن شاهين) عمر بن أحمد له زهاء ثلاثمائة مؤلف (وأبو نعيم) الحافظ أحمد المشهور
(الخمسة في كتاب الصحابة عن أفلح) بفتح الهمزة وسكون الفاء وآخره مهملة مولى رسول الله وَله
وهو الذي قال له المصطفى و ﴿ وقد رآه ينفخ إذا سجد ((ترب وجهك)) ذكره ابن الأثير وغيره وأفلح في
الصحابة متعدد وهذا هو المراد لكن لو ميزه لكان أولى قال في الأصل وسنده ضعيف.
٢٧٩ - (أخاف على أمّتي من بعدي) في رواية بعدي بإسقاط من (ثلاثاً: حيف الأئمة) أي جور
الإمام الأعظم وثوابه، قال الراغب: الحيف الميل في الحكم والجنوح إلى أحد الجانبين (وإيماناً
بالنجوم) أي تصديقاً باعتقاد أن لها تأثيراً في العالم، ونكره ليفيد الشيوع فيدل على التحذير من
التصديق بأي شيء كان من ذلك جزئياً أو كلياً مما كان من أحد قسمي علم النجوم وهو علم التأثير لا
التسيير فإنه غير ضار، (وتكذيباً بالقدر) أي إسناد أفعال العباد إلى قدرهم، قال الغزالي العلم لا يذم
لعينه وإنما يذم في حق العباد لأسباب كونه مضراً بصاحبه أو غيره غالباً كعلم النجوم فإنه غير مذموم
لذاته إذ هو قسمان حسابي وقد نطق القرآن العزيز بأن علم تسيير الكواكب محبوب ﴿الشمس والقمر
بحسبان﴾ [الرحمن: ٥]؛ وأحكامي وحاصله يرجع إلى الاستدلال على الحوادث بالأسباب وذلك
يضاهي استدلال الطبيب بالنبض على ما يحدث من المرض وهو معرفة مجاري سنة الله تعالى في خلقه،
لكن ذمه الشرع لإضراره بأكثر الخلق حسبما للباب فإنه إذا ألقي إليهم أن هذه الآثار تحدث عند قران
الكواكب أو تناظرها أو صعودها أو هبوطها أو غير ذلك وقع في نفوسهم أنها هي المؤثرة وأنها آلهة
لكونها جواهر شريفة سماوية يعظم وقعها في القلوب فيبقى القلب ملتفتاً إليها ويرى الخير والشر منها
وينمحي ذكر الله من قلبه إذ الضعيف يقصر نظره على الوسائط والعالم الراسخ مطلع على أن الشمس
والقمر والنجوم مسخرات بأمره وأن أفعالها وتأثيرها بأقداره وبمشيئته لا بقدرها فلا يتزلزل ولا

٢٦٤
حرف الهمزة
٢٨٠ - ((أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي خَصْلَتَيْنِ: تَكْذِيباً بِالْقَدَرِ، وَتَصْدِيقاً بِالنُّجُومِ)).
(غ عد خط) في كتاب النجوم عن أنس (ض).
٢٨١ - ((أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أَنَّ حُسَيْنَاً يُقْتَلُ بِشَاطِىءِ الْغُرَاتِ)». ابن سعد عن علي.
يضطرب بحال وإن شاهد منها عجائب الأحوال (ابن عساكر) في تاريخ الشام (عن أبي محجن الثقفي)
عمرو بن حبيب أو عبد الله كان فارساً جواداً شاعراً بطلاً لكنه منهمك في الشرب لا يصده خوف حد
ولا لوم. جلده عمر رضي الله تعالى عنه مراراً سبعاً أو ثمانياً ونفاه، قال الحافظ العراقي: إسناده
ضعيف ولم يرمز المؤلف رحمه الله له بشيء، ووهم من زعم أنه رمز لحسنه لكنه أشار بتعدد طرقه إلى
تقويته .
٢٨٠ - (أخاف على أمتي بعدي) وفي نسخ من بعدي ولا وجود لها في نسخة المؤلف
التي بخطه (خصلتين) تثنية خصلة وهي كما في الصحاح بالفتح الخلة وفي الأساس الخصلة المرة من
الخصل وهي الغلبة في الفضائل يقال فضلهم خصلة وخصالاً وأصل الخصل القطع، قال: ومن المجاز
فيه خصلة حسنة وخصال وخصالات كرام (تكذيباً بالقدر وتصديقاً بالنجوم) فإنهم إذا صدقوا
بتأثيراتها مع قصور نظرهم على الأسباب القريبة السافلة والانقطاع عن الترقي إلى مسبب الأسباب
هلكوا بلا ارتياب، فمعرفة الأسباب من حيث كونها معرفة غير مذمومة لكنها تجر إلى الإضرار بأكثر
الخلق، والوسيلة إلى الشر شر فلما نظر المصطفى ويله إلى ما يتولد منه من الشر خاف على أمته منه وفيه
كمال شفقته عليهم ونظره بالرحمة إليهم؛ قال منجّم لعلي كرم الله وجهه لما قصد النهروان لا تسر في
موضع كذا وسر في موضع كذا فقال: ما كان محمد يعلم ما ادعيت اللهم لا طير إلا طيرك وما كان
لعمر منجم وقد فتح بلاد كسرى وقيصر (ع عد خط في) كتاب (النجوم عن أنس) بن مالك وهو حسن
لغيره انتهى.
- (أخاف على أمّتي الاستسقاء بالأنواء) أي طلب السقيا أي المطر بها جمع نوء وهو نجم مال
للغروب أو سقط في المغرب مع الفجر وطلع آخر مقابله من المشرق (وحيف السلطان) أي من له
سلاطة وقهر (وتكذيباً بالقدر) وأنشد بعضهم:
فَكُنْ على حَذَرٍ قَدْ يَنْفَعُ الحَذَرُ
إِنْ كُنْتَ تَعْلَم ما تَأْتِي وما تَذَرُ
وإِنْ أَتَاك بما لا تَشْتَهي القَدَرُ
واصْبِرْ على القَدَرِ المَحْتُوم وآَرْضَ بِهِ
إلا سَيَتْبَعُ يَوْماً صَفْوَهُ الكَدَرُ
فماَ صَفَا لِامْرِىءٍ عَيْشٌ يُسَرُّ به
(رواه) الإمام محمد (بن جرير) الطبري المجتهد المطلق (عن جابر) بن عبد الله وهذا ساقط من
کثیر من النسخ مع وجوده بخطه .
٢٨١ - (أخبرني جبريل أن حسيئاً) ابن فاطمة (يقتل بشاطىء الفرات) بضم الفاء أي بجانب نهر
الكوفة العظيم المشهور وهو يخرج من آخر حدود الروم ثم يمر بأطراف الشام ثم بأرض الطف وهي
من بلاد كربلاء فلا تدافع بينه وبين خبر الطبراني بأرض الطف وخبره بكربلاء وهذا من أعلام النبوة

٢٦٥
حرف الهمزة
ومعجزاتها، وذلك أنه لما مات معاوية أتته كتب أهل العراق إلى المدينة أنهم بايعوه بعد موته فأرسل
إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل فبايعوه وأرسل إليه فتوجه إليهم فخذلوه وقتلوه بها يوم الجمعة عاشر
محرم سنة إحدى وستين وكسفت الشمس عند قتله، كسفة أبدت الكواكب نصف النهار كما رواه
البيهقي وسمعت الجن تنوح عليه، ورأى ابن عباس النبي ◌َّر في النوم ذلك اليوم أشعث أغبر بيده
قارورة فيهادم فسأله عنه، فقال: ((هذادم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم))، وطيف برأسه
الشريف في البلدان إلى أن انتهت إلى عسقلان فدفنها أميرها بها فلما غلب الفرنج على عسقلان
استفداها منهم الصالح طلائع وزير الفاطميين بمال جزيل وبني عليها المشهد بالقاهرة كما أشار إليه
القاضي الفاضل في قصيدة مدح بها الصالح ونقله عنه الحافظ ابن حجر وأقره، لكن نازع فيه بعضهم.
بأن الحافظ أبا العلاء الهمداني ذكر أن يزيد بن معاوية أرسلها إلى المدينة فكفّنها عامله بها عمرو بن
سعيد بن العاص ودفنها بالبقيع عند قبر أمه، قال وهذا أصح ما قيل، وقال: الزبير بن بكار: حمل
الرأس إلى المدينة فدفن بها، وقال القرطبي: والزبير أعلم أهل النسب وأفضل العلماء بهذا السبب،
والإمامية يقولون الرأس أعيد إلى الحبشة ودفن بكربلاء بعد أربعين يوماً من القتل، قال القرطبي: وما
ذكر من أنه في عسقلان في مشهد هناك أو بالقاهرة فبال لم يصح ولا يثبت، وأخرج ابن خالويه عن
الأعمش عن منهال بن عمرو الأسدي قال: والله أنا رأيت رأس الحسين حين حمل وأنا بدمشق وبين
يديه رجل يقرأ سورة الكهف حتى إذا بلغ قوله سبحانه وتعالى: ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف
والرقيم كانوا من أياتنا عجباً﴾ [الكهف: ٩] فأنطق الله سبحانه وتعالى الرأس بلسان ذرب، فقال:
أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي، قال ابن عساكر: إسناده مجهول. وتفصيل قصة قتله تمزّق
الأكباد وتذيب الأجساد فلعنة الله على من قتله أو رضي أو أمر وبعداً له كما بعدت عاد وقد أفرد قصة
قتله خلائق بالتأليف، قال أبو الفرج بن الجوزي: في كتابه الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم
يزيد: أجاز العلماء الورعون لعنه، وفي فتاوى حافظ الدين الكردي الحنفي لعن يزيد يجوز لكن ينبغي
أن لا يفعل وكذا الحجاج، قال ابن الكمال: وحكي عن الإمام قوام الدين الصفاري ولا بأس بلعن
يزيد ولا يجوز لعن معاوية عامل الفاروق لكنه أخطأ في اجتهاده فيتجاوز الله تعالى عنه ونكف اللسان
عنه تعظيماً لمتبوعه وصاحه، وسئل ابن الجوزي عن يزيد ومعاوية فقال: قال رسول الله وَل ـ ((من دخل
دار أبي سفيان فهو آمن)) وعلمنا أن أباه دخلها فصار آمناً والابن لم يدخلها، ثم قال المولى ابن الكمال:
والحق أن لعن يزيد على اشتهار كفره وتواتر فظاعته وشره على ما عرف بتفاصيله جائز وإلّ فلعن المعين
ولو فاسقاً لا يجوز بخلاف الجنس، وذلك هو محمل قول العلامة التفتازاني لا أشك في إسلامه بل في
إيمانه فلعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه، قيل لابن الجوزي وهو على كرسي الوعظ كيف يقال يزيد
قتل الحسين وهو بدمشق والحسين بالعراق فقال:
مَنْ بالعِرَاقِ لقد أَبْعَدْتَ مَرْمَاكَا
سَهْمٌ أصَابَ ورَامِيهِ بذي سَلَمٍ
وقد غلب على ابن العربي الغض من أهل البيت حتى قال: قتله بسيف جده، وأخرج الحاكم في
المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما أوحى الله تعالى إلى محمد ◌َّهه إني قتلت بيحيى بن زكريا

٢٦٦
حرف الهمزة
٢٨٢ - ((أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ شِبْهُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لاَ يَتَحَاثُّ وَرَقُهَا، وَلاَ وَلاَ وَلاَ، تُؤْتِي
أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ، هِيَ النَّخْلَةُ)). (ح) عن ابن عمر.
سبعين ألفاً وإني قاتل بابن ابنتك الحسين سبعين ألفاً وسبعين ألفاً، قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال
الذهبي: وعلى شرط مسلم، وقال ابن حجر: ورد من طريق واه عن علي مرفوعاً قاتل الحسين في
تابوت من نار عليه نصف عذاب أهل الدنيا (ابن سعد) في طبقاته من حديث المدائني عن يحيى بن
زكريا عن رجل عن الشعبي (عن علي) بن أبي طالب أمير المؤمنين كرم وجهه قال: دخلت على
النبي ◌َّ و ذات يوم وعيناه تفيضان قال فذكره وروى نحوه أحمد في المسند فعزوه إليه كان أولى ولعله لم
يستحضره ويحيى بن زكريا أورده في الضعفاء، وقال ضعفه الدارقطني وغيره انتهى، لكن المؤلف
رحمه الله رمز لحسنه ولعله لاعتضاده ففي معجم الطبراني عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً
((أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه))
وفيه عن أم سلمة وزينب بنت جحش وأبي أمامة ومعاذ وأبي الطفيل وغيرم ممن يطول ذكرهم نحوه
فرمز المؤلف رحمه الله لحسنه لذلك لكنه لم يصب حيث اقتصر على ابن سعد مع جموم رواته وتكثر
طرقه .
٢٨٢ - (أخبروني) يا أصحابي (بشجرة شبه) بكسر فسكون وبفتحتين وفي رواية مثل كذلك وهما
بمعنى كما في الصحاح (الرجل المسلم) هذا هو المشبه به والنخلة مشبهة وكان القياس تشبيه المسلم بها
ليكون وجه الشبه فيها أظهر لكن قلب التشبيه إيذاناً بأن المسلم أتم منها في الثبات وكثرة النفع على حد
قوله :
وكأنَّ النُّجُومَ بَيْن دُجَاهَا سُنَنٌ لاحَ بَيْنَهُنَّ انْتِدَاعُ
ثم بين وجه الشبه بقوله: (لا يتحات) أي لا يتساقط (ورقها) وكذا المسلم لا تسقط له دعوة
(ولا) ينقطع ثمرها فإنها من حين يخرج طلعها يؤكل منه إلى أن يصير تمراً يابساً يدخر فكذا المسلم لا
ينقطع خيره حياً ولا ميتاً (ولا) يبطل نفعها (ولا) يعدم فيؤها بل ظلها دائم ينتفع به، هكذا كرر النفي
ثلاثاً على طريق الاكتفاء ووقع في مسلم ذكر النفي مرة واحدة فظن الراوي عنه تعلقه بما بعده
فاستشكله، وقال: لعل لا زائدة ولعله وتؤتى إلى آخره وليس كما ظن بل معمول النفي محذوف اكتفاء
كما قدر وقرر ثم ابتدأ كلاماً على طريق التفسير لما قبله فقال: (تؤتى أكلها كل حين) بإذن ربها فإنها
تؤكل من حين تطلع إلى أن تيبس ثم ينتفع بجميع أجزائها حتى النوى في العلف والليف في الحبال
والجذع في البناء والخوص في نحو آنية وزنبيل وغير ذلك، وكذا المؤمن ثابت بإيمانه متحل بإيقانه جميل
الخلال والصفات كثير الصلاة والصلات جزيل الإحسان والصدقات وما يصدر عنه من العلوم
والخيور قوت للأرواح وينتفع بكل صادر عن حياً وميتاً، قال ابن عمر راوي الخبر: فوقع الناس في
شجرة البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة وأردت أن أقولها فإذا أنا أصغر القوم فاستحييت، ثم قالوا:
حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: (هي النخلة) وفيه أن الملغز له ينبغي أن يتفطن لقرائن الأحوال
الواقعة في السؤال وأن الملغز ينبغي أن لا يبالغ في التعمية بحيث لا يجعل للغز باباً يدخل منه بل كلما

٢٦٧
حرف الهمزة
٢٨٣ - ((أُخْبُرْ تَقْلُه)). (ع طب عد حل) عن أبي الدرداء.
قربه كان أعذب في نفس سامعه وامتحان العالم إذهان طلبته بما يدق مع بيانه إن لم يفهموه ولا ينافيه
النهي عن الأغلوطات المفسرة بصعاب المسائل لحمله على ما لا نفع فيه أو ما خرج على طريق تعنت
المسؤول أو تعجيزه والتحريض على الفهم في العلم وبركة النخلة وما تثمر. ثم إن ما تقرر من وجه
الشبه هو الأنسب مما أورد في هذا المقام، قال ابن حجر: ومن زعم أن موقع التشبيه توافق التشبيه من
جهة كون النخلة إذا قطع رأسها ماتت أو أنها لا تحمل حتى تلقح أو أنها إذا غرقت ماتت أو أن لطلعها
رائحة كمني الآدمي أو أنها تعشق فكلها أوجه ضعيفة إذ كل ذلك مشترك في الآدميين لا يختص بالمسلم
وأضعف منه زعم أنها خلقت من فضلة طينة آدم، فإنه حديث لم يثبت وفيه رمز إلى أن تشبيه الشيء
بالشيء لا يلزم منه كونه نظيره من كل وجه فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجماد ولا يعادله. قال ابن
رشيق: كغيره والمشابهة الاتحاد في الكيف كاتفاق لونين أو حرارتين مثلاً والتشبيه وصف الشيء بما
قاربه وشاكله من جهة أو جهات لا من جميع جهاته إذ لو ناسبه كلياً لكان هو إياه (خ عن ابن عمر) بن
الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
٢٨٣ - (أخبر) بضم الهمزة والموحدة أمر بمعنى الخبر (تقله) بفتح فسكون فضم أو كسر من
القلي البغض الشديد، قال في الكشاف: كأنه بغض يقلي الفؤاد والكبد انتهى، والهاء للسكت وهذا
لفظ رواية أبي يعلى ولفظ رواية ابن عدي وغيره، وجدت الناس أخبر تقله أي وجدت أكثرهم كذلك
أي علمتهم مقولاً فيهم هذا القول ما منهم من أحد إلا وهو مسخوط الفعل عند الخبرة فإذا خبرته
أبغضته كذا قرره بعض الأعاظم وظاهر اقتصاره على جعل الهاء للسكت أنها ليست إلا له لكن ذكر فيه
في الكشف أنها إما للسكت أو ضمير حيث قال: قيل مقول في شأنهم فهو ثاني المفعولين والضمير
العائد إلى الأوّل محذوف والهاء للسكت أو هو الضمير نظراً إلى لفظ الناس وقيل وجدت بمعنى عرفت
والناس مفعول أخبر مقدماً أي عرفت هذه القصة وتحققتها وجداناً وأياما كان فالقصد أن من جرب
الناس عرف خبث سرائر أكثرهم وندرة إنصافهم وفرط استثارهم وفي العيان ما يغني عن البرهان وفي
هذا اللفظ من البلاغة ما هو غني عن البيان، وقد قيل اللفظ الحسن إحدى النفاثات في العقد، قال
الغزالي: واحذر خصوصاً مخالطة متفقهة هذا الزمان سيما المشتغلين بالخلاف والجدال فإنهم يتربصون
بك لحسدهم ريب المنون ويقطعون عليك بالظنون ويتغامزون وراءك بالعيون يحصون عليك عثراتك
في عشرتهم وفي عشيرتهم ويجبهونك بها في عصبتهم ومناظرتهم لا يقيلون لك عثرة ولا يغفرون لك زلة
ولا يسترون لك عورة يحاسبونك على النقير والقطمير ويحسدونك على القليل والكثير ويحرضون عليك
الإخوان بالتهمة والبهتان إن رضوا فظاهرهم الملق وإن سخطوا فباطنهم الحنق ظاهرهم ثياب وباطنهم
ذئاب. هذا ما قضت به المشاهدة في أکثرهم إلا من رحم الله فصحبتهم خسران ومعاشرتهم خذلان،
هذا حكم من يظهر لك الصداقة فكيف بمن يجاهرك بالعداوة؟ إلى هنا كلام حجة الإسلام الغزالي رحمه
الله فإذا كان هذا زمانه فما بالك بهذا الزمان؟ ومن نظم أبي الحسين الطائي رحمه الله :
إذا اشْتَبَهَتْ أعْلامُهُ ومَذَاهِبُهْ
نَظَرْتُ وما كُلُّ امْرِىءٍ يَنْظُرُ الهُدَى

٢٦٨
حرف الهمزة
٢٨٤ - ((أَخْتَنَ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ أَبْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِاَلْقَدُومِ)). (حم ق) عن أبي
هريرة (صح).
وخَيْرُهُما ما كان خَيْراً عَوَاقِبُهْ
فَأَيْقَنْتُ أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ فِتْنَةٌ
أخَاهُ وأنْ يَنْأَى عَنِ النَّاسِ جَانِبُهْ
أَرَى الخَيْرِ كلِ الخَيْرِ أنْ يَهْجُرَ الفَتَی
ويُخْشَى عليه الشَّرُّ مِمَّن يُصَاحِبَةْ
يَعِيش بِخَيْرٍ كُلُّ مَنْ عَاشَ وَاحِداً
وقضية صنيع المؤلف أن هذا هو الحديث بتمامه ولا كذلك بل بقيتة: ((وثق بالناس رويداً)
انتهى، وممن ساقه هكذا هو في جامعه الكبير انتهى، (ع طب عد حل عن أبي الدرداء) قال الزركشي:
سنده ضعيف، وقال الهيتمي: فيه أبو بكر ابن أبي مريم وهو ضعيف، وقال ابن الجوزي: حديث لا
يصح، وقال السخاوي: رحمه الله طرقه كلها ضعيفة لكن شاهده في الصحيحين الناس يخايل مائة لا
تجد فيها راحلة انتهى كلامه إلى هنا .
٢٨٤ - (اختتن) بهمزة وصل مكسورة (إبراهيم) الخليل أي قطع قلفة ذكر نفسه والختان اسم
لفعل الخاتن وقيل مصدر ويسمى به محل الختن أيضاً ومنه خبر إذا التقى الختانان (وهو ابن ثمانين سنة)
وفي رواية وهو ابن عشرين ومائة سنة وجمع جمع بأنه عاش مائتي سنة ثمانين غير مختون وعشرين ومائة
مختون ورده ابن القيم بأنه قال: اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة ولم يقل اختتن لمائة وعشرين، قال:
وأما خبر اختتن وهو ابن عشرين ومائة ثم عاش بعد ذلك ثمانين فحديث معلول لا يعارض ما في
الصحيحين ولا يصح تأويله بما ذكره هذا القائل لأنه قال: ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة وبأن الرأي
يحتمله على بعد قوله اختتن المائة وعشرين أن يكون المراد بقيت من عمره لا مضت، والمعروف من مثل
هذا الاستعمال إنمّا هو إذا كان الباقي أقل من الماضي فإن المشهور من استعمال العرب في خلت
ومضت أنه من أوّل الشهر إلى نصفه، يقال: خلت وخلون ومن نصفه إلى آخر، يقال: بقيت وبقين
فقوله لمائة وعشرين بقيت من عمره كقوله اثنتين وعشرين ليلة بقيت من الشهر وهو لا يسوغ انتهى،
وجمع ابن حجر بأن المراد بقوله وهو ابن ثمانين أي من وقت فراق قومه وهاجر من العراق إلى الشام
وهو ابن مائة وعشرين أي من مولده وأن بعض الرواة رأى مائة وعشرين فظنها إلا عشرين أو عكسه
(بالقدوم) بفتح القاف والتخفيف آلة النجار يعني الفأس كما في رواية ابن عساكر وروي بالتشديد
أيضاً عن الأصيلي وغيره وأنكره بعضهم وقيل ليس المراد الآلة بل المكان الذي وقع فيه وهو بالوجهين
أيضاً قرية بالشام أو جبل بالحجاز بقرب المدينة أو قرية بكلب أو موضع بعمان أو ثنية في جبل ببلاد
سدوس أو حصن باليمن والأكثر على أنه بالتخفيف وإرادة الآلة ورجحه البيهقي والقرطبي، وقال
الزركشي وابن حجر: إنه الأصح بدليل رواية أبي يعلى أنه عجل قبل أن يعلم الآن فاشتد عليه انتهى،
وذكر ابن القيم وأبو نعيم والديلمي ونحوه وقال: قد يتفق الأمران فيكون اختتن بالآلة، وفي الموضع
قال: وممن اختتن أيضاً المسيح، قال القرطبي: وأوَّل من اختتن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم لم
يزل سنة عامة معمولاً بها في ذريته وأهل الأديان المنتمين لدينه وهذا حكم التوراة على بني إسرائيل
كلهم ولم تزل أنبياء بني إسرائيل يختتنون حتى عيسى عليه الصلاة والسلام غير أن طوائف من

٢٦٩
حرف الهمزة -
٢٨٥ - ((أَخْتَضِبُوا بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ، يُسَكِّنُ الرَّوْعَ)). (ع) والحاكم في الكنى
عن أنس.
٢٨٦ - ((أَخْتَضِبُوا بِالْحِنَّاءِ؛ فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي شَبَابِكُمْ، وَجَمَالِكُمْ وَنِكَاحِكُمْ)). البزار،
وأبو نعيم في الطب عن أنس، أبو نعيم في المعرفة عن درهم.
النصارى تأولوا ما في التوراة بأن المقصود زوال قلفة القلب لا جلدة الذكر فتركوا المشروع من الختان
بضرب من الهذيان وليس هو أول جهالتهم فكم لهم منها وكم وكم ويكفيك أنهم زادوا على أنبيائهم
في الفهم وغلطوا فيما عملوا عليه وقضوا به من الحكم (حم ق عن أبي هريرة) وفي الباب غيره أيضاً.
٢٨٥ - (اختضبوا) بكسر الهمزة أي غيروا ألوان شعوركم ندباً (بالحناء) بكسر الحاء المهملة
وشد النون والمد (فإنه طيب الريح) أي زكي الرائحة والطيب ضد الخبيث (يسكن الروع) بفتح الراء أي
الفزع بخاصية فيه علمها الشارع وزعم أن رؤية الشيب مفزعة والخضاب يستره يرده أن الأمر
بالخضاب يعم الأشيب وغيره هذا هو الظاهر في تقرير معنى الحديث؛ فإن قلت إن ريح الحناء مستكره
عند أكثر الناس بشهادة الوجدان ومن ثم جاء في خبر مسلم الآتي في الشمائل أنه كان يكرهه فبين
الحديثين تدافع؛ قلت أما نفرة الطبع السليم من ريحه فضلاً عن استلذاذه فانكاره مكابرة غير أن لك أن
تقول الطيب يجيء بمعنى الفاضل، ففي القاموس وغيره الطيب الأفضل من كل شيء فلا مانع من
أن الشارع * اطلع على أن ريحه ينفع ويزكي بعض الحواس أو الأعضاء الباطنة فلا ينافي ذلك كراهته
له لأن الطبع يكره الدواء النافع فتدبره فإنه نافع؛ ثم رأيت شيخنا الشعراوي رحمه الله تعالى نقل عن
بعضه أن الضمير يعود إلى تمر الحناء بدليل تذكيره، قال: فلا ينافي أنه كان يكره ريحه انتهى، وإنما
يستقيم أن لو كان نور الحناء يخضب أحمر وإلا فهو ساقط (ع والحاكم في الكنى عن أنس بن مالك
وفيه الحسن بن دعامة عن عمر بن شريك، قال الذهبي: في الضعفاء مجهولان.
٢٨٦ - (اختضبوا بالحناء) ندباً (فإنه يزيد في شبابكم وجمالكم) أي يزيد في الصورة قبولاً للناظر
وإلا فالخضاب ليس في الوجه (ونكاحكم) لأنه يشد الأعضاء والأعصاب وفيه قبض وترطيب ولونه
ناري محبوب مهيج مقو للمحبة وفي ريحه عطرية مع قبض. (فإن قلت) كيفٍ يزيد في الشباب مع أن
سنه محدود محسوب؟ (قلت) المراد زيادته في هيئة الشبيبة بأن يصير الكهل مثلاً كهيئة الشاب إذا داوم
عليه لما يكسوه من النضارة والإشراق والقوة وخضب المرأة يديها ورجليها مندوب، ومما ورد في
الترغيب في الخضاب ما رواه الخطيب في ترجمة محمد الفهري من حديث عمار بن سبط يرفعه «اختضبوا
فإن الله وملائكته وأنبياءه ورسله وكلما ذر أو براً حتى الحيتان في بحارها والطير في أوكارها يصلون
على صاحب الخضاب حتى ينصل خضابه)) (البزار) أحمد بن عمر بن عبد الخالق صاحب المسند من
رواية ثمامة عن أنس بن مالك، قال العراقي: في شرح الترمذي وإسناد ضعيف، (وأبو نعيم في)
كتاب (الطب) النبوي وفيه عبد الرحمن بن الحارث الغنوي، قال في الميزان: لا يعتمد عليه وفي اللسان
فيه بعض تساهل وفيه يحيى بن ميمون البصري قال في الميزان: عن الفلاس كذاب (عن أنس) بن
مالك قال الهيتمي: بعد عزوه للبزار فيه يحيى بن ميمون التمار وهو ضعيف متروك (وأبو نعيم في

٢٧٠
حرف الهمزة
٢٨٧ - ((اخْتَضِبُوا، وَأَفْرُقُوا، وَخَالِفُوا الْيَهُودَ)). (عد) عن ابن عمر.
٢٨٨ - ((أَخْتِلَافُ أُمَتِي رَحْمَةٌ)). نصر المقدسي في الحجة، والبيهقي في الرسالة
المعرفة) أي في كتاب معرفة الصحابة (عن) درهم بن زياد بن درهم عن أبيه عن جده (درهم) ودرهم
وأبوه لم يدخلا التهذيب ولا رجال المسند ولا ثقات ابن حبان وجده درهم ذكره الذهبي في تجريدة
وذكر له هذا الحديث وتقدمه ابن خزيمة في الصحابة.
٢٨٧ - (اختضبوا وافرقوا) بهمزة وصل وبضم الراء وقاف أي اجعلوا شعر رؤوسكم فرقتين عن
يمين ويسار (وخالفوا اليهود) فإنهم لا يخضبون أي غالباً ولا يفرقون بل يسدلون بضم الدال، ففي
الخضاب مخالفة أهل الكتاب وتنظيف الشعر وتقويته وتليينه وتحسينه وشد الاعضاء وجلاء البصر
وتطبيب الريح وزيادة الجمال واتباع السنة وغير ذلك. وقوله وخالفوا اليهود يحتمل أن المراد خالفوهم
في جميع أحوالهم التي منها عدم الفرق فيشمل الامتناع من مساكنة الحائض والسبت وغير ذلك وبه
جزم القرطبي فقال: كان يجب موافقة أهل الكتاب في أوّل الأمر حين قدومه المدينة ليتألفهم ليدخلوا
في الدين فلما غلبت عليه الشقوة ولم ينجع معهم أمر بمخالفتهم في أمور كثيرة، حتى قالوا: ما يريد
الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه فاستقر آخراً على مخالفتهم في كل ما لم يؤمر فيه بحكم.
واعلم أن المشركين كانوا يفرقون رؤوسهم أي يجعلون شعرها نصفين نصفا من جانب اليمين على
الصدر ونصفاً من جانب اليسار عليه وكان أهل الكتاب يسدلون أي يرسلون شعر رؤوسهم حول
الصدر، وكان المصطفى وَي* يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء لتمسكهم ببقايا من شرائع
الرسل فلما فتحت مكة واستقر الأمر خالفهم ففرق وأمر بالفرق فدل على أنه أفضل لرجوعه إليه آخراً
فعلاً وأمراً لكنه غير واجب بدليل أن بعض الصحابه سدل بعد، فلو كان الفرق واجباً لم يسدلوا وزعم
نسخ السدل يحتاج لبيان الناسخ وتأخره عن المنسوخ على أن رجوعه إلى الفرق يحتمل كونه باجتهاده
لكونه أنظف وأبعد على الإسراف في غسله وعن مشابهة النساء (عد عن ابن عمر) بن الخطاب وفيه
الحارث بن عمران الجعفري قال في الميزان: قال ابن حبان وضاع على الثقات، وقال مخرجه ابن عدي:
الضعف على رواته بين.
٢٨٨ - (اختلاف) افتعال من الخلف وهو ما يقع من افتراق بعد اجتماع في أمر من الأمور ذكره
الحراني (أمتي) أي مجتهدي أمتي في الفروع التي يسوغ الاجتهاد فيها فالكلام في الاجتهاد وفي الأحكام
كما في تفسير القاضي قال: فالنهي مخصوص بالتفرق في الأصول لا الفروع انتهى، قال السبكي: ولا
شك أن الاختلاف في الأصول ضلال وسبب كل فساد كما أشار إليه القرآن وأما ما ذهب إليه جمع من
أن المراد الاختلاف في الحرف والصنائع فرده السبكي بأنه كان المناسب على هذا أن يقال اختلاف
الناس رحمة إذ لا خصوص للأمة بذلك فإن كل الأمم مختلفون في الحرف والصنائع فلا بد من
خصوصية، قال: وما ذكره إمام الحرمين في النهاية كالحليمي من أن المراد اختلافهم في المناصب
والدرجات والمراتب فلا ینساق الذهن من لفظ الاختلاف إلیه (رحمة) للناس کذا هو ثابت في رواية عن

٢٧١
حرف الهمزة
الأشعرية بغير سند، وأورده الحليمي والقاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهم، ولعله خرج في
بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا.
عزي المصنف الحديث إليه فسقطت اللفظة منه سهواً أي اختلافهم توسعة على الناس بجعل المذاهب
كشرائع متعددة بعث النبي وهو بكلها لئلا تضيق بهم الأمور من إضافة الحق الذي فرضه الله تعالى على
المجتهدين دون غيرهم ولم يكلفوا ما لا طاقة لهم به توسعة في شريعتهم السمحة السهلة، فاختلاف
المذاهب نعمة كبيرة وفضيلة جسيمة خصت بها هذه الأمة فالمذاهب التي استنبطها أصحابه فمن بعدهم
من أقواله وأفعاله على تنوعها كشرائع متعددة له وقد وعد بوقوع ذلك فوقع وهو من معجزاته وَ تر، أما
الاجتهاد في العقائد فضلال ووبال كما تقرر والحق ما عليه أهل السنة والجماعة فقط، فالحديث إنما
هو في الاختلاف في الأحكام، ورحمة نكرة في سياق الاثبات لا تقتضي عموماً فيكفي في صحته أن
يحصل في الاختلاف رحمة ما في وقت مّا في حال على وجهه مّا؛ وأخرج البيهقي في المدخل عن
القاسم بن محمد أو عمر بن عبد العزيز لا يسرني أن أصحاب محمد لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن
رخصة ويدل لذلك ما رواه البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعاً ((أصحابي بمنزلة النجوم في السماء
فبأيهم اهتديتم امتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة)) قال السمهودي: واختلاف الصحابة في فتيا
اختلاف الأمة وما روي من أن مالكاً لما أراده الرشيد على الذهاب معه إلى العراق وأن يحمل الناس على
الموطأ كما حمل عثمان الناس على القرآن، فقال مالك: أما حمل الناس على الموطأ فلا سبيل إليه لأن
الصحابة رضي الله تعالى عنهم افترقوا بعد موته وَ ل# في الأمصار فحدثوا فعند أهل كل مصر علم وقد
قال رسول الله يظلهو: ((اختلاف أمتي رحمة)) كالصريح في أن المراد الاختلاف في الأحكام كما نقله ابن
الصلاح عن مالك من أنه قال: في اختلاف أصحاب رسول الله وَ# مخطىء ومصيب فعليك الاجتهاد،
قال: وليس كما قال ناس فيه توسعة على الأمة بالاجتهاد إنما هو بالنسبة إلى المجتهد لقوله فعليك
بالاجتهاد فالمجتهد مكلف بما أدّاه إليه اجتهاده فلا توسعة عليه في اختلافهم وإنمّا التوسعة على
المقلد، فقول الحديث ((اختلاف أمتي رحمة للناس)) أي لمقلديهم ومساق قول مالك مخطىء ومصيب
الخ، إنما هو الرد على من قال من كان أهلاً للاجتهاد له تقليد الصحابة دون غيرهم وفي العقائد لابن
قدامة الحنبلي أن اختلاف الأئمة رحمة واتفاقهم حجة انتهى، (فإن قلت) هذا كله لا يجامع نهى الله تعالى
عن الاختلاف بقوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقوله تعالى:
﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾ [آل عمران: ١٠٥] الآية (قلت)
هذه دسيسة ظهرت من بعض من في قلبه مرض وقد قام بأعباء الرد عليه جمع جم منهم ابن العربي
وغيره بما منه أنه سبحانه وتعالى إنما ذمّ كثرة الاختلاف على الرسل كفاحاً كما دل عليه خبر إنما
أهلك الذين من قبلكم كثرة اختلافهم على أنبيائهم وأما هذه الأمة فمعاذ الله تعالى أن يدخل فيها أحد
من العلماء المختلفين لأنه أوعد الذين اختلفوا بعذاب عظيم والمعترض موافق على أن اختلاف هذه
الأمة في الفروع مغفور لمن أخطأ منهم فتعين أن الآية فيمن اختلف على الأنبياء فلا تعارض بينها وبين
الحديث وفيه رد على المتعصبين لبعض الأئمة على بعض، وقد عمت به البلوى وعظم به الخطب قال

٢٧٢
حرف الهمزة
الذهبي: وبين الأئمة اختلاف كبير في الفروع وبعض الأصول وللقليل منهم غلطات وزلقات ومفردات
منكرة، وإنما أمرنا باتباع أكثرهم صواباً ونجزم بأن غرضهم ليس إلّ اتباع الكتاب والسنة وكانما
خالفوا فیه لقیاس أو تأويل، قال: وإذا رأيت فقيهاً خالف حديثاً أو ردّ حديثاً أو حرف معناه فلا تبادر
لتغليطه، فقد قال علي كرم الله وجهه: لمن قال له أتظن أن طلحة والزبير كانا على باطل؟: يا هذا إنه
ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله، وما زال الاختلاف بين الأئمة واقعاً
في الفروع وبعض الأصول مع إتفاق الكل على تعظيم الباري جل جلاله وأنه ليس كمثله شيء وأن ما
شّرّعه رسوله حق وأن كتابهم واحد ونبيهم واحد وقبلتهم واحدة، وإنمّا وضعت المناظرة لكشف الحق
وإفادة العالم الأذكى العلم لمن دونه وتنبيه الأغفل الأضعف، فإن داخلها هو من الأكمل وانكسار من
الأصغر فذاك دأب النفوس الزكية في بعض الأحيان غفلة عن الله فما الظنّ بالنفوس الشريرة المنطقية
انتهى. ويجب علينا أن نعتقد أن الأئمة الأربعة والسفيانين والأوزاعي وداود الظاهري وإسحاق بن
راهويه وسائر الأئمة على هدى ولا التفات لمن تكلم فيهم بماهم بريئون منه، والصحيح وفاقاً
للجمهور أن المصيب في الفروع واحد والله تعالى فيما حكم عليه إمارة وأن المجتهد كلف بإصابته وأن
مخطئه لا يأثم بل يؤجر فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فأجر، نعم إن قصر المجتهد أثم اتفاقاً وعلى
غير المجتهد أن يقلد مذهباً معيناً وقضية جعل الحديث الاختلاف رحمة جواز الانتقال من مذهب لآخر
والصحيح عند الشافعية جوازه لكن لا يجوز تقليد الصحابة، وكذا التابعين كما قاله إمام الحرمين من
كل من لم يدون مذهبه فيمتنع تقليد غير الأربعة في القضاء والإفتاء، لأن المذاهب الأربعة انتشرت
وتحررت حتى ظهر تقييد مطلقها وتخصيص عامها بخلاف غيرهم لانقراض أتباعهم وقد نقل الإمام
الرازي رحمه الله تعالى إجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة وأكابرهم انتهى، نعم
يجوز لغير عامي من الفقهاء المقلدين تقليد غير الأربعة في العمل لنفسه، إن علم نسبته لمن يجوز تقليده
وجمع شروطه عنده لكن بشرط أن لا يتبع الرخصة بأن يأخذ من كل مذهب الأهون بحيث تنحل ربقة
التكليف من عنقه وإلا لم يجز خلافاً لابن عبد السلام حيث أطلق جواز تتبعها وقد يحمل كلامه على ما
إذا تتبعها على وجه لا يصل إلى الانحلال المذكور، وقول ابن الحاجب كالآمدي: من عمل في مسألة
بقول إمام ليس له العمل فيها بقول غيره إتفاقاً إن أراد به اتفاق الأصوليين فلا يقضى على اتفاق الفقهاء
والكلام فيه وإلا فهو مردود ومفروض فيما لو بقي من آثار العمل الأوّل ما يستلزم تركب حقيقة لا
يقول بها كل من الإمامين كتقليد الإمام الشافعي في مسح بعض الرأس والإمام مالك في طهارة الكلب
في صلاة واحدة فعلم أنه إنمّا يمتنع تقليد الغير في تلك الواقعة نفسها لامثلها كأن أفتى ببيونة زوجته
بنحو تعليق فنكح أختها ثم أفتى بأن لا بينونة ليس له الرجوع للأولى بغير إبانتها وكان أخذ بشفعة
جوار تقيداً للحنفي ثم استحقت عليه فيمتنع تقليده الشافعي في تركها لأن كلا من الإمامين لا يقول
به، فلو اشترى بعده عقاراً وقلد الإمام الشافعي في عدم القول بشفعة الجوار لم يمنعه ما تقدم من تقليد
في ذلك فله الامتناع من تسليم العقار الثاني، وإن قال الآمدي وابن الحاجب ومن على قدمهما کالمحلي
بالمنع في هذا وعمومه في جمیع صور ما وقع العمل به أو لا فهو ممنوع وزعم الاتفاق عليه باطل، وحكى

٢٧٣
حرف الهمزة .
الزركشي: أن القاضي أبا الطيب أقيمت صلاة الجمعة فهم بالتكبير فذرق عليه طير، فقال: أنا حنبلي
فأحرم ولم يمنعه عمله بمذهبه من تقليد المخالف عند الحاجة وممن جرى على ذلك السبكي فقال:
المنتقل من مذهب لآخر له أحوال: الأول: أن يعتقد رجحان مذهب الغير فيجوز عمله به اتباعاً
الراجح في ظنه، الثاني: أن يعتقد رجحان شيء فيجوز، الثالث: أن يقصد بتقليده الرخصة فيما
يحتاجه لحاجة لحقته أو ضرورة أرهقته فيجوز الرابع: أن يقصد مجرد الترخص فيمتنع لأنه متبع لهواه لا
للدين، الخامس: أن يكثر ذلك ويجعل اتباع الرخص ديدنه فيمتنع لما ذكر ولزيادة فحشه، السادس:
أن يجتمع من ذلك حقيقة مركبة ممتنعة بالاجماع فيمتنع، السابع: أن يعمل بتقليد الأوّل کحنفي يدعى
شفعة جوار فيأخذها بمذهب الحنفي فتستحق عليه فيريد تقليد الإمام الشافعي فيمتنع لخطئه في الأولى
أو الثانية وهو شخص واحد مكلف. قال: وكلام الآمدي وابن الحاجب منزل عليه، وسئل البلقيني
عن التقليد في المسألة السريحية فقال: أنا لا أفتي بصحة الدور لكن إذا قلد من قال بعدم وقوع الطلاق
كفى ولا يؤاخذه الله سبحانه وتعالى لأن الفروع الاجتهادية لا يعاقب عليها أي مع التقليد وهو ذهاب
منه إلى جواز تقليد المرجوح وتتبعه، قال بعضهم: ومحل ما مر من منع تتبع الرخص إذا لم يقصد به
مصلحة دينية وإلا فلا منع كبيع مال الغائب، فإن السبكي أفتى بأن الأولى تقليد الشافعي فيه لاحتياج
الناس غالباً في نحو مأكول ومشروب إليه والأمر إذا ضاق اتسع وعدم تكرير الفدية بتكرر المحرم
اللبس فالأولى تقليد الشافعي لمالك فيه كما أفتى به الأبشيطي وذهب الحنفية إلى منع الانتقال مطلقاً
قال في فتح القدير: المنتقل من مذهب لمذهب باجتهاد وبرهان آثم عليه التعزيز وبدونهما أولى ثم
حقيقة الانتقال إنمّا تتحقق في حكم مسألة خاصة قلد فيها وعمل إنها وإلا فقوله قلدت أبا حنيفة فيما
أفتى به من المسائل أو التزمت العمل به على الاجمال وهو لا يعرف صورها ليس حقيقة التقليد بل وعد
به أو تعليق له كأنه التزم العمل بقوله فيما يقع له، فإذا أراد بهذا الالتزم فلا دليل على وجوب اتباع
المجتهد بالزامه نفسه بذلك قولاً أو نية شرعاً بل الدليل اقتضى العمل بقول المجتهد فيما يحتاجه بقوله
تعالى ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣] والمسؤول عنه إنما يتحقق عند وقوع
الحادثة، قال: والغالب أن مثل هذه الالتزامات لكف الناس عن تتبع الرخص، إلا أن أخذ العامي في
كل مسألة بقول مجتهد أخف عليه ولا يدري ما يمنع هذا من النقل والعقل انتهى، وذهب بعض
المالكية إلى جواز الانتقال بشروط ففي التنقيح للقرافي عن الزناتي التقليد يجوز بثلاثة شروط: أن لا
يجمع بينهما على جه يخالف الإجماع كمن تزوج بلا صداق ولا ولي ولا شهود فإنه لم يقل به أحد، وأن
يعتقد في مقلده الفضل، وأن لا يتتبع الرخص، والمذاهب وعن غيره يجوز فيما لا ينقض فيه قضاء
القاضي وهو ما خالف الإجماع أو القوعد الكلية أو القياس الجلي ونقل عن الحنابلة ما يدل للجواز وقد
انتقل جماعة من المذاهب الأربعة من مذهبه لغيره مهم عبد العزيز بن عمران كان مالكياً فلما قدم
الإمام الشافعي رحمه الله تعالى مصر تفقه عليه وأبو ثور من مذهب الحنفي إلى مذهب الشافعي وابن
عبد الحكم من مذهب مالك إلى الشافعي ثم عاد وأبو جعفر بن نصر من الحنبلي إلى الشافعي
والطحاوي من الشافعي إلى الحنفي والإمام السمعاني من الحنفي إلى الشافعي والخطيب البغدادي
والآمدي وابن برهان من الحنبلي إلى الشافعي وابن فارس صاحب المجمل من الشافعي إلى المالكي
فيض القدير ج١ ١٨٢

٢٧٤
حرف الهمزة
٢٨٩ - ((أَخْذُ الأَمِيرِ الْهَدِيَّةَ سُحْتٌ، وَقَبُولُ الْقَاضِي الرَّشْوَةَ كُفْرٌ)). (حم) في الزهد
عن علي (ح).
وابن الدهان من الحنبلي للحنفي ثم تحول شافعياً وابن دقيق العيد من المالكي للشافعي وأبو حيان من
الظاهري للشافعي ذكره الأسنوي وغيره. وإنمّا أطلنا وخرجنا عن جادة الكتاب لشدة الحاجة لذلك
وقد ذكر جمع أنه من المهمات التي يتعين إتقانها. (تنبيه) قال بعض علماء الروم: المهدي يرفع الخلاف
ويجعل الأحكام مختلفة في مسألة واحدة حكماً واحداً هو ما في علم الله وتصير المذاهب مذهباً واحداً
لشهوده الأمر على ما هو عليه في علم الله تعالی لارتفاع الحجاب عن عين جسمه وقلبه کما کان في زمن
النبي ◌َّ﴿ انتهى، فإن أراد بالمهدي عيسى عليه الصلاة والسلام فظاهراً والخليفة الفاطمي الذي يأتي
آخر الزمان وقد ملئت الأرض ظلماً وجوراً فممنوع والله سبحانه وتعالى أعلم (نصر المقدسي في
الحجة) أي في كتاب الحجة له كذا عزاه له الزركشي في الأحاديث المشتهرة ولم يذكر سنده. ولا صحابيه
وتبعه المؤلف عليه (والبيهقي في الرسالة الأشعرية) معلقاً (بغير سند) لكنه لم يجزم به كما فعل المؤلف
بل قال روى (وأورده الحليمي) الحسين بن الحسن الإمام أبو عبد الله أحد أئمة الدهر وشيخ الشافعية
بما وراء النهر في كتاب الشهادات من تعليقه (والقاضي حسين) أحد أركان مذهب الشافعي ورفعائه
(وإمام الحرمين) الأسد بن الأسد والسبكي وولده التاج (وغيرهم) قال السبكي: وليس بمعروف عند
المحدثّين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع (ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي
لم تصل إلينا) وأسنده في المدخل وكذا الديلمي في مسند الفردوس كلاهما من حديث ابن عباس مرفوعاً
بلفظ ((اختلاف أصحابي رحمة)) واختلاف الصحابة في حكم اختلاف الأمة كما مر لكن هذا الحديث قال
الحافظ العراقي: سنده ضعيف، وقال ولده المحقق أبو زرعة: رواه أيضاً آدم بن أبي إياس في كتاب
العلم والحلم بلفظ ((اختلاف أصحابي لأمتي رحمة)) وهو مرسل ضعيف وفي طبقات ابن سعد عن
القاسم بن محمد نحوه.
٢٨٩ - (أخذ الأمير) يعني الإمام ونوابه (الهدية) وهي لغة ما أتحف به وعرفاً تمليك ما يبعث
غالباً بلا عوض كما مر (سحت) بضم فسكون وبضمتين أي حرام يسحت البركة أي يذهبها؛ قال
الزمخشري: اشتقاقه من السحت وهو الإهلاك والاستئصال ومنه السحت لما لا يحل كسبه لأنه یسحت
البركة، وفي خبر أن عمر أهدى إليه رجل فخذ جزور ثم جاءه يتحاكم مع آخر، فقال: يا أمير المؤمنين
اقض لي قضاء فصلاً كما فصل الفخذ من البعير، فقال عمر: الله أكبر اكتبوا إلى جميع الآفاق هدايا
العمال سحت (وقبول القاضي الرشوة) بتثليث الراء ما يعطاه ليحق باطلاً أو يبطل حقاً من رشا الفرخ
إذا مد عنقه لأمه لتزقه (كفر) إن استحل وإلّ فهو زجر وتهويل على حد خبر: ((العهد الذي بيننا وبينهم
الصلاة فمن تركها فقد كفر» وبالجملة فإعطاء الرشوة وأخذها من الكبائر وإنمّا كان القاضي أفظع
حالاً من الأمير لأن الأمير أخذ لا لشيء يصنعه بل للميل ونحوه، والقاضي أخذ لتغییر حكم الله، قال
النووي: ومن خصائص المصطفى وهو أن له قبول الهدية بخلاف غيره من الحكام؛ فإن قلت ما سر
تعبيره في الأمير بالأخذ وفي القاضى بالقبول وهلا عكس أو عبر فيهما بالأخذ أو القبول معاً؟ قلت لعل
حكمته الإشارة إلى لحوق الوعيد للقاضي بمجرد القبول بلفظ أو إشارة أو كتابة أو أخذ عياله لها فغلظ

٢٧٥
حرف الهمزة
٢٩٠ - ((أَخَذْنَا فَأُلَكَ مِنْ فِيكَ)). (د) عن أبي هريرة وأبو نعيم معاً في الطب عن كثير بن
عبد الله عن أبيه عن جده (فر) عن ابن عمر (ح).
٢٩١ - ((أُخْرَ الْكَلاَمُ فِي الْقَدَرِ لِشِرَارِ أُمَِّي فِي آخِرِ الزَّمَانِ)). (طس ك) عن أبي
هريرة (ض).
٢٩٢ - ((أَخْرُوا الأَحْمَالَ، فَإِنَّ الأَيْدِي مُغْلَقَةٌ، وَالأَرْجُلُ مُوثِقَةٌ)). (د) في مراسيله عن
فيه أكثر من الأمير (حم في) كتاب (الزهد الكبير عن علي) أمير المؤمنين رمز المؤلف لحسنه.
٢٩٠ - (أخذنا فألك) بالهمز وتركه أي كلامك الحسن أيها المتكلم (من فيك) وإن لم تقصد
خطابنا قال الزمخشري: الفأل أن تسمع الكلمة الطيبة فتتيمن بها وتقول دون الغيب أقفال لا يفتحها
الزجر والفأل وفي القاموس ضد الطيرة كأن يسمع مريض يا سالم أو طالب ضالة يا واجد ويستعمل في
الخير والشر وهذا قاله لما خرج في عسكر فسمع قائلاً يقول يا حسن أو لما خرج لغزو خيبر فسمع علياً
يقول: يا خضرة! فقال: أخذنا فألك من فيك، اخرجوا بنا إلى خضرة فما سلّ فيها سيف، ولا مانع
من التعدد (د عن أبي هريرة) الدوسي (ابن السني وأبو تميم معاً في) كتاب (الطب) النبوي (عن كثير)
بمثلثة ضد القليل (ابن عبد الله عن أبيه عن جده) عمرو بن عوف قال: خرج المصطفى وَّ لغزاة
فسمع علياً يقول: يا خضرة فذكره، ورواه الطبراني في الكبير والأوسط عنه أيضاً، قال الهيتمي:
وكثير ضعيف جداً وبقية رجاله ثقات وفي التقريب كأصله وأبوه مقبول (فر) وكذا أبو الشيخ (عن ابن
عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، قال: سمع النبي وَّفي كلمة فأعجبته فقاله ورواه العسكري
في الأمثال والخلعي في فوائده عن سمرة رمز المؤلف لحسنه ولعله لاعتضاده وإلا فقد سمع القول في
كثير على أن فيه أيضاً من لا يخلو عن مقال.
٢٩١ - (أخر) بالبناء للمفعول (الكلام في القدر) محركاً أي في نفيه(١) (لشرار أمتي) وفي رواية
لشرار هذه الأمة وأوّل من تكلم فيه معبد الجهني وأبو الأسود الدؤلي أو سيبويه أو رجل آخر عند
احتراق الكعبة، قال قائل: هذا من قضاء الله تعالى، فقال آخر: ما هو من قضائه (في آخر الزمان) أي
زمن الصحابة رضي الله تعالى عنه فزمنه هو الزمان لكونه خير الأزمان وهذه من معجزاته وَ له لأنه
إخبار عن غيب وقد قال الطيبي: مذهب الجبرية إثبات القدرة لله سبحانه وتعالى ونفيها عن العبد
أصلاً ومذهب المعتزلة بخلافه وكلاهما في الإفراط والتفريط على شفا جرف هار والطريق المستقيم
القصد انتهى، والزمان مدة قابلة للقسمة تطلق على قليل الوقت وكثيره (طس ك) في التفسير (عن أبي
هريرة) قال الحاكم: على شرط البخاري وتعقبه الذهبي بأن فيه عنبسة بن مهران ثقة لكن لم يرويا له
وأورده في الميزان في ترجمة عنبسة، وقال: قال أبو حاتم منكر الحديث.
٢٩٢ - (أخروا) بفتح الهمزة وكسر المعجمة (الأحمال) إلى وسط ظهر الدابة ولا تبالغوا في
(١) أي في نفي كون الأشياء كلها بتقدير الله سبحانه وتعالى.

٢٧٦
حرف الهمزة
الزهري، ووصله البزار (ع طس) عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة نحوه (ح).
٢٩٣ - ((أَخْرِجُوا مِنْدِيلَ الْغَمْرِ مِنْ بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّهُ مَبِيتُ الْخَبِيثِ وَمَجْلِسُهُ)). (فر) عن
جابر .
التأخير بل اجعلوها متوسطة بحيث يسهل حملها على الدابة لئلا تتأذى بالحمل، (فإن الأيدي) أي
أيدي الدواب المحمول عليها (مغلقة) بضم الميم وسكون المعجمة أي مثقلة بالحل كأنها ممنوعة من
إحسان السير لما عليها من الثقل، كأنه شبه بالباب إذا أغلق فإنه يمنع من الدخول والخروج أو من
قولهم استغلق عليه الكلام إذا أرتج عليه (والأرجل موثقة) بضم فسكون أي كأنها مشدودة بوثاق،
من أوثقه شده بوثاق والوثاق ما يشد به من نحو قيد وحبل فينبغي جعل الحمل في وسط ظهر الدابة
فإنه إن قدم عليها أضر بيديها وإن أخر أضر برجليها وإنما أمر بالتأخير فقط لأنه رأى بعيراً قد قدم
عليه حمله فأمر بالتأخير، وأشار إلى مقابله بقوله والأرجل موثقة لئلا يبالغ في التأخير فيضر؛ وفيه
الرفق بالدابة وحفظ المال وتعليم الإخوان ما فيه الخير لهم ولدوابهم وتدبر العواقب والنظر لخلق الله
سبحانه وتعالى بالشفقة ويحرم إدامة تحميل الدابة ما لا تطيقه دائماً وضربها عبثاً (د في مراسيله عن)
محمد بن مسلمة بن عبيد الله بن عبد لله بن شهاب القرشي (الزهري) بضم الزاي المدني أحد الأعلام
وعالم الحرمين والشام تابعي جليل سمع من أكثر من عشرين صحابياً، قيل لمكحول: من أعلم من
رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل: ثم من؟ قال: ابن شهاب، قيل ثم من؟ قال ابن شهاب مرسلا
(ووصله البزار) في مسنده (ع طب عنه) أي الزهري (عن سعيد بن المسيب) بفتح الياء أشهر من كسرها
المخزومي أحد الأعلام والفقهاء الكمل روى عن عمر وعثمان وسعد وعنه الزهري وخلق (عن أبي
هريرة نحوه) رمز المؤلف لحسنه ولعله بالنظر إلى تعدد طرقه وإلا ففيه قيس بن الربيع الأزدي ضعفه
كثيرون ورواه الترمذي في العلل مرسلاً بلفظ إذا حملتم فأخروا فإن الرجل موثقة واليد مغلقة، وقال:
سألت محمداً يعني البخاري عنه فلم يعرفه، وقال: فیه قيس بن الربيع لا أکتب حديثه ولا أروي عنه.
٢٩٣ - (أخرجوا) بفتح فسكون فكسر إرشاداً من الإخراج، قال الحراني: وهو إظهار من
حجاب، (منديل) بكسر أوله ويفتح (الغمر) أي الخرقة المعدة لمسح أيديكم من وضر اللحم والدسم،
قال ابن الأنباري: والمنديل مذكر ولا يجوز تأنيثه لعدم العلامة في التصغير والجمع فلا يوصف بمؤنث
فلا يقال منديل حسنه والغمر بفتح الغين العجمة والميم زهومة اللحم وما تعلق باليد منه، (من
بيوتكم) يعني من الأماكن التي تبيتون فيها (فإنه مبيت) بفتح فكسر مصدر بات أي حيث يبيت ليلاً
(الخبيث) الشيطان والمراد الجنس (ومجلسه) لأنه يحب الدنس ويأوي إليه وقد يغفل المرء عن المأثور
الذي يطرده فأمر بإبعاده بكل ممكن والخبيث في الأصل ما يكره رداءه وخساسة محسوساً كان أو
معقولاً؛ ذكره الراغب (فر عن جابر) بن عبد الله وفيه عمير بن مرداس، قال في اللسان: يغرب
وسعيد بن خثيم أورده الذهبي في الضعفاء، قال الأزدي: منكر الحديث، وقال ابن عدي: ما يرويه
غير محفوظ وحرام بن عثمان، قال ابن حبان. غال في التشيّع يقلب الأسانيد، وقال ابن حجر:
متروك.

٢٧٧
حرف الهمزة
٢٩٤ - ((أَخْسَرُ النَّاسِ صَفْقَةَ رَجُلٌ أَخْلَقَ يَدَيْهِ فِي آمَالِهِ، وَلَمْ تُسَاعِدْهُ الأَيَّامُ عَلَى
أُمْنِيَّتِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ زَادٍ، وَقَدِمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ حُجَّةٍ)). ابن النجار في تاريخه
عن عامر بن ربيعة، وهو مما بيض له الديلمي.
٢٩٤ - (أخسر الناس صفقة) أي من أشد المؤمنين خسراناً للثواب وأعظمه حسرة يوم المآب،
والخسران انتقاص رأس المال، ثم استعمل في المقتنيات الخارجة كالمال والجاه وأكثر استعماله في
النفيس منها كصحة وسلامة وعقل وإيمان وثواب وهو المراد هنا ذكره الراغب، قال الزمخشري: ومن
المجاز خسرت تجارته وربحت ومن لم يطع الله فهو خاسر، قال الزمخشري: والصفقة في الأصل ضرب
اليد على اليد في البيع والبيعة ومن المجاز له وجه صفيق (رجل) وصف طردي والمراد مكلف (أخلق)
من قولهم حجر أخلق أي أملس لا شيء عليه والأخلق الفقير وأخلق الثوب لبسه حتى بلي والمراد هنا
أتعب، (يديه) وأفقرهما بالكد والجهد وعبر بهما لأن المزاولة بهما غالباً (في) لو (آماله) جمع أمل وهو
الرجاء وأكثر استعماله في مستبعد الحصول (ولم تساعده) أي لم تعاونه (الأيام) أي الأوقات (على) بلوغ
(أمنيته) أي على حصول مطلوبه من المال والمناصب والجاه ونحوها بل عاكسته وغذته فهو لا يزال
يتشبث بالطمع الفارغ والرجاء الكاذب ويتمنى على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته، قال
بعض العارفين أماني النفس حديثاً بما ليس عندها ولها حلاوة إذا استصحبها عبد لا يفلح أبداً، وأهل
الدنیا فریقان فریق یتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه و کثیر منهم يتمنون ذلك البعض وقد
حرموه فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة فصاروا أخسر الناس صفقة، وأما المؤمن المتقي فقد حاز
مراده وهو غنى القلب المؤدي لغنی الآخرة فما یبالي أوتي حظاً من الدنيا أو لا فإن أوتي منها وإلا فربما
كان الفقر خيراً له وأعون على مراده فهو أربح الناس صفقة واشتقاق الأمنية من منى إذا قدر لأن
المتمني يقدر في نفسه ويجوّز ما يتمناه (فخرج من الدنيا) بالموت (بغير زاد) يوصله إلى المعاد وينفعه يوم
يقوم الأشهاد ويفصل بين العباد لأن خير الزاد إلى الآخرة اتقاء القبائح وهذا قد تلطخ بأقذارها القبيحة
الخبيثة الروائح فهو مهلك لنفسه باسترساله مع الأمل وهجره للعمل حتى تتابعت على قلبه ظلمات
الغفلة وغلب عليه زين القسوة ولم يسعفه المقدور بنيل مرامه من ذلك الحطام الفاني فلم يزل مغموراً
مقهوراً مغموماً إلى أن فرق ملك الموت بينه وبين آماله وكل جارحة منه متعلقة بالدنيا التي فاتته فهي
تجاذبه إلى الدنيا ومخاليف ملك الموت قد علقت بعروق قلبه تجذبه إلى الآخرة التي لا يريدها، (وقدم
على الله تعالى بغير حجة) أي معذرة يعتذر بها وبرهان يتمسك به على تفريطه بتضييعه عمره النفيس في
طلب شيء خبيث خسيس وإعراضه عن عبادة ربه التي إنما خلق لأجلها﴿وما خلقت الجنّ والإنس إلا
ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] قال الغزالي: ومن كان هذا حاله فهو كالانعام بل هو أضل، إذ البهيمة لم تخلق
لها المعرفة والقدرة التي بها تجاهد مقتضى الشهوات وهذا قد خلق له وعطله فهو الناقص عقلاً، المدبر
يقيناً، وقيل في المعنى:
كَنَقْصِ القَادِرِين على النَّمَامِ
ولَمْ أَرَ في عُيُوبِ النَّاسِ عَيْباً
وفي الحديث إلزام للحجة ومبالغة في الإنذار وتنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم مما يؤدي إلى طول

٢٧٨
حرف الهمزة
٢٩٥ - ((أَخْشَىْ مَا خَشِيتُ عَلَى أُمَّتِي كِبَرُ الْبَطْنِ، وَمُدَاوَمَةُ النَّوْمِ، وَالْكَسَلِ، وَضَعْفٍ
الْيَقِينِ)). (قط) في الأفراد عن جابر.
الأمل وتعطل العمل وهذا هجيراً(١) أكثر الناس ليست من أخلاق المؤمنين، ومن ثم قيل التمرغ في
الدنيا من أخلاق الهالكين ذكره كله الزمخشري (ابن النجار) محب الدين (في تاريخه) تاريخ بغداد (عن
عامر بن ربيعة) بفتح الراء وكسر الموحدة ابن كعب بن مالك العنزي بفتح المهملة وسكون النون
وبزاي حليف آل الخطاب من المهاجرين الأولين شهد بدراً وما بعدها (وهو مما بيض له الديلمي) لعدم
وقوفه له على سند .
٢٩٥ - (أخشى ما خشيت على أمتي) أي أخوف ما خفت عليهم، قال الزمخشري: الخشية
خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علمه بما يخشى منه ولهذا خص العلماء بها، فقال:
﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] (كبر البطن) يعني الانهماك في الأكل والشرب الذي
يحصل منه كبرها ومن كانت همته ما يدخله بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه إذ لا فرق بين إدخال الطعام
إلى البطن وبين إخراجه؛ فهما ضروريان في الجبلة فكما لا يكون قضاء الحاجة من همتك التي تشغل بها
قلبك فلا ينبغي كون تناول الطعام من همتك التي تشغل بها قلبك فمن زاد على ثلث بطنه وصرف همته
وتهمته لتحصيل لذيذ الأطعمة ولم يقنع بما يتفق فهو من المخوف عليهم، قال الغزالي: والخوف رعدة
تحصل في القلب عن ظن مكروه يناله والخشية نحوه لكن الخشية تقتضي ضرباً من الاستعظام والمهابة،
(ومداومة النوم) المفوت للحقوق المطلوبة شرعاً الجالب لغضب الرب وقسوة القلب، قال الغزالي:
قال عبد الله بن الحسن كنت معجباً بجارية رومية لي ففقدتها من محلها في الليل فطلبتها فإذا هي ساجدة
تقول بحبك لي إلا ما غفرت لي، فقلت لها: لا تقولي بحبك لي قولي بحبي لك، قالت: لا يا مولاي
بحبه لي أخرجني من الكفر إلى الإسلام، وبحبه لي أيقظني وكثير من خلقه نيام، (والكسل) بالتحريك
التقاعس عن النهوض إلى معاظم الأمور وكفايات الخطوب وتحمل المشاق والمتاعب في المجاهدة في الله
ولله والفتور عن القيام بالطاعات الفرضية والنفلية الذي من ثمراته قسوة القلب وظلمة اللب، ففي
حديث للديلمي عن عائشة رضي الله تعالى عنها «ثلاث خصال تورث قسوة القلب: حب الطعام
وحب النوم وحب الراحة)) ومن ثم تشمر لذلك السلف حق التشمير وأقبلوا على إحياء ليلهم ورفضوا
له الرقاد والدعة وجاهدوا فيه حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم فظهرت السيما في وجوههم
وترامى أمرهم إلى خدمة ربهم فخفف عنهم، قال الراغب: ومن تعود الكسل ومال إلى الراحة فقد
الراحة فحب الهوينا يكسب النصب، وقد قيل إن أردت أن لا تتعب فاتعب لئلا تتعب، وقيل إياك
والكسل والضجر فإنك إن كسلت لم تؤد حقاً وإن ضجرت لم تصبر على الحق، وما أحسن ما قيل:
عن المرء في سهر الليالي
عُلُؤُّ الكعب بالهمم العوالي
أَضَاعَ العُمْرَ فِي طَلَبِ المُحَالِ
ومَنْ رَامَ العُلَى مِنْ غَيْرِ كَدَّ
(١) قوله هجيراً: قال في النهاية: الهجير والهجيرا: الدأب والعادة والديدن: اهـ.

٢٧٩
حرف الهمزة
٢٩٦ - ((أَخْضِبُوا لِحَاكُمْ، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَسْتَبْشِرُ بِخِضَابِ الْمُؤْمِنٍ)). (عد) عن ابن
عباس.
٢٩٧ - ((أَخْفِضِي وَلاَ تَنْهِكِي، فَإِنَّهُ أَنْضَرُ لِلْوَجْهِ، وَأَحْظَى عِنْدَ الَّوْجِ)). (طب ك) عن
الضحاك بن قيس (صح).
(تنبيه) قال بعض العارفين السهر نتيجة الجوع فلذا ذكره عقبه والسهر سهران سهر عين وسهر
قلب، فسهر القلب انتباهه من نومات الغفلة طلباً للمشاهدة، وسهر العين رغبة في إلقاء الهمة في
القلب لطلب المسامرة، إذ العين إذا نامت بطل عمل القلب فإذا كان القلب غير نائم منع نوم العين
فغايته مشاهدة سهره المتقدم فقط وأما أن يلحظ غير ذلك فلا، ففائدة السهر استمرار عمل القلب
وارتقاء المنازل العلية (وضعف اليقين) أي استيلاء الغفلة على القلب المانعة من ولوج النور فيه وإيمان
العبد على قدر يقينه ومن ثم كان الأنبياء أوفر حظاً في اليقين ومطالعتهم أمور الآخرة بقربهم أكثر (قط
في) كتاب (الأفراد) بفتح الهمزة وكذا الديلمي (عن جابر) بن عبد الله وفيه محمد بن القاسم الأزدي،
قال الذهبي : كذبه أحمد والدار قطني.
٢٩٦ - (اخضبوا) بكسر الهمة اصبغوا ندباً (لحاكم) بسكر اللام أفصح جمع لحية أي بغير سواد
(فإن الملائكة) الحفظة أو ملائكة الأرض أو أعم (تستبشر) تسر (بخضاب المؤمن) لما فيه من اتباع السنة
ومخالفة أهل الكتاب، أما الخضاب بالسواد في غير الجهاد فحرام على الرجل (عد عن ابن عباس)
رضي الله تعالى عنهما بإسناد ضعيف لكن له شواهد.
٢٩٧ - (اخفضي) بكسر الهمزة خطاباً لأم عطية التي كانت تخفض الجواري بالمدينة أي تختنهن،
(ولا تنهكي) بفتح المثناة فوق وسكون النون وكسر الهاء لا تبالغي في استقصاء محل الختان بالقطع بل
أبقي بعض ذلك الموضع، قال الزمخشري: وأصل النهك المبالغة في العمل، (فإنه أنضر) بفتح الهمزة
والمعجمة (للوجه) أي أكثر لمائه ودمه وأبهج لبريقه ولمعته (وأحظى عند الزوج) ومن في معناه من كل
واطىء كسيد الأمة يعني أحسن لجماعها عنده وأحب إليه وأشهى له لأن الخافضة إذا استأصلت جلدة
الختان ضعفت شهوة المرأة فكرهت الجماع فقلت حظوتها عند حليلها كما أنها إذا تركتها بحالها فلم
تأخذ منها شيئاً بقيت غلمتها فقد لا تكتفي بجماع زوجها فتقع في الزنا، فأخذ بعضها تعديل للشهوة
والخلقة، قال حجة الإسلام: انظر إلى جزالة هذا اللفظ في الكناية وإلى إشراق نور النبوة من مصالح
الآخرة التي هي أهم مقاصد النبوة إلى مصالح الدنيا حتى انكشف له وهو أمي من هذا الأمر النازل
قدره ما لو وقعت الغفلة عنه خيف ضرره وتطاير من غيب عاقبته شرره وتولد منه أعظم القبائح وأشد
الفضائح فسبحان من أرسله رحمة للعالمين ليجمع لهم ببعثته مصالح الدارين؟ وفيه أنه لا استحياء من
قول مثل ذلك للأجنبية فقد كان المصطفى * أشد حياء من العذراء في خدرها ومع ذلك قاله تعليماً
للأمة، ومن استحيا من فعل فعله أو قول قاله فهو جاهل كثيف الطبع ولعله يقع في عدة كبائر ولا
يستحي من الله ولا من الخلق (طب ك عن الضحاك) بالتشديد (ابن قيس) بفتح القاف وسكون المثناة

٢٨٠
حرف الهمزة
٢٩٨ - ((أَخْلِصْ دِينَكَ يَكْفِكَ الْقَلِيلُ مِنَ الْعَمَلِ)). ابن أبي الدنيا في الإخلاص (ك) عن
معاذ (صح).
تحت الفهري، قال: كان بالمدينة امرأة يقال لها أم عطية تختن الجواري، فقال لها رسول الله وَ لفي ذلك،
والفهري قال الذهبي: يقال له صحبة قتل يوم راهط انتهى، وما ذكر من أن الضحّاك هذا هو الفهري
هو ما ذكره الحاكم وأبو نعيم حيث أورد الحديث في ترجمته ويخالفه ما رواه البيهقي وغيره عن الفضل
العلائي، قال: سألت ابن معين عن هذا، فقال الضحاك: هذا ليس بالفهري، قال ابن حجر: وهذا
الحديث رواه أبو داود في السنن وأعله بمحمد بن حسان، فقال مجهول: ضعيف وتبعه ابن عدي في
تجهيله وخالفهم عبد الغني، فقال: هو محمد بن سعيد المصلوب وحاله معروف وكيفما كان سنده
ضعيف جداً وممن جزم بضعفه الحافظ العراقي، وقال ابن حجر: في موضع آخر له طريقان كلاهما
ضعيف، وقال ابن المنذر: ليس في الختان خبر يعول عليه ولا سنة تتبع.
٢٩٨ - (أخلص) بفتح فسكون فكسر (دينك) بكسر الدال إيمانك عما يفسده من شهوات
النفس أو طاعتك بتجنب دواعي الرياء ونحوه بأن تعبده امتثالاً لأمره وقياماً بحق ربوبيته لا طمعاً في
جنته ولا خوفاً من ناره ولا للسلامة من المصائب الدنيوية، (يكفك) بالجزم جواب الأمر وفي نسخ
يكفيك بياء بعد الفاء ولا أصل لها في خطه (القليل من العمل) لأن الروح إذا خلصت من شهوات
النفس وأسرها ونطقت الجوارح وقامت بالعبادة من غير أن تنازعه النفس ولا القلب ولا الروح فكان
ذلك صدقاً فيقبل العمل، وشتان بين قليل مقبول وكثير مردود، وفي التوراة: ما أريد به وجهي فقليله
كثير وما أريد غير وجهي فكثيره قليل، قال بعض العارفين لا تتسع في إكثار الطاعة بل في إخلاصها،
وقال الغزالي: أقل طاعة سلمت من الرياء والعجب وقارنها الإخلاص يكون لها عند الله تعالى من
القيمة ما لا نهاية له وأكثر طاعة إذا أصابتها هذه الآفة لا قيمة لها إلا أن يتداركها الله تعالى بلطفه، كما
قال عليّ كرم الله وجهه: لا يقل عمل البتة، وكيف يقل عمل مقبول؟ وسئل النخعي عن عمل كذا ما
ثوابه؟ فقال: إذا قبل لا يحصى ثوابه، ولهذا إنما وقع بصر أهل البصائر من العباد في شأن الإخلاص
واهتموا به ولم يعتنوا بكثرة الأعمال وقالوا الشأن في الصفوة لا في الكثرة وجوهرة واحدة خير من ألف
خرزة وأما من قل عمله وكل في هذا الباب نظره جهل المعاني وأغفل ما في القلوب من العيوب
واشتغل بإتعاب النفس في الركوع والسجود والإمساك عن الطعام والشراب فغره العدد والكثرة ولم
ينظر إلى ما فيها من المنح والصفوة وما يغني عدد الجوز ولا لب فيه وما ينفع رفع السقوف ولم تحكم
مبانيها وما يعقل هذه الحقائق إلا العالمون إلى هنا كلام الغزالي، وقال ابن الكمال: الإخلاص لغة ترك
الرياء في الطاعة واصطلاحاً تخليص القلب عن شائبة الشوب المكدر لصفائه وكل شيء تصور أن يشوبه
غيره، فإذا صفا عن شوبه فخلص منه سمي خالصاً، قال الإمام الرازي: والتحقيق فيه أن كل شيءٍ
يتصور أن يشوبه غيره فإذا صفا عن شوبه وخلص لله سمي خالصاً وسمي الفعل المصفى خالصاً
إخلاصاً ولا شك أن كل من أتى بفعل اختياري فلا بد له فيه من غرض فمهما كان الغرض واحداً
سمي الفعل إخلاصاً فمن تصدق وغرضه محض الرياء فهو غير مخلص أو محض التقرب لله فهو مخلص
لكن جرت العادة بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب من جميع الشوائب فالباعث على