Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
حرف الهمزة .
هُذَا فِي الْجَبَّرِينَ)). أبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق، وعبد الغني بن سعيد في إيضاح
الإشكال (عد) عن أبي أمامة .
١٧٥ - ((أَجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا
فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، وَلْيَتُبْ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يَبْدُ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ). (ك هق)
عن ابن عمر (صح).
ساواه غضب والحقد لما أضمره المرء في نفسه من الترفع على من تكبر عليه والغش لأنه لا ينصح من
تكبر عليه إذ قصده كون غيره معيباً منقوصاً وآفات الكبر كثيرة وما من خلق ذميم إلّ والكبر محتاج إليه
مصاحب له وقلما ينفك عنه العلماء بل والعباد والزهاد إذ يعجبون بكثرة أتباعهم وربما سار الواحد
وأتباعه حوله ولو انفرد ساءه ذلك ولو لم يكن من الوعيد للمتكبر إلّ نفي محبة الله له في النصوص
القرآنية وخبر لا يدخل الجنّة من في قلبه مثقال ذرة من كبر لكفى (فإن العبد) الإنسان (لا يزال يتكبر
حتی یقول الله تعالى) ملاتکته (اکتبوا عبدي) وفي رواية عبدي هذا المتعدي طوره الذي نازع ربه رداءه
وتعرض للمقت والهلاك (في) الإضافة للملك لا للتشريف (الجبارين) جمع جبار وهو المتكبر العاتي
وكفى بذلك اعلاماً باستقباح الاستكبار كيف وهو يفضي بصاحبه إلى بئس القرار النار قد أفلح من
هدى إلى تجنبه وفاز بخيري الدنيا والآخرة وترك الكبر داع إلى السلامة من شر الناس فينتفي عنه بتركه
ما يترتب عليه من أنواع الأذى وضروب المهالك. قال الشافعي: التواضع من أخلاق الكرام، والتكبر
من أخلاق اللئام، وأرفع الناس قدراً من لا يرى قدره وأكبرهم فضلاً من لا يرى فضله، وقال القاضي
أبو الطيب: من تصدى قبل أوانه فقد تصدى لهوانه وفي الشعب: من رضي أن يكون ذنباً أبى الله إلّ
أن يجعله رأساً وقال الماوردي: الكبر يكسب المقت ويلهي عن التأله ويوغر صدور الإخوان (أبو بكر)
وأحمد بن علي بن أحمد (ابن لال) قال الكمال: ومعنى لال أخرس وهو أبو بكر الهمداني من أهل
القرن الرابع فقيه شافعي تفقه على أبي إسحاق وغيره وله مؤلفات كثيرة في الحديث قالوا والدعاء عند
قبره مستجاب (في) كتابه (مكارم الأخلاق) أي فيما ورد في فضلها (وعبد الغني بن سعيد) الحافظ
المشهور (في) كتاب (إيضاح الإشكال عد) كلهم (عن أبي أمامة) الباهلي وفيه عثمان بن أبي عاتكة
ضعفه النسائي وغيره وهو علي بن يزيد الألهاني، قال: في التقريب ضعيف والقاسم بن عبد الرحمن
صدوق لکنه یغرب كثيراً.
١٧٥ - (اجتنبوا هذه القاذورات) جمع قاذورة وهي كل قول أو فعل يستفحش أو يستقبح لكن
المراد هنا الفاحشة يعني الزنا لأنه لما رجم ماعزاً ذكره سميت قاذورة لأن حقها أن تتقذر فوصفت بما
يوصف به صاحبها أفاده الزمخشري (التي نهى الله عنها) أي حرمها (فمن ألم) بالتشديد أي نزل به
والإلمام كما في الصحاح مقاربة المعصية من غير مواقعة. وهذا المعنى له لطف هنا يدرك بالذوق (بشيء
منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله) بالندم والإقلاع والعزم على عدم العود (فإنه) أي الشأن (من يبد)
بضم المثناة تحت وسكون الموحدة (لنا صفحته) أي يظهر لنا فعله الذي حقه الإخفاء والستر وصفحة
كل شيء جانبه ووجهه وناحيته كنى به عن ثبوت موجب الحد عند الحاكم (نقم) نحن معشر الحكام

٢٠٢
حرف الهمزة
١٧٦ - ((أَجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الْعَشِيرَةِ)). (ص) عن أبان بن عثمان مرسلاً.
(عليه كتاب الله) أي الحد الذي حده الله في كتابه والسنة من الكتاب فيجب على المكلف إذا ارتكب ما
يوجب الله حداً الستر على نفسه والتوبة فإن أقر عند حاكم أقيم عليه الحد أو التعزيز، وعلم من الحديث
أن من واقع شيئاً من المعاصي ينبغي أن يستتر وحينئذٍ فيمتنع التجسس عليه لأدائه إلى هتك الستر. قال
الغزالي وحد الاستتار أن يغلق باب داره ويستتر بحيطانه، قال: فلا يجوز استراق السمع على داره
ليسمع صوت الأوتار ولا الدخول عليه لرؤية المعصية إلا أن يظهر عليه ظهوراً يعرفه من هو خارج
الدار كصوت آلة اللهو والسكارى ولا يجوز أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر ولا أن يستخبر جيرانه
ليخبروه بما يجري في داره وقد أنشد في معناه:
فَيَكْشِفَ اللهِ سِتْراً عَنْ مَسَاوِيِكًا
لا تَلْتَمس مِنْ مَسَاوي النَّاس مُسْتَراً
ولا تُعِبْ أحَدَاً مِنْهُمْ بما فَيَكًا
واذْكُر مَّحاسن ما فيهم إذَا ذُكِرُوا
(ك هق عن ابن عمر) بن الخطاب قال: قام المصطفى وَ لقر بعد رجم الأسلمي فذكره قال ك على
شرطهما، وتعقبه الذهبي فقال: غريب جداً لكنه في المهذب، قال: إسناده جيد، وصححه ابن
السكن وذكره الدارقطني في العلل وصحح إرساله، وقول ابن حجر: قال ابن حجر: مراده من
حديث مالك، ولما ذكر إمام الحرمين في النهاية هذا الحديث، قال صحيح: متفق عليه، فتعجب منه
ابن الصلاح، وقال: أوقعه فيه عدم إلمامه بصناعة الحديث الذي يفتقر إليها كل عالم.
١٧٦ - (اجتنبوا مجالس) أي مواضع جلوس (العشيرة) الرفقاء المتعاشرون، قال الزمخشري:
تقول هو عشيرك أي معاشرك أيديكما وأمركما واحد وزوج المرأة عشيرها أي لا تجلسوا في مجالس
الجماعة الذين يجلسون للتحدث بالأمور الدنيوية لما يقع فيها من اللغو واللهو وقد يجر لإضاعة صلاة
أو وقيعة. أما مقاعد الخير كذكر وتعلم علم وتعليمه وقراءة قرآن وأمر بمعروف ونهي عن منكر فيتأكد
لزومها، ثم إطلاقه المجالس شامل لما كان على الطريق وغيره ففيه أنه يكره الجلوس في الشارع
للحديث ونحوه إلّ أن يعطيه حقه كغض البصر ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكف
الأذى كترك الغيبة والنميمة وسوء الظن واحتقار المار وكون القاعد يهابه المارة ويتركون المرور لأجله
ولا طريق سواه. قال القرطبي: في هذا الحديث إنكار للجلوس على الطرقات وزجر عنه لكن محله ما
إذا لم يكن إليه حاجة، كما قالوا في خبر مسلم: ما لنا من ذلك بد! لكن العلماء فهموا أن المنع ليس
للتحريم بل إرشاد إلى المصالح (ص عن أبان) بفتح الهمزة والموحدة منصرف لأنه فعال كغزال وقيل
هو أفعل فلا ينصرف لوزن الفعل مع العلمية (ابن عثمان) بن عفان (مرسلاً) هو تابعي جليل. قال
الذهبي: كان فقيهاً مجتهداً وكان أميراً على المدينة في زمن ابن عم أبيه عبد الملك بن مروان. وعدول
المؤلف لرواية إرساله واقتصاره عليها يوهم أنه لم يقف عليه مسنداً متصلاً وهو عجيب، فقد خرجه
مسلم في صحيحه من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده أبي طلحة الأنصاري
الصحابي الكبير الشهير لكن بلفظ: اجتنبوا مجالس الصعدات. وزاد بيان السبب فقال: كنا قعوداً
بالأفنية نتحدّث إذ جاء رسول الله وَّلها فقدم علينا فقال: ((ما لكم ولمجالس الصعدات؟ اجتنبوا مجالس
الصعدات))، فقلنا إنمّا قعدنا لغير ما بأس، قعدنا لنتذاكر ونتحدث، قال: أما إذاً فأدوا حقّها: غض

٢٠٣
حرف الهمزة
١٧٧ - ((أَجْتَنِبُوا الْكَبَائِرَ، وَسَدِّدُوا، وَأَبْشِرُوا)). ابن جرير عن قتادة مرسلاً.
١٧٨ - ((أَجْتَنِبُوا دَعَوَاتِ الْمَظْلُومِ، مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ)). (ع) عن أبي سعيد
وأبي هريرة معاً.
١٧٩ - ((أَجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ)). (طب) عن عبد الله بن مغفل (صح).
البصر ورد السلام وحسن الكلام انتهى بنصه، وإسحاق أحد الثقات الكبار تابعي جليل إمام خرج له
الستة .
١٧٧ - (اجتنبوا الكبائر) جمع كبيرة وقد اضطرب في تعريفها، فقيل ما توعد عليه أي بنحو
غضب أو لعن بخصوصه في الكتاب أو السنة، واختاره في شرح اللب واعترض بعضهم، أن هناك
كبائر ليس فيها ذلك كظهار وأكل خنزير وإضرار في وصية، وقيل ما يوجب الحد وأورد عليه الفرار
من الزحف والعقوق وشهادة الزور والربا ونحوها تما لا حد فيه وهو كبيرة. وأجيب بتأويله على إرادة
ما عدا المنصوص، وقيل كل جريمة تؤذن بقلة أكثر إن مرتكبها بالدين ورقة الديانة واختاره التاج
السبكي عازياً لإمام الحرمين واعترض، نعم هو أشمل التعاريف، قال الزركشي، والتحقيق أن كل
واحد من الأقوال اقتصر على بعض أنواعها وبالمجموع يحصل الضابط (وسددوا). اطلبوا بأعمالكم
السداد أي الاستقامة ما استطعتم، والقصد في الأمر والعدل فيه ولا تشددوا فيشدّد الله عليكم، ولهذا
لما تكرر استكشاف بني إسرائيل عن صفة البقرة شدّد الله عليهم ولو ذبحوا أدنى بقرة لكفتهم كما جاء
في الخبر، ومن ثم قالوا: الاستقصاء شؤم. وكتب بعض الخلفاء إلى عامله أن يقطع أشجار قوم ويهدم
دورهم، فكتب إليه بأيهما أبدا؟ فقال: إن قلت لك بقطع الشجر قلت بأي نوع منها فعزله حالا .
(وأبشروا) بقطع الألف المفتوحة وسكون الموحدة وكسر المعجمة أي إذا تجنبتم الكبائر واستعملتم
السداد في الظواهر والسرائر فأبشروا بما وعدكم ربكم به بقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه
نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١] الآية (ابن جرير) الإمام المجتهد المطلق في تفسيره (عن قتادة) بن
دعامة بكسر المهملة (مرسلاً) وهو أبو الخطاب الدوسي الأعمى البصري الحافظ أحد الأئمة الأعلام
روى عن أنس وغيره، قال في الكشاف: لم يكن في هذه الأمة أكمه ممسوح العينين سواه.
١٧٨ - (اجتنبوا) وجوباً (دعوات) وفي رواية دعوة وهو بمعناه لأنه مفرد مضاف فيعم (المظلوم)
فإنها (ما) أي ليس (بينها وبين الله) تعالى (حجاب) مجاز عن سرعة القبول كما مر ومن عرف هذا وعلم
أن وراء الظالمين طالباً لا يرد بأسه ولم يقلع ويرجع فقد طبع على قلبه وحجب عن ربه، ثم هذا وإن كان
مطلقاً فهو مقيد بالحديث الآخر أن الدعاء على ثلاث مراتب إمّا أن يعجّل له ما طلب أو يدخّر له
أفضل منه أو يدفع عنه من السوء مثله كما قيد ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ [النمل: ٦٢] بقوله
تعالى ﴿ويكشف السوء﴾ [النمل: ٦٣] وبقوله ﴿فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾ [الأنعام: ٤١] (ع
عن أبي سعيد) الخدري (وأبي هريرة) الدوسي (معاً) رمز المؤلف لضعفه هكذا رأيته في مسودته بخطه.
١٧٩ - (اجتنبوا كل) أي تناول كل (مسكر) يعني ما شأنه الإسكار فشمل قطرة منه وعبر بكل

٢٠٤
حرف الهمزة
١٨٠ - ((أَجْتَنِبُوا مَا أَسْكَرَ)). الحلواني عن علي (صح).
١٨١ - ((أَجْتُوا عَلَىُ الرُّكَبِ، ثُمَّ قُولُوا: يَا رَبِّ يَا رَبِّ). أبو عوانة والبغوي عن
سعد (صح).
ليشمل بمنطوقه المسكر من ماء العنب وغيره كزبيب وحب وتمر والمائع وغيره كبنج وحشيش، لكن
المائع أصله حرام نجس وغيره حرام طاهر، هذا ما عليه الشافعية كالجمهور وخالف الحنفية، فقالوا:
يحرم المتخذ من ماء العنب وإن قل ولم يسكر إلّ إذا طبخ على تفصيل فيه عندهم ولا يحرم المتخذ من
غيره إلّ القدر الذي يسكر انتهى، وشمل إطلاق الحديث تناوله لتداو أو عطش وإن فقد غيره وبه قال
الشافعي: (طب عن) أبي عبد الرحمن (عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح المعجمة وشدة الفاء ابن عبد
نهم بفتح النون وكسر الهاء المزني بضم الميم وفتح الزاي وبالنون من أصحاب الشجرة قال: كنت أرفع
أغصانها عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو أوّل من دخل مكة وكبر وقت الفتح. قال
ابن حجر: سنده لين، ورواه عنه أيضاً أحمد بلفظ: اجتنبوا المسكر وسنده حسن وله طرق كثيرة جداً
انتھی، وبه یعرف ما فيه رمز المؤلف لضعفه.
١٨٠ - (اجتنبوا ما) أي الشراب الذي (أسكر) شربه، قال الحرالي: ألحق المصطفى صلى الله عليه
وعلى آله وسلم بتحريم الخمر الذي سكرها مطبوع تحريم المسكر الذي سكره مصنوع فالمتخذ من غير
العنب يحرم شرب قليله عند الجمهور: كما يحرم شرب قليل الخمر المتخذ من العنب ويحرم كثيره
اتفاقاً، وقد فهم الصحابه من الأمر باجتناب المسكر تحريم ما يتخذ للسكر من جميع الأنواع ولم
يستفصلوا والصحابة أعرف بالمراد ممن جاء بعدهم (الحلواني) بضم المهملة الحسن بن علي الخلال (عن
علي) أمير المؤمنين رمز المؤلف لضعفه، وذلك لأن فيه علي بن زيد بن جدعان لينه الدار قطني وغيره.
قال ابن حجر: وفي الباب عن نحو ثلاثين صحابياً أكثر الأحاديث عنهم جياد ومضمونها أن المسكر لا
يحل تناوله بحال بل يجب اجتنابه. وقد قال ابن المبارك: لا يصح في حل النبيذ الذي يسكر كثيره عن
الصحابة شيء ولا عن التابعين إلّ النخعي.
١٨١ - (اجثوا) بضم الهمزة والمثلثة اجلسوا أو ابركوا معتمدين (على الركب) بين يدي الله تعالى
عند إرادة الدعاء لأنه أبلغ في الأدب وأقرب إلى التواضع وهي جلسة العبد الذليل بين يدي الملك
الجليل فهو نهى عن التربّع حال الدعاء لما فيه من التمكن في الجلوس الذي هو شأن المتكبرين. ولهذا
قال في الخبر المار: ((اجلس كما يجلس العبد)) والركب جمع ركبة وهي من أوّل المنحدر عن الفخذ إلى أوّل
أعلى الساق كما يشير إليه قول الصحاح، الركبة معروفة والمعروف أنها ما ذكر وبه رد قول القاموس
هي موصل ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق وكثيراً ما يقع للقاموس الخروج عن اللغة
لغيرها. (ثم قولوا) ثم بمعنى الواو وهي الواردة في خبر الطبراني أي اجثوا على الركب عند دعائكم
قائلين حالتئذ (يا رب) أعطنا (يا رب) أعطنا أي كرروا ذلك كثيراً فإن العبد إذا قال ذلك قال الله لبيك
عبدي سل تعط، هكذا رواه ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله تعالى عنها موقوفاً وخصه لما فيه من
معنی التربية والإصلاح وهذا تعلیم منه لأمته کیف يدعون ربهم و کیف یضرعون إليه، وتکریر یا رب

٢٠٥
حرف الهمزة
١٨٢ - ((أَجْرَؤُكُمْ عَلَى قَسْمِ الْجَدِّ أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ)). (ص) عن سعيد بن المسيب
مرسلاً.
١٨٣ - ((أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُنْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ)). الدارمي عن عبد الله بن أبي جعفر
مرسلاً.
من باب الابتهال وإعلام بما يوجب حسن الإجابة والإثابة من احتمال المشاق في دين الله والصبر على
صعوبة تكاليفه وقطع لأطماع الكسالى المتمنين عليه وتسجيل على من لا يرى الثواب موصولاً إليه
بالعمل بالجهل والغباوة ذكره الزمخشري. (تنبيه) قال ابن حجر: ذهب بعضهم إلى أن رب هو الاسم
الأعظم وقد أخرجه الحاكم من حديث أبي الدرداء وابن عباس بلفظ اسم الله الأكبر رب رب ووجهه
بعضهم بأنه الكفيل بتربية ذرات الوجود والمدر عليها أنواع الجود، ولم يخرج عن حضرة إحسان هذا
الاسم مؤمن ولا كافر ولا بر ولا فاجر بل أدر الأرزاق وأسدى الإحسان وعامل باللطف والامتنان
(أبو عوانة) الحافظ يعقوب في صحيحه (والبغوي) إمام السنة. وكذا الطبراني في الأوسط كلهم من
حديث عامر بن خارجة بن سعد عن أبيه (عن) جده (سعد) بن أبي وقاصّ قال: شكى قوم إلى
المصطفى ◌َ﴿ قحط المطر. فقال: ((اجثوا على الركب وقولوا يا رب يا رب)) ورفع السبابة إلى السماء
ففعلوا فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم، قال في الميزان في ترجمة عامر هذا: قال البخاري: فيه نظر
ثم ساق له هذا الخبر قال في اللسان وقد ذكره ابن حبان في الثقات فقال: يروي عن جده حديثاً منكراً
في المطر لا يعجبني ذكره، ثم أورد هذا الحديث بعينه وقال ابن حجر في غير اللسان: في سنده
اختلاف، وعامر بن خارجة ضعفه الذهبي وغيره ومن لطائف إسناده أنه من رواية الرجل عن أبيه عن
جده .
١٨٢ - (أجرؤكم) من الجرأة وهي الإقدام على الشيء (على قسم الجد) أي على الإفتاء أو الحكم
بتعيين ما يستحقه من الإرث (أجرؤكم على النار) أي أقدمكم على الوقوع فيها يوم القيامة تسوقه
الزبانية إليها لأن الجد يختلف ما يأخذه من فرض وتعصيب وثلث وسدس وتتفاوت مراتبه بحسب
القرب والبعد. وفي شأنه من الاضطراب ما يحير الألباب فمن تساهل وأقدم على القضاء أو الإفتاء
بقدر ما يستحقه بغير تثبت وتحقق فقد عرض نفسه للنار، ومن ثم نقل عن عمر أنه لما احتضر قال:
احفظوا عني لا أقول في الكلالة ولا في الجد شيئاً ولا أستخلف. وأخرج يزيد بن هارون عن ابن
سيرين عن عبيدة، قال: أني لأحفظ عن عمر في الجد مائة قضية كلها ينقض بعضها بعضاً. قال ابن
الأثير: وفي حديث علي من سره أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض في الجد أي يرمي بنفسه في معاظم
عذابها (ص عن سعيد بن المسيب) بفتح التحتية على الأشهر وتكسر (مرسلاً) هو المخزومي أحد
الأعلام رأس علماء التابعین وفردهم وأفضل فقهائهم حدث عن عمر وغيره وعنه الزهري وخلق رمز
لصحته .
١٨٣ - (أجرؤكم على الفتيا) بضم الفاء أي أقدمكم على إجابة السائل عن حكم شرعي من غير
تثبت وتدبر، والإفتاء بيان حكم المسألة قال في الكشاف الفتوى الجواب في الحادثة اشتقت على طريق

٢٠٦
حرف الهمزة
١٨٤ - ((أَجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ نَفَساً حَتَّى يَقْضِيَ الْمُتَوَضِّىءُ حَاجَتَهُ فِي مَهَلٍ،
وَيُفْرِغَ الْآكِلُ مِنْ طَعَامِهِ فِي مَهَلٍ)). (عم) عن أبي، أبو الشيخ في الأذان عن سلمان، وعن أبي
هريرة .
الاستعارة من الفتى في السن (أجرؤكم على النار) أقدمكم على دخولها لأن المفتي مبين عن الله حكمه
فإذا أفتى على جهل أو بغير ما علمه أو تهاون في تحريره أو استنباطه فقد تسبب في إدخال نفسه النار
لجرأته على المجازفة في أحكام الجبار ﴿الله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يوسف: ٥٩] قال
الزمخشري: كفى بهذه الآية زاجرة زجراً بليغاً عن التجوز فيما يسأل من الأحكام وباعثه على وجوب
الاحتياط فيها وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلّ بعد إتقان وإيقان ومن لم يوقن فليتق الله
وليصمت وإلّ فهو مفتر على الله تعالى انتهى. وقال ابن المنكدر: المفتي يدخل بين الله وبين خلقه
فلينظر كيف يفعل فعليه التوقف والتحرز لعظم الخطر. كان ابن عمر إذا سئل قال: اذهب إلى هذا
الأمير الذي تقلد أمر الناس فضعها في عنقه، وقال: يريدون أن يجعلونا جسراً يمرون علينا على جهنم
فمن سئل عن فتوى فينبغي أن يصمت عنها ويدفعها إلى من هو أعلم منه بها أو كلف الفتوى بها وذلك
طريقة السلف. وقال ابن مسعود: الذي يفتي عن كل ما يستفتى عنه مجنون. قال الماوردي: فليس لمن
تكلف ما لا يحسن غاية ينتهي إليها ولا له حد يقف عنده ومن كان تكلفه غير محدود فأخلق به أن يضل
ويضل. وقال الحكماء: من العلم أن لا تتكلم فيما لا تعلم بكلام من يعلم فحسبك خجلاً من نفسك
وعقلك أن تنطق بما لا تفهم وإذا لم يكن إلى الإحاطة بالعلم من سبيل فلا عار أن تجهل بعضه وإذا لم
يكن في جهل بعضه عار فلا تستحي أن تقول لا أعلم فيما لا تعلم. وقال ابن أبي ليلى: أدركت مائة
وعشرين صحابياً وكانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر حتى ترجع إلى الأوّل. قال حجة
الإسلام: فانظر كيف انعكس الحال، صار المرهوب منه مطلوباً والمطلوب مرهوباً وبما تقرر علم أنه
يحرم على المفتي التساهل وعليه التثبت في جوابه ولو ظاهراً فلا يطلق في محل التفصيل فهو خطأ وإذا
سئل عن قائل ما يحتمل وجوها كثيرة فلا يطلق بل يقول إن أراد كذا فكذا وينبغي أن لا يفتي مع وجود
شاغل لفكره كالقضاء (الدارمي) عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي في سنده المشهود له بالترجيح
المستحق لأن يسمى بالصحيح، قال الحافظ ابن حجر: مسند الدارمي ليس دون السنن في الرتبة بل لو
ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجة فإنه أمثل منه بكثير (عن عبيد الله) بالتصغير (ابن أبي جعفر
مرسلاً) هو أبو بكر المصري الفقيه أحد الأعلام والأئمة الكبار.
١٨٤ - (اجعل) بكسر فسكون يا بلال إذ الخطاب له كما جاء مصرحاً به في رواية البيهقي وغيره
(بين أذانك وإقامتك) للصلاة (نفساً) بفتح الفاء أي ساعة، قال الزمخشري: تقول أنت في نفس من
أمرك أي في سعة وتنفس الصبح وتنفس النهار طال (حتى) أي إلى أن (يقضي) أي يتم (المتوضىء)
يعني المتطهر أي الشارع في الطهر (حاجته) ويأتي بالشروط والفروض والسنن (في مهل) بفتح أوليه
بضبط المؤلف يعني بتؤدة وسكينة إذا تسع الوقت (و) حتى (يفرغ الآكل) بالمد وكسر الكاف (من) أكل
(طعامه في مهل) بأن يشبع فيندب للمؤذن أن يفصل عند اتساع الوقت بين الأذان والإقامة بقدر فعل

حرف الهمزة
٢٠٧
١٨٥ - ((أَجْعَلُوا آَخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً». (قد) عن ابن عمر (صح).
١٨٦ - ((أَجْعَلُوا أَئِمَتَكُمْ خِيَارَكُمْ؛ فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ)). (قط هق)
عن ابن عمر (ض).
المذكورات وقدر السنة والاجتماع، وهذا الحديث وإن كان واهي الإسناد له شواهد منها حديث
الترمذي عن جابر رفعه «اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه
والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته)) ومنها حديث أبي هريرة وغيره قال في الفتح: وكلها واهية وقد أشار
البخاري إلى أن التقدير بذلك لا يثبت. قال ابن بطال: لا حدّ لذلك غير تمكن دخول الوقت واجتماع
المصلين (عم) فيما زاد على المسند من غير أبيه من حديث أبي الجوزاء (عن أبي) بن كعب قال الهيتمي
وأبو الجوزاء: لم يسمع من أبي (أبو الشيخ) ابن حبان (في) كتاب (الأذان) والإقامة (عن سلمان)
الفارسي هو عبد الله أبو عثمان الهندي مات بالمدائن وعمره قيل ثلاثمائة وخمسين سنة والأكثر على
مائتين وخمسين سنة كما في الكاشف (وعن أبي هريرة) معا قال الترمذي: في إسناده مجهول، وقال
الحاكم: ليس في إسناده مطعون فيه غير عمرو بن فائد انتهى، قال الذهبي عمرو هذا قال الدار قطني
متروك وقال ابن عبد الهادي اتهمه المديني وذكره النووي في الأحاديث الضعيفة وحصر الحاكم منعه
الحافظ العراقي بأن فيها أيضاً عبد المنعم الرياحي منكر الحديث كما قال البخاري وغيره انتهى،
وبذلك كله يعلم ما في تحسين المؤلف له إلا أن يريد أنه حسن لغيره.
١٨٥ - (اجعلوا) من الجعل كما قال الحراني وهو إظهار أمر عن سبب وتصير (آخر صلاتكم
بالليل) يعني تهجدكم فيه (وتراً) بالكسر والفتح وهو الفرد وما لم يشفع من العدد والمراد صلاة الوتر،
وذلك لأن أوّل صلاة الليل المغرب وهي وتر فناسب كون آخرها وتراً، والأمر للوجوب عند أبي حنيفة
وللندب عند الشافعي بدليل ذكر صلاة الليل فإنها غير واجبة اتفاقاً فكذا آخرها، وخبر ((من لم يوتر
فليس منا)) معناه غير عامل بسنتنا وفيه الأمر بجعل صلاة الوتر آخر الليل فتأخيره إلى آخره أفضل لمن
وثق بانتباهه آخر الليل، وتقديمه لغيره أفضل كما يصرح به خبر مسلم ((من خاف أن لا يقوم من آخر
الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة أي تشهدها
ملائكة الرحمة)). وعلى التفصيل تحمل الأحاديث المطلقة كخبر ((أوصاني خليلي أن لا أنام إلّ على وتر))
(ق د) في الصلاة (عن ابن عمر) بن الخطاب وقضية صنيعه أنه لم يروه من الستة إلّ هؤلاء الثلاثة
والأمر بخلافة فإن النسائي رواه معهم.
١٨٦ - (اجعلوا) ندباً (أئمتكم) أي الذين يؤمون بكم في الصلاة (خياركم) أي قدموا للإمامة
أفضلكم بالصفات المبينة في كتب الفروع (فإنهم) أي الأئمة وفي لفظ فإنها (وفدكم) بفتح الواو
وسكون الفاء أي متقدموكم المتوسطون (فيما بينكم وبين ربكم) وكلما علت درجة المتوسط كان
أرجى للقبول وأقرب إلى إفاضة الرحمة وإدرار البر على المقتدين به. والوفد الجماعة المختارة من القوم
ليتقدموهم في لقي العظماء لقضاء المهمات ودفع الملمات، وذلك أن الإمام خليفة المصطفى وَل و إذ هو
الواسطة الأفخم والقائد الأعظم والإمام المقدّم يوم القيامة، فكذا هو إمامهم في وفادتهم في الدنيا في

٢٠٨
- حرف الهمزة
١٨٧ - (أَجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً)). (حم ق د) عن ابن
عمر (ع) والروياني والضياء عن زيد بن خالد، ومحمد بن نصر في الصلاة عن عائشة.
١٨٨ - ((أَجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْحَرَامِ سِتْراً مِنَ الْحَلَاَلِ، مَنْ فَعَلَ ذُلِكَ أَسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ
صلاتهم فالإمامة بعده للأقرب فالأقرب منه منزلة والأمثل فالأمثل به مرتبة وأجّل مراتب العباد وأعلى
منازلهم المعرفة بالله والخلق فيها صنفان: عارف في ذات الله وهو مقام الرسل والأنبياء وواصلي
الأولياء، وعارف بصفات الله وهو مقام خيار المؤمنين، فهم أحق بالتقدم بالإمامة فيقدم ندباً في
الإمامة العدل على الفاسق ثم الأفقه ثم الأقرأ ثم الأورع ثم الأسبق إسلاماً: ثم الأسن ثم النسيب ثم
الأحسن ذكراً ثم الأنظف ثوباً ثم الأحسن صوتاً ثم الأحسن صورة ذكره الشافعية .- (قط هق) وضعفه
كما في الكبير عنه كلاهما من حديث سعيد بن جبير (عن ابن عمر) بن الخطاب رمز المصنف لحسنه
وليس كما قال فقد أعله الدارقطني بأن فيه عمرو بن يزيد قاضي المدائن وسلام بن سليمان بن
سوار بن المنذر، قال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه انتهى، قال الذهبي في المهذب: إسناده
ضعيف وفي التنقيح سنده مظلم اهـ. وسبقه لنحوه عبد الحق وابن القطان وغيرهما .
١٨٧٠ - (اجعلوا من صلاتكم) أي بعضها قال الطيبي: من تبعيضية، وهو مفعول أوّل لاجعلوا
والثاني (في بيوتكم) أي اجعلوا بعض صلاتكم التي هي النفل مؤداة في بيوتكم، فقدم الثاني للاهتمام
بشأن البيوت إذ من حقها أن يجعل لها نصيب من الطاعات انتهى، وقيل من زائدة كأنه قال اجعلوا
صلاتكم النفل في بيوتكم لتعود بركتها على البيت وأهله ولتنزل الرحمة فيها والملائكة ويكثر خيرها
ويفر منها الشيطان. فالنفل في البيت أفضل منه في المسجد ولو الحرام إلا ماسن جماعة وركعتا الطواف
والإحرام وسنة الجمعة القبلية، وقيل أراد بالصلاة الفرض ومعناه اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم
ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نحو امرأة ومريض والجمهور على الأوّل لقوله في حديث مسلم
إذا قضى أحدكم الصلاة في المسجد فليجعل لبيته نصيباً من صلاته (ولا تتخذوها قبوراً) أي كالقبور
مهجورة من الصلاة شبه البيوت التي لا يصلى فيها بالقبور التي لا يمكن الموتى التعبد فيها (حم ق د)
وكذا ابن ماجه كلهم في الصلاة (عن ابن عمر) بن الخطاب (ع والروباني) محمد بن هارون الحافظ
وليس بالفقيه الشافعي (والضياء) المقدسي في المختارة كلهم (عن) أبي عبد الرحمن (زيد بن خالد)
الجهني بضم الجيم وفتح الهاء وكسر النون صحابي مشهور وكان معه لواء جهينة يوم الفتح (ومحمد بن
نصر) الفقيه الكبير أحد رفعاء الشافعية وعظمائهم (في) كتاب (الصلاة) وهو مؤلف مستقل حافل (عن
عائشة) الصديقة رضي الله عنها ومع وجود الحديث في الصحيحين لا حاجة لعزوه لغيرهما اللهم إلاّ أن
يكن قصده إثبات تواترة
١٨٨ - (اجعلوا بينكم وبين الحرام ستراً) أي وقاية (من الحلال) وهو واحد الستور. قال
الزمخشري: من المجاز رجل مستور وهتك الله ستره اطلع على مساويه وفلان لا يستتر من الله بستر أي
لا يتقي الله فإن (من فعل ذلك) أي جعل بينه وبين الحرام ستراً فقد (استبرأ) بالهمز وقد تخفف طلب
البراءة (لعرضه) بصونه عما يشينه ويعيبه. وفي مختار الاستبراء عبارة عن التبصر والتعرّف احتياطاً

٢٠٩
حرف الهمزة
وَدِينِهِ، وَمَنْ أَرْتَعَ فِيهِ كَانَ كَالْمُرْتِعِ إِلَى جَنْبِ الْحِمَى يُوشِكَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ
حِمَّى، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي الأَرْضِ مَحَارِمُهُ». (حب طب) عن النعمان بن بشير (صح).
١٨٩ - ((أَجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّارِ حِجَاباً، وَلَوْ بِشِقُّ تَمْرَةِ)). (طب) عن فضالة بن
عبيد (ح).
(ودينه) عن الذم الشرعي والعرض بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان كما قاله بعض
الأعيان. قال الزمخشري: تقول اعترض فلان عرضي إذا وقع فيه وتنقصه ومن عم کالشهاب ابن حجر
الهيتمي، أن المراد هنا الحسب وما يعده الإنسان من مفاخره ومفاخر آبائه فكأنه نقله من لغة غير ناظر
إلى ما يلائم السياق في هذا المحل بخصوصه. ومقصود الحديث أن الحلال إذا خيف أن يتولد من فعله
قصور شرعي في نفسه أو أهله أو سلفه تعين تجنبه ليسلم من الذم والعيب والعذاب ويدخل في زمرة
المتقين (ومن ارتع فيه) أي أكل ما شاء وتبسط في المطاعم والملابس كيفما أحب، يقال: رتعت الماشية
أكلت ما شاءت. قال الزمخشري: من المجاز رتع القوم أكلوا ما شاءوا في رغد وسعة (كان المرتع) بضم
الميم وكسر التاء (إلى جنب الحمى) أي جانبه من إطلاق المصدر على المفعول أي المحمي وهو الذي لا
يقربه أحد احتراماً لمالكه. وقال الراغب: وأصل الجنب الجارحة ثم يستعار في الناحية التي تليها
كعادتهم في استعمال سائر الجوارح لذلك نحو اليمين والشمال: وقال الزمخشري: حميت المكان منعته
أن يقرب فإذا امتنع وعز قلت أحميته أي صيرته حمى فلا يكون حى إلّ بعد الحماية، ومن المجاز حميته
من يفعل كذا إذا منعته (يوشك) بضم المثناة تحت وكسر المعجمة مضارع أوشك بفتحها وهو من أفعال
المقاربة وضع لدنو الخبر مثل كاد وعسى في الاستعمال فيجوز أوشك زيد يجيء وأوشك أن يجيء زيد
على الأوجه الثلاثة وبناه هنا يسرع أو يقرب (أن يقع) بفتح القاف فيه وفي ماضيه (فيه) أي تأكل ماشيته
منه فيعاقب والوقوع في الشيء السقوط فيه وكل سقوط شديد يعبر عنه به فكما أن الراعي الخائف من
عقوبة السلطان ببعد لاستلزام القرب الوزع المترتب عليه العقاب فكذا حمى الله أي محارمه التي حظرها
لا ينبغي قرب حماها ليسلم من ورطتها ومن ثم قال له تعالى ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾
[البقرة: ١٨٧] فنهى عن المقاربة حذراً من المواقعة إذ القرب من الشيء يورث الدعة ويأخذ بمجامع
القلب ويلهيه عما هو مقتضى الشرع، وقد حرمت أشياء كثيرة لا مفسدة فيها لكونها تجر إليها (إن لكل
ملك) من ملوك العرب (حمى) يحميه عن الناس فلا يقربه أحد خوفاً من سطوته كان الواحد من
أشرافهم إذا أراد أن يترك لقومه مرعى استعوى كلباً فما بلغه صوته من كل جهة حظره على غيره (وإن
حمى الله في الأرض) ورواه في أرضه (محارمه) معاصيه کما في رواية أبي داود من دخل حماه بارتكاب
شيء منها استحق العقوبة ومن قاربة شك أن يقع فيه فالمحتاط لنفسه ولدينه لا يقاربه ولا يفعل ما
يقربه منه وهذا السياق من المصطفى وَ ه إقامة برهان عظيم على تجنب الشبهات (حم طب عن
النعمان بن بشير) لم يرمز المصنف له بشيء وسها من زعم أنه رمز لحسنه قال الهيتمي رجاله رجال
الصحيح غير شيخ الطبراني المقدام بن داود وقد وثق على ضعف فيه.
١٨٩ - (اجعلوا بينكم وبين النار حجاباً) أي ستراً وحاجزاً منيعاً فتنكير الحجاب للتعظيم (ولو
فيض القديرج١ م١٤

٢١٠
حرف الهمزة
١٩٠ - ((أَجِلُوا اللَّهَ يَغْفِرْ لَكُمْ)). (حم ع طب) عن أبي الدرداء (ح).
١٩١ - ((أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ كُلّ مُيَسَّرٌ لِمَا كُتِبَ لَهُ مِنْهَا)). (هـ ك طب هق)
عن أبي حميد الساعدي.
بشق تمرة) أي بشطر منها والحجاب جسم حائل بين شيئين وقد استعمل في المعاني، فيقال: العجز
حجاب بين العبد وقصده، والمعصية حجاب بينه وبين ربه وفيه حث على الصدقة وهي سنة كل يوم،
ولو بما قلّ كبعض تمرة أو الماء ويتأكد لمن يخص وقتاً بالصدقة أن يتحرى الأوقات والأزمان الشريفة
والأماكن الفاضلة ويتأكد أن يكون التصدق بطيب قلب وبشاشة وأن يكون من الحلال الصرف فإن الله
طيب لا يقبل إلا طيباً، وذلك هو الذي يكون وقاية من النار (طب عن فضالة) بفتح الفاء والمعجمة
(ابن عبيد) مصغراً شهد أحداً والحديبية وولي قضاء دمشق رمز المؤلف لحسنه وليس على ما ينبغي فقد
أعله الهيتمي وغير بابن لهيعة لكن يعضده ما رواه أحمد من حديث عائشة، قال: في الفتح بإسناد
حسن ((يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة لأنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان)) وكان الجامع
بينهما في ذلك حلاوتها .
١٩٠ - (أجلوا) بالجيم وتشديد اللام (الله) المستوجب لجميع صفات الجلال والكمال، أي
عظموه باللسان والجنان والأركان أو اعتقدوا جلالته وعظمته وأظهروا صفاته الجلالية والجمالية
والکمالية وتخلقوا بها بحسب الإمکان ومن قال معناه قولوایاذا الجلال فقد قصر حيث قصر ، وروي
بحاء مهملة أي أسلموا هكذا في مسند أحمد عن ابن ثوبان، يعني اخرجوا من حظر الشرك إلى حل
الإسلام وسعته من قولهم حل الرجل إذا خرج من الحرم إلى الحل فإنكم إن فعلتم ذلك (يغفر لكم)
ذنوبكم وحذف المفعول إيذاناً بالعموم ومن إجلاله أن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر كيف وهو
يرى ويسمع ومن قام بقلبه مشهد الإجلال فهو من أهل الكمال (حم ع طب) وكذا في الأوسط
والحاكم في الكبير وأبو نعيم (عن أبي الدرداء) قال الحافظ الهيتمي فيه أبو العذراء مجهول وبقية رجال
أحمد وثقوا وزعم ابن الأثير انه موقوف
١٩١ - (أجملوا) بهمزة قطع مفتوحة فجيم ساكنة فميم مكسورة (في طلب الدنيا) أي اطلبوا
الرزق طلباً جميلاً بأن ترفقوا أي تحسنوا السعي في نصيبكم منها بلا كد وتكالب وإشفاق قال الزمخشري
اجمل في الطلب إذا لم يحرص والدنيا ما دنا من النفس من منافعها وملاها وجاهها عاجلاً فلم يحرم
الطلب بالكلية لموضع الحاجة بل أمر بالاجمال فيه وهو ما كان جميلاً في الشرع محموداً في العرف فيطلب
من جهة حله ما أمكن. ومن إجماله اعتماد الجهة التي هيأها الله ويسرها له ويسره لها فيقنع بها ولا
يتعداها ومنه أن لا يطلب بحرص و قلق وشره ووله حتى لا ينسى ذكر ربه ولا يتورط في شبة فيدخل
فيمن اثنى الله تعالى عليهم بقوله تعالى ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ [النور: ٣٧]
الآية ثم بين وجه الأمر بذلك بقوله فإن كلم أي كل أحد من الخلق (ميسر) كمعظم أي مهيأً مصروف
(لما كتب) قدر (له منها) يعني الرزق المقدر له سيأتيه فإن الله تعالى قسم الرزق وقدره لكل أحد بحسب
إرادته لا يتقدم ولا يتأخر ولا يزيد ولا ينقص بحسب علم الأزل وإن كان يقع ذلك بتبديل في اللوح أو

٢١١
حرف الهمزة
١٩٢ - ((أَجْوَعُ النَّاسِ طَالِبُ الْعِلْمِ، وَأَشْبَعُهُمْ الَّذِي لاَ يَبْتَغِيِهِ)). أبو نعيم في كتاب
العلم (فر) عن ابن عمر.
الصحف بحسب تعليق بشرط وقال اجملوا وما قال اتركوا إشارة إلى أن الإنسان وإن علم أن رزقه
المقدر له لا بد له منه لكن لا يترك السعي رأساً فإن من عوائد الله تعالى في خلقه تبق الأحكام بالأسباب
وترتيب الحوادث على العلل وهذه سنته في خلقه مطردة وحكمته في ملكه مستمرة وهو وإن كان قادراً
على إيجاد الأشياء اختراعاً وابتداعاً لا بتقدیم سبب وسبق علة بأن یشبع الإنسان بلا أكل ویرویه بلا
شرب وينشىء الخلق بدون جماع لكنه أجرى حكمته بأن الشبع والري والولد يحصل عقب الطعم
والشرب والجماع. أجملوا إيذاناً بأنه وإن كان هو الرزاق لكنه قدر حصوله بنحو سعي رفيق وحالة
كسب من الطلب جميلة فجمع هذا الخبر بالنظر إلى السبب والمسبب والمسبب له وذلك هو الله والرزق
والعبد والسعي وجمع بين المسبب والسبب لئلا يتكل من تلبس بأهل التوكل وليس منهم فيهلك بتأخر
الرزق فربما أوقعه في الكفر ولئلا ينسب الرزق لسعيه فيقع في الشرك فقرن في الخطاب بين تعريف
اعتلاق الأشياء بالمسبب اعتلاقاً أصلياً واعتلاقها بالسبب اعتلاقاً شرعياً ليستكمل العبد حالة الصلاح
مستمرة وتثبت له قضية الفلاح مستقرة وقد عرف مما سبق أن من اجتهد في طلب الدنيا وتهافت عليها
شغل نفسه بما لا يجدي وأتعبها فيما لا يغني ولا يأتيه إلا المقدور فهو فقير، وإن ملك الدنيا بأسرها
فالواجب على المتأدب بآداب الله تعالى أن يكل أمره إلى الله تعالى ويسلم له ولا يتعدى طوره ولا يتجرأ.
على ربه ويترك التكلف فإنه ربما كان خذلاناً ويترك التدبير فإنه قد يكون هواناً:
والَرْءُ يُرْزَقُ لا مِنْ حَيْثُ حِيلَتُهُ ويُصرفُ الرِّزْقُ عَنْ ذي الحِيلِةِ الدَّاهي
وقال بزرجمهر: وكل الله تعالى الحرمان بالعقل والرزق بالجهل ليعلم أنه لو كان الرزق بالحيل
لكان العاقل أعلم بوجوه مطلبه والاحتيال لكسبه التقي ملكان فتساءلا فقال أحدهما أمرت بسوق
حوت اشتهاه فلان اليهودي، وقال الآخر: أمرت باهراق زيت اشتهاه فلان العابد (٥ ك طب هق عن
أبي حميد) عبد الرحمن بن المنذر (الساعدي) بكسر العين المهملة قال ك على شرطهما وأقره الذهبي لكن
فيه هشام بن عمار أورده هنا أعني الذهبي في ذيل الضعفاء، وقال أبو حاتم: صدوق تغير فكان كلما
لقن تلقن، وقال أبو داود: حدث بأرجح من أربعمائة حديث لا أصل لها وإسماعيل بن عياش أورده
في الضعفاء وقال: مختلف فيه وليس بقوي وعمارة بن غذية أورده في الذيل أيضاً وقال: ثقة ضعفه ابن
حزم.
١٩٢ - (أجوع الناس طالب علم وأشبعهم الذي لا يبتغيه) أي طالب العلم المتلذذ بفهمه لا
يزال يطلب ما يزيد التذاذه فكلما طلب ازداد لذة فهو يطلب نهاية اللذة ولا نهاية لها فهو يشارك غيره
في الجوع غير أن ذلك الغير له نهاية وهذا لا نهاية له فلذلك كان أجوع. قال الإمام الرازي: واللذة
إدارك الملائم والملائم للقوة الحساسة إدراك المحسوسات وللقوة العقلية إدراك المعقولات التي هي
العلوم والمعارف وإدراك القوى العاقلة أقوى من إدراك القوى الحساسة وكلما كان الإدراك أقوى
والمدرك أشرف كانت اللذة الحاصلة بذلك الإدراك أشرف وأقوى وكانت النفوس الفاضلة عليها

٢١٢
حرف الهمزة
١٩٣ - ((أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّغْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا)). (ق) عن ابن عمر.
١٩٤ - ((أَجِيبُوا الدَّاعِيَ، وَلاَ تَرُدُّوا الْهَدِيَّةَ، وَلاَ تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ)).
(حم حد طب هب) عن ابن مسعود.
أحرص. وإليها أشوق؛ وأصل الجوع كما قال الحراني: غلبة الحاجة إلى الغذاء على النفس حتى يترامى
لأجله فيما لا يتأمل عاقبته فإذا كان على غير غلبة مع حاجة فهو الفرث، وقيل الجوع فراغ الجسم عما
به قوامه وقيل الألم الذي ينال الحيوان من خلو المعدة عن الطعام؛ وكيفما كان فاستعماله في العلم
مجاز. قال الزمخشري: ومن المجاز جاع وشاحها للحصان وفلان جائع القدر وإني لأجوع إلى أهلي
وأعطش وأنك جائع إلى فلان وإنما كان أشبعهم الذي لا يبتغيه لغلبة الطبع البهيمي عليه واشتغاله
باللذات الحسية التي تشاركه فيها البهائم وعدم إدراكه اللذات العقلية بالكلية (أبو نعيم في كتاب العلم
فر عن ابن عمر بن الخطاب قال في الكبير وضعف: وذلك لأن فيه الجارود عن الحسن بن الفضل
وأورد الذهبي الحسن هذا في الضعفاء وقال: مزقوّا حديثه وفي الميزان حرقوا حديثه وفي اللسان قال
ابن حزم مجهول وابن البيلماني ضعفه الدار قطني وغيره.
١٩٣ - (أجيبوا هذه الدعوة) أي دعوة وليمة العرس إذ هي المعهودة عندهم فقوله هذه أي التي
تعرفونها وتتبادر الأذهان إليها (إذا دعيتم لها) وتوفرت شروط الإجابة وهي نحو عشرين منها عموم
الدعوة وكون الداعي حراً رشيداً مكلفاً مسلماً على الأصح وأن يخص باليوم الأوّل على المشهور وأن لا
يسبق والأقدم السابق وأن لا يكون ثم من يتأذى بحضوره من منكر وعدو وغيرهما وأن لا يكون له
عذر وضبطه الماوردي بما يرخص في ترك الجماعة، أما الدعوة لغير وليمة عرس فستجيء وقد نقل
النووي كابن عبد البر الإجماع على وجوب الإجابة إلى وليمة العرس عند توفر الشروط (ق عن ابن
عمر) رضي الله تعالى عنهما وتتمته كما في البخاري وكان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغيره وهو
صائم.
١٩٤ - (أجيبوا الداعي) الذي يدعوكم إلى وليمة وجوباً إن كانت لعرس وتوفرت الشروط كما
مر وندباً إن كانت لغيره مما يندب أن يولم له. وهذا بناء على جواز استعمال اللفظ في الإيجاب والندب
معاً ولا مانع منه عند الشافعي، وحمله غيره على عموم المجاز ذكره الكرماني. قال ابن حجر: ويحتمل
أنه وإن كان عاماً فالمراد به خاص، وأما ندب إجابة غير العرس فمن دليل آخر (ولا تردوا) ندباً
(الهدية) فإنها وصلة إلى التحابب، نعم يحرم قبولها على القاضي كما في خبر آخر أي من له حكومة ولو
متوقعة ولم تعهد منه قبل ولايته وهو في محل ولايته ويكره لكل أحد قبولها من الأراذل والأخلاط الذين
الباعث لهم عليها طلب الاستكثار كما أشار إليه المصطفى و له في عدة أخبار وهي لغة ما اتحف به
وشرعاً تمليك ما يحمل أي يبعث غالباً بلا عوض (ولا تضربوا المسلمين) في غير حد أو تأديب بل
تلطفوا معهم بالقول والفعل وقد عاش المصطفى ◌َفي ما عاش وما ضرب بيده خادماً ولا عبداً ولا أمة
فالعفو أقرب للتقوى، فضرب المسلم حرام بل كبيرة والتعبير بالمسلم غالبي فمن له ذمة أو عهد معتبر

٢١٣
حرف الهمزة
١٩٥ - ((أَجِيفُوا أَبْوَابَكُمْ، وَأَكْفِئُوا آنِيَتَكُمْ، وَأَوْكِتُوا أَسْقِيَتَكُمْ، وَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ فَإِنَّهُمْ
لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ بِالثَّسَؤُّرِ عَلَيْكُمْ)). (حم) عن أبي أمامة.
١٩٦ - ((أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الصَّلَةُ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ)). (حم ق د ن) عن ابن مسعود (صح).
يحرم ضربه تعدياً (حم حد طب هب عن ابن مسعود) عبد الله قال الحافظ الهيتمي: رجال أحمد رجال
الصحيح انتهى، فكان حق المؤلف الرمز لصحته ولا يقتصر على تحسينه.
١٩٥ - (أجيفوا) بفتح الهمزة وكسر الجيم ردوا وأغلقوا يقال جفأت الباب غلقته قاله الفراء
ونوزع بأن أجیفوا لامه فاء وجفات لامه همزة (أبوابکم) مع ذكر الله تعالى (وأکفئوا) قال عیاض رویناه
بقطع الألف المفتوحة وكسر الفاء رباعي وبوصلها وفتح الفاء وهما فصيحتان (آنيتكم) اقلبوها ولا
تتركوها للعق الشيطان ولحس الهوام، قال الزمخشري: كفأ الإناء قلبه على فمه واستكفأته طلبت منه
أن يكفىء ما في إنائه، (وأوكئوا) بكسر الكاف ثم همزة اربطوا (أسقيتكم) جمع سقاء ككساء ظرف الماء
من جلد يعني شدوا فم القربة بنحو خيط واذكروا اسم الله تعالى، (وأطفئوا) بهمزة وصل أمر من
الإطفاء (سرجكم) أي اذهبوا نورها جمع سراج ككتاب يعني اطفؤا النار من بيوتكم عند النوم وهذا
وإن كان مطلوباً في الأوقات كلها لكنه في الليل آكد لأن النهار عليه حافظ من العيون بخلاف الليل
حتى فتيلة السراج، (فإنهم) يعني الشياطين، ولم يذكروا استهجاناً لذكرهم ومبالغة في تحقيرهم وذمهم
(لم يؤذن لهم) ببناء يؤذن للمفعول والفاعل الله (بالتسور) أي التسلق (عليكم) أي لم يجعل الله تعالى
لهم قدرة على ذلك أي إذا ذكر اسم الله تعالى عند كل ما ذكر لخبر أبي داود واذكروا اسم اللهِ، فإن
الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً قال ابن العربي وهذا من القدرة التي لا يؤمن بها إلا الموحد وهو أن يكون
الشيطان يتصرف في الأمور الغريبة ويتولج في المسام الضيقة فيعجز عن ذلك والأمر للإرشاد على ما
قاله النووي وقال غير للندب وقال ابن دقيق العيد والخبر يدل على منع دخول الشيطان الخارج لا
الداخل قال واستنبط منه مشروعية غلق الفم عند التثاوب لدخوله في الأبواب مجازاً (حم) وكذا أبو
يعلى (عن أبي أمامة) الباهلي قال الهيتمي رجاله ثقات انتهى، ورمز المؤلف لحسنه غير حسن بل حقه
الرمز لصحته .
- باب الهمزة مع الحاء المهملة
١٩٦ - (أحب الأعمال إلى الله) أي أكثرها ثواباً عند الله تعالى ﴿الصلاة لوقتها﴾ اللام لاستقبال
الوقت أو بمعنى في، لأن الوقت ظرف لها على وازن ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾
[الأنبياء: ٤٧] أي فيه وفي رواية للبخاري: على وقتها وعلى فيها بمعنى ما ذكر أو للاستعلاء على
الوقت والتمكن من أداء الصلاة في أي جزء کان في أجزائه، وفي رواية للحاكم: في أوّل وقتها قال في
المجموع وهي ضعيفة قال في الفتح لكن لها طرق أخرى، وأخذ منه ابن بطال كغيره أن تعجيل الصلاة
أوّل وقتها أفضل لاشتراطه في كونها أحب إقامتها أوله، وقول ابن دقيق العيد ليس في اللفظ ما يقتضي

٢١٤
حرف الهمزة
١٩٧ - ((أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ)). (ق) عن عائشة.
٠٠
أولاً ولا آخراً بل القصد التحرز عن إخراجها عن وقتها منع بأن إخراجها محرم ولفظ أحب يقتضي
المشاركة في الندب واعترض، (ثم بر الوالدين) أي الإحسان إليهما وامتثال أمرهما الذي لا يختلف
الشرع ومن برهما بر صديقهما ولو بعد موتهما، والبر التوسع في الخير من البر وهو الفضاء الواسع.
والوالدين تثنية والد من الولادة لاستبقاء ما يتوقع زواله بظهور صورة منه بخلق صورة نوعه ذكره
الحراني، والمراد بهما هنا من له ولادة من الطرفين وإن علا يقدم الأقرب فالأقرب والأحوج فالأحوج
وعقب الصلاة بالبر اقتداء بقوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً﴾ [النساء: ٣٦] الآية ولأن
الصلاة أعظم الوصل بين العبد وربه وبر الوالدين أعظم الوصل بين العبد والخلق فأولى الأعظم
للأعظم (ثم الجهاد في سبيل الله) أي قتال الكفار لإعلاء كلمة الجبار وإظهار شعار دينه والجمع بين هذا
وأخبار إطعام الطعام خير أعمال الإسلام وأحب الأعمال إلى الله أدومها. وغير ذلك أن المصطفى واله
كان يجيب كلا بما يوافقه ويصلحه أو بحسب الوقت أو الحال وقد تعارضت النصوص في تفضيل
الصلاة على الصدقة والذي عليه الجمهور أن الصلاة أفضل لكن قد يعرض حال يقتضي مواساة مضطر
فتكون الصدقة أفضل وقس عليه قال في المطامح وأخر الجهاد مع أن فيه بذل النفس لأن الصبر على أداء
الصلاة أوّل وقتها وعلى ملازمة برهما أمر متكرر دائم بدوامٍ الأنفاس ولا يصبر على مراقبة أمر الله تعالى
فيه إلا الصديقون أو لأن فضل الجهاد يكاد يكون بديهياً إذ لا تنتظم العبادات والعادات إلا به فلما
استقل بمنزلته وعرف بدرجته اهتم الشارع ببيان ما قد يخفى من شأن غيره تحقيقاً لمراتب الأعمال
والعبادات وترغيباً في الجد في الطاعات، ثم معنى المحبة من الله تعالى تعلق الإرادة بالثواب ومن غيره
غليان دم القلب وثورانه عند هيجانه إلى لقاء محبوبه أو الميل الدائم بالقلب الهائم أو إيثار المحبوب على
جميع المصحوب أو سكون بلا اضطراب واضطراب بلا سكون أو ثبات القلب على أحكام الغرام
واستلذاذ العذل فيه إذا زاد. (تنبيه) إن قيل ما الحكمة في تعبيره بالأعمال دون الأفعال؟ قلنا وجهه أن
الفعل عام يقال لما كان بإجادة وغيرها وما كان بعلم وغيره وبقصد وغيره ومن الإنسان وغيره
كالحيوان والجماد، والعمل لا يقال إلا لما كان بإجادة وتعلم وبقصد من الآدمي كما ذكره الراغب،
وقال بعضهم العمل مقلوب عن العلم فإن العلم فعل القلب والعمل فعل الجارحة وهو يبرز عن فعل
القلب الذي هو العلم وينقلب منه (حم ق د ن ٥) كلهم (عن ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه ورواه
عنه أيضاً ابن حبان وغيره.
١٩٧ - (أحب الأعمال إلى الله) أي عند الله فإلى بمعنى عند وقيل للتبيين لأن إلى المتعلقة بما
يفهم حباً أو بغضاً من فعل تعجب أو تفضيل معناها التبيين كما ذكره ابن مالك وابن هشام (أدومها)
أي أكثرها ثواباً أكثرها تتابعاً ومواظبة ولفظ رواية مسلم ما دووم عليه كذا هو في أكثر أصوله بواوين
وفي بعضها بواو واحدة والصواب الأوّل. قال الكرماني: وأدوم أفعل تفضيل من الدوام وهو شمول
جميع الأزمنة على التأبيد، فإن قيل شمول جميع الأزمنة لا يقبل التفضيل فما معنى الأدوم؟ قلت المراد
بالدوام العرفي وهو قابل للكثرة أو القلة (وإن قل) ذلك العمل المداوم عليه جداً لأن النفس تألفه
: ٠٠

٢١٥
حرف الهمزة
١٩٨ - ((أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ). (حب) وابن
السني في عمل يوم وليلة (طب هب) عن معاذ.
١٩٩ - ((أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَيَّ مَنْ أَطْعَمَ مِسْكِيناً مِنْ جُوعٍ، أَوْ دَفَعَ عَنْهُ مَغْرِماً أَوْ كَشَفَ
فيدوم بسببه الإقبال على الحق تقدس ولأن تارك العمل بعد الشروع كالمعرض بعد الوصل ولأن
المواظب ملازم للخدمة وليس من لازم الباب كمن جد ثم انقطع عن الأعتاب، ولهذا قال بعض
الأنجاب ولا تقطع الخدمة وإن ظهر لك عدم القبول وكفى بك شرفاً أن يقيمك في خدمته ولا أن
المداوم يدوم له الإمداد من حضر قرب العباد. ولذلك شدد الصوفية النكير على ترك الأوراد وفيه
فضيلة الدوام على العمل ورأفة المصطفى ◌َّفر بأمته حيث أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم
الدوام عليه بلا مشقة لأن النفس فيه انشط وبه يحصل مقصود العمل وهو الحضور، وهذا عصارة ما
قيل في توجيه الدوام في هذا المقام وأقول يحتمل أن يكون المراد بالدوام الترفق بالنفس وتدريبها في
التعبد لئلا تضجر فيكون من قبيل إن لجسدك عليك حقاً. يقال: استدمت الأمر ترفقت به وتمهلت
واستدمت غريمي رفقت به (ق عن عائشة) رضي الله عنها ورواه أحمد (بلفظ أحب الأعمال إلى الله ما
داوم عليه صاحبه وإن قل)) والله أعلم.
١٩٨ - (أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك) أي والحال أن لسانك (رطب من ذكر الله)
يعني أن تلازم الذكر حتى يحضرك الموت وأنت ذاكر فإن للذكر فوائد جليلة وعوائد جزيلة وتأثيراً
عجيباً في انشراح الصدر ونعيم القلب وللغفلة تأثير عجيب في ضد ذلك. قال الطيبي: ورطوبة
اللسان عبارة عن سهولة جريانه كما أن يبسه عبارة عن ضده؛ ثم إن جريان اللسان حينئذٍ عبارة عن
إدامة الذكر قبل ذلك، فكأنه قيل أحب الأعمال إلى الله تعالى مداومة الذكر فهو من أسلوب قوله
تعالى ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [البقرة: ١٣٢] انتهى، وقال بعض الصوفية أراد بالرطب عدم
الغفلة فإن القلب إذا غفل ييس اللسان. قال الزمخشري: ومن المجاز رطب لساني بذكرك وأصل
الرطوبة كما قال ابن سينا كيفية تقتضي سهولة التفرق والاتصال والتشكل وضدها اليبوسة والبلة
الرطوبة الغريبة الجارية على ظاهر الجسم والجفاف عدم البلة عما من شأنه أن يبتل انتهى، وفي الحديث
حث على الذكر حيث علق به حكم الاحبية وكل مؤمن يرغب في ذلك كمال الرغبة ليفوز بهذه المحبة
فتتأكد مداومة ذكر الله تعالى في جميع الأحوال لكن يستثنى من الذكر القرآن حال الجنابة بقصده فإنه
حرام، ويستثنى من عمومه أيضاً المجامع وقاضي الحاجة فيكره لهما الذكر اللساني أما القلبي.
فمستحب على كل حال (حب وابن السني في عمل يوم وليلة طب هب عن معاذ) بن جبل قال: آخر
كلام فارقت عليه رسول الله ﴿ أن قلت أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال أن تموت إلى آخره، قال
الهيتمي: بعد ما عزاه للطبراني فيه خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك ضعفه جمع ووثقه أبو
زرعة وبقية رجاله ثقات والمؤلف رمز لصحته تبعاً لابن حبان.
١٩٩ - (أحب الأعمال) التي يفعلها أحدكم مع غيره (إلى الله من) أي عمل إنسان (أطعم)
محترماً (مسكيناً) أي مضطراً إلى الطعام (من جوع) قدمه على ما بعده لأنه سبب لحفظ حرمة الروح (أو

٢١٦
حرف الهمزة
عَنْهُ كَرباً)). (طب) عن الحكم بن عمير (ض).
٢٠٠ - ((أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ - بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ - إِذْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُسْلِمِ)).
(طب) عن ابن عباس.
٢٠١ - ((أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ حِفْظُ اللِّسَانِ)». (هب) عن أبي جحيفة (ض).
٢٠٢ - ((أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الْحُبُّ فِي اللّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ». (حم) عن أبي
ذر (ح).
دفع عنه مغرماً) أي ديناً بأداء أو إبراء أو إنظار إلى ميسرة والمراد ما استدانه فيما يحل أو ألزم به ولم يلزم
به ولم يلزمه وعطف عليه عطف عام على خاص قوله (أو كشف عنه كرباً) غما أو شدة أي أزاله عنه
والكرب كما في الصحاح الغم الذي يأخذ بالنفس. (فائدة) قال الفخر الرازي: جاءت امرأة إلى بعض
أكابر الصوفية بزيت وقالت أسرجه في المسجد! فقال: أيما أحب إليك: نور يصعد إلى السقف أو نور
يصعد إلى العرش؟ قالت بل إلى العرش، قال إذا صب في القنديل صعد نوره إلى السقف وإذا صب في
طعام فقير جائع صعد النور إلى العرش ثم أطعمه الفقراء (طب عن الحكم بن عمير) فيه سليمان بن
سلمة الجنائزي وهو ضعيف انتھی ولکن له شواهد.
٢٠٠ - (أحب الأعمال إلى الله بعد أداء الفرائض) أي بعد أداء الفرائض العينية من صلاة وزكاة
وصوم وحج (إدخال السرور) أي الفرح (على المسلم) بأن تفعل معه ما يسره من تبشيره بحدوث نعمة
أو اندفاع نقمة أو كشف غمة أو إغاثة لهفة أو نحو ذلك من أنواع المسرة. قال الزمخشري: والسرور
لذة القلب عند حصول نفع أو توقعه، وأما الفرائض فليس شيء أحب إلى الله من أدائها مع أنها لا
تنفعه ولا تضره وإنمّا أوجبها علينا لمصلحتنا ولسنا نقول كما قال من عدل به عن طريق الهدى أنه
يجب على الله رعاية مصالح عباده بل إن هذا دعاة الحق وشرعته (طب) وكذا في الأوسط (عن ابن
عباس) لم يرمز المصنف له بشيء. قال الهيتمي: فيه إسماعيل بن عمر البجلي وثقه ابن حبان وضعفه
غيره انتهى، وقال الحافظ العراقي: سنده ضعيف.
٢٠١ - (أحب الأعمال إلى الله حفظ اللسان) أي صيانته عن النطق بما نهى عن من نحو كذب
وغيبة ونميمة وغيرها. واللسان إذا لم يحفظ أفسد القلب وبفساده يفسد البدن كله، ولهذا قيل في
صحف إبراهيم على العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه حافظاً للسانه، ومن حسب كلامه
من عمله قل نطقه إلا بما يعنيه، قال الراغب: والحفظ يقال تارة لهيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي
إليه الفهم وتارة لضبط الشيء في النفس ويضاده النسيان وتارة لاستعمال تلك القوة ثم يستعمل في كل
تفقد وتعهد انتهى، (هب عن أبي جحيفة) بضم الجيم السوائي وهب بن عبد الله ويقال وهب بن
وهب.
٢٠٢ - (أحب الأعمال) وفي رواية أفضل الأعمال وفي أخرى أفضل الإيمان ولا تعارض لأن
الحب من متعلقات القلب فناسب الإيمان وهو عمل قلبي فناسب التعبير عنه بالعمل (إلى الله الحب في

٢١٧
حرف الهمزة
٢٠٣ - ((أَحَبُّ أَهْلِي إِلَيَّ فَاطِمَةُ)). (ت ك) عن أسامة (صح).
٢٠٤ - ((أَحَبُّ أَهْلِ بَيْتِي إِلَيَّ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ)). (ت) عن أنس.
الله والبغض في الله) أي لأجله وبسببه لا لغرض آخر كميل أو إحسان ففي بمعنى اللام المعبر به في
رواية وقال العيني في أصلها للظرفية لكنها هنا للسببية أي سبب طاعة الله ومعصيته كما في حديث في
النفس المؤمنة مائة من الإبل ومنه قوله تعالى ﴿فذلكم الذي لمتني فيه﴾ وإنما كان أحب الأعمال إلى الله
لدلالته على كمال إيمان فاعله ففي خبر أبي داود عن أبي أمامة مرفوعاً من أحب الله وأبغض لله وأعطى
الله ومنع لله فقد استكمل الإيمان فدل على أن من لم يحب الله ويبغض لله لم يستكمل الإيمان. قال في
الكشاف: الحب في الله والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان ومن لازم الحب في الله
حب أنبيائه وأصفيائه ومن شرط محبتهم اقتفاء آثارهم وطاعة أمرهم، قال ابن معاذ: وعلامة الحب في
الله أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء. قال القاضي: المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال فيه والعبد إذا
علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله وأن كلما يراه كمالاً في نفسه أو غيره فهو من الله وإلى الله وبالله لم
يكن حبه إلّ الله وفي الله وذلك يقتضي إرادة طاعته فلذا فسرت المحبة بإرادة الطاعة واستلزمت اتباع
رسوله انتهى، وقال ابن عطاء الله: الحب في الله يوجب الحب من الله وهنا مراتب أربع: الحب لله،
والحب في الله، والحب بالله، والحب من الله، فالحب لله ابتداء والحب من الله انتهاء والحب في الله وبالله
واسطة بينهما. والحب لله أن تؤثره ولا تؤثر عليه سواه، والحب في الله أن تحب فيه من ولاه، والحب
بالله أن تحب العبد ما أحبه وما أحبه منقطعاً عن نفسه وهواه، والحب من الله أن يأخذك من كل شيء
فلا تحب إلا إياه وعلامة الحب لله دوام ذكره، والحب في الله أن تحب من لم يحسن إليك بدنيا من أهل
الطاعات، والحب بالله أن يكون باعث الحظ بنور الله مقهوراً، والحب من الله أن يجذبك إليه فيجعل ما
سواه عنك مستوراً (حم عن أبي ذر) قال ابن الجوزي: حديث لا يصح ويزيد بن أبي زياد أحد رجاله.
قال ابن المبارك: ارم به، وسوار العنبري قال: فيه الثوري ليس بشيء انتهى. وبه يعرف أن تحسين
المصنف له ليس في محله .
٢٠٣ - (أحب أهلي إلي فاطمة) الزهراء سميت به لأن الله فطمها وولدها، ومحبيهم عن النار كما
في خبر ضعيف خلافاً لمن وهم رواه النسائي والحافظ الدمشقي وغيرهما قال في الفردوس وهذا قاله
حين سأله علي والعباس، يا رسول الله أيّ أهلك أحب إليك؟ وحبه إياها كانت أحبية مطلقة، وأما
غيرها فعلى معنى من وحبه لها كان جبلياً ودينياً لما لها من حموم المناقب والفضائل (ت ك عن أسامة)
بضم الهمزة مخففاً (ابن زيد) الكلبي مولى النبي ◌َّلتر وابن مولاه وحبه وابن حبه حسنه الترمذي
وصححه الحاكم ورواه عنه أيضاً الطيالسي والطبراني والديلمي وغيرهم.
٢٠٤ - (أحب أهل بيتي إليّ) قيل هم هنا علي وفاطمة وابناها أصحاب الكساء وقيل مؤمنو بني
هاشم والمطلب (الحسن والحسين) ومن قال بدخول الزوجات فمراده كما قال النووي: إنهن من أهل
بيته الذين يعولهم وأمر باحترامهم وإكرامهم وأما قرابته فهم من ينسب إلى جده الأقرب وهو
عبد المطلب قال الحراني والبيت موضع المبيت المخصوص من الدار المخصوصة من المنزل المختص من

٢١٨
حرف الهمزة
٢٠٥ - ((أَحَبُّ النَّاس إِلَيَّ عَائِشَةُ، وَمِنَ الرِّجَالِ أَبُوهَا)). (ق ت) عن عمرو بن
العاص (ت هـ) عن أنس (صح).
٢٠٦ - ((أَحَبُ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمْنِ)). (م دت هـ) عن ابن
عمر .
البلد (ت) وكذا أبو يعلى (عن أنس) وحسنه الترمذي وتبعه المصنف فرمز لحسنه وفيه يوسف بن
إبراهيم التميمي أبو شيبة قال في الميزان قال ابن حبان يروي عن أنس ما ليس في حديثه لا تحل الرواية
عنه وقال أبو حاتم ضعيف عنده عجائب وساق البخاري هذا في الضعفاء ثم قال يوسف: أبو شيبة
عنده عجائب .
٢٠٥ - (أحب الناس إليّ) من حلائلي الموجودين بالمدينة إذ ذاك (عائشة) على وزان خبر إن ابن
الزبير أوّل مولود في الإسلام يعني بالمدينة وإلا فمحبة المصطفى ◌َ و لخديجة أمر معروف شهدت به
الأخبار الصحاح ذكره الزين العراقي وأصله قول الكشاف يقال في الرجل أعلم الناس وأفضلهم يراد
من في وقته وإنمّا كانت عائشة أحبّ إليه من زوجاته الموجودات حالتئذ لاتصافها بالفضل وحسن
الشكل؛ قال القرطبي: فيه جواز ذكر الأحب من النساء والرجال وأنه لا يعاب على من فعله إذا كان
المقول له من أهل الخير والدين ويقصد بذلك مقاصد الصالحين وليقتدي به في ذلك فيحب من أحب
فإن المرء مع من أحب. وإنمّا بدأ بذكر محبته عائشة لأنها محبة جبلية ودينية وغيرها دينية لا جبلية فسبق
الأصل على الطارىء، فقيل له ومن الرجال؟ قال (ومن الرجال أبوها) لسابقته في الإسلام ونصحه لله
تعالى ورسوله وللإسلام وأهله وبذل ماله ونفسه في رضاهما ولا يعارض ذلك خبر الترمذي («أحبَّ أهلي
إلي من أنعم الله عليه وأنعمت عليه أسامة بن زيد ثم علي)) وخبر أحمد وأبو داود والنسائي قال ابن حجر
صحيح عن النعمان بن بشير، قال: استأذن أبو بكر على النبي ◌َّ ر فسمع صوت عائشة عالياً وهي
تقول: والله لقد علمت أن علياً أحب إليك من أبي، الحديث لما تقرر أن جهات المحبّة مختلفة فكأنه
قال: كل من هؤلاء أحب إليّ من جهة مخصوصة لمعنى قام به وفضيلة تخصه، (ق ت عن ابن عمرو بن
العاص) بن وائل السهمي الأمير المشهور أسلم سنة ثمان على الأصح وولاه المصطفى وَ طير عمان ثم
ولاه عمر مصر ثم أقطعه معاوية وبها مات، قال: سألت رسول الله وَ طير أي الناس أحب إليك؟ قال:
عائشة. قلت: إني لست أعني النساء، إني أعني الرجال. قال: ومن الرجال أبوها. (ت ٥) وكذا ابن
حبان (عن أنس) بن مالك. قال: سئل رسول الله وَ طير من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قيل له
ليس عن أهلك نسألك فذكره وفي الباب عن عبد الله بن شقيق وغيره.
٢٠٦ - (أحب الأسماء) وفي رواية لمسلم إن أحب أسمائكم ومنه يعلم أن المراد أسماء الآدميين
(إلى الله) أي أحب ما يسمى به العبد إليه (عبد الله وعبد الرحمن) لأنه لم يقع في القرآن إضافة عبد إلى
اسم من أسمائه تعالى غيرهما ولأنهما أصول الأسماء الحسنى من حيث المعنى فكان كل منهما يشتمل
على الكل ولأنهما لم يسم الله بهما أحد غيره وأما:
وأَنْتَ غَيْثُ الوَرَى لا زِلْتَ رَحمانَا

حرف الهمزة .
٢١٩
٢٠٧ - ((أَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ مَا تُعُبَّدَ لَهُ، وَأَصْدَقُ الأَسْمَاءِ هَمَّامٌ وَحَارِثٌ)).
الشيرازي في الألقاب (طب) عن ابن مسعود.
فمن تعنت الكفرة، وذكر المصنف أن اسم عبد الله أشرف من عبد الرحمن فإنه تعالى ذكر الأوّل
في حق الأنبياء، والثاني في حق المؤمنين، وأن التسمي بعبد الرحمن في حق الأمة أولى انتهى، وما ذكره
لا يصفو عن كدر فقد قال بعض العلماء الشافعية: التسمي بعبد الله أفضل مطلقاً لأن البداءة به هنا
فتقديمه على غيره يؤذن بمزيد الاهتمام وذهب إلى ذلك صاحب المطامح من المالكية فجزم بأن عبد الله
أفضل. وعلله بأن اسم الله هو قطب الأسماء وهو العلم الذي يرجع إليه جميع الأسماء ولا يرجع هو
إلى شيء فلا اشتراك في التسمية به البتة، والرحمة قد يتصف بها الخلق فعبد الله أخص في النسبة من
عبد الرحمن، فالتسمي به أفضل وأحب إلى الله مطلقاً. وزعم بعضهم أن هذه أحبية مخصوصة لأنهم
كانوا يسمون عبد الدار وعبد العزى فكأنه قيل لهم أحب الأسماء المضافة إلى العبودية هذان لا مطلقاً
لأن أحبها إليه محمد وأحمد إذ لا يختار لنبيه وَّه إلا الأفضل، ردّ بأن المفضول قد يؤثر لحكمة وهي هنا
الإيماء إلى حيازته مقام الحمد وموافقته للحميد من أسمائه تعالى على أن من أسمائه أيضاً عبد الله كما
في سورة الجنّ، وإنما سمى ابنه إبراهيم لبيان جواز التسمي بأسماء الأنبياء وإحياء لاسم أبيه إبراهيم
ومحبة فيه وطلباً لاستعمال اسمه وتكرره على لسانه وإعلاناً لشرف الخليل وتذكيراً للأمة بمقامه
الجليل. ولذلك ذهب بعضهم إلى أن أفضل الأسماء بعد ذينك إبراهيم، لكن قال ابن سبع: أفضلها
بعدهما محمد وأحمد ثم إبراهيم (م د ت ، عن ابن عمر) بن الخطاب وفي الباب أيضاً عن أنس وغيره.
٢٠٧ - (احب الأسماء) التي يسمى بها الإنسان (إلى الله ما تعبد له) بضمتين فتشديد بضبط
المصنف لأنه ليس بين العبد وربه نسبة إلا العبودية، فمن تسمى بها فقد عرف قدره ولم يتعد طوره،
وقال الأذرعي: من أجلاء الشافعية ووقع في الفتاوى أن إنساناً سمي بعبد النبي فتوقفت فيه ثم ملت
إلى أنه لا يحرم إذا قصد به التشريف بالنسبة إلى النبي و القر ويعبر بالعبد عن الخادم ويحتمل المنع من ذلك
خوف التشريك من الجهلة أو اعتقاداً أو ظنّ حقيقة العبودية انتهى. وقال الدميري: التسمي بعبد
النبي قيل يجوز إذا قصد به النسبة إلى رسول الله وَطير، ومال الأكثر إلى المنع خشية التشريك واعتقاد
حقيقة العبودية، كما لا تجوز التسمية بعبد الدار وقياسه تحريم عبد الكعبة (وأصدق الأسماء همام)
كشداد من همّ عزم (وحارث) كصاحب من الحرث وهو الكسب وذلك لمطابقة الاسم لمعناه إذ كل عبد
متحرك بالإرادة والهمم مبدأ الإرادة ويترتب على إرادته حرثه وكسبه فإذا لا ينفك مسماهما عن حقيقة
معناهما بخلاف غيرهما. قال في المطامح: وهذا تنبيه على معنى الاشتقاق ولهذا خص الحريري في
مقاماته هذين الاسمين، وقال الطيبي: ذكر أولاً أن أحب الأسماء ما تعبد له لأن فيه خضوعاً
واستكانة على ما سبق ثم نظر إلى أن العبد قد يقصر في العبودية ولم يتمكن من أدائها بحقها فلا يصدق
عليه هذا الوصف فتنزل إلى قوله همام وحارث (الشيرازي في) كتاب (الألقاب طب عن ابن مسعود)
قال الهيتمي فيه محمد بن محصن العكاشي متروك انتهى، وقال في الفتح في إسناده ضعف ولم يرمز
المؤلف له هنا بشيء ووهم من زعم أنه رمز له بالضعف لكنه جزم بضعفه في الدرر.

٢٢٠
حرف الهمزة
٢٠٨ - ((أَحَبُّ الأَذْيَانِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ)). (حم حد طب) عن ابن
عباس (صح).
٢٠٩ - ((أَحَبُّ الْبِلاَدِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلاَدِ إِلَى اللّهِ أَسْوَاقُهَا)). (م) عن
أبي هريرة (حم ك) عن جبير بن مطعم.
٢٠٨ - (أحب الأديان) جمع دين وقد سبق معناه والمراد هنا ملل الأنبياء والشرائع الماضية قبل أن
تبدل وتنسخ وفي رواية للبخاري الدين بالإفراد فإن حمل على الجنس وافق ما هنا وإلّ فالمراد أحب
خصال الدين لأن خصالها كلها محبوبة لكن ما كان منها سمحاً أو سهلاً فهو أحب إلى الله كما يشهد له
خبر أحمد الآتي خير دينكم أيسره (إلى الله) دين (الحنيفية) المائلة عن الباطل إلى الحق أو المائلة عن دين
اليهود والنصارى فهي المستقيمة. والحنيفية ملة إبراهيم، والحنيف لغة من كان على ملته، قال الله تعالى
﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم﴾ [الحج: ٧٨] (السمحة) السهلة القابلة
للاستقامة المنقادة إلى الله المسلمة أمرها إليه لا تتوجه إلى شيء من الكثافة والغلظة والجمود التي يلزم
منها العصيان والسماجة والطغيان وأنث الخبر مع أن المبتدأ مذكر لأن الحنيفية غلبت عليها الأسمية
فصارت علماً، وأن أفعل التفضيل المضاف لقصد الزيادة على ما أضيف إليه يجوز فيه الإفراد والمطابقة
ذكره الكرماني، وقال بعض الصوفية: معنى الحنيفية التي تميل بالعبد إلى الله، والأحنف الأميل، وهو
الذي تميل أصابع إحدى رجليه إلى الأخرى فكأنه قال: أحب أوصاف أهله إليه أن يميل العبد بقلبه في
سائر أحواله وبجوارحه إلى عبادته بحيث يعرض عما سواه ويكون معنى السماحة سهولة الانقياد إلى
رب العباد فيما أمر ونهى فيصبر على مر القضاء وحلوه ويشكر، فهذه أحب أوصاف أهل الدين إليه .
وقال الحراني: أصل مادة حنف بكل ترتيب تدور على الخفة واللطلفة ويلزم هذا المعنى الانتشار
والضمور والميل فيلزمه الانقياد والاستقامة انتهى، واستنبط الشافعي من الحديث قاعدة أن المشقة
تجلب التيسير وإذا ضاف الأمر اتسع (حم خد طب) كلهم عن علقمة وعلقه البخاري في الصحيح من
حديث عكرمة (عن ابن عباس) قال الهيتمي: فيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري منكر الحديث، قال:
قيل يا رسول الله أي الأديان أحب إلى الله؟ فذكره، وقال شيخه العراقي فيه محمد بن إسحاق رواه
بالعنعنة أي وهو يدلس عن الضعفاء فلا يحتاج إلّ بما صرح فيه بالتحديث انتهى، قال العلائي: لكن
له طرق لا ينزل عن درجة الحسن بانضمامها، وقال ابن حجر في التخريج: له شاهد مرسل في طبقات
ابن سعد قال وفي الباب عن أبيّ بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عمر وأبي أمامة وأبي هريرة وغيرهم،
وقال أعني ابن حجر في الفتح وفي المختصر إسناده حسن انتهى، وبه يعرف أن رمز المؤلف لصحته غير
جید.
٢٠٩ - (أحب البلاد) أي أحب أماكن البلاد ويمكن أن يراد بالبلد المأوى فلا تقدير (إلى الله
مساجدها) لأنها بيوت الطاعة وأساس التقوى ومحل تنزلات الرحمة، قال الراغب: والبلد المكان
المحدود المتأثر باجتماع فطانة وإقامتهم فيه وتسمى المفازة بلداً لكونها محل الوحشيات والمقبرة بلداً
-