Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
حرف الهمزة
١١٨ - ((أَتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَأَرْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاس،
فيها مثل عبادة ونحوه من صالحي الأنصار وأشراف المهاجرين الكبار، فإذا كان هذا حال هؤلاء الذين
ارتضاهم المصطفى للولاية وخصهم بها فما الظن بالولاة بعد ذلك الطراز الأوّل والمتنافسين في
الولايات الباذلين الأموال في تحصيل الأعمال السلطانية (تنبيه) قال حجة الإسلام: هذا الحمل حقيقي
فيأتي به حاملاً له معذباً بحمله وثقله يعدل الجبل العظيم مرعوباً بصوته وموبخاً بإظهار خيانته على
رؤوس الأشهاد والملائكة تنادي هذا ما أغله فلان بن فلانة رغبة فيه وشحاً(١) وذهب بعضهم إلى أن
الحمل عبارة عن وزر ذلك وشهرة الأمر أي يأتي يوم القيامة وقد شهر الله أمره كما يشهر لو حمل بعيراً
له رغاء أو بقرة لها خوار إلى آخره. ورده القرطبي بأنه عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه، وقد
أخبر المصطفى بالحقيقة فهو أولى إذ لا مانع وعورض بوجود المانع، وهو أنه إذا غل ألف دينار مثلاً
فهي أخف من البعير وهو بالنسبة إليها حقير فكيف يعاقب الأخف جناية بالأثقل وعكسه، وأجيب
بأن المراد بالعقوبة بذلك فضيحته على رؤوس الأشهاد في ذلك الموقف العظيم لا بالثقل والخفة. قال
ابن المنير: أظن أن الحكام أخذوا تجريس السارق ونحوه من هذا الحديث ونحوه، (تتمة) أجمعوا على أن
الغال يجب عليه إعادة ما غل قبل القسمة، وكذا بعدها عند الشافعي رحمه الله تعالى فيحفظه الإمام
کالمال الضائع، وقول مالك يدفع الإمام خمسه ویتصدق بالباقي فيه أنه لم يملكه فکیف یتصدق بمال
غيره (طب) وكذا ابن عساكر (عن عبادة) بضم العين المهملة وفتح الموحدة (ابن الصامت) الخزرجي
من بني عمرو بن عوف بدري نقيب فاضل عالم جليل ممن جمع القرآن وولاء عمر قضاء فلسطين رمز
المصنف لحسنه، وهو تقصير إذ هو أعلى، فقد قال الحافظ الهيتمي: رجاله رجال الصحيح، ورواه
الشافعي والبيهقي عن طاوس مرسلاً.
١١٨ - (اتق المحارم) أي احذر الوقوع في جميع ما حرم الله عليك (تكن أعبد الناس) أي من
أعبدهم لما أنه يلزم من ترك المحارم فعل الفرائض، فباتقاء المحارم تبقى الصحيفة نقية من التبعات،
فالقليل من التطوع مع ذلك ينمو وتعظم بركته فيصير ذلك المتقي من أكابر العباد، وقال الذهبي: هنا
والله تسكب العبرات فيريد أن يكون يسيراً بكل واجب فيقوم به وعارفاً بكل محرم فيجتنبه (وارض)
أي اقنع (بما قسم الله لك) أي أعطاك وجعله حظك من الرزق (تكن أغنى الناس) فإن من قنع استغنى
ليس الغنى بكثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس والقناعة غنى وعز بالله وضدها فقر وذل للغير،
ومن لم يقنع لم يشبع أبداً ففي القناعة العز والغنى والحرية وفي فقدها الذل والتعبد للغير تعس عبد
الدنيا تعس عبد الدينار فيتعين على كل عاقل أن يعلم أن الرزق بالقسم والحظ لا بالعلم والعقل ولا
فائدة للجد حكمة بالغة دل بها على قدرته وإجراء الأمور على مشيئته، قال الحكماء: ولو جرت
الأقسام على قدر العقول لم تعش البهائم ونظمه أبو تمام فقال:
(١) أي أن الشخص يحشر يوم القيامة وهو حامل على عنقه ما أخذه بغير حق، قال تعالى: ﴿ومن يغلل يأت
بما غل يوم القيامة﴾ وفي الصحيحين وغيرهما ما هو صريح في ذلك اهـ.
فيض القديرج١ م١١

١٦٢
حرف الهمزة
وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِناً، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِماً، وَلاَ تُكْثِرِ
الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ)). (حم ت هب) عن أبي هريرة.
وَيَكْدَى الفَتَى فِي دَهْرِهِ وَهْوَ عَالِمُ
يَنَالُ الفَتَى مِنْ عَيْشِهِ وَهْوُ جَاهِلٌ
هَلِكِن إِذَنْ مِنْ جَهْلِهِنَّ البهائمُ
وَلَو كَانَتِ الأَقْسَامُ تَجْرِي عَلَى الحِجَا
ومن كلامهم كم رأيت أعرج في المعالي عرج (وأحسن إلى جارك) بالقول والفعل والجار المجاور
لك وما قرب من منزلك عرفاً (تكن مؤمناً) أي كامل الإيمان فإذا لم تقدر على الاحسان إليه فكف عن
أذاه وإن كان مؤذياً لك فيلزمك الصبر حتى يجعل الله لك فرجاً. قال الراغب: والإحسان يقال
للإنعام على الغير وللإحسان في فعله وذلك إذا علم علماً حسناً أو عمل عملاً حسناً، وعليه قول علي
كرم الله وجهه ((الناس أبناء ما يحسنون)) أي منسوبون إلى ما يعلمون ويعملون من الأفعال الحسنة
والإحسان أعم من الإنعام والعدّل إذ العدّل أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له والإحسان أن يعطي أكثر
مما عليه ويأخذ أقل مما له (وأحب) أي أرض (للناس ما تحب لنفسك) من الخير (تكن مسلماً) كامل
الإسلام بأن تحب لهم حصول ما تحبه لنفسك من جهة لا يزاحمونك فيها فإن انتفت المحبة لنحو حقد أو
غل أو حسد انتفى عنه كمال الإيمان وغاير في ما بين لفظي الإيمان والإسلام تفتناً إذ المراد بهما هنا
واحد. قال: السدي: لي ثلاثون سنة في الاستغفار عن قولي الحمد لله وذلك أنه وقع ببغداد حريق
فاستقبلني رجل فقال: نجا حانوتك فقلت الحمد لله فمذ قلتها فأنا نادم حيث أردت لنفسي خيراً دون
المسلمين (ولا تكثر الضحك) بفتح وكسر وهو كيفية يحصل منها انبساط في القلب مما يعجب الإنسان
من السرور ويظهر ذلك في الوجه والإكثار منه مضر بالقلب منهي عنه شرعاً وهو من فعل السفهاء
والأراذل مورث للأمراض النفسانية، ولذا قال (فإن كثرة الضحك تميت القلب) أي تصيره مغموراً في
الظلمات بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة ولا يدفع عنها شيئاً من مكروه وحياته وإشراقه مادة
كل خير وموته وظلمته مادة كل شر وبحياته تكون قوته وسمعه وبصره وتصور المعلومات وحقائقها
على ما هي عليه ولهذا قال لقمان لابنه: يا بني لا تكثر الضحك من غير عجب، ولا تمشي من غير
أرب، ولا تسأل عما لا يعنيك، ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك فإن مالك ما قدمت ومال غيرك
ما أخرت، وقال موسى للخضر: أوصني! فقال: كن بساماً ولا تكن غضاباً، وكن نفاعاً ولا تكن
ضراراً، وانزع عن اللجاجة ولا تمث في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تعير الخطائين
بخطاياهم وابك على خطيئتك، يا ابن عمران وفي صحف موسى عجباً لمن أيقن بالنار كيف يضحك
عجباً! لمن أيقن بالموت كيف يفرح عجباً لمن أيقن بالقدر كيف ينصب عجباً لمن رأى الدنيا وتقلبها
بأهلها كيف يطمئن إليها! وفي الحديث إيذان بالإذن في قليل الضحك لا سيما لمصلحته (حم ت) في
الزهد (هب) وأبو نعيم في الحلية كلهم من حديث الحسن (عن أبي هريرة). قال: قال رسول الله وَليل
من يأخذ عني هذه الكلمات فيعمل بهنّ أو يعلم من يعمل بهنّ، قلت أنا فأخذ بيدي فعد خمساً،
فقال: اتق المحارم إلى آخره قال الترمذي: غريب منقطع انتهى. قال المنذري وبقية إسناده فيه ضعف
انتهى. وفيه جعفر بن سليمان الضبعي شيعي زاهد أورده الذهبي في الضعفاء وضعفه القطان ووثقه

١٦٣
حرف الهمزة .
١١٩ - ((أَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّمَا يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى حَقَّهُ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَىَ لَنْ يَمْنَعَ ذَا
حَقِّ حَقَّهُ)). (خط) عن علي (ض).
١٢٠ - (أَتَّقُوا اللَّهَ فِي الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ: فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً)).
(حم د) وابن خزيمة (حب) عن سهل ابن الحنظلية.
جمع وقال في الكاشف ثقة فيه شيء وفيه أيضاً أبو طارق السعدي قال الذهبي مجهول.
١١٩ - (اتق) يا علي هكذا هو ثابت في رواية مخرجه الخطيب فكان الأولى للمؤلف عدم حذفه
(دعوة) بفتح الدال المرة من الدعاء أي تجنب دعاء (المظلوم) أي من ظلمته بأي وجه كان من نحو
استيلاء على ما يستحقه أو إيذاء له بأن تردّ إليه حقه أو تمكنّه من استيفائه فإنك إن ظلمته ودعا عليك
استجيب له وإن كان عاصياً مجاهراً فإنه إذا دعا عليك (فإنما يسأل: اله حقه) أي الشيء الواجب له على
خصمه (وإن الله تعالى لن يمنع ذا حق) أي صاحب حق (حقه) لأنه الحاكم العادل، نعم ورد آن الله
سبحانه وتعالى يرضي خصوم بعض عباده بما شاء وفي خبر رواه ابن لال والديلمي وغيرهما أن في
صحف إبراهيم أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها لبعض لكن بعثتك
لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردّها ولو كانت من كافر، وقال ابن عبد العزيز: إن الله يأخذ للمظلوم
حقه من الظالم فإياك أن تظلم من ينتصر عليك إلّ بالله تعالى فإنه تعالى إذا علم التجاء عبده إليه بصدق
واضطرار انتصر له ولا بد؛ ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ [النمل: ٦٢]، وقال عبد الله بن سلام: لمّا
خلق الله الملائكة رفعت رؤوسها إلى السماء، فقالت: يا ربنا مع من أنت؟ قال: مع المظلوم حتى
يؤدى إليه حقه. قال الراغب: والحق يقال على أوجه ويستعمل استعمال الواجب واللازم والجائز
نحو ﴿وكان حقاً علينا نصر المؤمنين﴾ [الروم: ٤٧] (خط) في ترجمة: صالح بن حسان (عن علي) أمير
المؤمنين ورواه عنه أيضاً أبو نعيم ومن طريقه وعنه أورده الخطيب فعزو المصنف للفرع وإهماله الأصل
غير صواب ثم قضية صنيعه أن مخرجه الخطيب خرجه وأقره، والأمر بخلافه فإنه أورده في ترجمة
صالح بن حسان هذا كما تقرّر وذكر أن ابن معين قال إنه ليس بشيء وأن البخاري ذكر أنه منكر
الحديث والنسائي قال متروك وأبو حاتم ضعيف فإهماله لذلك واقتصاره على عزوه لمخرجه من سوء
التصرف، ثم إن فيه أيضاً منصور بن أبي الأسود أورده الذهبي في الضعفاء والمتروكين وقال صدوق
من أعيان الشيعة انتهى وبه عرف اتجاه رمز المؤلف لضعفه.
١٢٠ - (اتقوا الله)المستجمع لصفات العظمة وصيغة جمع المذكر في هذا ونحوه مما مر ويجيء
واردة على منهج التغليب لعدم تناولها حقيقة الاناث عند غير الحنابلة (في هذه البهائم) أي في شأن
ركوب ما يركب منها وأكل ما يؤكل منها ونحو ذلك وهي جمع بهيمة سميت به لاستبهامها عن الكلام
أو لأنها مبهمة عن التمييز أو لانبهام أمرها علينا لا لانبهام الأمور عليها كما قيل، فإن لها إدراكاً في
الجملة قال في الكشاف البهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر في القاموس هي كل ذات أربع
ولو في الماء أو كل حي لا يميّز، وقال الراغب: البهيمة ما لا نطق له لما في صوته من الاستبهام لكن
خص في التعارف بما عدا السباع. لكن إنّما أراد المصطفى بهذا الحديث الإبل فقط بدليل قوله وكلوها

١٦٤
حرف الهمزة
١٢١ - ((أَتَّقُوا اللَّهَ وَأَعْدِلُوا فِي أَوْلاَدِكُمْ)). (ق) عن النعمان بن بشير.
وبدليل السبب الآتي: فإنها لا تطيق أن تفصح عن حالها وتتضرع إلى صاحبها من جوعها وعطشها
وإضرارها ذكره القاضي (المعجمة) بضم الميم وفتح الجيم وقيل بكسرها أي التي لا تقدر على النطق
فتشكو ما أصابها من جوع وعطش. وأصل الأعجم كما قال الرافعي: الذي لا يفصح بالعربية ولا
يجيد التكلم بها عجمياً كان أو عربياً سمي به لعجمة لسانه والتباس كلامه، والقصد التحريض على
الرفق بها والتحذير من التقصير في حقها (فاركبوها) رشاداً حال كونها (صالحة) للركوب عليها يعني
تعهدوها بالعلف لتتهيأ لما تريدونه منها فإن أردتم ركوبها وهي صالحة للركوب قوية على المشي بالراكب
فاركبوها وإلّ فلا تحملوها ما لا تطيقه وكالركوب التحميل عليها (وكلوها صالحة) أي وإن أردتم أن
تنحروها وتأكلوها فكلوها حال كونها سمينة صالحة للأكل وخص الركوب والأكل لأنهما من أعظم
المقاصد ذكره كله القاضي لكن ليس لمن وجب عليه هدي أو منذور الأكل منه، قال القاضي: وفيه
وجوب علف الدواب وأن الحاكم يجبر المالك عليه وهو مذهب الشافعي والجمهور انتهى، فيلزم
المالك كفاية دابته المحترمة وإن تعطّت لمرض أو زمانة أكلاً وشرباً فإن امتنع ألزم به من ماله أو ببيعها
أو إجارتها أو ذبح المأكولة للأكل فإن أبى فعل القاضي من ذلك ما يراه. (تنبيه) ذكر بعض أكابر
الصوفية أنه ينبغي شفقة الراكب على الدابة فيخفف بدنه عليها بكثرة ذكر الله على ظهرها فإنه مجرب
للخفة عليها إذ الروح تشتاق إلى حضرة ربها في جهة العلو بحسب غلبة الوهم فتريد الصعود بجسمها
إلى تلك الحضرة فلا يصير على الدابة من البدن إلّ مجرد المماسة كما جربناه. وذكر بعضهم أن الشيخ
عبد العزيز الديريني كان إذا ركب دأبة لا يحمل سوطاً قط ويردها بكمه ويقول هيهات عبد العزيز أن
يقدر على ضربة بكم قميص. (حم د) في الجهاد (وابن خزيمة) في صحيحه (حب) كلهم (عن سهل)
ضد الصعب (ابن) الربيع بن عمرو بن عدي المعروف بابن (الحنظلية) صحابي غير صغير أوسي
والحنظلية أمه وبها اشتهر شهد أحداً وكان متعبداً متوحداً زاهداً. قال: مر النبي وك له ببعير قد لحق
ظهره ببطنه فذكره، وفي رواية عنه مر ببعير مناخ على باب أوّل النهار ثم مر به آخر النهار وهو على
حاله فقال أين صاحب هذا فابتغي فلم يوجد فقال اتقوا الله إلى آخره. قال الهيتمي: رجال أحمد رجال
الصحيح، وقال في الرياض بعد عزوه لأبي داود: إسناده صحيح انتهى، ومن ثم رمز المصنف
لصحته .
١٢١ - (اتقوا الله) علق الاتقاء بالاسم العلم دون غيره من بقية أسمائه وصفاته لمزيد التأكيد
والمبالغة في الحمل على الامتثال بإدخال المهابة بسلطان الاسماء الجلالية (واعدلوا) ندباً (في) وفي رواية
بين (أولادكم) أي سووا بينهم في العطية وغيرها لئلا يفضيء التفضيل إلى العقوق والتحاسد، وذلك
بأن يسوي بين ذكورهم وإناثھم، وقيل کالإرث فعدم العدل بينهم مكروه تنزيهاً عند الشافعي لما ذكر
وتصح الهبة، وقال أحمد إن خص أحدهم لا لمعنى فيه يبيح التفضيل حرم ولزمه التسوية إمّا برد ما
فضل أو إتمام نصيب الباقي ويرده خبر مسلم اشهد على هذا غيري إذ لو كان حراماً لم يأذن له في
استشهاد غيره وامتناعه من الشهادة تورع ولا يعارضه رواية إني لا أشهد على جور لأن المكروه جور،
إذ الجور الميل عن الاعتدال والعدل ملكة يقتدر بها على تجنب ما لا يليق فعله إذا هو وضع الشيء
:٠٫

١٦٥
حرف الهمزة
١٢٢ - ((أَتَّقُوا اللَّهَ وَأَعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ ییزُّوكُمْ)). (طب) عنه (ض).
١٢٣ - ((أَتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُصْلِحُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ)). (ع ك) عن أنس.
بمحله اللائق به في نفس الامر، وإذا طلب العدل بين الأولاد فبين غيرهم أولى فهو مطلوب حتى في
الأمور الدينية. فقد نقل ابن جماعة عن بعض مشايخه أنه كان يقسم ساعات النهار بين طلبته بالرمل
فإذا غلب أحدهم عن وقته يقول له مشى رملك ولا يقرئك ذلك اليوم (ق) البخاري في الهبة ومسلم
في الفرائض (عن النعمان بن بشير) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وبالتحتية وهو ابن سعد الخزرجي أبي
عبد الله الأمير ولي حمص ليزيد وقتل في آخر سنة أربع وستين. قال: |أتي بي أبي إلى رسول الله صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟
قال: لا. قال: فارجعه. وفي رواية فقال: أفعلت هذا ولولدك كلهم؟ قال: لا قال: اتقوا الله
واعدلوا إلى آخره. قال النعمان: فرجح بي فرد تلك الصدقة. وفي رواية قال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم: یا بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. قال: أکلهم وهبت له مثل هذا؟ قال:
لا. قال: فلا تشهدني إذن فإني لا أشهد على جور، وفي رواية أشهد على هذا غيري، ثم قال: أيسرّك
أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: نعم: قال: فلا إذن، أخرجه الشيخان.
١٢٢ - (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يبروكم) بفتح الياء التحتية والموحدة أي
يحسنوا طاعتكم يقال بررت والدي أبره براً وبروراً أحسنت طاعته ورفقت به وتحريت محابه وتوقيت
مكارهه وذلك لأنه كما للآباء على الأبناء حق فللأبناء على الآباء حق، وكما قال سبحانه وتعالى
﴿ووصينا الإنسان بوالديه﴾ [العنكبوت: ٨ ولقمان: ١٤]. وقال: ﴿قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾
[التحريم: ٦] فوصية الله للآباء بأبنائهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم، وفيه ندب التسوية بين
الأولاد في النحل وغيرها من أنواع البر حتى في القبلة ولو فعل خلاف ذلك لم يحرم، فقد فضل أبو بكر
عائشة بجذاذ عشرين وسقاً دون جميع أولاده وعمر علصماً بشيء أعطاه وعبد الرحمن بن عوف ولد أم
كلثوم، قال البيضاوي: ووقرر ذلك ولم ينكر عليهم فيكون ذلك اجماعاً (طب عنه) أي عن النعمان
المذكور .
١٢٣ - (اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) أي الحالة التي يقع بها الاجتماع، قال الحراني:
والإصلاح تلافي خلل الشيء، وفي المصباح: الصلح التوفيق أصلحت بين القوم وقفت بينهم. وقال
الراغب: الصلاح ضد الفساد وهما مختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال والصلح مختص بإزالة النفار
بين الناس (فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين) وفي رواية المسلمين أي أصلحوا فإن الله يحب الصلح
ولذلك يصلح بين المؤمنين (يوم القيامة) أي يوّفق بينهم بأن يلهم المظلوم العفو عن ظالمه ويعوضه عن
ذلك بأحسن الجزاء. وروى ابن مردويه عن أنس مرفوعاً إذا كان يوم القيامة نادى مناد يا أهل التوحيد
إن الله قد عفا عنكم فليعف بعضكم عن بعض وعلى الله الثواب (ع ك) في الأهوال (عن أنس). وقال
صحيح ورده الذهبي: بأن فيه عباد بن شيبة الحبطي ضعفوه وشيخه سعيد بن أنس لا يعرف فأنى له
الصحة .

١٦٦
حرف الهمزة
١٢٤ - ((أَتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)). (خد) عن علي (صح).
١٢٥ - ((أَتَّقُوا اللَّهَ فِي الصَّلاَةِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)). (خط) عن أم سلمة.
١٢٦ - ((أَتَّقُوا اللَّهَ فِي الضَّعِيفَيْنِ: الْمَمْلُوكُ وَالْمَرْأَةُ)». ابن عساكر عن ابن عمر (ض).
١٢٤ - (اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم) من كل آدمي وحيوان محترم وغيرهما لأن ما عام في ذوي
العلم وغيرهم، أي اتقوا الله بحسن الملكة والقيام بما يحتاجونه وخافوا ما يترتب على إهمالهم
والتفريط في حقهم من العذاب ولا تكلفوهم على الدوام ما لا يطيقونه على الدوام فإنه حرام وعلموهم
ما لا بد منه من طهر وصلاة وكل واجب ومندوب وأدبوهم على ترك المأموارت وفعل المنهي .
وإضافة الملك إلى اليمين كإضافته إلى السيد والأملاك تضاف إلى الأيدي لتصرف الملاك فيها باليد،
وإنمّا أضافها إلى اليمين دون اليد لأنه أبلغ وأنفذ إذ اليمين أبلغ في القوة والتصرف ولينبّه على شرف
اليمين (خذ عن علي) أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، قال: كان آخر كلام النبي ◌َّر الصلاة الصلاة
اتقوا الله فذكره، والمراد أن ذلك من آخر ما تكلم به رمز المؤلف لصحته.
١٢٥ - (اتقوا الله في الصلاة) التي هي حضرة المراقبة وأفضل أعمال البدن بالمحافظة عليها
بشروطها وعدم ارتكاب منهياتها فإنها أوّل ما يحاسب عليه العبد، وعلم الإيمان وعماد الدين وعموده
ولما ذكر وصلة الخلق بالخالق وكان اهتمام الناس بمن يمون من أعظم دعائم الدين كما يشير إليه خبر
كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يمون أو يعول، تبعها به إشارة إلى أن القيام بذلك واجب على المالك
وجوب الصلاة التي لا عذر فيها ما دام مناط التكليف. فقال (و) في (ما ملكت أيمانكم) من كل آدمي
وحيوان محترم وغير ذلك، لأن ما عام في ذوي العلم وغيرهم، قال التوربشتي: أراد المماليك
ونحوهم وقرنه بالصلاة إيذاناً بأن القيام بقدر حاجتهم من نفقة وكسوة واجب على من ملكهم وجوب
الصلاة التي لا يسعه تركها، وشمل البهائم المملكة. وقال الطيبي: الحديث من جوامع الكلم عبر
بالصلاة عن كل مأمور ومنهي إذ هي تنهي عن الفحشاء والمنكر، وبما ملكت أيمانكم عن كل ما
يتصرف فيه ملكاً وقهراً ولذلك خص باليمين فنبّه بالصلاة على تعظيم أمر الله تعالى، وبما ملكت
أيمانكم على الشفقة على خلقه. وقال المظهري: أراد الزكاة وإخراجها من المال الذي تملكه الأيدي
كأنه علم بما يكون من أمر الردة وإنكارهم وجوبها بعده فقطع حجتهم بأن جعل آخر كلامه الوصية
بالصلاة والزكاة، ويؤيده أن القرآن والحديث إذ ذكر فيهما الصلاة فالغالب ذكر الزكاة بعدها (خط
عن أم سلمة) بفتح المهملة واللام هند أم المؤمنين بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية وأبوها يعرف بزاد
الراكب من أشراف قريش رمز المؤلف لضعفه.
١٢٦ - (اتقوا الله في الضعيفين) أي اجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعظم وقاية بالمواظبة على
إيفاء حق الضعيفين أي اللذين لا حول لهما ولا قوة أو الضعيفين عن التكبر وعن أذى الناس بمال أو
جاه أو قوة بدن. قالوا من هما يا رسول الله؟ قال: (المملوك والمرأة) بأن تعاملوهما برفق وشفقة ولا
تكلفوهما ما لا يطيقانه ولا تقصروا في حقهما الواجب والمندوب، ووصفهما بالضعف استعطافاً

١٦٧
حرف الهمزة
١٢٧ - ((أَتَّقُوا اللَّهَ فِي الصَّلاَةِ، أَتَّقُوا اللَّهَ فِي الصَّلاَةِ، أَتَّقُوا اللَّهَ فِي الصَّلاَةِ، أَتَّقُوا
اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، أَتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، أَتَّقُوا اللَّهَ فِي الضَّعِيفَيْنِ: الْمَرْأَةُ
الأَرْمِلَةُ، وَالصَّبِيُّ الْيَتِيمُ)). (هب) عن أنس.
وزيادة في التحذير والتنفير، فإن الإنسان كلما كان أضعف كانت عناية الله به أتم وانتقامه من ظالمه
أشد، ووجه ضعف المملوك كونه تحت قهر مالكه، والمرأة امتهانها بالوطء ولزوم المنزل والقيام بحق
الزوج. والخطاب للولي والزوج أو عام ويدخلان دخولاً أولياً. قال الحراني: والضعف وهن القوى
حساً أو معنى (ابن عساكر) في تاريخه (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب رمز المصنف لضعفه.
١٢٧ - (اتقوا الله في الصلاة) أي اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية بالمواظبة عليها رجاء لرضا
ربكم وخوفاً من نقض العهد الذي عهده إليكم نبييكم بقوله العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة. الحديث
(اتقوا الله في الصلاة اتقوا الله في الصلاة) كرره تأكيداً واهتماماً لأنها علم الإيمان وعماد الدين وطهرة
القلوب من أدناس الذنوب واستفتاح باب الغيوب، محل المناجاة، معدن المصافاة، تتسع فيها ميادين
الأسرار وتشرق فيها مشارق الأنوار وتجمع من القرب ما تفرق في غيرها، كطهر وستر وقراءة وذكر،
ويمتنع فيها ما يمتنع في غيرها، وتزيد بأمور أخرى (اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم) فعاملوهم بالرعاية
وتجاوزوا عما يصدر منهم من الجناية وفي الکشاف عن علي كرم الله وجھہ أنه صاح بغلام له کرات فلم
يجبه فنظر فإذا هو بالباب، فقال: لم لم تجب؟ قال: لثقتي بحلمك وأمني عن عقوبتك فأعتقه، وقال:
من كرم الرجل سوء أدب غلمانه، (اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم) كرره مرتين فقط إيماء إلى أن رعاية
حق الحق آكد من رعاية حق الخلق (اتقوا الله في الضعيفين) قيل من هما يا رسول الله؟ قال: (المرأة
الأرملة) أي المحتاجة المسكينة التي لا منفق لها سميت أرملة لما لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب
الزاد، وأصل أرمل نزل بين جبال ورمال. قال الزمخشري: ومن المجاز أرمل افتقر وفني زاده وهو من
الرمل ومنه الأرملة والأرامل، وفي العين لا يقال شيخ أرمل إلّا أن يشاء شاعر في تملیح كلامه كقوله:
فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الأزْمَلِ الذَّكَرِ
هَذِي الأَرَامِل قد قَضَيْتُ حَاجَتَهَا
وأرملت المرأة ورمّلت من زوجها ولا يكون إلّ مع الحاجة وعام أرمل وسنة رملى جدباء وكلام
مرمل مزيف كالطعام المرمل إلى هنا كلامه، وقول الشافعي رحمه الله: هي من بانت بفسخ أو طلاق أو
وفاة اصطلاح فقهي وتقييده بالأرملة ليس لإخراج غيرها بدليل إطلاقها فيما قبله بل لأن رعاية حقها
آكد (والصبي اليتيم) أي الصغير الذي لا أب له شرعاً ذكراً أو أنثى حث على الوصية بهؤلاء لأن ما
تضمر النفس من التكبر تظهره فيهم لكونهم تحت قهرها فترى الإنسان يعمل الفكرة في وجوه العظمة .
عليهم ويتفكر في كيفية زجرهم وكيفية قهرهم وجوابهم عما يتعللون به من مخالفته (هب عن أنس)
قال: كنا عند رسول الله وَل حين حضرته الوفاة، فقال لنا: اتقوا الله إلى آخره فجعل يرددها ويقول.
الصلاة وهو يغرغر حتى فاضت نفسه انتهى. وقد رمز المصنف لحسنه لكن فيه بشر بن منصور الخياط
أورده الذهبي في المتروكين، وقال هو مجهول قبل المائتين.

١٦٨
حرف الهمزة
١٢٨ - ((أَتَّقُوا اللَّهَ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، طَيْبَةً
بِهَا أَنْفُسُكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ؛ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ)). (ت حب ك) عن أبي أمامة (صح).
١٢٨ - (اتقوا الله) خافوا عقابه واصبروا عن المعاصي وعلى الطاعات (وصلوا) بالتشديد
(خمسكم) أي صلواتكم الخمس المعلوم فرضيتها من الدين بالضرورة، أضافها إليهم لأنها لم تجتمع
لغيرهم، وورد أن الصبح لآدم، والظهر لداود، والعصر لسليمان، والمغرب ليعقوب، والعشاء
ليونس، ولا يناقضه قول جبريل لما صلى به الخمس في أوقاتها مرتين: هذا وقت الأنبياء قبلك لاحتمال
"أنه وقتهم إجمالاً وإن اختص كل منهم بوقت (وصوموا شهركم) رمضان والإضافة للاختصاص على ما
جری علیه جمع لكن تعقب بحديث مرفوع خرجه ابن أبي حاتم صيام رمضان كتبه الله على الأمم
قبلكم، واحتج الأولون بأن المصطفى كان يصوم عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، ولو كان مشروعاً
قبلنا لصامه ولم يصم عاشوراء أولاً، والصوم إذلال النفس لله بإمساكها عما تتشوف إليه نهاراً على
وجه مخصوص وفرض بالمدينة. قال الحراني: وحكمة فرضه فيها أنهم لما أمنوا من عداوة الأمثال
والأغيار عادت الفتنة خاصة في الأنفس بالتبسط في الشهوات وذلك لا يليق بمؤمن يؤثر الدين على
الدنيا (وأدوا) أعطوا (زكاة أموالكم) قال الحراني: الزكاة كسر أنفة الغنى بما يؤخذ في حق أصنافها
إظهاراً لكون المشتغلين بالدين، آثر عند الله من الأغنياء وليتميز الذين آمنوا من المنافقين لتمكنهم من
الرياء في العمود والركنين، ولم يشهد الله بالنفاق جهراً على أحد أعظم من شهادته على مانع الزكاة
وقدم الصلاة إتباعاً للفظ التنزيل ولعموم وجوبها على كل مكلف، ولأن حسنها في نفسها بلا واسطة
بخلاف غيرها وصرح بالمضاف في قوله زكاة أموالكم، وأضمر في قوله خمسكم أي صلواتكم، وأبهم
في قوله شهركم أي رمضان للدلالة على أن الإنفاق من المال أشق وأصعب على النفس، أي أنفقوا مما
تحبونه ومما هو شقيق أنفسكم وأضاف الأموال إليهم لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم، ذكره
الطيبي. ولما كان السخط والرضا من أعمال القلوب زاد في رواية قوله (طيبة) بالتشديد أي منبسطة
منشرحة (بها أنفسكم) يقال طابت نفسه تطيب انبسطت وانشرحت. قال الزمخشري: ومن المجاز
طاب لي كذا إذا حل وطاب القتال والأنفس تذكر في مقام الشح غالباً، كقوله تعالى: ﴿ومن يوق شح
نفسه﴾ [الحشر: ٩ والتغابن: ١٦] وفيه إشارة إلى أنها تطيب المال ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم
وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣] وأنه ينبغي إخراجها من أطيب المال فالله طيب لا يقبل إلا طيباً، قال ابن
عطاء الله في التنوير: ومن خصائص الأنبياء أنه لا تجب عليهم الزكاة لأنها طهرة وهم مبرؤون من
الدنس لعصمتهم ولأنهم لا یشاهدون لهم ملكاً مع الله، ولم یذکر الحج في هذه الرواية لأنه إن لم یکن
له فرض فظاهر وإلا فكان المخاطبون يعرفونه وغالب أهل الحجاز يحجون کل عام، وقد ذكره في رواية
أخرى (وأطيعوا إذا أمركم) أي من ولى أموركم في غير إثم، قال الطيبي: وعدل عن قوله أميركم
ليكون أبلغ وأشمل كما في قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)
[النساء: ٥٩] قال في القواطع الطاعة من الطوع والانقياد، ومعناها تلقي الأمر بالقبول (تدخلوا)
بالجزم جواب الأمر (جنّة ربكم) الذي رباكم في نعمه وصانكم من بأسه ونقمه ويربي لكم الصدقات
عنده حتی یصیر الحقیر عظيماً، کما في خبر إن الله يقبل الصدقات فیربیها لأحدکم کما يربي أحدكم

١٦٩
حرف الهمزة
١٢٩ - ((أَتَّقُوا اللَّهَ وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ)). ابن عساكر عن ابن مسعود (ض).
١٣٠ - ((أَتَّقُوا اللَّهَ، فَإِنَّ أَخْوَنَكُمْ عِنْدَنَا مَنْ طَلَبَ الْعَمَلَ)). (طب) عن أبي
موسی (ح).
فلوه، وهذا هو سر التعبير هنا بالرب دون غيره والمراد بالإدخال مزيد رفع الدرجات والتجاوز عن
السيئات وإلا فمجرد الإيمان كاف لمطلق دخولها. وقد أشار بهذا الخبر إلى أمهات الأعمال البدنية
والمالية من الأفعال والتروك فالصلاة مشار بها إلى التجلي بكل خير والتخلي عن كل شر ﴿إن الصلاة
تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥]. والصوم المطلوب منه سكون النفس الأمارة بالسوء
وكسر شهوتها عن الفضول بالجوارح لخمود حركة لذاتها وعنه يصفو القلب ويحصل العطف على
الفقراء، فإنه لما ذاق الجوع أحياناً ذكر به من هذا حاله في كلها أو جلها فتسارع إليه الرقة فيبادر
بالإحسان فينال من الجزاء ما اعد لها في الجنان. والزكاة طهرة للنفس عن دنس البخل والمخالفة
وللمال بإخراج الحق لمستحقه، والإنفاق خلافه، والبخل عزل عن خلافة الله تعالى، فمتى جاد
الإنسان بالعطية عن طيب قلب ورضا نفس تمت خلافته وعظم فيها سلطانه وانفتح له باب إمداد
برزق أعلى، وإن بخل واستغنى تضاءل أمر خلافته وانقطع عنه المدد من الأعلى فبحق كانت الزكاة من
أمهات الأعمال فافهم هذا المقال. (تنبيه) سئل جدنا شيخ الإسلام يحيى المناوي عن وجه تأخير
الزكاة عن الصلاة في الذكر مع أن كلاً فرض يكفر جاحده، فأجاب بأن ذلك لمعان منها أن الزكاة لا
تجب إلّ على الأغنياء ومنها أنها لا تجب في العام إلا مرّة واحدة ومنها أنها تؤخذ جبراً (ت) وقال حسن
صحيح (حب ك) وكذا البيهقي (عن أبي أمامة) بضم الهمزة وخفة الميم واسمه صدي بضم المهملة
الأولى وفتح الثانية مصغراً ابن عجلان ضد المتأني الباهلي بالموحدة وكسر اللام السهمي آخر الصحابة
موتاً بالشام وهو مشهور ورواه الخلعي في فوائده وقال حجوا بیت ربكم وأدوا زكاتكم طيبة بها
نفوسکم.
١٢٩ - (اتقوا الله) في تجنب المحارم والقيام بالواجب (وصلوا) بكسر الصاد وضم اللام مخففة من
الصلة وهي العطية (أرحامكم) فإن قطيعتها مما يجب أن يتقى جمع رحم عام في كل رحم محرماً، وارثاً
وضدهما على الأصح والمراد الإحسان إلیھم قولاً وفعلاً وكف الأذى عنهم، وقد تضافرت على ذلك
نصوص الكتاب والسنة، وكفاك شاهداً على تأكد حقها والتحذير من قطعها قرنه سبحانه إياها باسمه
في قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ [النساء: ١] قال في الكشاف: قد آذن عز
وجل إذ قرن الأرحام باسمه أن صلتها منه بمكان كما قال ﴿أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً﴾
[الإسراء: ٢٣] وفيه أنه يحرم قطع الرحم، بل هو من الكبائر (ابن عساكر) في تاريخه (عن ابن مسعود)
بسند ضعيف ورواه الطبراني باللفظ المزبور عن جابر وزاد فإنه ليس من ثواب أسرع من صلة الرحم،
ورواه ابن جرير وعبد بن حميد عن قتادة وزاد فإنه أبقى لكم في الدنيا وخير لكم في الآخرة وبذلك
يصير حسناً.
١٣٠ - (اتقوا الله) خافوه واجتنبوا التطلع إلى ولاية المناصب (فإن أخونكم) أي أكثركم خيانة

١٧٠.
حرف الهمزة
١٣١ - ((أَتَّقُوا الْبَوْلَ: فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ فِي الْقَبْرِ)). (طب) عن أبي أمامة.
١٣٢ - «أَتَّقُوا الْحَجَرَ الْحَرَامَ فِي الْبُنْيَانِ، فَإِنَّهُ أَسَاسُ الْخَرَابِ)». (هب) عن ابن
عمر (ض).
(عندنا) معشر المسلمين أو النون للتعظيم ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: ١١] (من طلب
العمل) أي الولاية وليس من أهلها لأن طلبه لها وهو كذلك أوضح دليل على خيانته وإن كان أهلاً
فالأولى أن لا يطلبها ما لم يتعين عليه وإلا وجب، قال الراغب: والخيانة والنفاق واحد إلّ أن الخيانة
تقال باعتبار والعهد والأمانة والنفاق يقال باعتبار الدين ثم يتداخلان فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد
في السر ونقيض الخيانة الأمانة، قال الزمخشري: ومن المجاز خانه سيفه أي نبا عن الضربة، وخانته
رجلاه إذا لم يقدر على المشي، وخان الدلو الرشاء إذا انقطع، وتخون فلان حقي تنقصه كأنه خانه شيئاً
فشيئاً (طب عن أبي موسى) الأشعري: ورمز المصنف لحسنه.
١٣١ - (اتقوا البول) أي احذروا من التقصير في التنزه عنه، أو توقوا منه بعد ملابسته وبالتحرز
عن مفسدة تتعلق به كانتقاض الطهر لأن التهاون به تهاون بالصلاة التي هي أفضل الأعمال فلذا كان
أوّل ما يسأل عنه كما قال: (فإنه أول ما يحاسب به العبد) أي المكلف (في القبر) أي أوّل ما يحاسب فيه على
ترك التنزه منه إمّا أن يعاتب ولا يعاقب وإمّا أن يناقش فيعذّب، ولا ينافيه أن أوّل ما يحاسب به العبد
الصلاة يوم القيامة لأنه يحاسب على أوّل مقدماتها في أوّل مقدمات الآخرة، ثم يحاسب يوم القيامة على
جميع الشروط والأركان. كذا جمع به بعضهم ولكن نازع فيه المؤلف بأن ظاهر الأحاديث الواردة في
سؤال الملكين في القبر أنه لا يسأل فيه عن شيء من التكاليف غير الاعتقاد فقط، ويجاب بأن الملكين
منكراً ونكيراً لا يسألان إلّ عن الاعتقاد، وأما وظيفة المحاسبة فلغيرهما. وقد أجمع أهل السنة على
وجوب الإيمان بسؤال القبر وعذابه لآيات وأخبار متواترة المعنى، وفيه أن ترك التنزه من البول كبيرة
لاستلزامه بطلان الصلاة وحرمة التضمخ به بلا حاجة ووجوب الاستبراء أي إن ظن عود شيء لولاه،
وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد وقال أبو حنيفة: ولا ينافي كونه كبيرة قوله في قصة القبرين إنهما
ليعذبان وما يعذبان في كبير لأن المعنى لا يعذبان في كبير إزالته أو دفعه أو التحرز عنه فإنه سهل على
من يريد التوقي عنه فليس بكبير عليهم تركه، وإن كان كبيراً عند الله ﴿وتحسبونه هيناً وهو عند الله
عظيم﴾ [النور: ١٥] وفيه أن كل بول نجس ويدخل تحت عمومه بول ما يؤكل لأن الاسم المفرد
للعموم فهو حجة على مالك وأن قليله وكثيره سواه فلا يخفف في شيء منه وعليه الشافعي وجعل أبو
حنيفة قدر الدرهم من كل نجاسة عفواً قياساً على العفو عن المخرجين (طب) وكذا الحكيم (عن أبي
أمامة) الباهلي رمز المصنف لحسنه وهو أعلى من ذلك، فقد قال المنذري: إسناده لا بأس به. وقال
الحافظ الهيتمي: رجاله موثقون.
١٣٢ - (اتقوا الحجر) بالتحريك قال الحراني: هو ما تحجر أي اشتد تضام أجزائه من الماء
والتراب، وقال الراغب: هو الجوهر الصلب وجمعه أحجار وحجارة (الحرام) الذي لا يحل لكم أخذه
واستعماله والحرام الممنوع منه، قال في المحصول والحرام يسمى معصية وذنباً ومحظوراً ومزجوراً عنه

١٧١
حرف الهمزة
١٣٣ - ((أَتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّ مَا عَلِمْتُمْ: فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ
النَّارِ، وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْبِهِ فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). (حم ت) عن ابن عباس (ح).
وممنوعاً منه ومتوعداً عليه، أي من جهة الشرع (في البنيان) بأن تصونوه عنه وجوباً، ونبّه بالحجر على
غيره من جميع آلات البناء کجص وآجر وخشب وغيرها تما یبنی به، وفي رواية بدون ذکر الحجر وهو
أعم أي احذروا إنفاق المال الحرام في البناء (فإنه) أي فإن إدخال الحجر الحرام وما في معناه في البنيان
(أساس الخراب) أي قاعدته وأصله، قال الراغب: الأساس القاعدة التي يبنى عليها، قال
الزمخشري: ومن المجاز فلان أساس أمره الكذب، ومن لم يؤسس ملكه بالعدل فقد هدمه انتهى.
والمراد خراب الدين أو الدنيا بقلة البركة وشؤم البيت المبني به، أو أساس خراب البناء نفسه بأن يسرع
إليه الخراب في زمن قريب ولو لم يبن به لم يخرب سريعاً بل يطول بقاؤه لينتفع بغلته من بعد بنائه، قال
الزمخشري: مكتوب في الإنجيل الحجر الواحد في الحائط من الحرام عربون بالخراب، وقال وهب بن
منبه: وجدت في بعض كتب الأنبياء من استغنى بأموال الفقراء جعلت عاقبته الفقر، وأي دار بنيت
بالضعفاء جعلت عاقبتها الخراب، وورد في غير ما أثر أن البناء إذا كان من حرامٍ لم يطل تمتّع صاحبه به
بل في خبر رواه الحاكم من حديث أمير المؤمنين المرتضى: إن لله عز وجل بقاعاً تسمى المنتقمات فإذا
كسب الرجل المال من حرام سلط الله عليه الماء والطين ثم لا يمنعه به اهـ، وذهب بعضهم إلى أن المراد
بالبنيان كل أمر أسسه وبناه من دينه ودنياه إذا كان إمداده وإنفاقه من حرام ﴿أفمن أسس بنيانه على
تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار﴾ [التوبة: ١٠٩] انتهى. وهذا وإن
كان لمجيئه مجال في رواية إسقاط لفظ الحجر لا مجال له على رواية إثباته إلّ بتكليف يصان عن مثله كلام
المصطفى العذب الزلال (هب) من حديث معاوية بن يحيى عن الأوزاعي عن حسان بن عطية (عن)
عبد الله (بن عمر) بن الخطاب، قال ابن الجوزي: حديث لا يصح ومعاوية ضعيف وحسان لم يسمع
من ابن عمر انتهى، لكن له طرق وشواهد وممن رواه الخطيب: والبيهقي والديلمي وابن عساكر
والقضاعي في الشهاب وقال شارحه غريب جداً.
١٣٣ - (اتقوا الحديث عني) أي لا تحدثوا عني (إلا ما علمتم) أي تعلمونه بمعنى تتيقنون صحة
نسبته إليّ. وقال الطيبي: يجوز أن يراد بالحديث الاسم فالمضاف محذوف، أي احذروا رواية الحديث
عني أو أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول وعني متعلق به والاستثناء منقطع والمعنى احذروا من الحديث
عني، لكن لا تحذروا تما تعلمونه انتهى. والحديث عرفاً ما روي من قول المصطفى قيل أو الصحابي أو
التابعي أو فعلهم أو تقريرهم وقد يخص بما يرفع إلى النبي وه من قول أو فعل أو تقرير كذا في التلويح
وغيره، وأهله النقلة له المعتنون بما يتعلق به (فمن كذب عليّ متعمداً) حال من الضمير المستتر في كذب.
الراجع إلى من (فليتبوأ مقعده من النار) أي فليتخذ له محلاً فيها لينزل فيه فهو أمر بمعنى الخبر، قال
الرافعي: أو دعاء أي بوأه الله ذلك فليتبوأ اتخاذ المنزل والمقعد محل القعود وجاء به بلفظ الأمر جواباً
للشرط ليكون أبلغ في وجوب الفعل وألزم له، وقال الطيبي: الأمر بالتبوؤ تهكم وتغليظ إذ لو قال
كان مقعده في النّار لم يكن كذلك والكذب عليه و9 من الكبائر الموبقة والعظائم المهلكة لإضراره
بالدين وإفساده أصل الإيمان والكاذبون عليه كثيرون، وقد اختلفت طرق کذيهم كما هو مبين في

١٧٢
حرف الهمزة
١٣٤٠٠ - ((أَتَّقُوا الدُّنْيَا، وَأَتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ إِبْلِيسَ طَلَّحْ رَصَّادٌ، وَمَا هُوَ بِشَيْءٍ مِنْ
مبسوطات أصول كتب الحديث. قال بعضهم وعموم الخبر يشمل الكذب في غير الدين ومن خصه به
فعليه الدليل (ومن قال في القرآن برأيه) أي من شرع في التفسير من غير أن يكون له خبرة بلغة العرب
ووجوه استعمالاتها في نحو حقيقة ومجاز ومجمل ومفصل وعام وخاص وغير ذلك من علوم القرآن
ومتعلقات التفسير وقوانين التأويل (فليتبوأ مقعده من النار) المعدة في الآخرة، لأنه وإن طابق المراد
بالآية فقد ارتكب أمراً فظيعاً واقتحم هولاً شنيعاً، حيث أقدم على كلام رب العالمين بغير إذن الشارع
ومن تكلم فيه بغير إذنه فقد أخطأ وإن أصاب، قال الغزالي: ومن الطامات صرف ألفاظ الشارع عن
ظاهرها إلى أمور لم يسبق منها إلى الأفهام كدأب الباطنية، فإن الصرف عن مقتضى ظواهرها من غير
اعتصام فيه بالنقل عن الشارع وبغير ضرورة تدعو إليه من دليل عقلي حرام (حم ت) في التفسير (عن
ابن عباس) رمز المصنف لحسنه اغتراراً بالترمذي، قال ابن القطان: وينبغي أن يضعف إذ فيه
سفيان بن وكيع، قال أبو زرعة: متهم بالكذب لكن ابن أبي شيبة رواه بسند صحيح، قال أعني ابن
القطان: فالحديث صحيح من هذا الطريق لا من الطريق الأوّل انتهى. وبه يعرف أن المصنف لم يصب
في ضربه صفحاً عن عزوه لابن أبي شيبة مع صحته عنده، وممن جرى على سنن ابن القطان في تضعيف
رواية الترمذي الصدر المناوي، فقال: فيه شيخ الترمذي سفيان بن وكيع ضعيف، وأقول فيه عند
أحمد عبد الأعلى الثعلبي أورده الذهبي في الضعفاء وقال ضعفه أحمد وأبو زرعة.
١٣٤ - (اتقوا الدنيا) أي احذروا الاغترار بما فيها فإنها في وشك الزوال ومظنة الترحال فلا
تقربوا الأسباب المؤدية للانهماك فيها أو الزيادة على الحاجة فإنها عرض زائل وحال حائل، وقال
بعضهم
أَقْبَلتِ الدُّنْيَا وَكَمْ قَتَلَتْ كَمْ سَتَّرَتِ الدُّنْيَا وَكَم فَضَحَتْ
فالسعيد من إذا مدت إليه باعها باعها، والشقي من إذا مدت إليه باعها أطاعها. والدنيا عند
أهل الطريق عبارة عما شغل عن الله سبحانه تعالى (واتقوا النساء) أي احذروا الافتتان بهن وصونوا
أنفسكم عن التطلع إليهنّ والتقرب منهنّ بالحرام، (فإن إبليس) من أبلس تحيز أو من البلس محركاً من
لا خیر فیه أو عنده إبلاس وشر والملبس الساكت حزناً، کذا قرره بعضهم وأبطله الکشاف بأنه لو كان
إفعیلاً من الإبلاس کما زعموا لم یکن فیه إلّ سبب واحد وهو العلیة و کان منصرفاً فمنع صرفه دلیل
العجمة، قال ابن العماد: ولإبليس اثنان وثلاثون اسماً ومن أولاده ثلاثة عشر لكل منهم اسم يخصه
(طلاع) بفتح الطاء وشد اللام صيغة مبالغة من قولهم رجل طلاع الثنايا مجرب للأمور ركاب لها
يعلوها ويقهرها ويهجم عليها بشدة وغلبة. قال الزمخشري: ومن المجاز طلع علينا فلان هجم
(رصاد) بالتشديد أي رقاب وثاب كما يرصد القطاع القافلة فيثبون عليها، قال الراغب: والرصد
الاستعداد والترقب، وقال الزغشري: رصدته رقبته وفلان يخاف رصداً من قدامه وطلباً من ورائه أي
عدواً يرصده، ﴿فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً﴾ [الجن: ٩] ومن المجاز أنا لك بالرصد
والمرصاد أي لا تفوتني وفي التنزيل ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ [الفجر: ١٤] أي مراقبك لا تخفى عليه

١٧٣
حرف الهمزة .
فُخُوخِهِ بِأَوْثَقَ لِصَيْدِهِ فِي الأَتْفِيَاءِ مِنَ النِّسَاءِ». (فر) عن معاذ (ض).
أعمالك ولا تفوته، فالشيطان لما رأى الإنسان خلق عجولاً راغباً في العاجلة توسل إليه بواسطة
العجلة التي في طبعه، فوعده بالغرور واستغواه وكره إليه المصير للآخرة وزين له الحاضرة ونصب له
فخوخاً، كالبحار الزاخرة (وما) نافية (هو بشيء) الباء زائدة والتنكير للتعميم لأنه في سياق النفي
(من) بيانية (فخوخه) جمع فخ بفتح الفاء وشد الخاء المعجمة آلة الصيد، قال الزمخشري: من المجاز
وثب فلان من فخ إبليس إذا تاب (بأوثق) أحكم (لصيده) أي لمصيده (في الأتقياء) خصهم لما لهم من
الشهرة على قهر الشيطان ورد كيده (من النساء) بيان للأوثق أي ما يثق في صيده الأتقياء بشيء من
آلات الصيد وثوقه بالنساء أما كونهن من فخوخه فلأنه جعلهن مصيدة يزينهن في قلوب الرجال
ویغریہم بهن فیورطهم في الزنا کصائد ینصب شبکته لیصطاد بها ويغري الصيد عليها ليقع في حبائلها،
قال أبو حمزة الخراساني: النظر رسول البلايا وسهام المنايا، وقال بعض الحكماء: من غلب هواه عقله
افتضح ومن غض طرفه استراح، وقال بعضهم: لا شيء أشد من ترك الشهوة تحريك الساكن أيسر من
تسكين المتحرك، وقال ابن الحاج قال صاحب الأنوار احذروا الاغترار بالنساء وان كن نساكاً عباداً
فإنهن يركنّ إلى كل بلية ولا يستوحشن من كل فتنة وقال بعض العارفين: ما أيس الشيطان من إنسان
قط إلّ أتاه من قبل النساء لأن حبس النفس ممكن لأهل الكمال إلّ عنهن لأنهن من ذوات الرجال
وشقائقهم ولسن غيراً حتى يمكن التباعد عنه والتحرز عنه ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق
منها زوجها﴾ [الأعراف: ١٨٩] وما عداهن فاتباع هوى النفس فيه آية تكذيب وعد الرحمن وعلامة
الاسترسال مع الشيطان وتصديقه فيما يزينه من البهتان ولذا نرى الكامل الحازم منقاداً مسترسل
الزمام لتلك الناقصات عقلاً ودیناً مقهوراً تحت حكمهنّ قال:
قَتَلْنَنَا ثم لم يُحييِنَ قَتْلاَنَا
إِنَّ العُيُونَ الشَّي في طَرْفِهَا حَوَرٌ
وَهُنَّ أَضْعَفُ خَلقِ اللَّهِ أَرْكَانًا
يَصْرَعْنَ ذا اللُّبِّ حَتَّى لاَ حِرَاكَ بِهِ
وقال الرشيد الخليفة :
وحَلِلْنَ مِنَ قَلْبِي أَعَزَّ مكان
مِلْكُ الثَّلاثِ مِنَ الإِنَاثِ عَنَاني
وأطِيعُهنَّ وهُنَّ في عِصْيَاني
ما لي تُطَاوِعُنِي البَرِيَّةُ كُلُّهَا
وبه غَلَبْنَ أَعَزَّ من سُلْطاني
ما ذاكَ إلّ أَنَّ سُلْطَانَ الهَوَى
فعلى من ابتلي بالميل إليهن مصارعة الشيطان فإذا غلب باعث شهوة الوقاع المحرم بحيث لا
يملك معها فرجه أو ملكه ولم يملك طرقه أو ملكه ولم يمل قلبه أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة من
الأطعمة فيقللها كما وكيفما ويحسم محرك الغضب وهو النظر، ففي خبر أحمد: النظر إلى محاسن المرأة
سهم من سهام إبليس؛ وهذا السهم يسدده إبليس نحو القلب ولا طريق إلى ردّه إلّ الغض
والانحراف عن جهة المرمى فإنه إنما يرمي هذا السهم عن قوس الصورة فإذا لم تقف في طريقها أخطأك
السهم، وإن نصبت قلبك غرضاً أصابك وأن تسلي النفس بالمباح المعوض عن الحرام، فالدواء الأوّل؛
يشبه قطع العلف عن الدابة الجموح والكلب الضاري لإضعاف قوتهما، والثاني: كتغييب الشعير عن

١٧٤
حرف الهمزة
١٣٥ - ((أَتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). (حم طب هب) عن ابن
عمر (صح).
١٣٦ - ((أَتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ
الدابة، أن تتفكر في مفاسد قضاء هذا الوطر فإنه لو لم يكن جنّة ولا نار ففي مفاسده الدينوية ما يصد
عن إجابة ذلك الداعي لكن عين الهوى عمياء (فر عن معاذ) بن جبل وفيه هشام بن عمار، قال أبو
حاتم: صدوق تغیر فکان یتلقن کما یلقن وقال أبو داود حدث بأكثر من أربعمائة حديث لا أصل لها
وفيه سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية وهو الحمصي، قال الذهبي في الضعفاء: متهم بالوضع.
١٣٥ - (اتقوا الظلم) الذي هو مجاوزة الحد والتعدي على الخلق، وقال الراغب: هو لغة وضع
الشيء في غير موضعه المختص به بنقص أو زيادة أو عدول عن وقته أو مكانه، ويقال لمجاوزة الحق
الذي يجري مجرى نقطة الدائرة انتهى. وذلك لأن الشرائع تطابقت على قبحه واتفقت جميع الملل على
رعاية حفظ الأنفس فالأنساب فالأعراض فالعقول فالأموال. والظلم يقع في هذه أو في بعضها وأعلاه
الشرك ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣] وهو المراد بالظلم في أكثر الآيات ﴿والكافرون هم
الظالمون﴾ [البقرة: ٢٥٤] ويدخل فيه ظلم الإنسان لنفسه بارتكاب المعاصي إذ العصاة ظلام أنفسهم؛
وأقبح أنواعه ظلم من ليس له ناصر إلا الله؛ قال ابن عبد العزيز: إياك إياك أن تظلم من لا ينتصر
عليك إلّ بالله فإنه تعالى إذا علم التجاء عبد إليه بصدق واضطرار انتصر له فوراً ﴿أمّن يجيب المضطر
إذا دعاه ويكشف السوء﴾ [النمل: ٦٢] (فإن الظلم) في الدنيا (ظلمات) على أصحابه بمعنى أنه
يورث ظلمة في القلب فإذا أظلم القلب تاه وتحير وتجبر فذهبت الهداية والبصيرة فخرب القلب فصار
صاحبه في ظلمة (يوم القيامة) فالظلمة معنوية لما كان الظلم مفضياً بصاحبه إلى الضلال الذي هو ضد
الهدى، كان جديراً بالتشبيه بالظلمة كما في ضده من تشبيه الهداية بالنور، وقيل حسّية فيكون ظلمه
ظلمات عليه فلا يهتدي في القيامة بسببه وغيره من المؤمنين يسعى نوره بين يديه، قال الحراني:
والظلمة ما يطمس الباديات حساً أو معنى، وقال الزمخشري: هي عدم النور وانطماسه بالكلية، وقيل
عرض ينافي النور من قولهم ما ظلمك أن تفعل كذا، أي ما منعك وشغلك لأنها تسد البصر وتمنع
الرؤية، وجمعها دلالة على إرادة الجنس واختلاف أنواع الظلم الذي هو سبب لأنواع الشدائد في القيامة
من الوقوف في العرصات والحساب والمرور على الصراط وأنواع العقاب في النار (حم طب) عن ابن
عمر، قال الهيتمي: فيه عطاء بن السائب وقد اختلط وبقية رجاله رجال الصحيح (هب عن) عبد الله
(بن عمر) بن الخطاب أورده البيهقي من طريقين، وفي إحداهما مالك بن يحيى اليشكري، ساقه
الذهبي في الضعفاء وقال: جرحه ابن حبان، وفي الأخرى عمرو بن مرزوق، أورده الذهبي في ذيل
الضعفاء، قال: غير ثقة، وقال الدارقطني: كثير الوهم، وبما تقرر يعرف ما في رمز المؤلف لصحته
من المجازفة .
١٣٦ - (اتقوا الظلم) بأخذ مال الغير بغير حق أو التناول من عرضه ونحو ذلك، قال بعضهم :.
ليس شيء أقرب إلى تغيير النعم من الإقامة على الظلم (فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) فلا يهتدي الظالم

١٧٥
حرف الهمزة
أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَأَسْتَحَلُوا مَحَارِمَهُمْ)). (حم خدم)
عن جابر (صح).
١٣٧ - ((أَتَّقُوا الْقَدَرَ، فَإِنَّهُ شُعْبَةٌ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ)). ابن أبي عاصم (طب عد) عن ابن
عباس.
يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا فربما وقع قدمه في وهدة فهو في حفرة من حفر النار، وإنما ينشأ
الظلم من ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى تجنب سيل الردى، فإذا سعى المتقون بنورهم
الحاصل بسبب التقوى احتوشت ظلمات ظلم الظالم فغمرته فأعمته حتى لا يغشى عنه ظلمه شيئاً.
وفي خبر لابن مسعود: يؤتى بالظلمة فيوضعون في تابوت من نار ثم يقذفون فيها (واتقوا الشح) الذي
هو بخل مع حرص أو منع الواجب أو البخل بما في يد الغير أو غير ذلك؛ قال الزمخشري: بالضم
والكسر أي والضم أفصح اللوم وأن تكون نفسه كزيزة حريصة والبخل أعم فقد يكون بخل ولا شح
ثمة ولا ينعكس، قال الطيبي: فالبخل مطلق المنع والشح المنع مع ظلم، وعطف الشح الذي هو نوع
من أنواع الظلم على الظلم إشعاراً بأن الشح أعظم أنواعه لأنه من نتائج حب الدنيا ولذاتها، ومن ثم
وجهه بقوله: (فإن الشح) بتثليث الشين (أهلك من كان قبلكم) من الأمم (وحملهم على أن سفكوا
دماءهم) أي أسالوها بالقوة الغضبية بخلا بالمال وحرصاً على الاستئثار به (واستحلوا محارمهم) أي
استباحوا نساءهم أو ما حرّم الله من أموالهم وغيرها. وهذا على سبيل الاستئناف فإن استحلال
المحارم جامع لجميع أنواع الظلم وعطفه على سفك الدماء عطف عام على خاص عكس الأوّل،
والسفك كما قال الحراني: سكب بسطوة، وقال القاضي: السفك والسكب والسبك والسفح والشن
أنواع من الصب، فالسفك يقال في الدم والسكب في الدمع والسبك في الجوهر المذابة والسفح في
الصب من أعلى والشن في الصب من فم القربة انتهى. وإنما كان الشح سبب ما ذكر لأن في بذل المال
والمواساة تحابياً وتواصلاً، وفي الإمساك تهاجر وتقاطع وذلك يجر إلى تشاجر وتغادر من سفك
الدماء واستباحة المحارم. ومن السياق عرف أن مقصود الحديث بالذات ذكر الشح وذكر الظلم توطئة
وتمهيداً لذكره وأبرزه في هذا التركيب إيذاناً بشدة قبح الشح وأنه يفضي بصاحبه إلى أفظع المفاسد حيث
جعله حاملاً على سفك الدماء الذي هو أعظم الأفعال الذميمة وأخبث العواقب الوخيمة ﴿ومن یوق
شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ٩]. قال بعض العارفين الشح مسابقة قدر الله، ومن سابق
القدر سبق ومغالبة لله، ومن غالب الحق غلب ذلك لأن الحريص يريد أن ينال ما لم يقدر له فعقوبته في
الدنيا الحرمان، وفي الآخرة الخسران (حم خد عن جابر) بن عبد الله ولم يخرجه البخاري في الصحیح،
١
قال الديلمي: وفي الباب جندب وغيره.
١٣٧ - (اتقوا القدر) بالتحريك أي احذروا إنكاره فعليكم أن تعتقدوا أن ما قدّر في الأزل لا بد
من وقوعه وما لم يقدّر فوقوعه محال، وأنه تعالى قدرّ الخير والشر قبل خلق الخلق وأن جميع الكائنات
بقضائه وقدره، خالق كل شيء أو المراد احذروا الخوض فيه؛ وقد ورد النهي عن الخوض فيه في غير ما
حديث. قال ابن رجب: والخوض فيه يكون على وجوه، منها ضرب القران بعضه ببعض فينزع المثبت

١٧٦
حرف الهمزة
١٣٨ - ((أَتَّقُوا اللَّعِنَيْنِ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلُّهِمْ)). (حم م د)
عن أبي هريرة (صح).
للقدر بآية والنافي بأخرى ويقع التجادل، ومنها الخوض فيه إثباتاً ونفياً بالأقيسة العقلية كقول القدرية
لو قدر ثم غلب ظلم وقول مخالفيهم إن الله جبر العباد على أفعالهم، ومنها الخوض في سر القدر فإن
العباد لا يطلعون على حقيقته انتهى؛ ومن هذا التقرير عرف أن المنهي عنه الخوض والتوغل لا النظر في
أصله فإنه مطلوب محبوب بل واجب على من قدر على تحقيقه. ألا ترى إلى قول المولى ابن الكمال:
النظر في أصل القدر مما يثاب عليه، وأما الخوض فيه تفصيله وزيادة التوغل في أسراره فمنهي عنه
انتهى؛ قال الإمام أبو الليث: إن استطعت أن لا تخاصم في مسألة القدر فافعل فإن الشارع نهى عن
الخوض في فكما أن الخوض في ذلك البحر المتلاطم أمواجه والغوص في جوفه المظلم منهي عنه،
فكذلك الجدل فيه إذ لا يخلوا عن الخلل فلذلك نهى عنه صاحب الشرع، وفي حواشي الكشاف كتب
عمر بن عبد العزيز لبعضهم: بلغني أنك قدري، فكتب إليه من أنكر القدر فقد فجر ومن ورك ذنبه
على الله فقد كفر ولم يدر أن ما فاته حجة عليه لا له (فإنه شعبة من النصرانية) أي فرقة من فرق دين
النصارى لأن المعتزلة الذين هم القدرية أنكروا إيجاد الباري سبحانه وتعالى فعل العبد فجعله بعضهم
كالجبائية غير قادر على عينه والبعض كالبلخي وأتباعه غير قادر على مثله وجعلوا العبد قادراً على فعله
فهو إثبات للشريك كقول النصارى فالإيمان والكفر عندهم من فعل العبد لا من فعل الرب وبذلك
كفرهم قوم، لكن المختار عدم تكفيرهم لتعارض الشبهة عليهم، قال في القاموس: والنصرانية واحدة
النصارى والنصرانية أيضاً دينهم والشعبة بالضم الطائفة من الشيء. وفي الصحاح شعب الشيء فرقه
(ابن أبي عاصم) أحمد بن عمرو (طب عد) كلهم (عن) عبد الله (بن عباس) قال الهيتمي: وفيه
نزار بن حيان ضعيف انتهى. وفي الميزان فيه لين، قال ابن حبان: يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه
حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لذلك ثم ساق له هذا الخبر اهـ.
١٣٨ - (اتقوا اللعانين) وفي رواية لمسلم وأبي داود اللاعنی ن، قال النووي: وهما روايتان
صحيحتان أي الأمرين الجالبين للعن أي الشتم والطرد الباعثين عليه من قبيل تسمية الحاصل فاعلاً
قالوا وما اللعانين؟ قال: (الذي يتخلى) فيه إضمار تقديره تخلى الذي يتخلى ولا يطابق الجواب السؤال
بدون ذلك أي أحدهما تغوط الذي يتغوط (في طريق الناس) يعني طريق المسلمين المسلوك كما قيده
بذلك في رواية الحاكم فخرج طريق الكفار الذي لا يسلكه غيرهم والطريق المهجور الذي لا يسلك إلّ
نادراً لأن من فعلهما يلعن ويسب فلما كانا سبباً للعن أسند الفعل إليهما وقيل لاعن بمعنى ملعون
کقولهم سر کاتم بمعنی مکتوم فالمراد المسلوك لا المهجور والتعمیم رأی مهجور. (أو في) في رواية وفي
(ظلهم) أي والثاني تغوط الذي يتغوط في ظلهم الذي اتخذوه مقیلاً فإذا وجده أحد، قال: لعن الله من
فعله فيكره ذلك تنزيهاً وقيل تحريماً واختاره النووي لهذا الحديث وذلك لأنه إيذاء للناس بابطال
منفعتهم من ذلك، بل قال الذهبي : إنه كبيرة لكن الأصح عند الشافعي الكراهة التنبيهية وما ذكرته من
تفسير التخلي بالتغوط هو ما مشى عليه النووي جازماً، لكن قال الولي العراقي: إنه مردود وإن البول

١٧٧
حرف الهمزة .
١٣٩ - ((أَتَّقُوا الْمَلاَعِنَ الثَّلاَثِ: الْبِرَازُ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظُّلِّ».
(د هـ ك هق) عن معاذ (صح).
كالغائط لأن التخلي التفرد لقضاء الحاجة غائطاً أو بولاً والمعنى يساعده إذ التنجيس والاستقذار موجود
فيهما، والظل لغة الستر ومنه أنا في ظل فلان وعرفا أمر وجودي خلق لنفع البدن تدل عليه الشمس
لكن في الدنيا والآخرة بدليل ﴿وظل ممدود﴾ [الواقعة: ٣٩] بلا شمس (حم مد) في الطهارة (عن أبي
هريرة) ولم يخرجه البخاري ورواه عنه ابن حبان بلفظ وفي أفنيتهم بدل أو في ظلهم.
١٣٩ - (اتقوا الملاعن) موضع اللعن جمع ملعنة الفعلة التي يلعن عليها فاعلها وذلك لأن من
فعلها شتم ولعن فلما كانت سبباً لذلك أضيف الفعل إليها (الثلاث) وفي رواية الثلاثة والأوَّل القياس
لأنه عدد لمؤنث (البراز في الموارد) بكسر الباء على المختار كناية عن الغائط وبفتحها وهو الفضاء الواسع
كذا في المجموع ويشهد له قول مختار الصحاح كأصله البراز بالكسر المبارزة في الحرب، وهو أيضاً كناية
عن الغائط والبراز بالفتح الفضاء الواسع، هذه عبارته، وجزم بقضيته في القاموس حيث قال: البراز
ككتاب الغائط فقول الخطابي أكثر الرواة يكسرون أوله وهو غلط هو الغلط، قال ابن حجر: عقب
حكاية ما ذكر عن الصحاح فعلى هذا من فتح أراد الفضاء إن أطلقه على الخارج فهو من باب اطلاق
اسم المحل على الحال ومن كسر أراد نفس الخارج انتهى. وفي بعض حواشي المهذب أنه بالكسر لا
بالفتح لأنه بالكسر كناية عن ثقل الغذاء قال وهو المراد بالحديث، قال في تهذيب الأسماء واللغات،
وهذا هو الظاهر أو الصواب وأكثر الرواة عليه فتعين المصير إليه أنه قال: والمعنى عليه ظاهر لا يظهر
معنى الفضاء الواسع إلّ بتأويل وكلفة وقال الكمال ابن أبي شريف: وجدت بخط النووي في قطعة
كتبها على سنن أبي داود بعد أن نقل قول الخطابي أن الكسر غلط ما نصه وليس الكسر غلطاً بل هو
صحيح أو أصح، فقد ذكر الجوهري وغيره: أنه بالكسر اسم للغائط الخارج من الإنسان انتهى، وقال
الولي العراقي في شرح أبي داود: إذا ثبت أن البراز بالكسر ثقل الغذاء. وأكثر الرواة على الكسر تعين
المصير إليه ولا يظهر معنى الفتح إلّ بتوسّع وانتقال عن المدلول الأصلي إلى غيره انتهى، وبتدبير ذلك
يعرف أن البيضاوي لم يصب حيث قال: هو هنا بفتحها فإن أصل المفتوح الفضاء الواسع قال،
والتركيب يدل على الظهور فكنوا به عن الغائط ثم اشتق منه تبرز إذا تغوط والمراد الأمكنة التي يوافيها
الناس كالأندية انتهى. وتبعه على ذلك الهروي في شرح المصابيح وزاد، فقال: والبراز بكسرها
تصحيف، إذ هو المبارزة في الحرب، والمراد بالموارد مناهل الماء أو الأمكنة التي يأتيها الناس كاندية
رجح الأوّل بموافقته لقوله في الحديث الآتي: أو في نقع ماء والحديث يفسر بعضه بعضاً وإرادة طرق
الماء بعيدة هنا (وقارعة الطريق) أعلاه أو جادته أو وسطه أو صدره أو ما برز منه فكلها متقاربة مشتقة
من القرع أي الضرب فهي مقروعة بالقدم والحافر وذلك من تسمية المفعول بالفاعل (والظل) الذي
يجتمع فيه الناس لمباح ومثله كل موضع اتخذوه لمصالحهم ومعايشهم المباحة واستدل به على أنه لا يجوز
قضاء الحاجة في المواضع التي يردها الناس للاستسقاء منها لإيذاء الناس بتنجيسهم وتقذيرهم، به
صرح ابن قدامة الحنبلي وبعض المالكية الشافعية، لكن اقتصر جمهورهم على عده من الآداب وحملوا
فيض القدير ج١ م١٢

١٧٨
حرف الهمزة
١٤٠ - ((أَتَّقُوا الْمَلَائِنَ الثَّلاَثِ: أَنْ يَقْعُدَ أَحَدُكُمْ فِي ظِلِّ يُسْتَظَلُّ فِيهِ، أَوْ فِي طَرِيقٍ،
أَوْ فِي نَفْعِ مَاءٍ)). (حم) عن ابن عباس (صح).
١٤١ - ((أَتَّقُوا الْمَجْذُومَ كَمَا يُتَّقَى الأَسَدُ)). (تخ) عن أبي هريرة.
الأحاديث على الكراهة (ده ك هق). وكذا الطبراني (عن معاذ) بن جبل وظاهر صنيع المؤلف أن
مخرجيه خرّجوه ساكتين عليه. والأمر بخلافه فقد جزم أبو داود نفسه بأنه منقطع وتبعه عبد الحق وابن
القطان وغيرهما مبينين أن انقطاعه فيما بين أبي سعيد الحميري ومعاذولم يدركه. بل أبو سعيدهذا
مجهول أيضاً، كما قاله الذهبي وغيره لكن قال النووي: إنه حديث حسن. قال الولي العراقي: ولعله
ارتقى درجة الحسن بوجود الشواهد، قال مغلطاي: هو كما قالوا، لكن له شواهد عند أحمد انتهى.
وقد أحسن المؤلّف حیث عقبه فقال.
١٤٠ - (اتقوا الملاعن الثلاث) قالوا وما هي يا رسول الله؟ قال: (أن يقعد أحدكم) لقضاء
حاجته ويقضيها (في ظل) نكره للعموم فيعمّ ظل الحائط والشجر وغير ذلك. (يستظل) بالبناء
للمفعول أي يستظل الناس (فيه) للوقاية من حر الشمس، وقيس به موضع الشمس في الشتاء (أو في
طريق) أي مسلوك للمسلمين، قال الولي العراقي: وهل ذكر قارعة الطريق في الحديث قبله تقييد
لإطلاق الطريق هنا أو ذكر لبعض أفراده؟ فيه احتمال، فعلى الأوَّل يحمل المطلق على المقيد ويختص
النهي بقارعة الطريق، وعلى الثاني فالحكمة في تخصيص القارعة بالذكر فيما قبله أن حصل الأذى
بالبول فيها أكثر فالاهتمام بالنهي هنا أشد، ويحتمل أن يراد بقارعة الطريق نفس الطريق كما يشير إليه
كلام النهاية (أو في نقع ماء) بالإضافة أي ماء ناقع بنون مفتوحة ثم قاف ساكنة أي مجتمع ومستنقع الماء
بالفتح مجتمعه. قال الزمخشري: نقع الماء في بطن الوادي وانتقع ثبت واجتمع ومن المجاز انقع له الشر
أثبته له وأدامه، ومقصود الحديث النهي عن البول في الماء الراكد ونحوه فيكره فيه وكذا بقربه تنزيهاً.
(تنبيه) قال النووي: في الأذكار ظاهر هذه الأحاديث تدل على جواز لعن العاصي مع التعيين، أي أنه
لو لم يجز لعنه كانت اللعنة على لاعنه: والمشهور حرمة لعن المعين، وأجاب الزين العراقي بأنه قد
يقال: إن ذلك من خواص المصطفى وَ ل﴿ وعلى آله وسلم لقوله: ((اللهم إنيّ أتخذ عندك عهداً أيما مسلم
سببته أو لعنته)). الحديث (حم عن ابن عباس) رمز المؤلف لضعفه وهو كما قال: فقد بين مغلطاي، أن
أحمد رواه من حديث ابن المبارك عن ابن لهيعة ثم قال: أعني مغلطاي هو مرسل لأنه أبهم الراوي فيه
عن ابن عباس وإبن لهيعة مختلف فيه لكن ذلك لا يقدح في إيراده شاهداً لما قبله لأن الشواهد لا يعتبر
لها شرط الصحيح من كل وجه انتهى. وقال المنذري: ضعيف، وقال ابن حجر: فيه ضعف لأجل
ابن لهيعة والراوي عن ابن عباس متهم انتهى. وقال الهيتمي: فيه ابن لهيعة ورجل لم يسم.
١٤١ - (اتقوا) احذروا ندباً وإرشاداً (المجذوم) أي مخالطة الذي به جذام وهو داء رديء يحدث
من انتشار المرّة السوداء بالبدن فيفسد مزاج الأعضاء وتشاكلها وربما تأكلت أو اسودت وسقطت.
والفعل منه جذم على بناء المفعول (كما يتقى) بضم الياء التحتية وشد المثناة فوق مفتوحة بضبط المؤلف
أي مثل اتقاء (الأسد) أي اجتنبوا مخالطته كما تجتنبوا مخالطة الأسد الحيوان المفترس، فإنه يعدي

١٧٩
حرف الهمزة
١٤٢ - ((أَتَّقُوا صَاحِبَ الْجُذَامِ كَمَا يُتَّقَى السَّبُعُ، إِذَا هَبَطَ وَادِياً فَأَهْبِطُوا غَيْرَهُ». ابن
سعد عن عبد الله بن جعفر.
١٤٣ - ((أَتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)). (ق ن) عن عدي بن حاتم (حم) عن عائشة (طس)
المعاشر كما جزم به الشافعي في الأم في موضع، وحكاه عن الأطباء والمجربين في آخر، ونقله غيره عن
أفاضل الأطباء فقالوا: مقاربة المجذوم معدية برائحته قد تكون الطبيعة سريعة الانفعال قابلة
للاكتساب من أبدان المجاورين والمخاطبين بل الوهم وحده من أكبر أسباب الإصابة والرائحة أشد
أسباب العدوى، لكن لا بد معها من كمال استعداد البدن ولا ينقاضه خبر لا عدوى ولا طيرة لأنه
نفي لاعتقاد الجاهلية نسبة الفعل لغير الله فوقوعه بفعله تقدس، أو لأن الطاعون ينزل ببلد فيخرج منه
خوف العدوى. وأما المجذوم ومثله المسلول فلم يرد به في هذا الخبر وما أشبهه إلّ التحرز عن تعدي
الرائحة فإنها تسقم من أطال اشتمامها باتفاق حذّاق الأطباء، وأكل المصطفى معه تارة وتارة لم
يصافحه لبيان الجواز وصحة الأمر على سالك طريق الفرار وسالك طريق التوكيل ففعل الأمرين ليأخذ
من قويت ثقته بربه بطريق التوكل ومن ضعف بطريق التحفظ، والحاصل أن الأمور التي يتوقع منها
الضرر قد أباحت الحكم الربانية التحرّز عنها فلا ينبغي للضعفاء أن يقربوها. وأما أهل الصدق
واليقين فبالخيار على ذلك ينزل ما تعارض من الأخبار واحتج بها الشافعي كالجمهور على إثباته الخيار
في فسخ النكاح به وعارضه المخالف بأن الخبر يجب الفرار لا الخيار، وأجيب بأن الأمر بالفرار من
أعظم الأعذار فلا ثبت في الخيار (تخ عن أبي هريرة) رمز المؤلف لصحته.
١٤٢ - (اتقوا) إرشاداً (صاحب الجذام كما يتقى السبع) وفي رواية الأسد أي احذروا مخالطته
وتجنبا قربه وفروا منه كفراركم من الأسود الضارية والسباع العادية حتى أنه (إذا هبط وادياً فاهبطوا
غيره) مبالغة في التباعد عنه. (فإن قلت) لم خص الأسد دون الحية ونحوها الأعظم ضراراً (قلت) فيه
مناسبة لطيفة وهي أنه يسمى داء الأسد. ومما قيل في توجيه التسمية أن العلة كثيراً ما تعتريه وأنها تحمّر
وجه صاحبها وتجعله في سحنة الأسد، وفيه إشارة أيضاً إلى أنه يفترس من یعديه ویدنو منه افتراس
الأسد بقوته، والحية إنمّا تقتل بسمَّها لا بعزمها (ابن سعد) في الطبقات (عن عبد الله بن جعفر) بن أبي
طالب أوّل ولد ولد للمهاجرين بالحبشة وكان آية في الكرم بحيث يضرب به المثل وله صحبة رمز
المؤلّف لضعفه لکن یشهد له ما قبله.
١٤٣ - (اتقوا النار) أي اجعلوا بينكم وبينها وقاية أي حجاباً من الصدقة (ولو) كان الاتقاء
بالتصدق (ب)شيء قليل جداً مثل (شق تمرة) بكسر المعجمة أي جانبها أو نصفها فإنه يفيد فقد يسد
الرمق سيّما للطفل فلا يحتقر المتصدق، ذلك فلو هنا للتقليل كما تقرّر هو معدود من معانيها، كما في
المغني عن اللخمي وغيره وقد ذكر التمرة دون غيرها كلقمة طعام لأن التمر غالب قوت أهل الحجاز.
والاتقاء من النار كناية عن محو الذنوب ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾، [هود: ١١٤] أتبع السيئة
الحسنة تمحها وبالجملة ففيه حث على التصدق ولو بما قلّ. وهذا الحديث صدره محذوف ولفظ رواية

١٨٠
حرف الهمزة
والضياء عن أنس، البزار عن النعمان بن بشير، وعن أبي هريرة (طب) عن ابن عباس، وعن أبي
أمامة (صح).
١٤٤ - ((أَتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقُّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيَِّةٍ)). (حم ق) عن عدي.
١٤٥ - ((أَتَّقُوا الدُّنْيَا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَأَسْحَرُ مِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ)). الحكيم
عن عبد الله بن بسر المازني.
الشيخين عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله وَل ـ ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه
ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلاّ ما قدّم، وينظر أشأم فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلاّ
النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمره)). متفق عليه (ق ن عن عدي بن حاتم) بن عبد الله بن
سعد الطائي الجواد ابن الجواد أسلم سنة سبع نزل في سبسانة منعزلاً (حم عن عائشة) الصديقية
(البزار) في مسنده (طس والضياء) المقدسي في المختارة (عن أنس) بن مالك (البزار) في مسنده أيضاً
(عن النعمان بن بشير) بموحدة مفتوحة ومعجمة مكسورة الأنصاري (وعن أبي هريرة) الدوسي (طب
عن ابن عباس) ابن عم المصطفى (وعن أبي أمامة) الباهلي واكثار المؤلف من مخرجيه مع وجوده في
الصحيحين لا حاجة إليه لكنه حاول التنبيه بذلك على أنه متواتر وبه أفصح في الأحاديث المتواترة.
١٤٤ _ (اتقوا النار) أي احترزوا منها بالتقوى التي هي تجنب المخالفات لئلا يصيبكم ويواقعكم
عذابها. قال الحراني: وجهنم هي عدة الملك الديان لأهل العصيان بمنزلة سيف الملك من ملوك
الدنيا. (ولو بشق تمرة) واحدة فإنه يسد الرمق (فإن لم تجدوا) ما تتصدقون به حتى الناقة لفقده حساً أو
شرعاً (فبكلمة) أي فاتقوا النار بكلمة (طيبة) تطيّب قلب السائل مما يتلطف به في القول والفعل، فإن
ذلك سبب للنجاة من النار، وقيل الكلمة الطيبة ما يدل على هدى أو يرد عن ردى أو يصلح بين اثنين
أو يفصل بين متنازعين أو يحل مشكلاً أو يكشف غامضاً أو يدفع تأثيراً أو يسكن غضباً، واستدل
الشافعية بهذا الخبر وما قبله على أنه لو قال لزيد عندي شىء وفسره بما لا يتموّل كحبة بر وشق تمرة قبل
(تتمة) قال ابن عربي وشى بعض شيوخنا بالمغرب عند السلطان في أمر فيه هلاكه فأمر بعقد مجلس
وأن الناس إن أجمعوا على حل قتله قتل، فجمعوا فاجتمعوا فاحضرهم ليشهدوا في وجهه فيقتل فلم
يستطع أحد منهم أن يشهد فسئل الشيخ بعد فقال: تذكّرت النار فرأيتها أقوى من الناس غضباً،
تذكرت نصف رغيف فرأيته أكثر من نصف تمرة فاسكنت غضبهم بالتصّدق بنصف رغيف في طريقي،
فدفعت الأقل من النار بالأكثر من شق تمرة. وفي رواية للخطيب بدل طيبة لينة، وفيه حث على
الصدقة بما قلّ وجلّ وأن لا يحتقر ما يتصدق به وأن اليسير من الصدقة يستر المتصدق من النار (حم ق
عن عدى) بن حاتم قال: ذكر رسول الله ﴿ ﴿ النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه ثلاثاً ثم ذكره.
١٤٥ - (اتقوا الدنيا) أي احذروها فإنها أعدى اعدائكم تطالبكم بحظوظها لتصدكم عن طاعة
ربكم بطلب شهواتها وتشغلكم عن خدمة مولاكم بخدمة ذاتها ونفسك لها عليك ظهير وهواك لاتباع
مرضاتها مشير وأنت غير قليل التماسك عن شهواتها مسترسل معها سريع الانقياد للذاتها (فوالذي