Indexed OCR Text
Pages 1-20
فيَضْ القَدِير د شَرْح الجَامِعِ الصَّغَيْرِ مِنْ أَحَادِيثِالبَشَيْرِ التَّذِيرُ للعلامة محمّد عَبد الرَّووفّ الَاوِيَ ضَبَطَهُ وَصَحَّحَهُ أحمَد عَبدِ السَّلام الجُزء الأوّلـ حرف الهمزة دار الكـ جميع الحقوق محفوظة Copyright @ All rights reserved Tous droits réservés جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Exclusive Rights by Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. Droits Exclusifs à Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Libon Il est interdit à toute personne individuelle ou morale d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée de l'éditeur. ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان رمل الظريف. شارع البحتري، بناية ملكارت هاتف وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (٩٦١١) صندوق بريد : ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bidg., Ist Floor Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98 P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, Iere Etage Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98 B.P. : 11 - 9424 Beyrouth - Liban ISBN 2-7451-1222-8 90000 9 782745 112224 http://www.al-ilmiyah.com/ e-mail: sales@al-ilmiyah.com info@al-ilmiyah.com baydoun@al-ilmiyah.com ٣ خطبة الکتاب بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي جعل الإنسان هو الجامع الصغير، فطوى فيه ما تضمنه العالم الأكبر الذي هو الجامع الكبير. وشرف من شاء من نوعه في القديم والحديث، بالهداية إلى خدمة علم الحديث. وأوقد. له من مشكاة السنة لاقتباس أنوارها مصباحاً وضاحاً، ومنحه من مقاليد الأثر مفتاحاً فتاحاً. والصلاة والسلام على أعلى العالمين منصباً، وأنفسهم نفساً وحسباً، المبعوث بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، حتى أشرق الوجود برسالته ضياءً وابتهاجاً ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، ثم على من التزم العمل بقضية هديه العظيم المقدار، من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم إلى يوم القرار، الذين تناقلوا الخبر والأخبار، ونوّروا مناهج الأقطار بأنوار المآثر والآثار، صلاة وسلاماً دائمين ما ظهرت بوازغ شموس الأخبار، ساطعة من آفاق عبارات من أوتي جوامع الكلم والاختصار. (وبعد) فهذا ما اشتدت إليه حاجة المتفهم، بل وكل مدرّس ومعلم، من شرح على الجامع الصغير للحافظ الكبير الإمام الجلال الشهير. ينشر جواهره، ويبرز ضمائره، ويفصح عن لغاته، ويكشف القناع عن إشاراته، ويميط عن وجوه خرائده اللثام، ويسفر عن جمال حور مقصوراته الخيام، ويبين بدائع ما فيه من سحر الكلام، ويدل على ما حواه من درر مجمعة على أحسن نظام، ويخدمه بفوائد تقرّ بها العين، وفرائد يقول البحر الزاخر من أين أخذها من أین، وتحقيقات تنزاح بها شبه الضالين، وتدقيقات ترتاح لها نفوس المنصفين، وتحرق نيرانها أفئدة الحاسدين، لا يعقلها إلا العالمون، ولا يجحدها إلا الظالمون، ولا يغص منها إلا كل مريض الفؤاد، من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فما له من هاد، ومع ذلك فلم آل جهداً في الاختصار، والتجافي عن منهج الإكثار، فالمؤلفات تتفاضل بالزهر والثمر، لا بالهذر، وبالملح، لا بالكبر، وبجموم اللطائف، لا بتكثير الصحائف، وبفخامة الأسرار، لا بضخامة الأسفار، وبرقة الحواشي، لا بكثرة الغواشي، ومؤلف الإنسان، على فضله أو نقصه عنوان، وهو بأصغريه اللفظ اللطيف والمعنى الشريف، لا بأكبريه اللفظ الكثير والمعنى الكثيف. وهنالك يعرف الفرض من النافلة، وتعرض الإبل فرب مائة لا تجد فيها راحلة. ثم إني بعون أرحم الراحمين، لم أدخل بتأليفه في زمرة الناسخين، ولم أسكن بتصنيفه في سوق الغث والسمين، بل أتيت بحمد الله، بشوارد فرائد باشرت اقتناصها، وعجائب وغرائب استخرجت من قاموس الفكر وعباب القريحة مغاصها، فمن استلحق بعض أبكاره الحسان، لم ترده عن المطالبة بالبرهان. ولم أعرف من ألفاظه إلا ما كان خفياً، فقد قال الصدر القونوي: غالب ممن يتكلم على الأحاديث إنما يتكلم عليها من حيث إعرابها والمفهوم من ظاهرها بما لا يخفى على من له أدنى مسكة ٤ خطبة الکتاب في العربية وليس في ذلك كبير فضيلة ولا مزيد فائدة، إنما الشأن في معرفة مقصوده وصل* وبيان ما تضمنه كلامه من الحكم والأسرار بياناً تعضده أصول الشريعة، وتشهد بصحته العقول السليمة، وما سوى ذلك ليس من الشرح في شيء. قال ابن السكيت: خذ من النحو ما تقيم به الكلام فقط ودع الغوامض. ولم أكثر من نقل الأقاويل والاختلافات، لما أن ذلك على الطالب من أعظم الآفات، إذ هو كما قال حجة الإسلام يدهش عقله ويحير ذهنه. قال وليحذر من أستاذ عادته نقل المذاهب وما قيل فیها فإن إضلاله أکثر من إرشاده کیفما کان. ولا يصلح الأعمی لقود العمیان. ومن کان دابه لیس إلا إعادة ما ذكره الماضون وجمع ما دوّنه السابقون فهو منحاز عن مراتب التحقيق، معرّج عن ذلك الطريق بل هو كحاطب ليل، وغريق في سيل، إنما الحبر من عوّل على سليقته القويمة، وقريحته السليمة مشيراً إلى ما يستند الكلام إليه من المعقول والمنقول، رامزاً إلى ذلك رمز المفروغ منه المقرر في العقول. قال حجة الإسلام في الإحياء: ينبغي أن يكون اعتماد العلماء في العلوم على بصيرتهم وإدراكهم وبصفاء قلوبهم لا على الصحف والكتب ولا على ما سمعوه من غيرهم فإنه إن اكتفى بحفظ ما يقال كان وعاء للعلم لا عالماً اهـ. فيا أيها الناظر اعمل فيه بشرط الواقف من استيفاء النظر بعين العناية وكمال الدراية؛ لا يحملك احتقار مؤلفه على التعسف، ولا الحظ النفساني على أن يكون لك عن الحق تخلف، فإن عثرت منه على هفوة أو هفوات. أو صدرت فيه عني كبوة أو كبوات. فما أنا بالمتحاشي عن الخلل ولا بالمعصوم عن الزلل، ولا هو بأوّل قارورة كسرت، ولا شبهة مدفوعة زبرت. ومن تفرد في سلوك السبيل، لا يأمن من أن يناله أمر وبيل. ومن توحد بالذهاب في الشعاب والقفار، فلا يبعد أن تلقاه الأهوال والأخطار. وكل أحد مأخوذ من قوله ومتروك، ومدفوع إلى منهج مع خطر الخطأ مسلوك. ولا يسلم من الخطأ إلا من جعل التوفيق دليله في مفترقات السبل، وهم الأنبياء والرسل. على أني علقته باستعجال، في مدّة الحمل والفصال، والخواطر كسيرة، وعين الفؤاد غير قريرة، والقرائح قريحة، والجوارح جريحة، من جنايات الأيام والآثام، تأديباً من الله عن الركون إلى من سواه، واللياذ بمن لا تؤمن غلبة هواه؛ فرحم الله امرءاً قهر هواه، وأطاع الإنصاف وقوّاه، ولم يعتمد العنت ولا قصد قصد من إذا رأى حسناً ستره وعيباً أظهره ونشره. وليتأمّله بعين الإنصاف، لا بعين الحسد والانحراف. فمن طلب عيباً وجدّ وجد، ومن افتقد زلل أخيه بعين الرضا والانصاف فقد فقد، والكمال محال لغير ذي الجلال . ولما منّ الله تعالى بإتمام هذا التقريب. وجاء بحمد الله آخذاً من كل مطلب بنصيب، نافذاً في الغرض بسهمه المصيب، كامداً قلوب الحاسدين بمفهومه ومنطوقه، راغماً أنوف المتصلفين لما استوى على سوقه، سميته: فيض القدير. بشرح الجامع الصغير، ويحسن أن يترجم بمصابيح التنوير. على الجامع الصغير، ويليق أن يدعى: بالبدر المنير، في شرح الجامع الصغير، ويناسب أن يوسم: بالروض النضير في شرح الجامع الصغير. هذا: وحيث أقول القاضي فالمراد البيضاوي. أو العراقي فجدّنا من قبل الأمهات الحافظ الكبير زين الدين العراقي، أو جدي فقاضي القضاة يحيى المناوي، أو ابن حجر فخاتمة الحفاظ أبو الفضل العسقلاني، رحمهم الله تعالى سبحانه. وأنا أحقر الورى خويدم الفقهاء: محمد المدعوّ عبد الرؤوف المناوي، حفه الله بلطف سماوي، وكفاه شر المعادي والمناوي. ونور قبره حين إليه يأوي، وعلى الله الاتكال، وإليه المرجع والمآل؛ لا ملجأ إلا إياه، ولا قوة إلا بالله. وها أنا أفيض في المقصود، مستفيضاً من ولي الطول والجود المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بعث على رأس كل مائة سنة من يجدّد لهذه الأمّة أمر دينها، وأقام قال المصنف (بسم الله) أي بكل اسم للذات الأقدس لا بغيره ملتبساً للتبرك أؤلف، فالباء للملابسة كما هو مختار الزمخشري. وهو أحسن وأفصح من جعلها للاستعانة الذي هو مقتضى صنيع القاضي ترجيحه؛ لأن الملابسة أبلغ في التعظيم وأدخل في التأديب، بخلاف جعل اسم الله آلة غير مقصودة لذاتها، ولأنها أدل منها على ملابسة جميع أجزاء الفعل؛ ولأن التبرك باسمه ظاهر لكل أحد، وتأويل الأولية بأن المراد أن الفعل لا يتم شرعاً ما لم يصدر باسمه لا يدرك إلا بدقة النظر؛ ولأن ابتداء المشركين كان بأسماء آلهتهم للتبرك بها، ولأن كون اسم الله تعالى آلة للفعل. ليس إلا باعتبار أنه يتوسل إليه ببركته فعاد للتبرك، ذكره الشريف وغيره. وتعقب المولى حسن الرومي الأول بأن تلك الجهة غير ملحوظة بل الملحوظ جهة كون الفعل غير معتبر شرعاً ما لم يصدر به كما تقرّر وهو يعارض التبرك بل أرجح، والثاني يمنع الآلية المذكورة فهيهات إثباتها، وبفرضه فباء الاستعانة في جميع أجزاء الفعل فيها الدلالة على تلك الملابسة مع زيادة لا تقاومها الآلية، والثالث بأن العبرة بالخواص فالعوامّ كالهوامّ، والدقة من أسباب الترجيح لا الرد، والرابع بأن جعله آلة يشعر بأن له زيادة مدخل في الفعل ويشتمل على جعل الموجود لفوات كماله بمنزلة المعدوم وذا يعدّ من المحسنات انتهى. ونوزع بما فيه طول لا يسعه المقام. وحذف متعلق الباء لئلا يقع في الابتداء غير اسم الله تعالى وهو لا بدّ منه في إظهار المبدئية ليشاكل اللفظ المعنى؛ ومن ثم التزم حذفه في كلام الحكيم تقدس، أما ما لا بد منه لإظهاره كتقديم الباء ولفظ اسم فلا يفوت البداءة بذكر الله تعالى كما بينه الشريف؛ إذ المطلوب المبدئية على وجه يدل عليها وعلى الاختصاص والباء وسيلة لذلك والابتداء لا يتعين كونه باسم خاص من أسمائه، بل يحصل بأي لفظ دل على اسمه. فاستبان أن الابتداء بلفظ الاسم ابتداء بالاسم حقيقة والباء وسيلة لذكره وأن التبرك يحصل بجميع أسمائه والتعريف الإضافي قد يحمل على معاني التعريف باللام فيراد جنس الأسماء أو جميع أفرادها. وقدر متعلق الباء فعلاً لأصالته في العمل، وقلة الإضمار، ومؤخراً ليفيد الحصر والاهتمام. وقول أبي حيان: تقديم الظرف لا يوجب الاختصاص أطنب المحقق أبو زرعة في رده في حاشية الكشاف، ولا يرد ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] لأن الأهم فعل القراءة، لكونها أول منزل. وخاصاً؛ لأنه أنسب بالمقام، وأوفى بتأدية المرام، وأتم فائدة، وأعم عائدة، وتقدير أبتدىء مخل بالغرض من شمول البركة للكل، وقول المولى الخسروي: هو أولى امتثالاً للفظ الخبر، منعه الإمام حسن الرومي بأن مناط الامتثال البدء بالتسمية لا تقدير فعله؛ إذ لم يقل فيه كل أمر ذي بال لم يقل فيه أو لم يضمر فيه أبتدىء أو أفتتح مفوت للمعنى المناسب لفعل الشروع؛ إذ المقدمة القصد تلبس جميع أجزاء الفعل بالتبرك، فلما تعذر تحقيقاً، ولا حرج في الدين، جعل طريقه كون الشروع فيه ملتبساً بها، كما في النية حيث اعتبرت في ابتداء العبادات تحقيقاً وفي كلها تقديراً. وحذف الألف من بسم الله لكثرة الاستعمال، وطولت الباء للدلالة عليه، وإشارة إلى إنها وإن كانت في الأصل حرفاً منخفضاً، لكن لما اتصلت باسم الله، ارتفعت وسمت، وبجعل مناط الحذف كثرة الاستعمال عرف وجه إثباتها عند اتصالها بلفظ آخر نحو: لذكر اسم الله حلاوة، أو مضاف إلى اسم آخر نحو باسم ربك. والباء للجر فكسرت لتشابه حركتها عملها. ثم إن كون المتعلق به ما لدماً على الرحمن الرحيم هو ما درج عليه المحققون، لكن قال البلقيني: قضية البداءة بالاسم وإفادة الاختصاص التي دعاها الزمخشري كون المقدر مؤخراً عن البسملة بكمالها لئلا يقع الفصل بين الموصوف والصفة بما لم يتعين تقديره في هذا الموضع. والاسم ما يجمع اشتقاقين من السمة أو السموّ، وهو بالنظر إلى اللفظ وسم وبالنظر إلى الحظ من الذات سمو، قاله الحراني. والله اسم عربي لا سرياني معرّب، وهو علم مختص بمبدع العالم لم يطلق على غيره فيما بين المسلمين وغيرهم ولا عناداً وغلواً في العتوّ مطلقاً، وعلاقة الاشتقاق فيما بينه وبين غيره إنما تنافي علميته لو ثبت أصالة ذلك الغير ولم تثبت، واستظهار القاضي أنه وصف غلب عليه بحيث لم يستعمل في غيره فصار كالعلم لا علماً لأن ذاته غير معقول لنا فلا يمكن الدلالة عليه بلفظ؛ ولأنه لو دل على مجرد ذاته المخصوص لما أفاد ﴿وهو الله في السموات﴾ [الأنعام: ٣] معنى صحيحاً تصدى جمع من أرباب الحواشي لدفعه. أما الأول فلأن علم الواضع عند الوضع بكنه حقيقة الموضوع له وملاحظة لشخصه لا ضرورة للزومه بل يكفي ملاحظة انحصار ذلك الوجود في الخارج فيه، بدليل أن الأب يضَع علماً لولده قبل رؤيته ولو سلم فلا مانع من كونه الواضع هو الله تعالى ثم عرفنا إياه، وأما الثاني فلأن الاسمية لا تقتضى الدلالة على مجرد الذات فإن أسماء الزمان والمكان والآلة مثلاً أسماء باتفاق مع دلالتها على معنى زائد على الذات، ولو سلم فليكن تعلقه به باعتبار ملاحظة المعنى الوضعي الخارج عن الاسم، كذا حققه المولى حسن بعد ما رد على جميع ما لهم هنا من الأقاويل المتعسفة والإله أصله أله فلما دخلت أل حذفت الهمزة تخفيفاً وعوض عنها حرف التعريف؛ وإنما كانا عوضاً عنها مع أن دخولهما قبل حذفها لأن دخولهما قبل الحذف لا بطريق اللزوم وبعده يكونان لازمين فيها، فباعتبار اللزوم يكونان عوضاً وهو اسم جنس لكل معبود حق أو باطل، ثم غلب منكراً على المعبود بحق، ثم خص بذاته بعد التعريف، مشتق من أَلَهَ كعبدوزناً ومعنى، أو من أله بمعنى فزع وسكن، أو من وله أي تحیر ودهش أو طرب، أو من لاه احتجب أو ارتفع أو استنار، أو غيره والحاصل أن إلهاً بمعنى مألوه أي معبود أو مألوه فيه أي متحير فيه وقس الباقي. فمجموع الأقاويل هو المعبود للخواص والعوام، المفزوع إليه في الأمور العظام، المرتفع عن الأوهام، المحتجب عن الأفهام، الظاهر بصفاته الفخام، الذي سكنت إلى عبادته الأجسام، وولعت به نفوس الأنام، وطربت إليه قلوب الكرام. ثم تفخم لامه إذا انفتح ما قبلها أو ضم طريقة مطردة لغة أو مطلقاً وحذف ألفه لحن يبطل الصلاة لانتفاء المعنى بانتفاء بعض اللفظ الموضوع ولا ينعقد به اليمين مطلقاً لابتنائه على وجود الاسم ولم يوجد، والبلة إنما هي الرطوبة، وما المقدمة ٧ أفهمه كلام القاضي من كونه كناية وجه صحيح محرر ومذهب النووي خلافه. ثم أعقب اسم الذات اسمين بصفتي المبالغة في الرحمة رمزاً إلى سبقها وغلبتها على الأضداد وعدم انقطاعها فقال (الرحمن الرحيم) أي الموصوف بكمال الإحسان بجميع النعم أصولها وفروعها عظائمها ودقائقها، أو بإرادة ذلك، فمرجعهما صفة فعل أو صفة ذات. قال في البحر: وهو أقرب إلى الحقيقة، إذ الإرادة متقدمة على الفعل وأصلهما واحد لكونهما من الرحمة. والرحمن عربي ونفور العرب منه لتوهمهم التعدد وأتم مبالغة من الرحيم كماً وكيفاً؛ لأن فعيلاً لمن وجد منه الفعل وفعلان لمن كثر منه وحق الأبلغ التأخير قضاء لحق الترقي لكنه قدم لمناسبة اسم الذات في اختصاصه به إذا لم يطلقا على غيره مطلقاً إلا أن الله اسم وهو قسم من العلم كما تقرر. والرحمن وصف أريد به الثناء فأجري مجرى الاعلام وليس بعلم حقيقة ومجيئه غير تابع للعلم بحذف موصوفه، ووصفه تعالى بالرحمة التي هي العطف من إطلاق السبب على المسبب وهو الإنعام والإحسان إذ الملك إذا عطف رق فأحسن فإطلاقه علیه مجاز مرسل أو استعارة تمثيلية، بل حاول بعض المحققين جعله حقيقة شرعية أو عرفية لكثرة الإطلاق بدون قرينة، أو قصد تشبيه، وتعقيبه بالرحيم من قبيل التتميم؛ فإنه لما دل على جلائل النعم أولى الرحيم دفعاً لتوهم عدم التعميم وخطور أن الدقائق مما لا يلتفت إليه فلا يتطفل فيها عليه ووفاقاً لترتيب الوجود لإيجاد النعم العامة قبل الخاصة، وكلاهما صفة مشبهة. أو الرحيم اسم فاعل فالرحمن عام المعنى خاص اللفظ حيث لم يستعمل في غيره تقدس ولم يوصف به أحد سواه بين جميع الملل والنحل إلا تعنتاً وغلواً في الكفر كرحمن اليمامة والرحيم وبالعكس، وآثرهما من بين سائر الصفات لتضمنهما الدلالة على سائر الأسماء الحسنى إذ من عمت رحمته وتمت نعمته انتفت عنه شوائب النقص وطويت النقمة في افهام اختصاص الثاني، رمزاً إلى أن من شروط كمال حسن الترغيب، الإشارة منه إلى مقام الترهيب، كما هو الأسلوب، في كتب علام الغيوب؛ ليكون باعث الرجاء والخوف في قرن. قال بعض الحكماء: والأحسن بيانية إضافة البسملة قال صاحب القاموس: وإنما حذفت الألف من لفظ رحمن تخفيفاً ولم تحذف الياء من الرحيم خوفاً من اللبس. ولما افتتح كتابه بالبسملة التي الافتتاح بها أجل افتتاح باسم الحق تقدس وهي نوع من الحمد، ناسب أن يردفها باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أفراده البالغ أقصى درجات الكمال من القول الدال على أنه سبحانه مالك لجميع المحامد بالاستقلال، فأعقبها به في جملة أوقعها مقول القول فانتصب به تاركاً للعطف لئلا يشعر بالتبعية فيخل بالتسوية في أصل الابتداء فقال (الحمد لله) أي الوصف بالجميل ملوك أو مستحق الله تعالى فلا فرد منه لغيره بالحقيقة ولم يكتف بالتسمية لما تقرر أن المقام مقام تعظيم فاللائق به التصريح بالحمد وقصره عليه؛ ولأنها وإن تضمنت جهة الحمد لكن من اقتصر عليها لا يسمى حامداً عرفاً، ومن ثم وقع التدافع ظاهراً بين حديثي الابتداء واحتيج للتوفيق بأن البداءة إما حقيقية وهي ذكر الشيء أولاً على الإطلاق أو إضافية وهي ذكره أولاً بالإضافة إلى شيء دون شيء وهذه صادقة بذكر الحمد قبل المقصود بالذات. وخص الحقيقي بالبسملة؛ لأنها ذكر الذات والحمد ذكر الوصف فوجب تقديمها بقدر ما تندفع به ضرورة امتناع الجمع في المبدإ كذا قرره جمع. وقد انتهبه ٨ المقدمة البعض فعزاه لنفسه بعد ما أتى بترديدات بعيدة واحتمالات غير سديدة، أو أن المراد في كل رواية الابتداء بأحدهما أو بما يقوم مقامه ولو ذكراً آخر بقرينة تعبيره تارة بالبسملة وأخرى بالحمدلة وطوراً بغيرهما، فاللازم في دفع الأجذمية الابتداء بأحد الأمور لا بها كلها أو بأن رواية البسملة والحمدلة تعارضتا فسقط قيداهما كما في غسلات الكلب ورجع للمعنى الأعم وهو إطلاق الذكر والحمد يطلق على أعم من خصوصه. ألا ترى أن غالب الأعمال الشرعية لم يشرع الشارع افتتاحها بالحمد بخصوصه كالصلاة والأذان والحج فدل على أنه ليس المراد إلا إظهار صفة الكمال وهو حاصل في نحو الصلاة بالتكبير وفي الحج بالذكر المطلوب عند الإحرام فلا يتوجه ما قيل عموم الأخذ منه مشكل بظاهر الصلاة والأذان. هذا محصول ما هنا من الأجوبة المرضية للعظماء. وثم أجوبة شهيرة، وتوجيهات كثيرة، كلها مدخولة وقد بينت ما عليها من نقل ورد في شرح البهجة بما لم يجمعه قبله كتاب. ثم الحمد النعت بالجميل على الجميل أي الفعل الحسن الصادر من المحمود باختياره حقيقة أو حكماً على وجه يشعر بتوجيهه إلى المنعوت للتعظيم ظاهراً وباطناً بأن يقصد به إنشاء التعظيم على وجه التعميم فلا بد لتحقق ماهيته في الوجود من أمور خمسة: محمود به ومحمود عليه وحامد ومحمود وما يدل على اتصاف المحمود بصفة؛ فالأول: صفة تظهر اتصاف شيء بها على وجه مخصوص ويجب كونه صفة كمال يدرك العقل السليم القابل لدرك الحقائق حسنها ولو بدقة نظر أو تعلم. والمراد بالجميل أعم مما في الواقع أو عند الحامد أو المحمود بزعم الحامد فشمل النعت بنحو ظلم ادعى أحدهما حسنه إذ المناط التعظیم وقد وجد ولا فرق بين كون المحمود به ثبوتياً أو سلبياً كما صرح به الإمام الرازي ولا بين كونه من الكمالات المتعدية كإنعام وتعليم وتسمى فواضل وغيرها كعلم وقدرة وحسن وتسمى فضائل ولا بین کونه صدر عن المحمود باختياره أو لا فالوصف بکمال نحو حسن أو ذات حمد كما قرره التحرير الدواني والعلامة صدر الأفاضل في حواشي التجريد والمطالع وقال المولى حسن الرومي إنه الأشهر وظاهره نقل ذلك عن قدماء القوم وشهرته بينهم وجزم به المحقق خسرو الرومي حيث قال الحمد يقتضي محموداً به أعم من كونه اختياراً أو لا وبه يمتاز عن الأشهر ومحموداً عليه اختيارياً وبه يمتاز عن المدح أعمّ من كونه إنعاماً أو غيره وبه يمتاز عن الشكر انتهى لكن نقل الدواني في شرح التهذيب عن البعض وجوب كون المحمود به اختيارياً ثم اختاره موجهاً بأن الجميل صفة الفعل وهو بالاختيار كما ذكره التفتازاي وأيد بأنه لم يثبت لغة عموم المحمود به اختياراً حتى يصرف ذلك للمحمود عليه فالأصل كون المحمود به اختيارياً مثله وكما لم يسمع الحمد على صباحة الخد ورشاقة القد لم يسمع الحمد بهما فما لا اختيار فيه لا يحمد به ولا علیه وعدم حمد اللؤلؤ کما یمکن كونه من جهة اشتراط أن المحمود عليه يجب كونه اختيارياً فكذا من جهة اشتراط المحمود به فعلاً فجعله دليلاً على أحدهما فقط بحكم والثاني: ما يقع الوصف الجميل بإزائه ومقابله بمعنى أن المنعوت لما اتصف به ذكر جميله وأظهر كماله فهو لأجل حصوله له ولولاه لم يتحقق ذلك الوصف فهو كالعلة الباعثة للواصف على الوصف أو هو علته وقد يكون الشيء الواحد محموداً به وعليه معاً كأن رأى من ينعم أو يصلي فأظهر اتصافه بذلك فتلك الصفة من حيث بعثها على إظهار اتصافه بها محمود عليها ومن حيث ٩ المقدمة اتصافه وإظهار كونها من صفاته محمود بها ويجب في المحمود عليه كونه كمالاً فغيره لا يصلح سبباً لإظهار الكمال والمراد أعم مما في ظن الحامد أو المحمود على قياس ما سبق في المحمود به وظاهر كلام الجمهور أن المحمود عليه أعم من كونه فعلاً صادراً من المحمود أو كيفية قائمة به لكن في شرح الکشاف للسعد تبعاً للرازي أن المراد فعل جمیل فلا يكفي أن یکون للمحمود دخل في صدوره عن غيره لا على وجه الفاعلية لانتفاء الفعل المشترط إذ التعظيم حينئذ من حيث تعلق الصفة به لا من حيث كونه فعلاً فمعنى قول الشريف يختص الحمد بالفاعل المختار أنه فاعل للمحمود عليه ثم المشهور بين الجمهور أن المحمود عليه يشترط حصوله من المحمود باختياره حقيقة أو حكماً فالثناء على صفاء اللؤلؤ ورشاقة القد وصباحة الخد مدح لا حمد، ولا يشكل بقوله سبحانه ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ [الإسراء: ٧٩] لأنه من وصف الشيء بوصف صاحبه أو أن الحمد فيه مجاز عن المدح، ولا بقول الشاعر: أرىَ الصَبْرَ مَحْمُوداً عواقبه وقوله: والصَّبْرُ يُحْمَدُ في المَواطِنِ كُلِّها لأنه كما قال خسرو بمعنى الرضا لمجيئه في اللغة لذلك أيضاً وبتعميم الاختيار وقع الإشكال بثنائه سبحانه على صفاته الذاتية لأنها غير مسبوقة بالاختيار وإلا لزم حدوثها كما قرر في محله وما ذاك إلا لأن الذات لما كانت مستقلة في تحققها من غير مدخلية شيء من الأغيار بمعنى أنه إن شاء فعل وإن شاء ترك نزل منزلة الاختياري فتكون في حكمه أو أنها لما ترتبت عليها أمور اختيارية جعلت في حكمه فالمراد ما كان اختيارياً نفسه أو أثره وهاهنا تنبيه وهو أن ما تقرر من اشتراط الاختيار إنما هو بالنظر إلى الحقيقة أما المجاز فلا كما يصرح به كلام الزمخشري حيث قال: ومن المجاز حمدت الأرض رضيت سكناها والرعاة يتحامدون الكلأ وجاورته فما حمدت جواره وأفعاله حميدة وهذا طعام ليست عنده. محمدة أي لا يحمده آكله. والثالث: وهو من يتحقق منه الحمد وشرطه أن يكون معظماً بثنائه للمحمود في سائر أقواله وجميع أفعاله ظاهراً وباطناً بأن يقصد به إظهار التعظيم على جهة التعميم فلو اقترن بما دلّ عليه الوصف بالكمال من التعظيم والعظمة من جميع الوجوه إلا جهة واحدة فاقترن منها بتحقير أو استهزاء أو تهكم كما لو صدر بفعل أكبر الجوارح مع مخالفته جارحة واحدة لم يكن حمداً لأن التعظيم الظاهري والباطني إنما يتحقق تفاوتهما باعتبار قيد زائد هو اعتبار العموم في الأفراد وإذا كان بعض أفراده صارفاً عن التعظيم فلا يتحقق التعظيم كذا حققه صدر الأفاضل وأيد بأن التعظيم والتحقير من شخص واحد في آن واحد لا يجتمعان فإن فرض اجتماعهما لم يتبادر منه إلا التحقير فكأنه نص في التحقير فحمل المحتمل عليه والتحقير في القبيح والذمّ أتم وأشد من التعظيم في الحسن والكمال، ألا "ترى أن أدنى ما يوهم الاستهزاء أو التهكم يوجب الذم والعقوبة وقل ما يترتب على صريح التعظيم ما يناسبه إذا قلّ لكن لا يلزم اعتقاد اتصاف المحمود بالجميل المذكور عند المحققين بل الشرط عدم اقترانه ١٠ المقدمة بشوب تحقير فدخل الوصف بما قطع بانتفائه كما مر قال الدواني ولا يناقضه توجيه الشريف لاشتراط التعظيمين بأنه إذا عري عن مطابقة الاعتقاد لم يكن حمداً بل سخرية لأنه أراد بالاعتقاد لازمه وهو إنشاء التعظيم لا معناه الحقيقي فإن الحمد قد يكون إنشائياً ولا معنى لمطابقة الاعتقاد فيه لأن ما لا يتعلق به الاعتقاد لا يوصف حقيقة بمطابقة الاعتقاد إذ المتبادر من مطابقة الاعتقاد الاتحاد في الإيجاب والسلب أو ما يستلزمه أو يؤول إليه وهذا لا يوجد إلا في القضايا ولذلك لا تسمع من أحد من أهل الاصطلاح أن التصوير يطابق الاعتقاد بل لو قال أحد إن تصور مفهوم نحو اضرب يطابق الاعتقاد نسبه أهل العرف الخاص لما يكره وحمل المطابقة على هذا المعنى أقرب من التزام اتصاف التصورات بالمطابقة واللامطابقة إذليس في هذا المعنى إلا ذكر الملزوم وإرادة اللازم مع أن أهل العرف العام قد يطلقون الاعتقاد بهذا المعنى يقال فلان له اعتقاد في فلان ويراد مثل ذلك ولا بعد فيه لأنهم يعدون الوصف بالجميل المعلوم الانتفاء إذا كان كذلك مدحاً وحمداً كالقصائد المشتملة على وصف الممدوح بما هو محقق الانتفاء. إلى هنا كلام الدواني. قال وأما الجواب بأن الواصف يعتقد اتصاف الممدوح بما ذكر وأنهم أرادوا معاني مجازية واعتقدوا اتصاف المنعوت بها فيردّه أن الأول خلاف البديهة والثاني خلاف الواقع اهـ واعترضه صدر الأفاضل بأن الأول لو كان خلاف البديهة لم يقصد العقلاء إفادته ولم يكن اللفظ مستعملاً في معناه الحقيقي والثاني لو كان خلاف الواقع لما كان الكلام مستعملاً في معناه المجازي فيلزم أن لا يكون الكلام المذكور حقيقة ولا مجازاً انتهى. وأجابه الدواني بما نصه: هذا السيد الفاضل لم يتذكر أنه لا يلزم من عدم اعتقاد مدلول الكلام أن لا يكون الكلام مستعملاً فيه فإن الأخبار التي مضمونها خلاف اعتقاد المتكلم كقول السني المخفي حاله عن المعتزلي: العبد خالق لأفعال نفسه الاختيارية مستعملاً في معناه الحقيقي مع أنه لا يعتقده بل جميع الأكاذيب التي يتعمدها أهلها كذلك. ثم إنه حمل قوله والأول خلاف البديهة على أن مضمون تلك الأخبار خلاف البديهة وفرع عليه أنه يلزم أن لا يقصد العقلاء إفادته ويرد عليه منع الملازمة فإن الأكاذيب التي يعتمدها المتكلم العاقل قد تخالف البديهة مع قصد المتكلم إفادتها لغرض من الأغراض كتغليط المخاطب أو تبكيته أو امتحانه أو للتخييل فلا يلزم أن لا يكون ذلك الكلام حقيقة ولا مجازاً كما توهمه والأخبار قد يقصد بها إفادة التصديق بمضمونها إما جزماً أو ظناً وقد يقصد بها إفادة التخييل كما في القضايا الشعرية انتهى. الرابع: المحمود وقد سبق اشتراط كونه فاعلاً مختاراً أو في حكمه، ثم إن المحققين التفتازاني والجرجاني والمفسرين الأفضلين الزمخشري والقاضي صرحوا في عدة مواضع بأن الحمد مختص به تعالى منحصر فيه وعليه إشكال قضوا له بالصعوبة لأن أفعال العباد كما ترجع إلى الله من جهة الخلق والاقتدار وتهيئة الأسباب والتوفيق ترجع إلى العبد من جهة المباشرة بعد الإرادة وهذه الجهة وإن رجعت إلى الله لأنه المحصل للأسباب الدافع للموانع ترجع للعبد قطعاً لخلق الجميل فيه وتمكنه من مباشرته فيحمد : باعتبارها فرجوعه إلى الله لا يقتضي الحصر؛ والناس فيه فريقان فريق تجرأوا على أولئك المحققين وحكموا على كلامهم بالتوهين ومنهم المولى ابن الكمال فرماهم بالوهم في هذا المجال حيث قال لا اختصاص بالحمد بالله كما يفصح عنه قول عائشة رضي الله تعالى عنها نحمد الله لا نحمدك وقول علي المقدمة رضي الله تعالى عنه: لا تحمدن امرءاً حتى تجربه. بل اختصاصه بذي علم وشعور كما يرشد إليه قولهم في المثل السائر: عند الصباح يحمد القوم السري قال: ومن هنا تبين أن المحمود عليه لا يلزم كونه فعلاً لمن حمد به فضلاً عن كونه مختاراً فيه كما وهم وأن من وهم قيام الفرق بين الحمد والمدح لصحة تعلق الثاني بالجماد دون الأول فقد وهم واتضح به أنه لا مدخل لمسألة خلق العباد لأفعالهم هنا لأن الكلام في الحمد اللغوي ومرجعه إلى من وثق بعربيتهم بالنقل الصحيح والاستعمال الصريح وقد صح عنهم عدم الاختصاص: وأما حمل التعريف على الجنس دون الاستغراق فمنشؤه أمر وراء ذلك وهو أن مقتضى مقام الخطاب تخصيص حقيقة الحمد به تعالى تنزيلاً لأفراد الحمد الثابتة لغيره منزلة العدم والقصد إلى هذا المعنى ظاهر عند كون التعريف للجنس لا للاستغراق إذ قد يكون جزئياً كجمع الأمير الصاغة فلا يوجب استيعاب جميع الأفراد. إلى هنا كلامه. وفريق سلكوا سبيل الأدب مع أولئك العظماء وسيد هذا الفريق سيد المحققين الدواني فنزل الحصر على الحقيقة لأن الحمد يختص بالفعل الاختياري ولا اختيار لغيره تقدس على قاعدة أهل الحق والعبد مضطر في صورة مختار انتهى. والحاصل أنهم نزلوا حمد غير الله منزلة العدم أو منزلة حمده تعالى لأنه مبدأ كل جميل فحمد غيره كالعارية لأن الكل منه وإليه خلقاً وتمكيناً وتيسيراً وليس لغيره غير مجرد مظهرية لما بين يديه وكل جمال و کمال مضمحل في جماله وكماله وراجع إليه و کل اختيار لغيره يعود إلى اضطرار. الخامس: وهو ذكر ما يدل على اتصافت المحمود بالمحمودية وقد اشتهر تقييده باللسان والمراد منه أن يكون بجارحة النطق فلما كان الواقع كون آلة التكلم هي تلك الجارحة خص بها فلو فقد لسان إنسان فأثنى بحروفه الشفوية على جميل أو خلق النطق في بعض جوارحه كما ذكر بعض الثقات أنه شاهده فأثنى به فهو حمد وقضية التقييد به أيضاً أن لا يكون الصادر عن المنزه عن الجارحة حمداً وقد قال تعالى ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [الإسراء: ٤٤] فذهب الأكثر إلى أنه إخبار باستحقاق الحمد أو أمر بالحمد أو منقول على ألسنة العباد أو مجاز عن إظهار الصفات الكمالية الذي هو الغاية المطلوبة من الحمد وميل السيد إلى الأخير لكن النحرير الدواني قال كون الحمد في حقه سبحانه مجازاً بعيد عن قاعدة أهل الحق من إثبات الكلام له حقيقة والقول مساوق للكلام قال فالأظهر أن الحصر في اللسان إضافي في مقابلة الجنان والأركان والمراد الفعل الذي مصدره اللسان غالباً أو هو قيد أغلبي يسوغ الاستعمال فيه. وتوضيحه أن اللفظ قد يكون موضوعاً في أصل اللغة لأمر عام اشتهر في بعض أفراده بخصوصه بحيث يصير حقيقة عرفية في ذلك الفرد، وسبب الاشتهار إما كثرة تداول ذلك اللفظ كما في لفظ الدابة فإنه موضوع في الأصل لما يدب على الأرض ثم اشتهر به في العرف العام في بعض فراده حتى صار حقيقة عرفية فيه، وإما عدم الاطلاع على فرد آخر فيستعمله أهل اللسان في ذلك الفرد حتى إذا استمر ذلك ولم يطلعوا على إطلاقه على فرد آخر ظنوا أنه موضوع لخصوصه كما في الميزان فإنه في الأصل موضوع لآلة الوزن ثم من لم يطلع على تلك الآلة إلا على ما له لسان وعمود ربما يجزم بأنه موضوع لهذا حتى أن من لم ير موازين المياه وغيرها من موازين الحكمة ربما يظن أنها ليست ميزاناً وكما أن من لم يشاهد من الخبز إلا ما هو من الحنطة لا ينساق ذهنه عند سماع لفظ الخبز إلا إليه وربما ١٢ المقدمة لم يصدق بأن غيره من أفراد الخبز حقيقة ومثل ذلك يجري في كثير من الألفاظ ثم الأمر في المشتقات لا يكاد يخفى على من له أدنى فطنة لظهوره بالرجوع إلى قاعدة الاشتقاق أما في غيره فربما يشتبه على الجماهير وبذلك يفوت كثير من حقائق الكتاب والسنة فإن أكثرهما وارد على أصل اللغة إذا تمهد ذلك فقس عليه الحمد فإن حقيقته عندهم إظهار صفات الكمال ولما كان الأظهار القولي أظهر أفراداً وأشهرها عند العامة شاع استعمال لفظ الحمد فيه حتى صار كأنه حقيقة فيه مجاز في غيره مع أنه بحسب أصل الوضع أعم بل الإظهار الفعلي أقوى وأتم فهو بهذا الاسم أليق وأولى كما هو شأن القول بالتشکیك انتھی. وشمل التعريف حمد الملائكة لنطق النصوص بنطقهم باللسان وتشكلهم کالإنسان وأخرج حمد الطير والبهيمة والنائم لفقد القصد المعتبر. ثم إنه قد عرف مما قد سلف أن الحمد لله وأحمد أنه حمد لدلالته على الاتصاف بالكمال وبه جزم الشريف وأورد الدواني أنا لا نسلم دلالة نصفك على الانصاف نصدقه مع كذب الاتصاف فلا يكون وصفاً بالجميل بخلاف أنت متصف ثم أجاب بأن التعظيم الباطني المشترط يدل على اعتقاد كمال ما بدأ به وهو يدل عرفاً على معنى أنت منتصف إذ الإنسان لا يكذب نفسه وبأن هذه العبارة تطلق عرفاً بمعنى أنت متصف وبأن نحمد دال على صدور القول والقول دال على الاتصاف فهو دال على الاتصاف انتهى. قال الصفوي: وما ذكره من أن الشخص لا يكذب نفسه إنما يجيء في نحو حمدت وأحمد لا أنت محمود أو لك الحمد ونحوه مما لم يتضمن دعوى اعتقاد المتكلم. ثم إن الإشكال من أصله إنما يتجه إذا لم يلاحظ معنى اللامين فإن لوحظ اختصاص الجنس أو الأفراد أو الفرد الكامل أو الأكمل فدلالته على الكمال التام في كمال التمام. وقد أتينا على بيان أركان الحمد الخمسة على جهة الاقتصار والاختصار ولم يبق إلا التتميم بإيراد ما اشتهر من أن الجملة خبرية أو إنشائية وجوزهما الشريف فقال: إخبار كما هو أصله أو إنشاء وذلك لأن الخبر بثبوت الحمد يستلزم الوصف بالجميل فإذا تحقق باقي الأركان فهو حمد وكلامه مشير إلى ترجيح مطلق الخبرية بالأصالة وجرى عليه جمع منهم المولى حسن الرومي حيث قال ما محصوله: وإنما ترجح الإخبار بالأصالة مع أن قصد القائل إحداث الحمد لأن الاخبار بثبوت جميع المحامد الله هو عين الحمد كما أن قولك الله واحد عين التوحيد انتهى. وقد ألف العلامة البخاري في الانتصار لكونها خبرية مطلقاً مؤلفاً حافلاً، ووهم من زعم أنها إنشائية فقال: الحق الذي لا محيد عنه أنها خبرية مطلقاً وما يسبق إلى بعض الأوهام من أنها إنشائية فعلى نقيض ما تقتضيه صناعة العربية وخلاف ما عليه أساطين الفنون الأدبية واستظهر على ذلك بأمور يطول ذكرها. ورده الكمال ابن الهمام فقال: بالغ بعضهم في إنكار كون الحمد لله إنشاء لما يلزم عليه من انتفاء الاتصاف بالجميل قبل حمد الحامد ضرورة أن الإنشاء يقارن معناه لفظه في الوجود، فقال: ويبطل من قضيتين إحداهما أن الحمد ثابت قطعاً قبل الحامد والأخرى أنه لا يصاغ لغة للمخبر عن غيره من متعلق إخباره اسم قطعاً فلا يقال لقائل زيد له القيام قائم فلو كان الحمد إخباراً محضاً لم يكن القائل الحمد لله حامداً فهما ١٣ المقدمة ..... باطلان فبطل ملزومهما واللازم من المقارنة أي مقارنة معنى الإنشاء للفظه انتفاء وصف الواصف المعين لا الاتصاف وهذا لأن الحمد إظهار الصفات لا ثبوتها. نعم يتراءى لزوم كون كل مخبر منشأ حيث كان واصفاً للواقع ومظهراً له وهو توهم فإن الحامد مأخوذفيه مع ذكر الواقع كونه على وجه ابتداء التعظيم وهذا ليس جزء ماهية الخبر فاختلفت الحقيقتان إلى هنا كلامه. والقول بأن جملة الحمد من صيغ الإنشاء شرعاً أو مشتركة بين الإخبار والإنشاء كصيغ العقود زيفه المولى حسن بأن تلك إخبارات لغوية نقلها الشرع إلى الإنشاء لمصلحة الأحكام وإثبات النقل في مثل ما نحن فيه بلا ضرورة ممنوع فقول البعض هو غير بعيد ناشىء عن عدم الاهتمام بتحرير المقام وبذلك نجز الكلام على الحمد. وكأني بك تقول قد أبهمت في مقام التعيين وأجملت في محل التبيين حيث عرفت الحمد بأنه (النعت بالجميل) إلى آخره ولم تبين أن ذلك هو تعريفه اللغوي ولم تتعرض لما تطابقوا عليه من تعريفه عرفاً بأنه (فعل ينبىء عن تعظيم المنعم) فأقول لم أغفله من ذهول بل لأن جعلهم ذلك لغوياً وذا عرفياً قد تعقبه العلامة البخاري بالرد وأطنب بما منه أن هذا إنما هو اصطلاح لبعض المتكلمين وأن أهل اللغة والشرع قد تطابقوا على أن حقيقة الحمد الوصف بالجميل، قال: فليس الحمد لغة أعم منه شرعاً على أن إطباق المفسرين على تفسير الحمد الواقع في القرآن بما فسره به أئمة اللغة دليل على تطابق الشرع واللغة وإلا لما صح تفسير الحمد الواقع في كلام الشارع به لما أن الألفاظ الواقعة في كلامه إذا كان لها معنى شرعي مغاير للمعنى اللغوي يجب حملها على المعنى الشرعي ولا يجوز حملها على المعنى اللغوي انتهى. ثم لما كان الحمد من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة والأحداث المتعلقة بالمحل المقتضية لانتسابها إليه والفعل أصل في بيان النسب كان حقه أن يلاحظ معه الفعل لكنه عدل إلى اختيار الاسمية إفادة للدوام والثبوت إجابة لمناسبة المقام كذا قرره التفتازاني، قيل وهو على حسنه لا يخلو من كدر بالنسبة لخصوص المقام إذ لا يخفى حسن المناسبة بين القول المتجدد والحادث والفعل الدال على التجدد والحدوث فالتعبير بالفعلية أنسب وآثر المصنف الحمد على الشكر تحسيناً للبيان ببديع الاقتباس ولكونه أشيع للنعمة وأدل على مكانها لخفاء الاعتقاد وما في أعمال الجوارح من الاحتمال ومن ثم كان رأس الشكر ولفظ الجلالة على سائر الأسماء لتكون المحامد كلها مقرونة بمعانيها المستدعية لها فإنه اسم ينبىء عن جميع صفات الكمال لما أخبر بأنه تعالى حقيق بالحمد اعتبار ذاته المستجمع لجميع صفات الكمال وعامة نعوت الجلال حمد أم لم يحمد ونبه على استحقاقه له باعتبار أفعاله العظام وآثاره الجسام من ربوبيته للكل وشمول رحمته الظاهرة للجميع وخصوص رحمته الباطنة للمؤمنين وذلك لأن ترتب الحكم على الوصف كما يشعر بالعلية فكذا يشعر بها تعقيب الحكم بالوصف فكأنه قال حقيقة الحمد مخصوصة بذاته الواجبة الكاملة الشاملة. وقدم الحمد لاقتضاء المقام مزيد اهتمام به وإن كان ذكر الله أهم ذكره التفتازاني واعترض ورد وإنما قدم فللّه الحمد له الحمد لأنه ليس المقام مقام حمد. ولما كان صدور هذا الجامع البديع الوضع المتكاثر الجمع الغريب الترتيب العجيب التبويب لا يحصله إلا من ارتقى إلى منازل الشرف وحل من طبقات الاجتهاد بأعلى الغرف افتتح غرة ذلك الكتاب الشريف وأومأً في طرة مطلعه المنيف إلى أنه هو ذاك القرم المبعوث على رأس القرن فقال (الذي) لكثرة جوده على ١٤ المقدمة هذه الأمة وإغزار إفضاله عليهم (بعث) أي أرسل يقال بعثت رسولاً أي أرسلته وبعثت العسكر وجهتهم للقتال؛ قال الراغب أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه يقال بعثته فانبعث ويختلف البعث بحسب اختلاف ما علق به. فإن قلت: كان الأولى أن يقول الباعث ليكون آتياً بلفظ اسم من الأسماء الحسنى صريحاً وما صح وصفه تعالى به لا يحتاج معه إلى الإتيان بالذي وإنما يتوصل به إلى إجراء وصف لم يرد به توقيف. قلت اعتذر البعض عن نحوه بأن ذكر الموصول أدخل في التعظيم وأبلغ في الثناء على الله لدلالة جملة الصلة على الاستقرار في النفوس وإذعانها له (على رأس) أي أول ورأس الشيء أعلاه ورأس الشهر أوله قال في المصباح وهو مهموز في أكثر لغاتهم إلا بني تميم (كل مائة سنة) يحتمل من المولد النبوي أو البعثة أو الهجرة أو الوفاة ولو قيل بأقربية الثاني لم يبعد لكن صنيع السبكي وغيره مصرح بأن المراد الثالث وأصل سنة سنو لقولهم سنوات وقيل سنهة كجبهة لقولهم سانهته وفرق بعضهم بين السنة والعام بأن العام من أول المحرم إلى آخر ذي الحجة والسنة من كل يوم إلى مثله من القابلة ذكره ابن الخباز في شرح اللمع. قال الراغب: والمائة هي المرتبة الثالثة من أصول الأعداد لأن أصولها أربعة آحاد وعشرات ومئات وألوف (من) أي مجتهداً واحداً أو متعدداً قائماً بالحجة ناصراً للسنة له ملكة رد المتشابهات إلى المحكمات وقوة استنباط الحقائق والدقائق النظريات من نصوص الفرقان وإشاراته ودلالاته واقتضاءاته من قلب حاضر وفؤاد يقظان. قال الحراني: ومن اسم مبهم يشمل الذوات العاقلة آحاداً وجموعاً واستغراقاً (يجدد لهذه الأمة) أي الجماعة المحمدية وأصل الأمة الجماعة مفرد لفظاً جمع معنى وقد يختص بالجماعة الذين بعث فيهم نبي وهم باعتبار البعثة فيهم ودعائهم إلا الله يسمون أمة الدعوة فإن آمنوا كلا أو بعضاً سمي المؤمنون أمة إجابة وهم المراد هنا بدليل إضافة الدين إليهم في قوله (أمر دينها) أي ما اندرس من أحكام الشريعة وما ذهب من معالم السنن وخفي من العلوم الدينية الظاهرة والباطنة حسبما نطق به الخبر الآتي وهو: ((إن الله يبعث)) إلى آخره وذلك لأنه سبحانه لما جعل المصطفى خاتمة الأنبياء والرسل وكانت حوادث الأيام خارجة عن التعداد ومعرفة أحكام الدين لازمة إلى يوم التناد ولم تف ظواهر النصوص ببيانها بل لا بد من طريق واف بشأنها اقتضت حكمة الملك العلام ظهور قرم من الأعلام في غرة كل قرن ليقوم بأعباء الحوادث إجراء لهذه الأمة مع علمائهم مجرى بني إسرائيل مع أنبيائهم فكان في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز. والثانية الشافعي. والثالثة الأشعري أو ابن شريح، والرابعة الإسفراييني أو الصعلوكي أو الباقلاني. والخامسة حجة الإسلام الغزالي. والسادسة الإمام الرازي أو الرافعي والسابعة ابن دقيق العيد ذكره السبكي وجعل الزين العراقي في الثامنة الأسنوي بعد نقله عن بعضهم أنه جعل في الرابعة أبا إسحاق الشيرازي. والخامسة السلفي. والسادسة النووي انتهى. وجعل غيره في الثامنة البلقيني ولا مانع من الجمع فقد يكون المجدد أكثر من واحد. قال الذهبي: من هنا للجمع لا للمفرد فنقول مثلاً على رأس الثلاثمائة ابن شريح في الفقه والأشعري في الأصول والنسائي في الحديث وعلى الستمائة مثلاً الفخر الرازي في الكلام والحافظ عبد الغني في الحديث وهكذا. وقال في جامع الأصول: قد تكلموا في تأويل هذا الحديث وكل أشار إلى القائم الذي هو من مذهبه وحملوا الحديث عليه والأولى ١٥ المقدمة العموم فإن من تقع على الواحد والجمع ولا تختص أيضاً بالفقهاء فإن انتفاع الأمة يكون أيضاً بأولي الأمر وأصحاب الحديث والقراء والوعاظ لكن المبعوث ينبغي كونه مشاراً إليه في كل من هذه الفنون. ففي رأس الأولى من أولي الأمر عمر بن عبد العزيز. ومن الفقهاء محمد الباقر والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله والحسن وابن سيرين وغيرهم من طبقتهم. ومن القراء ابن كثير ومن المحدثين الزهري. وفي رأس الثانية من أولي الأمر المأمون. ومن الفقهاء الشافعي واللؤلؤي من أصحاب أبي حنيفة وأشهب من أصحاب مالك. ومن الإمامية علي بن موسى الرضى، ومن القراء الحضرمي، ومن المحدثين ابن معين، ومن الزهاد الكرخي وفي الثالثة من أولي الأمر المقتدر، ومن الفقهاء ابن شريح الشافعي والطحاوي الحنفي والجلال الحنبلي، ومن المتكلمين الأشعري، ومن المحدثين النسائي. وفي الرابعة من أولي الأمر القادر، ومن الفقهاء الإسفراييني الشافعي والخوارزمي الحنفي وعبد الوهاب المالكي والحسين الحنبلي، ومن المتكلمين الباقلاني وابن فورك، ومن المحدثين الحاكم، ومن الزهاد الثوري وهکذا يقال في بقية القرون وقال في الفتح نبه بعض الأئمة على أنه لا يلزم أن یکون في رأس كل قرن واحد فقط بل الأمر فيه كما ذكره النووي في حديث: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)) من أنه يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد ولا يلزم اجتماعهم ببلد واحد بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وتفرقهم في الأقطار ويجوز تفرقهم في بلد وأن یکونوا في بعض دون بعض ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولاً فأولاً إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد فإذا انقرضوا أتى أمر الله. قال الحافظ ابن حجر وهذا متجه فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا تنحصر في نوع من الخیر ولا يلزم أن جميع خصال الخير کلها في شخص واحد إلا أن يدعی ذلك في ابن عبد العزيز فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها ومن ثم ذكر أحمد أنهم كانوا يحملون عنه الحديث وأما من بعده فالشافعي وإن اتصف بالصفات الجميلة والفضائل الجمة لكنه لم يكن القائم بشأن الجهاد والحكم بالعدل فعلى هذا كل من اتصف بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد تعدد أم لا انتهى. وأومأ المصنف هنا وصرح في عدة تآليفه بأنه المجدد على رأس المائة التاسعة. قال في بعضها: ((قد أقامنا الله في منصب الاجتهاد لنبين للناس ما أدى إليه اجتهادنا تجديداً للدين)) هذه عبارة. وقال في موضع آخر: ((ما جاء بعد السبكي مثلي وفي آخر الناس يدعون اجتهاداً واحداً وأنا أدعي ثلاثاً) إلى غير ذلك وقد قامت عليه في زمنه بذلك القيامة ولم تسلم له في عصره هامة وطلبوا أن يناظروه فامتنع وقال لا أناظر إلا من هو مجتهد مثلي وليس في العصر مجتهد إلا أنا کما حکاه هو عن نفسه و کتبوا له حيث تدعي الاجتهاد فعلیك الإثبات لیکون الجواب على قدر الدعوى فتكون صاحب مذهب خامس فلم يجبهم. قال العلامة الشهاب ابن حجر الهيتمي: لما ادعى الجلال ذلك قام عليه معاصروه ورموه عن قوس واحد و کتبوا له سؤالاً فيه مسائل أطلق الأصحاب فيها وجيهين وطلبوا منه إن كان عنده أدنى مراتب الاجتهاد وهو اجتهاد الفتوى فليتكلم على الراجح من تلك الأوجه بدليل على قواعد المجتهدين فرد السؤال من غير كتابة عليه واعتذر بأن له اشتغالاً ١٦ المقدمة يمنعه من النظر في ذلك. قال الشهاب الرملي فتامل صعوبة هذه المرتبة أعني اجتهاد الفتوى الذي هو أدنى مراتب الاجتهاد يظهر لك أن مدعيها فضلاً عن مدعي الاجتهاد المطلق في حيرة من أمره وفساد فكره وأنه ممن ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء. قال: ومن تصور مرتبة الاجتهاد المطلق استحيا من الله تعالى أن ينسبها لأحد من أهل هذه الأزمنة بل قال ابن الصلاح ومن تبعه إنها انقطعت من نحو ثلثمائة سنة ولابن الصلاح نحو ثلثمائة سنة فتكون قد انقطعت من نحو ستمائة سنة بل نقل ابن الصلاح عن بعض الأصوليين أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل. إلى هنا كلام الشهاب. ثم قال وإذا كان بين الأئمة نزاع طويل في أن إمام الحرمين وحجة الإسلام الغزالي وناهيك بهما هل هما من أصحاب الوجوه أم لا كما هو الأصح عند جماعة فما ظنك بغيرهما بل قال الأئمة في الروياني صاحب البحر أنه لم يكن من أصحاب الوجوه هذا مع قوله ((لو ضاعت نصوص الشافعي لأمليتها من صدري)) فإذا لم يتأهل هؤلاء الأكابر لمرتبة الاجتهاد المذهبي فكيف يسوغ لمن لم يفهم أكثر عباراتهم على وجهها أن يدعي ما هو أعلى من ذلك وهو الاجتهاد المطلق؟ سبحانك هذا بهتان عظيم انتهى إلى هنا كلام الشهاب. وفي الأنوار عن الإمام الرافعي ((الناس اليوم كالمجمعين على أنه لا مجتهد اليوم)) وقال عالم الأقطار الشامية ابن أبي الدم بعد سرده شروط الاجتهاد المطلق: ((هذه الشرائط يعز وجودها في زماننا في شخص من العلماء بل لا يوجد في البسيطة اليوم مجتهد مطلق)» هذا مع تدوين العلماء كتب التفسير والسنن والأصول والفروع حتى ملأوا الأرض من المؤلفات صنفوها ومع هذا فلا يوجد في صقع من الأصقاع مجتهد مطلق بل ولا مجتهد في مذهب إمام تعتبر أقواله وجوهاً مخرجة على مذهب إمامه، ما ذاك إلا أن الله تعالى أعجز الخلائق عن هذا إعلاماً لعباده بتصرم الزمان وقرب الساعة وأن ذلك من أشراطها. وقد قال شيخ الأصحاب القفال: مجتهد الفتوى قسمان أحدهما من جمع شرائط الاجتهاد وهذا لا يوجد والثاني من ينتحل مذهباً واحداً من الأئمة كالشافعي وعرف مذهبه وصار حاذقاً فيه بحيث لا يشذ عنه شيء من أصوله فإذا سئل في حادثة فإن عرف لصاحبه نصاً أجاب عليه وإلا يجتهد فيها على مذهبه ويخرجها على أصوله وهذا أعز من الكبريت الأحمر فإذا كان هذا قول القفال مع جلالة قدره وكون تلامذته وغلمانه أصحاب وجوه في المذهب فكيف بعلماء عصرنا؟ ومن جملة غلمانه القاضي حسين والفوراني والد إمام الحرمين والصيدلاني والسنجي وغيرهم وبموتهم وموت أصحاب أبي حامد انقطع الاجتهاد وتخريج الوجوه من مذهب الشافعي وإنما هم نقلة وحفظة فأما في هذا الزمان فقد خلت الدنيا منهم وشغر الزمان عنهم. إلى هنا كلام ابن أبي الدم. وقال فقيه العصر شيخ الإفتاء والتدريس في القرن العاشر شيخنا الشمس الرملي عن والده شيخ الإسلام أبي العباس الرملي أنه وقف على ثمانية عشر سؤالاً فقهية سئل عنها الجلال من مسائل الخلاف المنقولة فأجاب عن نحو شطرها من كلام قوم من المتأخرين كالزركشي واعتذر عن الباقي بأن الترجيح لا يقدم عليه إلا جاهل أو فاسق قال الشمس فتأملت فإذا أكثرها من المنقول المفروغ منه فقلت سبحان الله رجل ادعى الاجتهاد وخفي عليه ذلك؟ فأجبت عن ثلاثة عشر منها في مجلس واحد بكلام متين من كلام المتقدمين وبت على عزم إكمالها فضعفت تلك الليلة فعددت ذلك كرامة للمؤلف وليس حكايتي لذلك من قبيل المقدمة ١٧ في كل عصر من يحوط هذه الملة بتشييد أركانها وتأييد سننها وتبيينها، وأشهد أن لا الغض منه ولا الطعن عليه بل حذراً أن يقلده بعض الأغبياء فيما اختاره وجعله مذهبه سيما ما خالف فيه الأئمة الأربعة اغتراراً بدعواه هذا مع اعتقادي مزيد جلالته وفرط سعة اطلاعه ورسوخ قدمه وتمكنه في العلوم الشرعية وآلاتها وأما الاجتهاد فدونه خرط القتاد وقد صرح حجة الإسلام بخلو عصره عن مجتهد حيث قال في الاحياء في تقسيمه للمناظرات ما نصه: ((أما من ليس له رتبة الاجتهاد وهو حكم كل العصر فإنما يفتي فيه ناقلاً عن مذهب صاحبه فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يتركه» انتهى. وقال في الوسيط هذه الشروط يعني شروط الاجتهاد المعتبرة في القاضي قد تعذرت في عصرنا. وهنا تنبيه ينبغي التفطن له وهو أن كل من تكلم على حديث: ((إن الله يبعث)) الخ إنما يقرره بناء على أن المبعوث على رأس القرن يكون موته على رأسه وأنت خبير بأن المتبادر من الحديث إنما هو أن البعث وهو الإرسال يكون على رأس القرن أي أوله ومعنى إرسال العالم تأهله للتصدي لنفع الأنام وانتصابه لنشر الأحكام وموته على رأس القرن أخذ لا بعث فتدبر بانصاف. ثم رأيت الطيبي قال: المراد بالبعث من انقضت المائة وهو حي عالم مشهور مشار إليه. والكرماني قال قد كان قبيل كل مائة أيضاً من يصحح ويقوم بأمر الدين وإنما المراد من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه. ولما كان ربما يتوهم من تخصيص البعث برأس القرن أن القائم بالحجة لا يوجد إلا عنده أردف ذلك بما يبين أنه قد يكون في أثناء المائة من هو كذلك بل قد يكون أفضل من المبعوث على الرأس وأن تخصيص الرأس إنما هو لكونه مظنة انخرام علمائه غالباً وظهور البدع ونجوم الدجالين فقال (وأقام) أي نصب وسخر. قال الراغب القيام على أضرب: قيام بالشخص إما بتسخير أو باختيار وقيام هو المراعاة للدين والحفظ له وقيام هو العزم على الشيء ومنه: ﴿كونوا قوامين لله﴾ [المائدة: ٨] ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ [الرعد: ٣٣] أي حافظ وقوله ﴿إلا ما دمت عليه قائماً﴾ [آل عمران: ٧٥] أي على طلبه (في كل عصر) بفتح أو ضم فسكون وبضمتين أي زمن والعصر الدهر كما في الصحاح والوقت كما في الأساس يقال ما فعلته عصراً أو بعضر أي في وقت (من يحوط) بضم الحاء الحيطة وهي المراعاة والصيانة والحفظ (هذه الملة) أي يصون ويحفظ هذه الطريقة المحمدية والسنن الإسلامية ويهتم بالذب عنها ويبالغ في الاحتياط غير مقصر ولا متوان. ففي الصحاح: حاطه كلأه ورعاه وفي الأساس تعاهده واهتم بأمره. ومن المجاز أحاط به علماً أتى على أقصى معرفته كقولك علمه علم إحاطة إذا علمه من جميع وجوهه ولم يفته شيء منه ومنه فلان يحوط بيضة الإسلام وبيضة قومه. وفي المفردات الإحاطة تستعمل في الأجسام نحو أحطت بمكان كذا وفي الحفظ نحو: ﴿ألا إنه بكل شيء محيط﴾ [فصلت: ٥٤] أي حافظ لجميع جهاته. والملة قال الزمخشري: الطريقة المسلوكة ومنه ملة إبراهيم خير الملل وامتلّ فلان ملة الإسلام. وقال القاضي هي ما شرع الله لعباده على لسان أنبيائه من أمللت الكتاب إذا مليته وقال الحراني: ما يدعو إليه هدى العقل المبلغ عن الله توحيده من ذوات الحنيفيين والدين الإسلام والإسلام إلقاء ما باليد ظاهراً وباطناً وذلك إنما يكون عن بادي عين التوحيد اهـ. وقال الراغب الدين والملة اسمان بمعنى يتفقان من وجه ويختلفان من وجه فاتفاقهما أنهما اسم لاعتقادات وأقوال وأفعال تأثرها أمّة من الأمم عن نبيهم يرفعها إلى الله واختلافهما من وجهين فيض القدير ج١ م٢ ١٨ ٨٠. المقدمة إله إلّ الله وحده لا شريك له: شهادة يزيح ظلام الشكوك صبح يقينها، وأشهد أن سيّدنا أحدهما أن الدين إذا اعتبر بمبدئه فهو الطاعة والانقياد نحو ﴿في دين الملك﴾ [يوسف: ٧٦] وإذا اعتبر بمغزاه ومنتهاه فهو الجزاء كخبر: ((كما تدين تدان)) والدين تارة يضاف إلى الله تعالى وأخرى إلى العبد والملة من أمللت الكتاب أي أمليته وتضاف إلى الإمام الذي تسند إليه نحو ملة إبراهيم ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد أمّة النبي لا يقال ملة الله ولا ملتي ولا ملة زيد كما يقال دين الله وديني ودين زيد الثاني أن الدين يقال لكل من الاعتقاد والقول والفعل أنه دين الله ولا يقال ملة إلا باجتماع ذلك كله وأما الشريعة فالطريقة المتوصل بها إلى صلاح الدارين تشبيهاً بشريعة المار بالطريق الشارع انتهى. وبه يعلم أن من فسر الملة هنا بالدين أو الشريعة لم يصب (بتشييد أركانها) أي بإعلاء أعلامها ورفع منارها وإحكام أحكامها، والتشييد الرفع والتأييد أو الإحكام والإتقان. قال الزمخشري: شاد القصر وأشاده شيده ورفعه، وقصر مشيد وقيل مشيد المعمول بالشيد وهو الجص بكسر الجيم ومن المجاز أشاد بذكره رفعه بالثناء عليه، وأشاد عليه أثنى عليه مكروهاً وأركان الشيء جوانبه التي عليها مبناه وبتركها بطلانه ذكره الراغب. فإثبات الأركان للملة مجاز. قال الزمخشري: ومن المجاز فلان يأوي من عز قومه إلى ركن شديد (وتأييد سننها) تقويتها من الأيد وهو القوة الشديدة ومنه قيل للأمير المعظم مؤيد والسنن جمع سنة وهي لغة الطريقة وقال الزمخشري سنّ سنة حسنة طرق طريقة حسنة واستسن سنة وفلان مستسن عامل بالسنة وعرفاً قول المصطفى وفعله وتقريره وقال ابن الكمال المروي عن النبي ◌َ ﴿ فعلاً كان أو قولاً بخلاف الحديث فإنه مخصوص بالأول (وتبيينها) أي توضيحها للناس من أبان الشيء أوضحه ومنه بأن أي اتضح واستبان ظهر واستبينته عرفته. قال الحراني: والتبيين اقتطاع الشيء مما يلابسه ويداخله والمراد المبالغة في البيان بما تفهمه صيغة التفعيل. وقال الراغب: البيان الكشف عن الشيء وهو أعم من النطق وسمي الكلام بياناً لكشفه عن المعنى المقصود. وقال المولى خسرو: التبیین أعم من أن ینص بالمقصود أو یرشد لما یدل علیه کالقیاس ودليل الفعل. ولما أقام البراهين على استحقاقه تعالى وتقدّس لمجامع المحامد وصفات الكمال شهد له باستحقاق الألوهية وإثباتها ونفيها عما سواه إشارة إلى أن تلك الشهادة الشريفة داخلة فيما أقيمت البراهين على استحقاقه تعالى إياه بل استحقاق إثبات الألوهية أجل ظهوراً ومن ثم عطفه على الحمد فصرح بما علم التزاماً من سياق التنزيه قبله فقال (وأشهد) الخ ومن مرسومه أنه التصريح بدلالة مفهوم المنطوق لدفع احتمال توهم غيره أو لحديث أبي داود كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء بذال معجمة. وأصل الشهادة لغة مأخوذة من المشاهدة والمعاينة ثم نقلت شرعاً إلى الإخبار بحق الغير عن عيان ثم نقلت إلى العلم بكثرة كما هنا وكذا حيث أطلقت في سائر الكتب فتلك ثلاث انتقالات إذ معناها هنا أعلم ذلك بقلبي وأبينه بلساني قاصداً به الإنشاء حال تلفظه وكذا سائر الأذكار والتنزيهات (أن لا إله) أي لا معبود بحق (إلا الله) جمع في الشهادتين بين النفي والإثبات مع تنزيه لإله الحق المثبت له ذلك عما لا يليق بكمال جلال وحدانيته (وحده) نصب على الحال بمعنى منفرداً وكذا حيث وقع إلا ما استثني منه كقولهم في المدح للعلامة نسيج وحده بكسر الهاء وفي الذمّ لضعف الرأي عبير وحده وجحيش وحده ووجيه وحده محتمل للمدح والذمّ (لا شريك) أي لا مشارك (له) إذ ١٩ المقدمة محمّداً عبده ورسوله؛ المبعوث لرفع كلمة الإسلام وتشييدها، وخفض كلمة الكفر الشريك من المشاركة وهي المعاونة والمساعدة في الشيء أو عليه وذلك ينافي الألوهية وهو تأكيد لتوحيد الذات والمتوحد ذو الوحدانية وزاد مقام الخطابة بالثناء توضيحاً وتقريراً بقوله ضرورة احتياجه إلى الغير فانتفاؤه ضروري قطعاً وهو توكيد لتوحيد الأفعال ردّاً على المعتزلة ثم قيد الشهادة بما يفيد إثبات جزمه وقوّة قطعه وعدم تزلزله فقال (شهادة يزيح ظلام الشكوك صبح بقينها) أي أشهد به شهادة ثابتة جازمة يزيل نور اعتقادها ظلمة كل شك فهو استعارة بالكناية لكون نطقه بالشهادة نشأ عن جزم قلبه وعقد لبه عليها لأنّ نور اليقين لما كان دافعاً لظلمات تشكيكات العدو اللعين شبه بضوء الصبح المنتشر المرتفع عند تنحيته لظلام الليل بجامع أن كلاً منهما مزيل للظلمات ومحصوله الإخبار عن قوة إيقانه وغلبة سلطان إيمانه على جنانه بحيث بلغ من مقامات القوة مبلغاً عظيماً إلى اليقين وإن كان اعتقاداً جازماً مطابقاً للواقع لا يزول بالتشكيكات لكنه متفاوت قوة وضعفاً عند المحققين بشهادة الوجدان إذ الجزم بطلوع الشمس عند الرؤية أقوى من الجزم بالعاديات. ثم عطف الشهادة الثانية على الأولى فقال (وأشهد) إلى آخره إذ الإتيان بالشهادتين على الترتيب شرط كما هو مذكور في شروط الإسلام الخمسة وهي العقل والتكليف والإتيان بالشهادتين وكونهما مرتبتين وكون ذلك بالاختيار في حق غير الحربي والكلام على هذه الشهادة كالذي قبلها وكانتا بالعطف دونه في الأذان لأنهما فيه تأكید وهنا تعبد (أن سيدنا) معشر الآدميين أي أشرفنا وأكرمنا على ربه والسيد المتولي للسواد أي الجماعة الكثيرة ويضاف إلى ذلك فيقال سيد القوم ولا يقال سيد النوب وسيد الفرس ويقال ساد القوم يسودهم. ولما كان من شرط المتولي للجماعة الكثيرة کونه مهذب النفس قیل لکل من کان فاضلاً في نفسه وإطلاق السيد على النبي ﴿ موافق لحديث أنا سيد ولد آدم ولكن هذا مقام الإخبار بنفسه عن مرتبته ليعتقد أنه كذلك وأما في ذكره والصلاة عليه فقد علمهم الصلاة عليه لما سألوه عن كيفيتها بقوله قولوا اللهم صل على محمد فلم يذكر لفظ السيد وقد تردد ابن عبد السلام في أن الأفضل ذكر السيد رعاية للأدب أو عدم ذكره رعاية للوارد (محمداً) عطف بيان لا صفة لتصريحهم بأن العلم ينعت ولا ينعت به ذكره بعض علماء الروم قال وما ذكره الكشاف في ﴿ذلكم الله ربكم﴾ [الأنعام: ١٠٢] أنه يجوز إيقاع اسم الله صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان وربكم خبر إنما يصح بناء على تأويله بالمعرف باللام وإلا فتجويز نعت اسم الإشارة بما ليس معرفاً بها وما ليس بموصول مجمع على بطلانه ولا بدل لأن البدلية وإن جوزت في ﴿ذكر رحمة ربك عبده زكريا﴾ [مريم: ٢] لكن القصد الأصلي هنا إيضاح الصفة السابقة وتقرير النسبة تبع والبدلية تستدعي العكس وهو اسم مفعول من التحميد وهو المبالغة في الحمد يقال حمدت فلاناً أحمده إذا أثنيت على جميل خصاله ويقال فلان محمود فإذا بلغ النهاية وتكاملت فيه المحاسن فهو محمد لكن ذكر بعض المحققين أنه إنما هو من صيغ المبالغة باعتبار ما قيل فيه من معنى الكثرة بخصوصه لا من جهة الصفة إذ لا يلزم من زيد مفضل على عمرو المبالغة في تفضيله عليه إذ معناه له جهة تفضيل عليه وبفرض كونه للتكثير لا يلزم منه المبالغة لأنها تجاوز حد الكثرة ولحصرهم صيغ المبالغة في عدد مخصوص وكونه أجل من حمد وأفضل من حمد لا يستلزم وضع الاسم للمبالغة لأن ذلك ثابت له لذاته وإن لم يسم به، نعم المناسبة قائمة به مع ما مر من دلالة البناء ١ ٢٠ المقدمة عرفاً على بلوغ النهاية في ذلك الوصف (عبده) قدمه لكون العبودية مفتاحاً لكل باب كمال ففي ذكره من استحقاق الرحمة واستجلاب الرفعة وترتب الشفقة ما ليس في غيره ولما فيه من الإيماء إلى أن مرتبة النبوة وهبية لا كسبية ولأن العبودية في الرسول لكونها انصرافاً من الخلق إلى الحق أجل من رسالته لكونها بالعكس لأن الكمال المستفاد من العبودية مما تستنزل به الكمالات وتستمطر به البركات بحكم (من تواضع لله رفعه الله)) ولأن العبد يتكفل مولانا بإصلاح شأنه والرسول يتكفل لمولاه بإصلاح شأن الأمة وكم بينهما وإضافته إليه تعالى تشريفاً للمضاف أيّ تشريف وتنبيهاً على أن لهذا اللفظ الخاص كمال الاختصاص، والعبد لغة الإنسان حراً أو قناً، وعرفاً المكلف يعني من هو من جنس المكلفين ولو صبياً أو جنياً (ورسوله) إلى كافة الثقلين والملائكة أو إلى الأولين خاصة؟ وعليه الحليمي والبيهقي بل حكى الرازي والنسفي الإجماع عليه لكن انتصر محققون منهم السبكي للتعميم بآية: ﴿ليكون للعالمين نذيراً﴾ [الفرقان: ١] أو خبر ((أرسلت إلى الخلق كافة)) ونازعوا فيما حكي بأن البيهقي نقله عن الحليمي وتبرأ منه والحليمي وإن كان سنياً لكن وافق المعتزلة في تفضيل الملك على البشر فظاهر حاله بناؤه عليه وبأن الاعتماد على تفسيرهما في حكاية الإجماع انفراداً لحكايته لا ينهض حجة عند أئمة النقل لأن مدارك نقل الإجماع إنما تتلقى من كلام حفاظ الأمة وأصحاب المذاهب المتبوعة ومن يلحق بهم في سعة دائرة الاطلاع والحفظ والإتقان والشهرة عند علماء النقل والرسول والنبي طال فيما بينهما من النسبة الكلام، والمحققون كما قال ابن الهمام كالزمخشري والعضد والتفتازاني والشريف الجرجاني على ترادفهما وأنه لا فارق إلا الكتاب قال الزمخشري الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو إلى شرع من قبله انتهى، وقال في المقاصد: النبي إنسان بعثه الله لتبليغ ما أوحي إليه قال وكذا الرسول. قال الكمال ابن أبي شريف: هذا ينبىء عن اختياره للقول بترادفهما. وفي شرح العقائد بعد ما ذكر أنه لا يقتصر على عدد في تسمية الأنبياء ما نصه: وكلهم كانوا مبلغين عن الله تعالى لأن هذا معنى النبوة والرسالة، قال الكمال ابن أبي شريف هذا مبني على أن الرسول والنبي بمعنى واحد. وقال الإمام الرازي في تفسيره ولا معنى للنبوة والرسالة إلا أن يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم. وفي المواقف وشرحه في السمعيات: النبي من قال له الله تعالى أرسلتك إلى قوم كذا أو إلى الناس جميعاً أو بلغهم عني أو نحوه ولا يشترط في الإرسال شرط وفيه في شرح الديباجة: الرسول نبي معه كتاب والنبي غير الرسول من لا كتاب معه بل أمر بمتابعة شرع من قبله كيوشع. قال المولى خسرو تبع - يعني الشريف - صاحب الكشاف في تفسير الرسول واعتراضه بأنه لا يوافق في عدد الرسل والكتب إذ الكتب نحو مائة والرسل أكثر من ثلاثمائة مدفوع بأن مراده بمن معه كتاب أن يكون مأموراً بالدعوة إلى شريعة كتاب سواء أنزل على نفسه أو على نبي آخر. قال: والأقرب أن الرسول من أنزل عليه كتاب والنبي أعم لما في ذلك من النقص عما أورد على الأول من أنه يلزم عليه أن يكون من بعث بدون كتاب ولا متابعة من قبله خارجاً عن النبي والرسول معاً، اللهم إلا أن يقال إنه لا وجود لمثله انتهى. وقال الشيباني في شرح الفقه الأكبر: الرسول من بعث بشرع مجدد والنبي يعمه ومن بعث بتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل