Indexed OCR Text
Pages 141-160
حدثني الزهري قال : حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، به . معمر بن يعمر مجهول الحال لكنه في الشواهد كما ترى ، بل قد توبع ، قال الإِمام أحمد رحمه الله ( جـ ٢ ص ٢٨٩ ) : ثنا مؤمل بن إسماعيل ثنا حماد ابن سلمة ثنا برد بن سنان عن الزهري ، به . الإنكار على الحاكم المسلم بدون التحريض على الخروج عليه قال البزار رحمه الله كما في كشف الأستار ( جـ ٢ ص ٣٥٩ ): حدثنا عمرو بن علي ثنا معاذ بن هشام ثنا أبي عن قتادة عن عقبة بن وساج قال : كان صاحب لي يحدثني عن عبد الله بن عمرو في شأن الخوارج ، فحججت فلقيت عبد الله بن عمرو ، فقلت : إنك بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وقد جعل الله عندك علمًا، إن ناسًا يطعنون على أمرائهم ، ويشهدون عليهم بالضلالة ، قال : على أولئك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، أتي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسقاية من ذهب أو فضة ، فجعل يقسمها بين أصحابه ، فقام رجل من أهل البادية فقال : يا محمد ، لئن كان الله أمرك بالعدل فلم تعدل ، قال: «ويلك فمن يعدل عليك بعدي ))، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( إن في أمتي أشباه هذا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، فإن خرجوا فاقتلوهم ، ثم إن خرجوا فاقتلوهم ، قال ذلك ثلاثًا . هذا حديث صحيح . الإنكار على من اغتاب المسلمين قال أبو داود رحمه الله ( جـ ١٣ ص ٢٢١ ) : حدثنا مسدد أخبرنا يحيى عن سفيان إحدثني علي بن الأقمر عن أبي حذيفة عن عائشة قالت : قلت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : حسبك من صفية كذا وكذا ، قال غير مسدد: تعني قصيرة، فقال: ((لقد قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزجته)). قالت: وحكيت له إنسانا فقال: ((ما أحب أني حكيت ١٤١ إنسانا، وأن لي كذا وكذا)). هذا حديث صحيح ، على شرط مسلم ، وأبو حديفة هو : سلمة بن صهيب وثقه يعقوب بن سفيان ، الحديث رواه الترمذي ( جـ ٧ ص ٢٠٨ ) وقال : هذا حديث حسن صحيح . على الذي يأمر بمعروف أو ينهى عن المنكر أن يثبت من صحة الأخبار حتى لا يظلم أحدًا قال الإمام أحمد رحمه الله ( ١٨٤٢ ) : حدثنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( ليس الخبر كالمعاينة)). وقال الإمام أحمد رحمه الله ( ٢٤٤٧ ) : حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((ليس الخبر كالمعاينة إن الله عز وجل أخبر موسى بما صنع قومه في العجل ، فلم يلق الألواح ، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت )) . هذا حديث صحيح ، على شرط الشيخين . الحديث أخرجه البزار رحمه الله، كما في كشف الأستار ( جـ ١ ص ١١١ ) فقال : حدثنا أحمد بن سنان ثنا أبو داود ثنا أبو عوانة عن أبي بشر، به . . الذي ينهى عن المنكر لا يتجسس على أصحاب المنكرات قال الترمذي رحمه الله ( ج ٦ ص ١٨٠ ): حدثنا يحيى بن أكثم والجارود ابن معاذ قالا : أخبرنا الفضل بن موسى أخبرنا الحسين بن واقد عن أوفى بن دلهم عن نافع عن ابن عمر قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ١٤٢ المنبر فنادى بصوت رفيع: « يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه ، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ، ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله » . قال : ونظر ابن عمر يوما إلى البيت أو إلى الكعبة فقال : ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك . هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد ، وقد رواه إسحاق بن إبراهيم السمرقندي عن حسين بن واقد ، نحوه . ملازمة الصلاة تنهى عن ارتكاب المحرمات قال الإِمام أحمد رحمه الله ( جـ ٢ ص ٤٤٧ ) : ثنا وكيع ثنا الأعمش قال : أنا أبو صالح عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: إن فلانا يصلي بالليل ، فإذا أصبح سرق، قال: ((إنه سينهاه ما يقول)). هذا حديث صحيح ، رجاله رجال الصحيح . الرفق بصاحب المنكر قال أبو داود رحمه الله ( جـ ١٣ ص ١٦٣ ) : حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا حماد عن يونس وحميد عن الحسن عن عبد الله بن مغفل أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف . هذا حديث صحيح ، فحماد هو : ابن سلمة ، من رجال مسلم . وقد روى البخاري للحسن عن عبد الله بن مغفل . الحديث أخرجه الإمام أحمد رحمه الله ( ج ٤ ص ٨٧ ) فقال رحمه الله: ثنا أسود بن عامر قال : ثنا حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن ، به . ١٤٣ ٠ وأخرجه عبد بن حميد في المنتخب ( جـ ١ ص ٤٥٣) فقال رحمه الله : حدثنا حجاج بن منهال ثنا حماد بن سلمة عن يونس وحميد عن الحسن ، فذكره . قال الإمام أحمد رحمه الله: ثنا يزيد بن هارون ثنا حريز (١) ثنا سليم بن عامر عن أبي أمامة قال : إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله ، ائذن لي بالزنا؟ فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه؟ فقال: (( ادنه » . فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: ((أتحبه لأمك)) قال: لا والله ، جعلني الله فداءك قال: ((ولا الناس يحبونه لأمهاتهم)) قال: ((أفتحبه لابنتك؟)) قال : لا والله ، يا رسول الله جعلني الله فداءك قال: ((ولا الناس يحبونه لبناتهم » قال : ((أفتحبه لأختك؟)) قال: لا والله، جعلني الله فداءك قال: ((ولا الناس يحبونه لأخواتهم)) قال: ((أفتحبه لعمتك؟)) قال : لا والله ، جعلني الله فداءك ، قال : (((ولا الناس يحبونه لعماتهم)) قال: ((أفتحبه لخالتك؟)) قال: لا والله، جعلني الله فداءك قال: ((ولا الناس يحبونه لخالتهم)) قال: فوضع يده عليه ، وقال: ((اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه)) فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء . ثنا أبو المغيرة ثنا حريز حدثني سليم بن عامر أن أبا أمامة حدثه أن غلاما شابا أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذكره . هذا حديث صحيح ، ويا له من موعظة وتوجيه للدعاة إلى الله . التعريض والكناية إذا لم يحتج إلى تصريح في إزالة المنكر قال أبو داود رحمه الله ( ج ١٣ ص ١٤٤ ) : حدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا عبد الحميد - يعني الحماني - أخبرنا (١) حريز: هو ابن عثمان الكلاعى، وقد تصحف في هذا والذي بعده إلى جرير، والصواب ما أثبتناه . ١٤٤ الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل : ما بال فلان يقول ، ولكن يقول : (( ما بال أقوام يقولون كذا وكذا)). هذا حديث صحيح ، على شرط الشيخين . إنکار السلف على من أنكر أحاديث الصفات أو التحدیث بها قال الإمام الترمذي رحمه الله ( ج ٨ ص ٤٥١ ): حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أخبرنا سليمان بن حرب أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قرأ هذه الآية: ﴿ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا﴾، قال حمّاد: هكذا، وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة أصبعه اليمنى ، قال : فساح الجبل ، وخر موسى صعقا . هذا حديث حسن صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من حديث حمّاد بن سلمة . حدثنا عبد الوهاب الورّاق البغدادي أخبرنا معاذ بن معاذ عن حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، نحوه . هذا حديث حسن . قال أبو عبد الرحمن : هذا حديث صحيح ، على شرط مسلم . وقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده ( جـ ٣ ص ١٢٥ ) : فقال : ثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري قال : ثنا حماد بن سلمة ثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله تعالى: ﴿ فلما تجلى ربه للجبل﴾ قال: هكذا - يعني أخرج طرف الخنصر - قال أبي : أرانا معاذ ، فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد ؟ . قال : فضرب صدره ضربة شديدة وقال : من أنت يا حميد ، وما أنت يا حميد ، يحدثني به أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتقول أنت : ما تريد إليه ؟ . ١٤٥ : C كتاب الهجرة فضل الهجرة قال النسائي رحمه الله ( جـ ٧ ص ١٤٥ ) : أخبرنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال عن محمد - وهو ابن عيسى ابن سميع - قال : حدثنا زيد بن واقد عن كثير بن مرة أن أبا فاطمة حدثه أنه قال : يا رسول الله ، حدثني بعمل أستقيم عليه وأعمله، قال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((عليك بالهجرة فإنه لا مثل لها)). هذا حديث حسن . فضل المهاجرين قال أبو داود رحمه الله ( جـ ٥ ص ٤٣٠ ) : حدثنا أحمد بن حنبل أخبرنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن حميد(١) الأعرج عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : خطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الناس بمنى ونزلهم منازلهم، فقال: ((لينزل المهاجرون هاهنا))، وأشار إلى ميمنة القبلة، (((والأنصار هاهنا))، وأشار إلى ميسرة القبلة ،( ثم لينزل الناس حولهم)). هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، والصحابي المبهم لا يضر ، على أن غير معمر يروونه عن حميد عن محمد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن معاذ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بدون ذكر الرجل ، كما في تهذيب التهذيب في ترجمة عبد الرحمن بن معاذ ، وهو أرجح . وعبد الرحمن بن معاذ صحابي . الحديث أخرجه النسائي ( جـ ٥ ص ٢٤٩ ). قال الإمام أحمد رحمه الله ( جـ ٣ ص ٥٠٠ ) : ثنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري قال : أخبرني عبد الله بن كعب بن (١) حميد الأعرج. هو حميد بن فيس من رجال الجماعة . ١٤٩ مالك الأنصاري ، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم ، أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج يوما عاصبا رأسه، فقال في خطبته: ((أما بعد، يا معشر المهاجرين ، فإنكم قد أصبحتم تزيدون ، وأصبحت الأنصار لا تزيد على هيئتها التي هي عليها اليوم ، وإن الأنصار عيبتي التي آويت إليها، فأكرِموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم)). هذا حديث صحيح ، رجاله رجال الصحيح . قال الإمام أحمد رحمه الله ( ٨٦٩٢ ) : حدثنا يحيى بن أبي بكير ثنا زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: ((سألت ربي عز وجل فوعدني أن يدخل من أمتي سبعين ألفا على صورة القمر ليلة البدر ، فاستزدت فزادني مع كل ألف سبعين ألفًا ، فقلت : أي رب ، إن لم يكن هؤلاء مهاجري أمتي قال : أكملهم لك من الأعراب )) . هذا حديث حسن . وزهير بن محمد يضعف إذا روى عنه الشاميون ، ويحيى بن أبي بكير كوفي الأصل سكن بغداد ، كما في تهذيب التهذيب . قال الإمام النسائي رحمه الله ( جـ ٦ ص ٢١ ) : قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن وهب قال : أخبرني أبو هانىء عن عمرو بن مالك الجنبي أنه سمع فضالة بن عبيد يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((أنا زعيم، والزعيم الحميل لمن : آمن بي وأسلم وهاجر بيت في ربض الجنة ، وببيت في وسط الجنة ، وأنا زعيم لمن آمن بي، وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة ، ويبيت في أعلا غرف الجنة ، من فعل ذلك ، فلم يدع للخير مطلبا ، ولا من الشر مهربا بموت حيث شاء أن يموت ». هذا حديث حسن ، وأبو هانىء هو : حمید بن هانئ. قال الإمام النسائي رحمه الله ( جـ ٤ ص ٦٠ ) : أخبرنا سويد بن نصر قال: أنبأنا عبد الله عن ابن جريج قال: أخبرني عكرمة ١٥٠ ابن خالد أن ابن أبي عمار أخبره عن شداد بن الهاد أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فآمن به واتبعه ، ثم قال : أهاجر معك ، فأوصى به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعض أصحابه ، فلما كانت غزوة غنم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سبيا فقسم وقسم له ، فأعطى أصحابه ما قسم له ، وكان يرعى ظهرهم ، فلما جاء رفعوه إليه فقال : ما هذا ؟ قالوا : قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: ما هذا؟ قال: ((قسمته لك)) قال: ما على هذا اتبعتك ، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا، وأشار إلى حلقه بسهم ، فأموت فأدخل الجنة ، فقال: ((إن تصدق الله يصدقك))، فلبثوا قليلًا ثم نهضوا في قتال العدو ، فأتي به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحمل ، قد أصابه سهم حيث أشار ، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((هو هو ؟)). قالوا: نعم، قال: ((صدق الله فصدقه)) ثم كفنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ثم قدمه فصلى عليه ، فكان فيما ظهر من صلاته: (( اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك ، فقتل شهيدًا ، أنا شهيد على ذلك )) . هذا حديث صحيح ، رجاله رجال الصحيح إلا سويد بن نصر ، وقد وثقه مسلمة ، كما في تهذيب التهذيب . وابن أبي عمار اسمه : عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار . المهاجر من هجر الخطايا والذنوب قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه رحمه الله ( جـ ٢ ص ١٢٩٨ ): حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح المصري ثنا عبد الله بن وهب عن أبي هانىء عن عمرو بن مالك الجنبي أن فضالة بن عبيد حدثه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((المؤمن من أمته الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب » . ١٥١ هذا حديث حسن رجاله رجال الصحيح ، إلا عمرو بن مالك الجنبي ، قد وثقه ابن معين ، كما في تهذيب التهذيب . قال الإمام أحمد رحمه الله ( جـ ٢ ص ١٥٩ ) : ثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش ، وإياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم أمرهم بالقطيعة فقطعوا ، وأمرهم بالبخل فبخلوا ، وأمرهم بالفجور ففجروا)). قال : فقام رجل فقال : يا رسول الله ، أي الإِسلام أفضل ؟ قال : ((أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك)). فقام ذاك - أو: آخر - فقال: يا رسول الله، أي الهجرة أفضل؟ قال: (( أن تهجر ما كره ربك ، والهجرة هجرتان : هجرة الحاضر ، والبادي ، فهجرة البادي أن يجيب إذا دعي ، ويطيع إذا أمر، والحاضر أعظمها بلية وأفضلها أجرا » . هذا حديث صحيح . وأبو كثير : هو الزبيدي مختلف في اسمه ، وثقه النسائي ، كما في تهذيب التهذيب . والحديث أخرجه النسائي رحمه الله في التفسير ( جـ ٢ ص ١٣١ ) فقال رحمه الله : أنا عبدة بن عبد الله أنا حسين - يعني : ابن علي الجعفي - عن فضيل(١) عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن زهير(٢) بن الأقمر عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((اتقوا الظلم فإنه الظلمات يوم القيامة ، واتقوا الفحش فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش ، وإياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا ، وأمرهم بالفجور ففجروا ، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا )) . (١) فضيل : هو ابن مرزوق، كما في تحفة الأشراف . (٢) هو أبو كثير المتقدم . ١٥٢ وقال الإِمام النسائي رحمه الله ( جـ ٧ ص ١٤٤ ) : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو قال : قال رجل: يا رسول الله ، أي الهجرة أفضل؟ قال: ((أن تهجر ما كره ربك عز وجل)) وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((الهجرة هجرتان : هجرة الحاضر ، وهجرة البادي ، فأما البادي فيجيب إذا دعي ، ويطيع إذا أمر، وأما الحاضر فهو أعظمها بلية وأعظمها أجرا)). هذا حديث صحيح رجاله رجال الصحيح ، إلا أبا كثير الزبيدي وقد وثقه النسائي . الهجرة إلى المدينة النبوية قال الإمام أحمد رحمه الله ( جـ ٦ ص ٣٥٠ ): ئنا يعقوب قال : ثنا أبي عن ابن إسحاق(١) قال: حدثني يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخرج معه أبو بكر احتمل أبو بكر ماله كله معه ، خمسة آلاف درهم ، أو ستة آلاف درهم ، قالت : وانطلق بها معه قالت : فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره ، فقال : والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه ، قالت : قلت : كلا يا أبت ، إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا قالت: فأخذت أحجارًا فتركتها فوضعتها في كوة لبيت كان أبي يضع فيها ماله ، ثم وضعت عليها ثوبا ، ثم أخذت بيده فقلت : يا أبت ، ضع يدك على هذا المال ؟ قالت : فوضع يده عليه ، فقال : لا بأس إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن وفي هذا لكم بلاغ، قالت : لا والله ما ترك لنا شيئا ، ولكني قد أردت أن أسكن الشيخ بذلك . هذا حديث حسن . (١) في الأصل: عن إسحاق، والصواب ما أثبتناه فهذه سلسلة معروفة . ١٥٣ الحديث أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية ( جـ ١ ص ٤٨٨ ). قال الإمام الترمذي رحمه الله ( جـ ١٠ ص ٤٢٦ ) : حدثنا قتيبة أخبرنا الليث عن عقيل عن الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله ابن عدي بن حمراء قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم واقفا على الخزورة فقال: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت )). هذا حديث حسن غريب صحيح . وقد رواه يونس عن الزهري نحوه ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وحديث الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن حمراء عندي أصح . قال أبو عبد الرحمن : حديث الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي على شرط الشيخين . الحديث أخرجه ابن ماجه ( جـ ٢ ص ١٠٣٧ ) والدارمي ( جـ ٢ ص ٣١١ ). قال الإمام الترمذي رحمه الله ( جـ ١٠ ص ٨٧ ) : حدثنا بشر بن هلال الصّواف البصري أخبرنا جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس بن مالك قال : لمّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة أضاء منها كل شيء (١)، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء ، وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا ». هذا حديث صحيح غريب . (١) الإضاءة: كناية عن الفرح والسرور الذي حصل للمسلمين عند دخول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم . والظلام : كناية عن الحزن والقلق الذي حصل بسبب موت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم . ١٥٤ قال أبو عبد الرحمن : هو حسن على شرط مسلم . الحديث أخرجه ابن ماجه ( جـ ١ ص ٥٢٢ ). وقال الإمام عبد بن حميد رحمه الله في المنتخب ( جـ ٣ ص ١٣٤ ): حدثني هاشم بن القاسم قال : حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال : إني لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد فأسعى فلا أرى شيئا حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق فكنا في بعض خراب المدينة ، ثم بعثنا رجلا من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار ، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما ، فقالت الأنصار : انطلقا آمنين مطاعين ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصاحبه بين أظهرهم ، فخرج أهل المدينة حتى أن العوائق الفوق البيوت يتراءينه يقلن : أيهم هو ، أيهم هو ؟ قال : فما رأينا منظرا شبيها به يومئذ . قال أنس: فلقد رأيته يوم دخل علينا، ويوم قبض فلم أر يومين شبيها بهما . هذا حديث صحيح، وقد أخرجه الإمام أحمد رحمه الله ( جـ ٣ ص ٢٢٢) فقال : ثنا هاشم به . وقال الإمام أحمد رحمه الله ( ج ٣ ص ١٢٢ ): ثنا يزيد بن هارون أنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس قال : لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يركب وأبو بكر رديفه ، وكان أبو بكر يعرف في الطريق لاختلافه إلى الشام وكان يمر بالقوم فيقولون : من هذا بين يديك يا أبا بكر فيقول : هاد يهديني ، فلما دنوا من المدينة بعث إلى القوم الذين أسلموا من الأنصار إلى أبي أمامة وأصحابه فخرجوا إليهما فقالوا : ادخلا آمنين مطاعين ، فدخلا قال أنس : فما رأيت يوما قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر المدينة ، وشهدت وفاته فما رأيت يوما قط أظلم ولا أقبح من اليوم الذي توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه . ١٥٥ وقال الإمام أحمد رحمه الله ( جـ ٣ ص ٢٨٧ ) : ثنا عفان ثنا حماد عن ثابت عن أنس أن أبا بكر كان رديف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين مكة والمدينة ، وكان أبو بكر يختلف إلى الشام وكان يعرف، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعرف ، فكانوا يقولون : يا أبا بكر ، ما هذا الغلام بين يديك ؟ قال : هذا يهديني السبيل ، فلما دنوا من المدينة نزلا الحرة وبعثا إلى الأنصار ، فجاءوا فقالوا: قوما آمنين مطاعين قال : فشهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه ، وشهدته يوم مات فما رأيت يوما كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم . هذا حديث صحيح على شرط مسلم . وأخرجه ابن أبي شيبة ( جـ ١٤ ص ٣٣٧ ) من حديث عفان به . قال ابن إسحاق كما في السيرة لابن هشام ( جـ ١ ص ٤٧٤ ) : فحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر ابن الخطاب قال : اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل السهمي التناضب من أضاة بني غفار فوق سرف ، وقلنا : أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه ، قال : فأصبحت أنا وعياش ابن أبي ربيعة عند التناضب ، وحبس عنا هشام وفتن فافتن . قال ابن إسحاق كما في السيرة ( جـ ١ ص ٤٧٥ ) : وحدثني نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر في حديثه قال: فكنا نقول : ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة ، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر ؛ لبلاء أصابهم ، قال : وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفق قولنا وقولهم لأنفسهم: ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم . وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون . واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ١٥٦ من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ﴾ . قال عمر بن الخطاب : فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص قال : فقال هشام بن العاص : فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها . حتى قلت : اللهم فهمنيها ، قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا قال : فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو بالمدينة . هذا حديث حسن . وقد أخرجه البزار كما في كشف الأستار ( جـ ٢ ص ٣٠٢)، وأخرجه الحاكم (جـ ٢ ص ٤٣٥)، وقال : صحيح على شرط مسلم ، أكذا قال ، ومسلم إنما روى لابن إسحاق قدر خمسة أحاديث في الشواهد والمتابعات . قال الإمام أحمد رحمه الله ( جـ ٤ ص ٣٥٧ ) : ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة حدثني سعيد بن جمهان قال : كنا نقاتل الخوارج ، وفينا عبد الله بن أبي أوفى وقد لحق له غلام بالخوارج ، وهم من ذلك الشط ، ونحن من ذا الشط فناديناه : أبا فيروز ، أبا فيروز ، ويحك هذا مولاك عبد الله بن أبي أوفى قال: نعم الرجل هو لو هاجر. قال : ما يقول عدو الله ؟ قال : قلنا : يقول : نعم الرجل لو هاجر . قال : فقال : أهجرة بعد هجرتي مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟ ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((طوبى لمن قتلهم وقتلوه)). هذا حديث حسن . الهجرة إلى الحبشة قال الإمام أحمد رحمه الله ( ١٧٤٠ ) : حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن مسلم ابن عبيد الله بن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ١٥٧ عن أم سلمة بنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالت : لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي ، أمنا على ديننا ، وعبدنا الله لا تؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه ، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة ، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم فجمعوا له أدما كثيرة ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي ، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروهما أمرهم وقالوا لهما : ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ، ثم قدموا للنجاشي هداياه ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم قالت : فخرجا فقدما على النجاشي فنحن عنده بخير دار ، وعند خير جار ، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي ، ثم قالا لكل بطريق منهم : إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دین قومهم ، ولم يدخلوا في دينكم ، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ؛ ليردهم إليهم . فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم ، فإن قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم . فقالوا لهما : نعم ، ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما ، ثم كلماه فقالا له : أيها الملك ، إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع ، لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ؛ لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه . قالت: ولم يكن شيء أبغض إلي عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم . فقالت بطارقته حوله : صدقوا أيها الملك ، قومهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم قال : فغضب النجاشي ، ثم قال : لاها الله ، أيم الله إذًا لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوما جاوروني نزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم : ماذا يقول هذان في أمرهم ؟ فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما ، ١٥٨ وأحسنت جوارهم ما جاوروني قالت : ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فدعاهم ، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ، ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول والله ما علمنا ، وما أمريا به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كائن في ذلك ما هو كائن ، فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم ؟ . قالت : فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له : أيها الملك ، كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنة ، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . قال : فعدد عليه أمور الإسلام ، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك . قالت : فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟ قالت : فقال له جعفر: نعم . فقال له النجاشي: فاقرأه على فقرأ عليه صدرا من ﴿ كهيعص﴾ قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكى أساققته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال النجاشي : إن هذا والله ، والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة . انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد . قالت أم سلمة : فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص : والله لأنبتنهم غدًا عيبهم ١٥٩ عندهم ثم أستأصل به خضراهم قالت : فقال له عبد الله بن أبي ربيعة ، وكان أتقى الرجلين فينا : لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا قال : والله ، لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد قالت : ثم غدا عليه الغد فقال له : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم ، فاسألهم عما يقولون فيه ؟ قالت : فأرسل إليهم يسألهم عنه . قالت: ولم ينزل بنا مثله فاجتمع القوم ، فقال بعضهم لبعض : ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه ؟ قالوا : نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن ، فلما دخلوا عليه قال لهم : ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقال له جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاء به نبينا ، هو : عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . قالت : فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال : ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود ، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال ، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم : الآمنون - من سبكم غرم ، ثم من سبكم غرم ، فما أحب أن لي دبرا ذهبا وأني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسان الحبشة : الجبل - ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها ، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه قالت : فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به وقمنا عنده بخير دار مع خير جار قالت : فوالله إنا على ذلك إذ نزل به - يعني : من ينازعه في ملكه - قالت : فوالله ما علمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك ؛ تخوفا أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرفي منه ، قالت : وسار النجاشي وبينهما عرض النيل قالت : فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر ؟ قالت : فقال الزبير بن العوام: أنا. قالت : وكان من أحدث القوم سنا . قالت : فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل اني بها ملتقى القوم ، ثم انطلق حتى حضرهم ، قالت : ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده ، واستوسق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير ١٦٠