Indexed OCR Text
Pages 1-20
الجامعِ الصّحْ المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه لأبى عَبْدِ اللّه مُحْمَدُ بن إسماعيل البخاري ( ١٩٤ - ٢٥٦ هـ ) قام بشرحه وتصحيح تجار به وتحقيقه مِ الدِّينِ الخَطِيَّة رقم کتبه و أبوابه و أحاديثه واستقصى أطرافه محمّد فؤاد عَبْدُلِذَافِى نشره وراجعه .قام بإخراجه ، وأشرف على طبعه فِىْ عَدالدِ الخَطِيِ الجزءالأول المُطِبَعَةُ الْبَيِِّفِيَّةُ - فَُكِنْتُهَا ٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة - تليفون ٨٤٠٣٦٤ الطبعة الأولى من مطبعتنا السلفية ومكتبتها سنة ١٤٠٠ هجرية ( حقوق الطبع والنقل والاقتباس والتصوير محفوظة للناشر ) عُنيَتْ بْشِرم المُطِعَةُ السَّلِفِيَةُ - وَمُكْتَهَا ٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة . تليفون ٨٤٠٣٦٤ مِقْدة التعريف بالإمام أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى ( ١٩٤ - ٢٥٦ هـ ) إن القرآن - كما فى حديث عبد الله بن مسعود - مأدبة الله فى الأرض . وإن حامل أكمل رسالات الله محمداً صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن، كما وصفته أم المؤمنين عائشة. وكان - صلاة اللّه وسلامه عليه - يترجم القرآن للناس بسيرته وتصرفاته ، وبما يجريه اللّه على لسانه من آيات البيان وجوامع الحكمة ، مدة ثلاث وعشرين سنة ؛ فحفظ أصحابه البررة - رضى الله عنهم - من أقواله وأفعاله فى ذلك ما شاء الله أن يحفظوا . ولما دون أئمة السنة هذه الكتب العظيمة فى الحديث النبوى - كما لقنها الصحابة لتابعيهم فالتابعين لهم بإحسان - رتبوا الكثير منها على مقاصد الشريعة : كأصول الدين ، والعبادات ، والمعاملات ، والوصايا ، والحدود ، وأنظمة الدولة والمجتمع، وأحاديث الجهاد والسير والمغازى ، والمناقب، والبشائر، والنذر إلخ. وكان نصيب الأخلاق والآداب موفوراً فى جميع دواوين السنة ، لأن ذلك ركن عظيم فى بنيان الهداية المحمدية ، وقد علم الناس أن هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الإنسانية ليتمم لها مكارم الأخلاق. سفير الرعيل الأول إلى من يليهم ومن عجائب الاتفاق أن الإمام البخارى أدرك نهاية القرون الثلاثة الأولى التى هى خير القرون ، واستقبل ما بعدها بالشطر الثانى من حياته ، فكأنه سفير الرعيل الأول إلى من يليهم ؛ فأعد لأهل الحق والخير كتابه ( الجامع الصحيح ) فى السنة المحمدية ، وكان قدوة لمعاصريه ومن جاء بعدهم فى تحرى الصحيح من مرويات أهل العدالة والضبط من رواة الحديث الشريف . وهو أول من وضع فى الإسلام كتاباً محض فيه صحيح السنن ومحصها بالشروط الدقيقة التى اشترطها ، وبذلك قطع الطريق على أهل البدع الذين نجمت قرونهم فى عصر البخارى ، فباءوا بالخزى والفشل ، وجعل البخارى وأمثاله لهذه الشريعة مناراً ساطعاً لا مجال فيه للواضعين والمنحرفين عن سنة الإسلام السنية . بيته وبيتته وُلد الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخارى الجعفي فى وطنه الأول بخارى يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة ١٩٤ . قال المستنير بن عتيق : أخرج لى ذلك محمد بن إسماعيل بخط أبيه : ٤ مقدمة وكان أبوه من أهل العلم والتقوى والسعة فى الرزق ، والظاهر أنه كانت له تجارة ، كما أن له اشتغالا بعلوم السنة ، وقد عده الحافظ ابن حبان - فى كتاب الثقات - من الطبقة الرابعة وقال: إنه يروى عن حماد أبن زيد، ومالك. وروى عنه العراقيون. وذكره ولده فى التاريخ الكبير (١١: ٣٤٢) فقال: إسماعيل ابن إبراهيم بن المغيرة، رأى حماد بن زيد (٩٨ - ١٧٩)، وصافح ابن المبارك ( ١١٨ - ١٨٢ )، وسمع مالكاً ( ٩٣ - ١٧٩ ) . والمفهوم من روايته عن مالك وحماد بن زيد ومن رواية العراقيين عنه أنه خرج من وطنه حاجاً - قبل سنة ١٧٩ - فزار المدينة ولقى فيها مالكاً ، ومر بالعراق وهو بين الحجاز وما وراء النهر قادماً أو عائداً فلقى حماداً وسمع منه ، واجتمع به العراقيون فرووا عنه ، أما ابن المبارك فكان حليف أسفار ، وامتدت به الحياة ثلاث سنين بعد مالك وحماد (١) وإبراهيم بن المغيرة جد البخارى قال عنه الحافظ ابن حجر ( فى هدى السارى ص ٤٧٨ ) : لم نقف على شىء من أخباره . طريقة البخارى فى حفظ الحديث وطريقة البخارى - منذ صغره - فى حفظ الحديث أنه كان يستوفى تراجم الرواة حتى كأنه يعيش معهم ، فهو يعلم الراوى وبيئته وعمن كان يروى ومن هم الذين رووا عنه. فإذا حدث أحد فأخطأ فى سند الرواة أدركه البخارى ، لأنه يعلم الراوى وتلاميذه وشيوخه وأزمانهم وأوطانهم . من ذلك ما حدث به البخارى عن دراسته بعد خروجه من الكتاب قال : فجعلت أختلف إلى الداخلى وغيره . فقال الداخلى يوماً فيما كان يقرأ للناس ((روى سفيان عن أبى الزبير عن إبراهيم)) (يعنى النخعى). فقلت: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم فانتهرنى . فقلت له : ارجع إلى الأصل إن كان عندك . فُدخل فنظر فيه ، ثم رجع فقال : كيف هو يا غلام ؟ فقلت: هو الزبير - وهو ابن عدى - عن إبراهيم . فأخذ القلم وأصلح كتابه وقال لى : صدقت (٢) . فقال إنسان البخارى ابن كم كنت حين رددت عليه ؟ فقال: ابن إحدى عشرة سنة. وفى هذه السن كان يسمع مرويات بلده من محمد بن سلام البيكندى (١٦١ - ٢٢٥) ، وعبد الله بن محمد المسندى الجعفى ( المتوفى سنة ٢٢٩) وأضرابهما. قال البخارى: فاما طعنت فى ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ( ١١٨ - ١٨٢) ووكيع بن الجراح (١٣٠ - ١٩٧) وعرفت كلام هؤلاء ( يعنى أصحاب الرأى من الفقهاء ) رحلته الأولى وما بعدها وفى هذه الفترة من عمره - وذلك فى سنة ٢١٠ - قام برحلته الأولى قاصداً حج بيت الله مع والدته وأخيه أحمد وكان أصغر منه ، وكان مزوداً فى هذه الرحلة بمادة غزيرة من محفوظاته فى الحديث والسنة . المشرفة ، فكان لا يدخل بلداً إلا سمع من حفاظها، فسمع فى بلخ من مكى بن إبراهيم البلخى الحافظ . (١) ولإسماعيل بن إبراهيم ترجمة فى تهذيب التهذيب (١: ٢٧٤ - ٢٧٥) (٢) لأنه كان قد دخل فرجع إلى الأصل الذى أخذ عنه، وعلم أن الصواب ما قاله تلميذه الصغير. مقدمة (المتوفى سنة ٢١٥ عن نيف وتسعين سنة)، وبالبصرة من أبى عاصم عمرو بن عاصم القيسى ( المتوفى سنة ٢١٣)، ومن محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصارى (١١٨ - ٢١٥)، وبالكوفة من عبيد الله بن موسى العبسى ( المتوفى سنة ٢١٣)، وبمكة من شيخها وقارئها عبد الله بن يزيد المقرئ مولى العمريين (١٢٠ - ٢١٣)، وببغداد من عفان بن مسلم البصرى مولى الأنصار (١٣١ - ٢٢٠) وبحمص من أبى اليمان الحكم ابن نافع البهرانى (١٣٨ - ٢٢١). وبدمشق من أبى مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغسانى ( ١٤٠ - ٢١٨). وبعسقلان من آدم بن إياس ( ١٣٢ - ٢٢٠). وبفلسطين من محمد بن يوسف بن واقد الفربابى مولى بنى ضبة ( المتوفى أول سنة ٢١٢) . روى سهل بن السرى أن البخارى قال : دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين ، وإلى البصرة أربع مرات ، وأقمت بالحجاز ستة أعوام ، ولا أحصى كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين . نبوغه فى الحفظ قال حاشد بن إسماعيل : كان البخارى يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام فلا يكتب ، حتى أتى على ذلك أيام . فلمناه بعد ستة عشر يوماً . فقال: قد أكثر تم علىّ ؛ فاعرضوا على ما كتبتم . فأخرجناه ، فزاد على خمسة عشر ألف حديث ، فقرأها كلها عن ظهر قلب ، حتى جعلنا نحكيم كتبنا من حفظه وقال أبو بكر بن أبى عياش الأعين : كتبنا عن محمد بن إسماعيل وهو أمرد على باب محمد بن يوسف الفريابى وقال محمد بن الأزهر السجستانى : كنت فى مجلس سليمان بن حرب - الأزدى البصرى قاضى مكة ،- توفى سنة ٢٢٤ وهو فى عشر التسعين - والبخارى معنا يسمع ولا يكتب ، فقيل لبعضهم : ما له لا يكتب ؟ فقال : يرجع إلى بخارى ويكتب من حفظه . وقال ورَّاقه محمد بن أبى حاتم : قال البخارى : كنت فى مجلس الفريابى فقال : حدثنا سفيان عن أبى عروة عن أبى الخطاب عن أبى حمزة ؛ فلم يعرف أحد فى المجلس من فوق سفيان . فقلت لهم : أبو عروة هو معمر بن راشد ، وأبو الخطاب هو قتادة بن دعامة ، وأبو حمزة هو أنس بن مالك . قال ( أى البخارى ) : وكان الثورى - أى سفيان شيخ الفريابى - فعولا - لذلك ، يكنى المشهورين . أى فكان من أمانة الفريابى أن حدث بمثل ما سمع من شيخه سفيان الثورى ،. ففهمها البخارى لأنه كان يعيش مع الرواة فيعرف عنهم كل شىء ، وأيسر ذلك كناهم . شيوخ البخارى وامتيازه بالأخذ عنهم وشيوخ البخارى الذين أخذ عنهم منذ خرج من وطنه سنة ٢١٠ هم علماء الإسلام وأعلامه جميعاً فى العالم الإسلامى فى تلك المدة ، وقد عقد لهم الحافظ ابن حجر ( فى هدى الساری ص ٤٧٩ - ٤٨٠) فصلاً رتبهم فيه على خمس طبقات ، فارجع إليه إن شئت . ومن أبلغ الأمثلة على ما استفاده البخارى من شيوخه قول يوسف بن موسى المروزى : كنت بالبصرة فى جامعها ، إذ سمعت منادياً ينادى : يا أهل العلم ، قدم محمد بن إسماعيل البخارى . فقاموا إليه ، وكنت معهم فرأيت رجلا شاباً ليس فى لحيته بياض ، فصلى خلف الأسطوانة . فلما فرغ أحدقوا به ، وسألوه أن يعقد لهم مجلساً للإملاء ، فأجابهم إلى ذلك . فقام المنادى ثانياً فى جامع البصرة فقال : يا أهل العلم ، لقد ٦ مقدمة قدم محمد بن إسماعيل البخارى ، فسألناه أن يعقد مجلس الإملاء ، فأجاب بأن يجلس غداً فى موضع كذا . فلما كان الغد حضر المحدثون والحفاظ والفقهاء والنظارة - حتى اجتمع قريب من كذا كذا ألف نفس - فجلس أبو عبد الله للإملاء ، فقال قبل أن يأخذ فى الإملاء : يا أهل البصرة ، أنا شاب ، وقد سألتمونى أن أحدثكم ، وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدونها - يعنى ليست عندهم - قال : فتعجب الناس من قوله ، فأخذ فى الإملاء فقال : حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبى رواد العتكى ببلدكم قال: حدثنى أبى ، عن شعبة، عن منصور وغيره ، عن سالم بن أبى الجعد ، عن أنس بن مالك ( وذكر الحديث، ثم قال ) : هذا الحديث ليس عندكم عن منصور ، إنما هو عندكم عن غير منصور . قال يوسف بن موسى : فأملى عليهم مجلساً من هذا النسق ، يقول فى كل حديث : روى هذا الحديث عندكم كذا ، فأما من رواية فلان - يعنى التى يسوقها - فليست عندكم . اشتغاله بالتأليف واشتغال البخارى بالتأليف كان من بداية شبابه ، وكان يقول عن نفسه : لما طعنت فى ثمان عشرة سنة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم ، وكان ذلك فى أيام عبيد الله بن موسى ، أى مدة وجوده فى الكوفة قبل وفاة عبيد الله بن موسى سنة ٢١٣ (والبخارى فى سن العشرين) . قال سليم بن مجاهد : قال لى محمد بن إسماعيل : لا أجىء بحديث عن الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم . ولست أروى حديثاً من حديث الصحابة والتابعين - يعنى من الموقوفات - إلا وله أصل ، أحفظ ذلك عن كتاب الله وسنة رسوله . وروى ورَّاقه عنه قال : أقمت بالمدينة - بعد أن حججت - سنة حرداً أكتب الحديث . وأقمت بالبصرة خمس سنين معى كتبى أصنف وأحج وأرجع من مكة إلى البصرة . وقال : ما جلست للتحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم ، وحتى نظرت فى كتب أهل الرأى ، وما تركت بالبصرة حديثاً إلا كتبته . وقال : لا أعلم شيئاً يحتاج إليه - أى فى التشريع والآداب ونظام المجتمع - إلا وهو فى الكتاب والسنة . قال وراقه: فقلت له : يمكن معرفة ذلك ؟ ( أى فلا يحتاج إلى القياس والرأى ) قال : نعم. بعض تلاميذه والآخذين عنه وقد أخذ عن البخارى واستفاد منه أئمة الإسلام فى عصره ، ومنهم الإمام الحافظ أبو عيسى محمد ابن عيسى بن سورة الترمذى السلمى (٢٠٩ - ١٣ رجب ٢٧٩) ، قال الذهبي : تفقه فى الحدیث بالبخاری وقال الحاكم : سمعت عمر بن علك يقول: مات البخارى فلم يخلف بخراسان مثل أبى عيسى فى العلم والحفظ والورع والزهد . ومنهم شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بن نصر المروزى الفقيه ( ٢٠٢ - ٢٩٤). قال أبو محمد ابن حزم : أعلم الناس من كان أجمعهم السنن وأضبطهم لها وأذكرهم لمعانيها وأدراهم بصحتها وبما أجمع عليه الناس مما اختلفوا فيه . ولا نعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتم منها فى محمد بن نصر المروزى. فلو قال قائل : ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه إلا ما عند محمد بن نصر، لما بعد عن الصدق. ٧ مقدمة ومنهم شيخ ما وراء النهر أبو على صالح ( جزرة ) بن محمد بن عمرو بن حبيب الأسدى البغدادى (٢٠٥ - ٢٩٣) نزيل بخارى. قال أبو سعد الإدريسى: ما أعلم فى عصر صالح بالعراق ولا بخراسان فى الحفظ مثله ، دخل ما وراء النهر ، فحدث مدة من حفظه ، ما أعلم أخذ عليه خطأ فيما حدث . ومنهم الحافظ الكبير أبو جعفر ( مطين ) محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمى الكوفى (٢٠٢-٢٩٧) سئل عنه الدارقطنى فقال : ثقة ، جبل . صنف المسند وغيره ، له تاريخ صغير . ومنهم ابن خزيمة شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن إسحاق السلمى (٢٢٣ - ٣١١) . قال أبو على النيسابورى : كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارئ السورة . وقال الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان : ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها - كأن السنن بين عينيه - إلا ابن خزيمة . وقال الحاكم فى ( علوم الحديث ) : فضائله مجموعة عندى فى أوراق كثيرة ، ومصنفاته تزيد على ١٤٠ كتاباً ، سوى المسائل المصنفة مائة جزء . والذى يحاول أن يحصى أسماء الأعلام الذين أخذوا عن الإمام البخارى ، والتزموا طريقته فى حفظ السنة وفهمها وحمل أمانتها لمن بعدهم ، يخرج من ذلك بسفر عظيم . حسن الخاتمة وفى السنة الثانية والستين من حياة هذا الإمام العظيم خرج إلى خرتنك - قرية من قرى سمر قند - فنزل ضيفاً على غالب بن جبريل وهو من ذوى قرباه ، قال غالب : فسمعته ليلة وقد فرغ من صلاة الليل يقول فى دعائه: اللهم قد ضاقت علىَّ الأرض بما رحُبت، فاقبضنى إليك . وأقام فى خرتنك أياماً فمرض ، حتى وجه إليه رسول من أهل سمرقند يلتمسون منه الخروج إليهم ، فأجاب ، وتهيأ للركوب ، ولبس خفيه وتعمم. فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها إلى الدابة ليركبها - وأنا آخذ بعضده - قال : أرسلونى فقد ضعفت . فأرسلناه ، فدعا بدعوات ، ثم اضطجع ، فقضى . وكان ذلك ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة ٢٥٦ . رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن المسلمين والإنسانية بما يجزى به أولياءه الصالحين . تأليف البخارى الجامع الصحيح كان بإشارة أستاذه ابن راهويه قال الحافظ ابن حجر فى هدى السارى ( ص ٥ طبعة بولاق ) : فلما رأى البخارى رضى الله عنه هذه التصانيف ورواها ، وانتشق رياها ، واستجلى محياها ، وجدها - بحسب الوضع - جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين ، والكثير منها يشمله التضعيف فلا يقال لغثه سمين ، فحرك همته لجمع الحديث الصحيح ، وقوى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين فى الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلى المعروف بابن راهويه ، قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى: كنا عند إسحاق بن راهويه ، فقال : لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. قال : فوقع ذلك فى قلبى ، فأخذت فى جمع ( الجامع الصحيح ) . وروينا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال (( سمعت البخارى يقول : رأيت النبى صلى الله عليه وسلم وكأنى واقف بين يديه وبيدى مروحة أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المعبرين فقال لي : أنت تذب عنه الكذب. فهو الذي حملني على جمع الجامع الصحيح )). ٨ مقدمة أصح الكتب الإسلامية بعد القرآن قال محدث الشام الإمام محيى الدين بن شرف النووى ( ٦٣١-٦٧٦ ) فى مقدمة شرحه لصحيح مسلم (ص ١٤ المطبعة المصرية سنة ١٣٤٧): ((اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخارى ومسلم ، وتلقتهما الأمة بالقبول . وكتاب البخارى أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة . وقد صح أن مسلماً كان يستفيد من البخارى ، ويعترف بأنه ليس له نظير فى علم الحديث . وهذا الذى ذكرناه من ترجيح كتاب البخارى هو المذهب المختار الذى قاله الجماهير وأهل الإتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث . وقال أبو على الحسين بن على النيسابورى الحافظ شيخ الحاكم أبى عبد الله ابن البيِّع : كتاب مسلم أصح. ووافقه بعض شيوخ المغرب. والصحيح الأول. وقد قرر الإمام الحافظ الفقيه النظار أبو بكر الإسماعيلى رحمه الله فى كتابه ((المدخل)) ترجيح كتاب البخارى . وروينا عن الإمام عبد الله النسائى رحمه اللّه أنه قال: ما فى هذه الكتب كلها أجود من كتاب البخارى. قلت : ومن أخصر ما ترجح به اتفاق العلماء على أن البخارى أجل من مسلم ، وأعلم بصناعة الحديث منه . وقد انتخب علمه ولخص ما ارتضاه فى هذا الكتاب، وبقى فى تهذيبه وانتقائه ست عشرة سنة ، وجمعه من ألوف مؤلفة من الأحاديث الصحيحة ، وقد ذكرت دلائل هذا كله فى أوائل شرح صحيح البخارى . ومما ترجح به كتاب البخارى أن مسلماً رحمه الله كان مذهبه - بل نقل الإجماع فى أول صحيحه - أن الإسناد المعنعن له حكم الموصول بسمعت ، بمجرد كون المعنعن والمعنعن عنه كانا فى عصر واحد وإن لم يثبت اجتماعهما . والبخارى لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما . وهذا المذهب يرجح كتاب البخارى ، وإن كنا لا تحكم على مسلم بعمله فى صحيحه بهذا المذهب ، لكونه يجمع طرقاً كثيرة يتعذر معها وجود هذا الحكم الذى جوزه . وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة وهى كونه أسهل متناولا من حيث أنه جعل لكل حديث موضعاً واحداً يليق به جمع فيه طرقه التى ارتضاها واختار ذكرها ، وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة فيسهل على الطالب النظر فى وجوهه واستثمارها ، ويحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه ، بخلاف البخارى فإنه يذكر تلك الوجوه المختلفة فى أبواب متفرقة متباعدة ، وكثير منه يذكره فى غير بابه الذى يسبق إلى الفهم أنه أولى به ، وذلك لدقيقة يفهمها البخارى منه ، فيصعب على الطالب جمع طرقه وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخارى من طرق هذا الحديث(١). وقد رأيت جماعة من الحفاظ المتأخرين غلطواً فى مثل هذا فنفوا رواية البخارى أحاديث هى موجودة فى صحيحه فى غير مظانها السابقة إلى الفهم )» .. كيف ألف البخارى كتابه ( الجامع الصحيح ) ؟ ابتدأ الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى تصنيف كتابه ( الجامع الصحيح ) وترتيب أبوابه وهو بمكة ، واختار أحاديثه من ستمائة ألف حديث - مدة ست عشرة سنة - وقال (( ما أدخلت فيه حديثاً. حتى استخرت الله تعالى ، وصليت ركعتين ، وتیقنت صحته . وقد جعلته حجة فيما بينی وبین الله )) . وروى (١) وهذه المزية التى كانت لمسلم على البخارى قد توفرت الآن فى صحيح البخارى بترقيمه، وجمع أطرافه، والتنبيه عليها مجتمعة فى مكان واحد عند إيراد كل حديث لأول مرة ، فصارت لصحيح البخارى هذه المزية التى كانت لمسلم عليه، وبقيت البخارى مزية إيراد أطراف كل حديث عند سنوح مناسباتها المختلفة، فامتاز صحيح البخارى بهذه الميزة أيضاً كما امتاز بغيرها مما لا يحضى. ٩ مقدمة الإسماعيلى عنه قال (( لم أخرِّج فى هذا الكتاب إلا صحيحاً، وما تركت من الصحيح كان أكثر )) . قال الإسماعيلى لأنه لو أخرج كل صحيح عنده لجمع فى الباب الواحد حديث جماعة من الصحابة ، ولذكر طريق كل واحد منهم إذا صحت ، فيصير كتاباً كبيراً جداً . وكان أبو عبد الله البخارى يكتب الجامع الصحيح أولا فى المسودة ، حتى إذا انتهى منه وأراد أن يحوله إلى المبيضة حضر إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وجعل يحول تراجمه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره ، وكان يصلى لكل ترجمة ركعتين . العنوان الكامل لكتابه : الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه قال أبو جعفر العقيلى : لما صنف البخارى كتاب الصحيح عرضه على ابن المدينى ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين وأضرابهم من أئمة عصره ، فاستحسنوه ، وشهدوا له بالصحة ، إلا أربعة أحاديث . قال العقيلى : والقول فيها قول البخارى ، وهى فى صحيحه . والكتب الستة التى هى أوثق كتب الحديث فى الإسلام أصحها هذا الجامع الصحيح ، يليه صحيح مسلم (٢٠١ - ٢٦١)، فسنن أبي داود (٢٠٢ - ٢٧٥)، وسنن الترمذى (٢٠٩ - ٢٧٩)، وسنن النسائى (٢١٥ - ٣٠٣)، وسنن ابن ماجه (٢٠٩ - ٢٧٣). قال الحاكم أبو أحمد : رحم الله محمد بن إسماعيل الإمام، فإنه ألف الأصول ، وبين الناس، وكل من عمل بعده فإنما أخذ عنه . ١٣ الحديث ١ - ٣ بِشِ اللهِالرّحم الرّحَّمَ (١)كتابُ بَ الوحى : قَالَ الشَّيخُ الإِمامُ الحافِظُ أَبو عَبدِ اللهِ محمدُ بنُ إِسْمُعِيلَ بنِ إِبْراهيمَ بنِ المُغِيرَةِ الْبُخَارِىُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالىٌ آمِين . ٠.٤ ١ - باب كيف كانَ بدءُ الْوَحْىِ إِلى رسولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وسلّم وقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُه ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلى نُوحٍ والنَّبِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ١ - حَّثنا الْحُمَيْدِىُّ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ، قال حدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ حَدَّثَنَا يَحِىُ بنُ سَعِيدٍ الأَنْصارىُّ، قال أَخْبَرَنى مُحمَّدُ بنُ إِبْراهِيمَ النَّيْمِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بنَ وقاص اللَّيْىَّ يقولُ : سمعتُ عمرَ بن الْخَطَّبِ رَضى اللهُ عنه على الْمِنْبَرِ قَال: سمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَقولُ ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئْ مَا نَوَى(١): فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُها، أَوْ إِلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْه)) . [ الحديث ١ - أطرافه فى: ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، (٦٦٨٩/، (٩٩٥٣] ١ ٢ - باب . (٢) حدّشْ عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ بِنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينِ رَضى اللهُ عَنْهَا أَنَّ الْحَارثَ بنَ هِشَام رضى الله عنه سَأَلَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يَأْتِيكِ الْوَحْىُ ؟ فَقَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ((أَحْيَانًا بَأْتِينى مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ (٢) وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَىّ فَيُفْصَمْ عَنِّى (٣) وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لى (١) النية: القصد. يقال نواك الله بخير، أى قصدك به. وحيث صلحت النية صلح العمل، وحيث فسدت النية فسد العمل. (٢) صلصلة الجرس : طنينه . (٣) يغصم عى : يقلع وينجل عنى ما يغشاف منه . ١ - ١٤ الجامع الصحيح الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِى فَأَّعِى مَا يَقُولُ)). قالتْ عائشةُ رضى الله عنها: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْىُ فِى الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِم عَنْهُ وإِنَّ جَبِينَهُ لَيَنَفَصَّدُ عَرَقًا (١). [ الحديث ٢ - طرفه فى: ٣٢١٥ ] . ٣ - باب . (٣) حّشْا يَحِىُ بنُ بُكَيْرٍ، قال حدَّثْنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةً بنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالتْ: أَوَّلُ مَا بُدِىَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. مِنْ الْوَحْىِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فى النَّوْمِ ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلقِ الصُّبْحِ. ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءِ ، وكَانَ يَخْلُو بِغارِ حِراءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ النَّعَبُّدُ - اللَّيَالِىَ ذَوَاتِ العَدَدِ ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلى أَهْلِهِ ويَتَزَوَّدُ لِذَلِك، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لمثلِهَا، حَتَّى جاءَّهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِى غارِ حِراءٍ ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ: مَا أَنَا بِقارئٍ. قال: فَأَخَذَنِى فَغَطَِّى حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ، ثُمَّ. أَرْسَلَّنِى (٢) فَقَال: اقْرَأْ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِقارِئٍ. فَأَخَذَنِى فَغَطَِّى الثانيَةَ حتى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِى فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلت: مَا أَنَا بِقارِئٍ. فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِى فَقَالَ: ﴿اقْرأ باسْمٍ رَبِّك الَّذِى خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَق. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ فرجَعَ بها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلى خَذِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا فَقَالَ: زَمُّلُونِى(٣) زَمِّلُونى. فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: لقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِى. فَقَالَتْ. خَدِيجَةُ: كَأََّ وَاللهِ مَّا يُخْرِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ(٤) ، وتكْسِبُ الْمَعْلُومَ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ على نَوَائِبِ الْحَقِّ(٥). فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بِنَ نَوْقَلٍ ابِنِ أَسَدِ بنِ عبدِ الْعُزَّى - ابنَ عَمِّ خَذِيجَةَ - وَكَانَ امْرَهَا تَنَصَّرَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَالنَّ، فَيَكْتُبُ منَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَد عَمِىَ ، فَقَالتْ لهُ خَدِيجَةُ: يا ابنَ عَمِّ اسْمَعْ مِن ابنٍ أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِى مَاذا ترى ؟. فَأَخْبَرَهُ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمٍ خَبَرَ مَا رَأَى. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هُذا النَّامُوسُ (٦) الَّذِىِ نَزَّلَ اللهُ عَلَى (١) يتفصد جبينه عرقاً: أى يسيل العرق من جبيته بكثرة، مأخوذ من القصد وهو قطع العرق لإسالة الدم . (٢) غطى: أى ضمنى وعصرنى حتى بلغ منى غاية وسعى. وأرسلى: أطلقنى. (٣) زملونى : لفونى. الروع : الفزع. (٤) تحمل الكل : تسعف العيال والضعفاء . (٥) نوائب الحق : ما ينزل بالناس من المصائب والنائبات. (٦) الناموس: صاحب السر، والمراد به جبريل ورسالة الوحى الإلهى . ١٥ الحديث ٤-٦ مُوسى، يَا لَيْتَنِى فِيهَا جَدَعًا(١)، لَيْتَنِى أَكونُ حَيَّ إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَوَ مُخْرِجِىَّ هُمْ؟ قَالَ نَعَم، لمْ يَأْتِ رَجُلُ قَطُ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِى، وإِنْ يُدْرِكْنِى يَوْمُكَ أَنْصُرُكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًاً. ثُمَّ لم يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّىَ، وَفَتَرَ الْوَحْىُ(٢). [ الحديث ٣ - أطرافه فى: ٣٣٩٢، ٤٩٥٣، ٤٩٥٥، ٤٩٥٦، ٤٩٥٧ ، ٦٩٨٢]. (٤) قال ابنُ شِهَابٍ: وأَخبرَنى أَبو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أَنَّ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ الأَنصارِىَّ قال - وهُو يحدِّثُ عن فَتْرَةِ الْوَحْى - فَقَالَ فى حَدِيثِهِ (( بَيْنَا أَنَا أَمْشِى، إِذْ سَمِعْتُ صَوْنًا مِنَ السَّمَاءِ، فِرَفَعْتُ بَصَرِى فَإِذا الْمَلَكُ الَّذِى جَاءَنى بحِراءِ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِىٌّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فُرُعِبْتُ مِنْهُ ، فِرَجَعْتُ فَقُلْت: زَمِّلونى. فأَنزلَ اللهُ تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ - إِلى قَوْلِه - وَالرُّجْزَ(٣) فَاهْجُرْ﴾. فَحَمِىَ الوَحْىُ وَتَتَابَعَ )). تابَعَهُ عبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ وَأَبو صالحٍ ، وَتَابَعَهُ هِلالُ بنُ رَدَّادٍ عن الزُّهْرِىِّ، وقال يُونُسُ ومَعْمَرُ ((بَوادِرُهُ)). [ الحديث ٤ - أطرافه فى: ٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٤٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤] ٤ - باب» (٥) حّشا موسى بنُ إِسْمَعِيلَ قَالَ حدَّثَنَا أَبو عَوانَةَ قالَ حدَّثَنَا موسى بنُ أَبِى عائشَةَ قالَ حدَّثْنَا سَعِيدُ بنُ جُبيرٍ عن ابنِ عباسٍ فى قوله تعالى ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قال: كان رسولُ الهِ صلى الله عليه وسلم يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ (٤)، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسِ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كما كانَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحَرِّكُهُمَا. وقال سعيدٌ: أَنَا أَحَرِّكُهُمَا كما رَأَيْتُ ابنَ عَبَّاسٍ يحرِّكُهُمَا - فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ - فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: جَمْعَهُ لَكَ فى صَدْرِكَ وَتَقْرَأَه ﴿فَإِذا قرَأْنَاهُ فَاتَّبَعْ قُرْ آنَهُ﴾ قال فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ. فَكَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعدَ ذلك إِذا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ ، فَإِذا انْطَلقَ جِبْرِيلُ قرَأَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم كما قرَأَهُ. [ الحديث ٥ - أطرافه فى: ٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤] ٥ - باب » (٦) حَّثْا عَبْدَانُ قالَ أَخْبَرَنَا عبدُ اللهِ قالَ أَخْبِرَنَا يُونُسُ عن الزُّهْرىّ. ع. (١) تمنى ورقة بن نوفل لو يكون عند ظهور دعوة الإسلام شاباً ليكون من أنصارها . (٢) ينشب: يلبث. فتور الوحى: إبطاؤه مدة . (٣) الرجز : الإثم والمعصية والعذاب، وفسر هنا بالأوثان . (٤) المعالجة: محاولة الشىء بمشقة. وكان من معالجته الشدة عند نزول الوحى استعجاله بتحريك لسائه وشفتيه بالكلمات التى كان يوحى بها إليه ، ولم يصبر حتى تتم خشية أن ينسى أولها قبل أن يفرغ من آخرها . ١٩ الجامع الصحيح وحّشْا بِشْرُ بنُ محمدٍ قال أخبرنا عبدُ اللهِ قالَ أَخبرَنا يونُسُ ومَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِىِّ نَحْوِهِ قالَ : أَخبرنى عُبَيْدُ اللهِ بنُ عبدِ الهِ عنِ ابنِ عباسٍ قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمٍ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجودُ مَا يَكُونُ فِى رَمَضَانَ حِيْنَ بَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ يلقاهُ فى كلٌّ ليلةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُه الْقُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَة . [ الحديث ٦ - أطرافه فى: ١٩٠٢، ٣٢٢٠، ٣٥٥٤، ٤٩٩٧ ] ٦ - باب» (٧) حّشْا أَبو اليَمانِ الحَكَمُ بنُ نافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىّ قال أَخْبَرَفى عُبَيْدُ الله بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُثْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ أَن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْب أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرِقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِى رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وكانوا تِجارًا بالشَّامِ فِى المُدَّةِ التى كان رسولُ اللهِ صلىُ الّه عليه وسلم مادَّ فيها أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ (١)، فَأَتَوَهُ وَهُمْ بِيْلِياءِ(٢)، فَدَعَاهُمْ فِى مَجْلِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدِّعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهُذَا الرَّجُلِ الَّذِى يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِىُّ ؟ فقال أبو سُفْيَانَ: فقلتْ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا. فقال: أَدْنوهُ مِنِّى، وَقَرِّبوا أصحابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عندَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لهمْ إِنِّى سائِلُ هُذَا الرَّجُلَ، فإِنْ كَذَبَنِى فَكَذِّبوه ، فَواللهِ لَوْلا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَىَّ كَذِبًا لِكَذَبْتُ عنهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِى عنهُ أَنْ قَال: كَيْفَ نَسَبُهُ فيكمْ ؟ قلتُ: هوَ فِينَا ذُو نَسَب! قال: فهلْ قال هذا القَوْلَ منكم أَحَدُّ قَطُّ قَبْلَه ؟ قلتُ: لا. قال : فهلْ كانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكِ؟ قَلتْ لَا. قال: فأَشرافُ النَّاسِ يَتَّبِعونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهمْ ؟ فقلتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ . قال: أَيَزِيدونَ أَمْ يَنْقُصُون ؟ قلتُ : بَلْ يَزِيدون. قال: فهلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ منهمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بعدَ أَنْ يَدْخُلَ فيه ؟ قلتُ: لَا. قال: فهلْ كنتمْ تَتَّهِمُونَهُ بالكَذِبِ قبلَ أَنْ يَقُولَ ما قال ؟ قلتُ : لا . قال: فهلْ يَغْدِرُ؟ قلتُ: لا، ونحنُ منهُ فى مُدَّةٍ لا نَدْرِى مَا هُو فاعِلُ فيها . قال ولم تُمْكِنِّى كلِمَةٌ أُدْخِلُ فيها شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الكلمة. قال: فهل قاتَلْتُمُوهُ ؟ قلتُ : نعم . قال : فكيفَ كانَ قِتالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قلتُ: الحربُ بَيْنَنَا وبيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ . قال : ماذا يأُمُرُكُمْ ؟ قلتُ : يَقولُ اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ وَلا تُشْرِكوا بِهِ شيئًا، واتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ. وَيَأْمُرُنَا بالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ والصِّلَة. فقال للتَّرْجُمانِ: قُلْ له: سَأَلْتُكَ عن نَسَبِهِ فَذَكرتَ أَنْه فيكم ذو نسب، فكذلك الرُّسُل تُبْعَثُ فى نَسَبٍ قَوْمِها. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قال أَحدٌ مِنْكُمْ هُذا القَوْلَ ؟ فذكرتَ (١) أى فى مدة الصلح بالحديبية، وكانت فى سنة ست الهجرة. (٢) للماء : بيت المقدس . ١٧ الحديث ٧ أَن لا، فقلتُ لو كانَ أَحَدٌ قال هذا القولَ قَبْلَهُ لقُلتُ رَجُلٌ يَأْتَسِى بقولِ قِيلَ قبلَه. وسأُلْتُكَ هَلْ كان مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكِ ؟ فذكرت أَنْ لا، قلتُ: فلو كان مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكِ قلتُ: رَجُلٌ يَطلُبُ مُلكَ أبيهِ. وسأَلْتُكَ: هل كنتم تَتَّهمونَهُ بالكَذِبِ قَبْلَ أَن يقولَ مَا قَالَ ؟ فَذَكَرتَ : أَنْ لا، فقد أَعرِفُ أَنَّهُ لم يكن لِيَذْرَ الكَذِبَ على النَّاسِ ويكذِبَ على الله. وسأَلْكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ ؟ فذكرتَ : أَنَّ ضُعَفَاءُهُمْ اتَّبَعُوه، وهم أَتْبَاعُ الرُّسُل. وسأَلْتُكَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُون ؟ فَذَكرتَ: أَنَّهُمْ يَزِيدُون، وكذَلِكَ أَمرُ الإِيمانِ حتى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ: أَيَرْتَدُ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فيهٍ ، فذكرتَ: أَنْ لَا، وكذَلِكَ الإِمانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ. وسأَلْتُكَ : هَلْ يَغْدِرُ ؟ فَذَكَرتَ : أَنْ لَا ، وكذلك الرُّسُلِ لا تَغيِرُ. وسأَلْتُكَ: بما يَأْمُرُكُمْ؟ فذكرتَ أَنّه يأْمُرُكُم أَن تَعْبُدُوا الله ولا تُشْرِكوا به شيئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، ويَأْمُرُكُم بِالصَّلاةِ والصِّدْقِ والعَفَافِ ، فإِن كانَ مَا تقولُ حَقًّا فِسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَىَّ هَاتَيْنِ. وقد كنتُ أَعلمُ أَنه خارِجٌ لم أَكُنْ أَظُنُّ أَنْه منكم، فلو أَنِّى أَعْلَمُ أَنِّى أَخْلُصُ إليه لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَه، ولو كنتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عن قَدَمِهِ . ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِى بَعَثَ بِهِ دِخْيَةٌ إِلَى عَظِيمٍ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلى مِرَقْلَ ، فَقرَأَهُ ، فَإِذَا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم. مِنْ مُحَمَّدٍ عبدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىُ. أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّى أَدْعُوكَ بِدِعايةِ الْإِْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكِ مَرَّتَيْنِ. فإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسَيِّينِ(١) ﴿وَبَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدُ إِلَّ الَهُ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَنَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقولوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ . قَال أَبُو سُفْيَانَ: فلما قال ما قال، وفَرَغَ مِنْ قِراءَةِ الْكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، وأُخْرِجْنا. فقُلْتُ لأَصْحابى حِينَ أُخرِجْنَا: لقدْ أَمِرِ أَمْرُ ابنٍ أَبِى كَبْشَةَ ، إِنَّه يخَافِه مَلِكُ بَنِى الأَصفَرِ(٤) . فما زلتُ مُوقِنًا أنه سيظهرُ حتى أَدْخَلَ اللهُ علىّ الإِسْلام . (١) الأربسيون: الأتباع من موظفين وفلاحين وغيرهم . (٢) بنو الأصفر : كان العرب يطلقونه على الروم. (٢ - ٥٣ ج ١ * الجامع الصحيح) ١٨ الجامع الصحيح وكانَ ابنُ الناطُورِ - صاحبُ إِيلْيَاءَ وهِرِقْلَ - سُقُفًّا على نصارى الشامِ يُحَدِّثُ أَنْ هِرقل حين قدِمِ إِيلْيَاءَ أَصبح يوما خَبِيث النَّفْسِ، فقال بعضُ بطَارِقَتِهِ : قدِ استنكرْنَا هيْئتكَ . قال ابنُ الناطُورِ : وكان هِرَقْلُ حَزَّاءٍ يَنْظُرُ فِى النُجُومِ، فقال لهم حينَ سأَلوه: إِنِّى رَأَيتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نظرْتُ. فى النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قد ظَهر، فمَنْ يَخْتَتِنُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ ؟ قالوا: ليس يخْتَتِنُ إلَّ اليهودُ، فلا يُهِمَّنَّك شأْتُهُمْ، واكتُبْ إِلى مَدائنٍ مُلْكِكَ فيقْتُلُوا مَن فِيهم مِنَ اليهود. فبينما هِمْ عَلى أَمْرِهِمْ أُتِىَ هِرِقْلُ بِرِجُلٍ أَرْسَل بِهِ مَلِكُ غَسّانَ يُخْبِرُ عن خَبرِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. فلمَّا اسْتَخْبَرَهُ مِرْلُ قال: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فنظروا إليه، فحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنْ الْعَرَبِ فَقَالَ: هُمْ يخْتَتِنُون. فَقَالِ هِرَفْلُ: هُذَا مُلكُ هَذِهِ الأُمةِ قَدْ ظَهَرَ. ثمَّ كَبَ هِرِقْلُ إِلى صاحِبٍ لَهُ بِرُومِيةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فى العِلْمِ. وسار هِرِقْلُ إِلىْ حِمْصَ، فلم يرِمْ حِمْصَ (١) حتى أَتَاهُ كِتَابٍ مِنْ صاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأَى هِرفْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ وأَنَّهُ نَبِىٌّ. فَأَذِنَ هِرفْلٌ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِى دَسْكَرَةٍ(١) له بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ الطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرِ الرُّوم، هلْ لَكُمْ فِى الْفَلَاحِ والرُّشْدِ وأَنْ يَعْبُتَ مُلكُكُمْ فَتُبايعوا هُذَا النَّبِىِ؟ فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرٍ الْوَحْشِ (٣) إِلى الأَّبْوَابِ فَوَجِدُوهَا قَدْ غُلَّقَتْ ، فَلَمَّا رأَى هِرقْلُ نَفْرَتَهُمْ وأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ قَال: رُقُّوهُمْ عَلَىَّ. وقال : إِنِّى قُلتُ مَقَالَتِى آنِفًا أَخْتَبِرُ بها شِدَّتَكُمْ على دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ . فَسجدُوا له ورضُوا عنه ، فكانَ ذُلكَ آخِرٍ شَأَنِ هِرَقْلَ . رواه صالِحُ بنُ كَيْسانَ ويُونُسُ وَمَعْمَرٌ عنِ الزُّهرِىِّ . [ الحديث : ٧ - أطرافه فى: ٥١ ١ ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦ ، ٧٥٤١]٠ ٠ (١) لم يرم حمص: أى لم يبرحها . . (٢) الدسكرة : القصر الذى تحف به البيوت . (٣) حاصوا حيصة حمر الوحش : أى نفروا كما تنفر . ١٩ الحديث ٧ بِ الله الرحمن الرّحَّة (٢) كِتَابُ الإِيمَانْ" ١ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ ((بُنِىَ الإِسلامُ عَلَى خمْسٍ)) وهوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ. ويزِيدُ ويَنْقُصُ(٢). قَالَ اللهُ تَعالى ﴿لِيَزْدادُوا إِيمانا معَ إِيمانِهِمْ - وزِدْنَاهُمْ هُدَى - ويزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدوا هُدى - وَالَّذِينَ اهْتَلوا زَادهمْ هُدَى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ - ويزْدادَ الَّذِينَ آمنُوا إيمانًا﴾ وقولُه ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هُذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُم إيمانًا﴾ وقَوْلُهُ جلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمانا) وقولُهُ تَعَالى ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إيمانًا وتَسْلِيما﴾. والْحُبُّ فِى اللهِ وَالْبَغْضُ فَى اللهِ مِنِ الإِيمانِ(٣). وكَتَب عُمرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلى عَدِىِّ بنِ عِدِىِّ: إِنَّ للإِيمانِ فَرائِضَ وشَرائع وحُدُوداً وسُنَّنًا، فَمِنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْملِ الإِيمانَ، ومَن لم يَسْتَكْمِلْهَا لم يسْتَكْمِلِ الإِيمانَ ، فإِنْ أَعِشْ فَسأُبيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بها، وإِن أَمُتْ فما أَنَا عَلَى صُحْبتِكُمْ بِحَرِيصٍ . وقال إبراهيمُ ﴿ وَلَكِنْ لِيْمَئِنَّ قَلْبٍ﴾. وقَالَ مُعاذ: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنٌ ساعةً. وقال ابْنُ مَسْعُودٍ : اليقينُ : الإِيمانُ كلُّه. وَقال ابنُ عُمَر : لا يبلُغُ العَبْدُ حقِيقَةَ النَّقْوىُ حتى يدَع ما حَاكَ فى الصدْرِ(٤) . وقَالَ مُجاهِد ﴿ شَرع لَكُم ... ): أَوْصِيْنَاكَ يَا مُحمّدُ وإِيَّهُ دِينًا واحِداً. وقَال ابْنُ عَبَّاسِ ﴿ شِرْعة ومِنْهَاجا﴾: سِيلاً وسُنَّةً . (١) الإيمان الإسلامى: تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كل ما جاء به عن ربه. فكل ما ورد من الأوامر والنواهى فى كتاب الله، وفى الصحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجب على المسلم الإيمان به والعمل به. (٢) أى تصديق بالقلب، وإقرار باللسان ، وعمل بالجوارح. ولما كان الإيمان الإسلامى يشمل كل حق وخير ، فإن المسلمين يتفاوتون فى استيفائه ، ومن هنا جاء القول بزيادة الإيمان ونقصه ، بل إن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة . (٣) أى أن يكون حبك لأى إنسان، ولأى فكرة، ولأنى شىء ، من الناحية التى فيها مرضاة الله . (٤) التقوى: وقاية النفس عن الشرك، والأعمال السيئة، والمواظبة على كل عمل صالح. وما حاك فى الصدر: أى ما يعترى القلب من شك وتردد . وقد ورد فى حديث: (( لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به بأس )» . ٢٠ الجامع الصحيح ٢ - باب دُعَاؤُكُمْ إِماتُكم(١) ٨ - حّشْا عُبَيْدُ الهِ بن مُوسىُ قال أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بنُ أَبِى سُفْيانَ عِنْ عِكْرِمَةً بن خالدٍ (عَنِ ابنِ عُمَرَ أَرَضِى اللهُ عَنْهُمَا قال: قال رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ (( بُنِىَ الإِسْلامُ على خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وأَنَّ محمدًا رَسولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحجُّ، ، وصوْمِ رمَضَانَ )). [ الحديث ٨ - طرفه فى: ٤٥١٥ ]. ٣ - باب أمورِ الإِيمانِ وَقَوْلِ اللهِ تعالى ﴿لَيْسَ الْبَِّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبِلَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ، ولَكِنَّ البِرَّ منْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ والملائِكَةِ وَالْكِتَابِ والنَّبِّينَ وَآنى المالَ على حُبِّهِ ذَوِى القُرْبِىُ وَالْيَتَامَى وَالْمِسَاكِينَ وابنَ الْسَّبِيلِ والسائِلِينَ وفى الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآنىُ الَّكَاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا والصَّابِرِين فى البأُّسَاءِ والضَّراءِ وحِينَ البأْسِ أُولَئِكَ الَّذِين صِدَقوا وأُولَئِكَ هُمُ التَّقُون (٢) - قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنون) الآية ٩ - صّشْا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ قال حدثنا أَبُو عامِرِ العقَدِىُّ قال حدَّثَنَا سُلِيْمَانُ بنُ بِلال عَنْ عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ عن أبى صالحٍ عن أبى هُريرةَ رضِى اللهُ عنه عن النبيِّ صَلى الله عليْهِ وسلَّمَ قالَ (( الإِيمانُ بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً(٣)، والحياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمانِ)) . ٤ - باب المُسْلِمُ منْ سَلِمِ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ ویدِهِ ١٠ - حّشْا آدمُ بن أَبِى إِياسٍ قَالَ حدَّثَنَا شعْبةُ عن عبدِ اللهِ بنِ أَبِى الَّفَرِ وإسماعيلَ عنٍ الشَّعْبِىِّ عن عبدِ اللهِ بن عِمْرٍو رَضِىَ اللهُ عِنْهُما عن النبيِّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ قال: ((المُسْلِمُ مَنْ سلِّمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ وِيَدِهِ، والمُهَاجِرُ مَنْ هَجرَ ما نَهَى اللهُ عَنْهُ(٤))). قال أَبو عبدِ اللهِ وقال (١) هذه الكلمة من قول ابن عباس رضى الله عنه، وأوردها الإمام البخارى فى صحيحه لأن الدعاء عمل، وأطلق على الإيمان وذلك : دليل على أن الإيمان عمل. وفسر بعضهم قوله: ((دعاؤكم إيمانكم)) بدعوة رسل الله إلى الإيمان، ومنه الآية ( ٧٧: الفرقان)» ( قل ما يعبأ بكم ربى لولا دعاؤكم) أى لولا إيمانكم الذى دعاكم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم. (٢) أى: المتقون من الشرك والأعمال السيئة متصفون بهذه الصفات، فهذه الأعمال - مع انضمامها إلى التصديق - داخلة فى مسمى البركما هى داخلة فى مسمى الإيمان. (٣) ويروى: بضع وسبعون، وكلها ترجع إلى أصلين: الحق ، والخير. (٤) الهجرة نوعان: باطنة، وظاهرة، فالهجرة الباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان. والهجرة الظاهرة الفرار بالدين من الفتنة فيه، وما يطغى عليه. وتراد ابن حبان والحاكم في المستدرك من حديث أنس صحيحاً: «والمؤمن من أمنه الناس».