Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
الترهيب من رفع البصر إلى السماء في الصلاة
.
انظروا إلى الملة فى صغرجثتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا يمستدرك (١) الفكر
كيف دبت على أرضها، وصبت (٢) على رزقها، تنقل الحبة إلى جحرها، وتعدها فى مستقرها، تجمع فى
حرها لبردها، وفى ورودها لصدورها . مكفولة برزقها . مرزوقة بوفقها (٣) لا يغفلها المنان، ولا يحرمها
الديان، ولو فى الصفا. (٣) اليابس، والحجر الجامس. (٥) ولو فكرت فى مجارى أكلها، وفى علوها
وسفلها، وما فى الجوف من شرسيف. (٦) بطنها وما فى الرأس من عينها وأذنها لقضيت من خلقها
عجباً، ولقيت من وصفها تعبا، فتعالى الذى أقامها على قواتها، وبناها على دعائمها .. لم يشركه فى فطرم
فاطر ، ولم يعنه فى خلقتها قادر .
قال الله تعالى :
١ - ( وما ذرأ لكم فى الأرض مختلفاً ألوانه إن في ذلك لآبة لقوم يذكرون) ١٣ من سورة النحل .
سبحانه وتعالى سخر لنا ما خلق لنا من حيوان ونبات أصنافهما تتخلف باللون . قال البيضاوى :
إن اختلافها فى الطباع والميئات والمناظر، ليس إلا بصنع صاع حكيم. اهـ، قال تعالى:
ب- (وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه
ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وألق فى الأرض رواسى أن تميد بكم وأنهاراً وسبلا لعلكم تهتدون
وعلامات وبالنجم ثم يتدون أمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إنالله
لغفور رحيم واللهيعلم ما تسرون وما تعلنون والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون أموات
غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرةوهم مستكبرون.
لاجرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لايحب المستكبرين) ٢٣ من سورة النحل .
وتارك الصلاة مستكبر على خالقه جل وعلا ..
وإن لكل فى صلاة لله مخصوصة، وقد أنطق الله تعالى عيسى عليه السلام بالكلام وهو فى المهد : (قال
إلى عبد الله آتافى الكتاب وجعلنى نبياً ٣٠ وجعلنى مباركا أينما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة ما دمت حياً وبر
بواندتى ولم يجعلنى جباراً شقياً) ٣٢ من سورة مريم. هذا أول المقامات للردعلى من يزعم ربوبيته، أمده بتعاليم
الإنجيل فصار نفاعامعاماً للخير. قبل: أكمل الله عقله واستنبأه طفلا، وأمره بالصلاة، وزكاة المال وتطهير
النفس عن الرذائل . إن شاهدنا (وأوصانى بالصلاة) لتعلم ياأخى جزيل فائدتها وقرب مؤدبها عند العظيم المنعم
سبحانه . وقد قال تعالى يخاطب آدم وحواء أو يخاطب آدم وإبليس لأنهما أصلا الذرية (قال اهبطامنها جميعاً
بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ١٢٤ ومن أعرض عن ذكرى فإن له
معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها
وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشدوأبقى) ١٢٨ من سورة
منه . من عمل بتعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم لايضل فى الدنيا ولا يتعب فى الآخرة ومن حادعن الهدى الذاكرلى
والداعى إلى عبادتى والمرشد إلى رضاى ثل العذاب فى القبروذاق الضريع والزقوم لأن مجامع همته ومطامح نظره تكون
إلى أعراض الدنيا متهالكا على ازديادها خائفاً على انتقاصها بخلاف المؤمن الطالب للآخرة مع أنه تعالى قد يضيق
بشؤم الكفر ويوسع بركة الإيمان كما قال: ((وضربت عليهم الذلة والمسكنة - ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل -
ولوأن أهل القرى آمنوا واتقوا)» الآيات. هذه دروس الأنبياء تدعو إلى طاعة الله ليسلك المطيع سبل السعادة، وقد
(١) استدرك الشىء بالشىء: حاول إدراكه به، فستدرك الفكر حاولة الإدراك به ؛ فهو مصدر ميمى
(٤) جمع صفاة: وهى الحجر الأملس .
(٢) انصبت إليه وانحدرت فى طلبه . . (٣) قدر کنایتها .
(٥) الحامد. (٦) أطراف الأعضاء التى تشرف على البطن، واحدها شرسوف

٣٦٢
العقم يصلون ويتضرعون إلى الله فيلدون
حكى تعالى عن سيدنازكريا الذى أعطاه سيدنا يحيى (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) أى أومأ الله إليهم
أن صلوا أو نزهوا ربكم طرفى النهار. قال البيضاوى: ولعله كان مأموراً أن يسبح ويأمر قومه بأن يوافقوه
وفى ذلك يقول المولى عز شأنه: (يا يحي خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكصبيا وحنانا من لدنا وزكاة وكان
تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جباراً عصياً) ١٤ من سورة مريم. أى خذ التوراة وأعطاه الله الحكمة وأحكم
عقله فى صباه واستنبأه ( وحنانا من لدنا) ورحمة منا عليه، وتعطفاً فى قلبه على أبويه (وزكاة) وطهارة من
الذنوب أو صدقة: أى تصدق الله به على أبوبه، أو مكنه ووفقه للتصدق على الناس (وكان تقيا) أى مطيعاً
متجنباً عن المعاصى، وبرا بوالديه، ولم يكن عاقا أو عاصياً ربه (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم
يبعث حيا ) سلمه ربه أن ينائه الشيطان بما ينال به بنى آدم، وأمن عذاب القبر ( ويوم يبعث حيا) أى أمن
عذاب النار ، وهول القيامة .
العقم يصلون ويتضرعون إلى الله فيلدون
سيدنا زكريا عليه السلام يتراوح عمره من ٧٠ - ٩٩ سنة قال الله عنه (ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ
نادىبه نداء خفيا) ٢ من سورة مريم. قال البيضاوى: لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان والإخفاء أشد إخباتا
وأكتر إخلاصاً ، أو لئلا يلام على طلب الولد فى إبان الكبر ، أو لئلا يطلع عليه مواليه الذين خافهم ، أو لأن
ضعف الهرم أخفى صوته (قال رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك رب شقياوإنى خفت
الموالى من ورائى وكانت امرأتى عاقراً فهب لى من لدنك ولياً يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً) ٦
دعاء مستجاب سبقه إخلاص لله وتضرع إليه وصلاة وتسبيح وتحميد وتكبير . فهل للمسلمين الذين أصابتهم
أزمة أو عقم أن يصلوا لله ، ويعبدوا الله بحق كسيدنا زكريا عليه السلام.
وأخبرنا الله تعالى فى كتابه العزيز عن السيدة مريم رضى الله عنها ( فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا
حسناً وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم أى لك هذا قالت هو من عند الله
إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) روى أن حنة لما ولدتها لفتها فى خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند
الأحبار، وقالت : دونكم هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم ، وصاحب قربانهم ، وفاز
بكفائتها سيدنا زكريا، وبنيت لها غرفة للعبادة (المحراب) أو المسجد تجلس فى أشرف مواضعه (المحراب)
وسمى بذلك لأنه محل محاربة الشيطان كأنها وضعت فى أشرف موضع من بيت المقدس. وروى أن زكريا كان
لا يدخل عليها غيره، وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب وكان يجد عندها فاكهة الشتاء فى الصيف وبالعكس.
وفيه دليل على جواز كرامات الأولياء . قيل: تكلمت وهى صغيرة كعيسى عليه السلام، ولم ترضع ثديا قط
وكان رزقها ينزل عليها من الجنة، سبحانه رزقه بغير تقدير لكثرته، أو بغير استحقاق الغلا به.
وبهذه المناسبة للصرف بذكر نبذة من كرامة السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد
أعدت لمولانا وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رغيفين وبضعة لحم، فرجع بها إليها، وقال: هعى طبية،
فكشفت عن الطبق، فإذا هو ملوء خبزاً ولحما ،فقال لها دوة أى لك هذا؟ قالت : هو من عند الله ،إن المرزق
من يشاء بغير حساب ، فقال : الحمد لله الذى جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل ، ثم جمع علياً والحسن
والحسين ، وجمع أهل بيته عليه حتى شبهوا، وبقى الطعام كما هو، فأوسعت على جيرانها. وفى ذلك المكان،
وفى هذا الوقت وقت رؤية كرامة مره ،ومنزلتها عند الله (هنا لك دعا زكريا ربه قال رب هبلى من لدنك
ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) ٣٩ من سورة آل عمران .
يا أخى : إن هذا التى عليه السلام يلجأ إلى ربه بالدعاء والعبادة، ويثق به، ويعتقد أن الله تعالى حى قادر

٢٦٣
سيدنا إسماعيل عليه السلام ، وأخوه سيدنا إسحاق عليه السلام
قاهر، فيطلب له ولياً يرثه وابناً يدير دفة عقاره ويسوس آله ويقر عينه، فناداه جبريل عليه السلام، وهو
يصلى: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيداً وحصوراً
ونبيا من الصالحين) يصدق أن عيسى عليه السلام وجد بأمره تعالى دون أب ويسودقومه ويفوقهم فماهم بمعصية
قط (وحصوراً) أى مبالغً فى حبس النفس عن الشهوات والملافى. روى أنه مر فى صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب
فقال: ماللعب خلقت، وقد استبعد زكريا من حيث العادة، أو استعظم وتعجب، إذ أدركه كبر سنه ٩٩ سنة
ولا تلد امرأته من العقر . فأجيب لاغرابة من حيث الولد من شيخ فان وعجوز عاقر ( قال كذلك الله يفعل
ما يشاء ) وطلب سيدنا زكريا علامة يعرف بها الحبل لاستقباله بالبشاشة والشكر، وتزيح مشقة الانتظار
( قال آيتك أن لاتكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا. واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى والإبكار) ٤٢ من سورة
آل عمران. حبس لسانه عن مكالمنهم خاصة ليخلص لذكر اله تعالى وشكره قضاء لحق النعمة، ولا مانع من إشارة
يد أو رأس وسبح ربك من الزوال إلى الغروب إلى صدر الليل. والإبكار: من طلوع الفجر إلى الضحى، إن هذا
هو الدواء الناجح مطر القلوب المنتجئة إلى ربها فى السراء والضراء ، فهل لبنى قومى أن يصلوا ويخلصوا إلى
ربهم (فاستجبنا له ووهبنا له يحي وأصلحنا له زوجه) ثم إن السيدة مريم رضى اللهعنها شافهتها الملائكة إ كراما
لها، وطبرها اللّه من الأقذار، وتقبلها من أمها، ولم يقبل قبلها أثى، ورزقها من الجنة. قال تعالى: (وإذ
قالت الملائكة يامريم إن اللهاصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين. يا مريم افنتى لربك واسجدى واركعى
مع الراكعين ) أى أديمى الطاعة وصلى واخشعى.
سيدنا إسماعيل عليه السلام ، وأخوه سيدنا إسحاق عليه السلام
قد أجاب الله دعاء سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، وجاء بعده ابنه إسماعيل عليه السلام، فعكف على
عبادة ربه وجاهد فى طاعته ، وحافظ على الصلاة هو وأهله . قال تعالى:
١ - (واذكر فى الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبياً. وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة
وكان عند ربه مرضيا) ٥٥ من سورة مريم. إن شاهدنا (يأمر أهله بالصلاة) قال البيضاوى: اشتغالا
بالأهم ، وهو أن يقبل الرجل على نفسه، ومن هو أقرب الناس إليه بالتكميل اهـ.
ب - وقال تعالى: فى ابن سيدنا إبراهيم سيدنا إسحاق وذريته: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا
جعلنا صالحين ٧٣ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة
وكانوا لنا عابدين ) ٧٤ من سورة الأنبياء.
نافلة: أى ععية، أو ولد ولد، أو زيادة على سأل، وهو إسحاق، والأربعة: أى إبراهيم، ولوط وإسحاق
ويعقوب، وفقام الصلاح، وحملناهم عليه، فصاروا كاملين. يقتدى بهم الناس إلى الحق يحثون الناس على عمل
الخير موحدين مخلصين فى العبادة.
وإن سيدنا داود، وابنه سليمان علهما السلام يعبدان الله، ويخلصان فى طاعته سبحانه،
كودانته عنهما:
عقد حكيدا
١ - ( واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب ) والمعنى أنه ذو قوة فى الدين، يصوم يوما، ويفطر يوما كما أخبر
صلى الله عليه وسلم، وكان يقوم نصف الليل (أواب) أى كثير الرجوع إلى مرضاة الله تعالى، وقد
جزأ زمانه، للعبادة يوما، ويوما للقضاء، ويوما للوعظ، ويوما للاشتغال بخاصته، فتسور عليه ملائكة
على صورة الإنسان فى يوم الخلو: ( إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى والإشراق ) وقت الإشراق
حين تشرق الشمس ، ويصفو شعاعها ، وهو وقت الضحى؛ ( والطير محشورة كل له أواب وشدهنا

٣٦٤
الترهيب من رفع البصر إلى السماء فى الصلاة
٠
•
ملكة وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) ٢١ من سورة ص .
ثم سيدنا سليمان عليه السلام كان يحارب أعداء الدين، ويغزو دمشق ونصيبين، وأصاب ألف فرس، وقيل:
أصابها أبوه من العمالقة. فورثها منه، فاستعرضها ليخبر صحتها ، ويعرف مكامن ضعفها، ويبحث عن قوتها
ونظافتها وخدمتها لأنها عدته فى الحرب وأخر صلاة العصر . قال تعالى :
ب ـ ( ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد. قال إلى أحببت حب
الخير عن ذكر ربى حتى توارت بالحجاب ) ترك فضيلة أول الوقت فقط، واستمر يحارب الأعداء حتى
هزمهم وطلب من ربه تعالى تقدم الشمس حتى يصلى العصر فى وقته، وقد أجاب الله دعاءه: (ردوها على
فطفق مسحا بالسوق والأعناق ) ٢٤ من سورة صَ. ومعنى بالعشى: بعد الظهر، والصافن من الخيل:
الذى يقوم على طرف سنبك يد أو رجل، وهو من الصفات المحمودة فى الخيل الذى لايكاد يكون إلا فى العرب
الخلاص ، والجياد : جمع جواد الذى يسرع فى جريه ، قال صلى الله عليه وسلم: ((الخيل معقود فى نواصيها
الخير)» فسماها خيرا لأنها سبب النصر والفوز، فأخر صلاة العصر عن أولها، وكان يتفقدها فأخذ يمح سوقها
وأعناقها بيده الشريفة اعترافا بفضل الله ومدده ، والله أعلم .
فأنت ترى الصلاة جوهرة مكنونة، ودرة مسنونة، وتاج الصالحين ، وعنوان الإيمان برب العالمين ،
ومطلب الأنبياء والمرسلين وركن الإسلام وعماد الاستقامة ونور الحق ومنهج الكمال ، وسنة متبعة فى إرضاء
الخالق جل وعلا. قال تعالى: ( ألم تر أن الله يسبح له من فى السموات والأرض والطير صافات كل قد علم
صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ) ٤٢ من سورة النور .
قال البيضاوى: ألم تعلم علماً يشبه المشاهدة فى اليقين، والوثاقة بالوحى أو الاستدلال ( أن الله يسبحله
من فى السموات والأرض) ينزه ذاته عن كل نقص وآفة أهل السموات والأرض ( والطير) لما فيها من الصنع
الظاهر، والدليل الباهر ، ولذا قيدها ( صافات) فإن إعطاء الأجرام الثقيلة ما به تقوى على الوقوف فى الجو
صافة باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرة الصانع تعالى، وأطف تدبيره . فد
علم الله دعاءه، وتنزيهه اختياراً أو طبعاً. وعلم كل على تشبيه حاله فى الدلالة على الحق، والميل إلى النفع على
وجه يخصه بحال من علم ذلك مع أنه لا يبعد أن يدبم الله تعالى الطير دعاء وتسبيحاً كما ألهمهاءلوما دقيقة فى أسباب
تعيشها لاتكاد تهتدى إليها العقلاء اهـ. (والله عليم بما يفعلون) سبحانه خبير بأحوال خلقه. إن شاهدنا:
( كل قد علم صلاته وتسبيحه) فالشجر والمدر، وكل شىء يدعوانته، ويسبح بحمده، وقد جمعت الصلاة جميع
أنواع الدعاء والتسبيح والتحميد والتكبير .
وذكر الرافعى فى مسند الشافعى رضى الله عنه أن الصبح كانت لآدم، والظهر لداود، والعصر لسليمان
والمغرب ليعقوب، والعشاء ليونس. قال الباحوى: وتخصيص كل بالصلاة فى هذا الوقت لعله لكونه قبلت
فيه توبته أوحصلت له فيه نعمة، وظاهر هذا أنها كانت على الكيفية المعروفة فى هذه الأوقات مع أنهم ذكروا
أن الكيفية المخصوصة من خصوصيات أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فللها لم تكن على هذه الكيفية
وعن بعضهم مافيه مخالفة لذلك، فقيل: كانت الظهر لإبراهيم، وكانت العصر ليونس، وقيل: العزير، وكانت
المغرب لداود ، وقيل : لعيسى ، فصلى ركعتين كفارة لما نسب إليه، وركعة كفارة لما نسب لأمه، وكانت
العشاء لموسى؛ وقيل من خصوصيات نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو الأصح. ويجاب عما ورد من أنها كانت
ليونس أو لموسى ، بأن المراد بالصلاة الواقعة منه حينئذ الدعاء ، وعلى هذا فيكون الله جمع لنبيناصلى الله عليه
وسلم ولأمته ما تفرق فى الأنبياء وأمهم ، وميز صلى الله عليه وسلم بزيادة عليهم تشريفا له، وتعظيما لأجره.
زاده الله تشريفاً وتعظيما وتكريما اهـ ص ٣٠٣

٣٦٥
الترهيب من رفع البصر إلى السماء فى الصلاة
.
وأنه خير خلق الله كلهم
فميلك العام فيه أنه بشر
بشرى لك ياأمة محمد صلى الله عليه وسلم فأعطاك الله ثمرات أديان الأنبياء صلى الله عليه وسلم فى الصلاة، وجعل
سبحانه الصلاة مفتاح العبادة والصناعة والرضا، وأنها سبب رفع الدرجات، وزيادة الحسنات والأرزاق. قال عالى:
(إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلاخوف عليهم
ولاهم يحزنون )٦٩ من سورة المائدة . اليهود أتباع سيدنا موسى، والصابئون الذين صبوا إلى اتباع الشهوات
ولم يتبعوا شرعا ولا عقلا، والنصارى: أتباع سيدنا عيسى عليهما السلام: أى إن صح من هؤلاء الإيمان
والعمل الصالح يتب الله عليهم ويرحمهم، وقد نهى سبحانه وتعالى عن موالاة الكفرة والفسقة، وطلب من
المسلمين أن يوالوا المصلين، والآن المطلوب من المؤمنين الصلاة عسى أن يدركوا مغفرة الله تعالى.
فقال جل شأنه :
١ - ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتولى الله
ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) ٥٥ من سورة المائدة، راكعون. أى متخلعون فى
صلاتهم وزكاتهم، أو يؤتون الزكاة فى حال ركوعهم فى الصلاة حرصا على الإحسان ومسارعة إليه، وأنها
نزلت فى الإمام على رضى الله عنه حين سأله سائل ، وهو راكع فى صلاته فطرح له خاتمه ، ولعله جىء
بلفظ الجمع لترغيب الناس فى مثل فعله فيندرجوا فيه، ووعد سبحانه أن موالاة المؤمنين سبب النصر والفوز
لأن المؤمنين حزب الله، وحزب الله هم الغالبون تنويها بذكرهم، وتعظيما لشأنهم، وتشريفاً لهم بهذا الإسم
وتعريضا لمن يوالى غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان اه بيضاوى ص ١٨١.
ب - (ثم ننجى رسلنا والذين آمنوا كذلك حقاعلينا نجى المؤمنين): أى نهلك الأمم العاصية الكافرة ونجى
الأنبياء والمرسلين ، ومن أجابهم ، وعمل بتعاليمهم . وأقام الصلاة .
ياأخى: إن الله تعالى بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ليبشر المصلين المزكين وجعل هاتين الخلتين
دليل الإيمان للغاضة أبصارهم النقية قلوبهم السليمة أكنهم .
ج - قال تعالى: ( تلك آيات القرآن وكتاب مبين ١ هدى وبشرى للمؤمنين ٢ الذين يقيمون الصلاة ويؤتون
الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون ٣): أى هؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من صلاة وزكاة هم
الموقنون بالآخرة، فان تحمل المشاق إنما يكون لخوف العاقبة والوثوق على المحاسبة اهبيضاوىيؤدون الصلاة
اعلمهم أن الله أمر بها، وأوصى بالمحافظة عليها رجاء ثواب الآخرة بعد الموت، وكل من عليها فان ،
فكأن تارك الصلاة يجحد الآخرة ، وينسى عقاب ربه، ويتبجح بذكر رحمته وهو المنتقم الجبار.
د - ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون ٤ أولئك الذين لهم سوء العذاب وثم فى الآخرة
هم الأخسرون . وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) ٦ من سورة النمل.
وإن تارك الصلاة كسلا قد يؤمن بالآخرة، ولكن تسويفه من الأعمال القبيحة التى تزين له عدم إقامة الصلاة
فيخسر الثواب، ويحل عليه العقاب، وإن الزين هو الله يخلق فى المرء شهوة الكسل فى نفس المقصر
(زينا لهم أعمالهم) أى زين لهم أعمالهم القبيحة بأن جعلها مشتهاة للطع محبوبة للنفس، أو الأعمال الحسنة التى
وجب عليهم أن يعملوها بترتيب المشوبات عليها (فهم يعمهون ) عنها لا يدركون ما يتبعها من ضر أو نفع (أولئك
الذين لهم سوء العذاب ) كالقتل والأسر يوم بدر، وأشد الناس خسرانا لنموات المثوبة واستحقاق العقوبة. اهـ
بيضاوى ص ٥٢٨ . وسوء العذاب الأن ضيق الرزق ، وقلة البركة والشقاء .
هؤلاء الكفار كانوا يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزين لهم الشيطان عداء، ومحاربته، فباءوا
بالهزيمة، ورجعوا بالخيبة واندحروا، وخسروا ثواب الله لو اتبعوه: والآن تارك الصلاة يخسر ضياع الزمن
فى كسل ولهو ولغو ، ويهمل فى حق اللّه، ولا يضمن طول عمره حتى يؤدى ما عليه، فعليك أخى بتأدية الصلاة

٣٦٦
الترهيب من الالتفات فى الصلاة وغيره مما يذكر
الترهيب من الالتفات فى الصلاة وغيره مما يذكر
١ - عَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِىِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّالنَّيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ اللهَ
أَمَرَ يَحْسِى بْنَ زَ كَرِّ (١) بِخَمِْ كَلِمَتٍ أَنْ يَعْعَلَ بِهَ، وَيَأْمُرَ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُواْ
◌ِهَ، وَإِنَّهُ كَادَ (٣) أَنْ يُبْطِىَّ بِهَا. قَل عِيسَى: إِنَّ اللهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَتِ لِتَعْمَلَ بِهَ،
وَأْمُرَ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعَلُوا بِهَ. فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرُّ هِمْ، وَإِمَّا أَنْ آمْرَهِمْ، فَقَ يَحْبِى:
أَخْشَى (٣) إِنْ سَبَقْتَنِى بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِى، أَوْ أُعَذَّبَ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِى بَيْتٍ (٤) الَفْدِسِ
فى أوقاتها عسى أن تربح وتنجح وتفلح وتفوز، وتدركك رحمة الله. قال تعالى :
١ - ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنفرن عنهم سيئاتهم ولنجزيتهم أحسن الذى كانوا يعملون ) ٧.
ب - ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلهم فى الصالحين ) ٩ .
ج - (أو ليس الله بأعلم بمافى صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين) ١١ من سورة العنكبوت
د - (فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين) ٦٧ من سورة القصص: أى تاب من الشرك
وجمع بين الإيمان والعمل الصالح، والصلاة عماد الصلاح، وإن الله تعالى خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم
بالاستقامة وطلب اتباع الدين القويم وطلب من أمته الإقبال على تعاليمه والاهتمام بتنفيذ أوامره واجتناب
مناهيه، وتجد ياأخى تصريحاً فى ذلك ( وأقيموا الصلاة ) قال تعالى :
(فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر
الناس لا يعلمون ٣٠ منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ٣١ من الذين فرقوا دينهم
وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون) ٣٢ من سورة الروم: أى خلق الناس على الفطرة، وهى قبولهم الحق
وتمكنهم من إدراكه أو ملة الإسلام، فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها ، وقيل العبد المأخوذ من
آدم وذريته ( ذلك الدين القيم ) المستقيم الذى لاءوج فيه (فأقر) الآية خطاب للرسول ولأمته (منيبين إليه)
راجعين إليه أو منقطعين إليه، وقد صدرت خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيما له. وقال تعالى:
(من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون ٤٤ ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله
إنه لا يحب الكافرين) ٤٥ من سورة الروم. كفره واله (يمهدون) أى يسوون م لا فى الجنة.
(١) ابن الذى كفل السيدة مريم ورباها أحسن تربية، وزوجه عليه السلام أخت مريم. وفى كتاب
( المنهج السعيد) أن سيدنا زكريا عليه السلام عاصر ابن ماتان الذى هو جد السيدة مريم، وتزوج بنته إيشاع
أخت عمران أبى مريم، وأم مريم حنة بنت فاقوذا كانت تستظل تحت شجرة ، فرأت طائراً يطعم فرخه تحنت.
إلى ولد وتمنته ، فقالت: اللهم إن لك على نذرا إن رزقتنى ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من
خدمته حملت بمريم ، وهلك عمران، ولما ولدتها لفتها فى خرقة وحملتها إلى المسجد فتنافسوا فيها ، فقال
زكريا: أنا أحق بها عندى خالتها اهـ ص ١٢٤، ويحي وعيسى عليهما السلام كانا فى عصر واحد وهما
نبيان ورسولان .
(٢) قرب أن يتأخر عن تنفيذ أمر الناس. (٣) أخاف ياعيسى أن أعد مقصراً فى الرسالة فيقلب
الله الأرض بى أو يعذبنى، فانتظر رعاك الله حتى أصدع ما أمر.
(٤) مكان بالشام محتزم يهرع إلى تقديسه المسلمون إلى الآن .

٣٦٧
الترهيب من الالتفات فى الصلاة وغيره مما يذكر
فَاَمْتَلَأَ وَقَعَدُوا عَلَى الشُّرَفِ(١)، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ أَمَرَ فِى بَخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَْمَلَ بِهِنَّ
وَآَمُرُّكُ أَنْ تَعْمَلُوا مِنَّ أُوْلاَ هُنَّ(٢) : أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ(٣)، وَلاَ تُشْرِ كُوابِهِ شَيْئً، وَإِنَّمَثَلَ
مَنْ أَشْرَكَ بِللهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَلِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقِ(٤)، فَقَالَ :
هَذِهِ دَارِى وَهُذَا عَمَلِى، فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ فَكَانَ يَعْمَلُ، وَيُؤَدِّى إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمُ
يَرْضُنِى أَنْ يَكُونُ عَبْدُهُ كَذَلِكَ (٥)، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَكُمُ بِالصََّةِ، فَإِذَا صَلَّيُ فَلاَقَلْفِتُوا(٦)،
فَإِنَّ اللهَ يَنْصِبُ(٢) وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِى صَلَتِهِ مَالَمَّ يَلْتَفَتْ، وَأَمَرَ كَمَّ بِالصِّيَامِ فإِنَّ مَثَلَ
ذُلِكَ كَثَلِ رُجُلٍ فِى عِصَبَةٍ (٨) مَعَهُ صُرَّةٌ(٩) فِيهَا مِنْكٌ فَكُنَّهُمْ يَعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ
رِيحُهَا، وَإِذَّرِيحَ الصَّْمِ أَطْيَبُ عِنْدَاللهِ مِنْ رِيحِ الْسْكِ، وَأَمَرَ كُمُ بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّمَثَلَ
ذُلِكَ كَمَثَلٍ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَأَوْتَقُوا(١٠) يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ، وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ،
فَقَالَ: أَنَا أَفْدِى نَفْسِى مِنْكُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِرِ، فَفَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ، وَأَمَرَ كُمُ أَنْ
تَذْ كُرُوا اللهَ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْمَدُوُّ فِى إِثْرِهِ (١١) سِرَاءًا حَتَّي إِذَا"
(١) ازدحموا حتى جلسوا على الأمكنة العالية، وفى حديث ابن عباس: أمرنا أن نبنى المدائن شرفا والمساجد.
جما. الشرف: التى طولت أبنيتها بالشرف ، واحدتها شرفة اه نهاية ص ٢١٥.
(٢) فى نسخة: أولهن ١٧٥ ع. (٣) تجعلون عبادته سبحانه قاصرة عليه لاشريك له فى التعظيم.
والتبجيل والسؤال والرجاء ، بيده الخير يفعل ما يشاء. (٤) فضة .
(٥) يشترى بمال سيده، ويعمل العمل لغيره، وغيره يجبى ثمرة تعبه، وسيدء محروم من خيراته: كذلك.
من يعبد غير الله عمله ضائع ، ومحروم من ثواب القادر الصمد.
(٦) أى ائدوا، ولا تحركوا أعناقكم يميناً أو شمالا، واخشعوا واطمئنوا.
(٧) المراد أن تترى رحمته الذى بحسن الصلاة، ويحفه تعالى برضوانه وإكرامه مدة عدم التفاته فى صلاته.
(٨) جماعة .
(٩) شىء يحفظ فيه العطر، والصرة: الدراهم، من صر الصرة شدها، وبفتح الصاد: الصيحة، وهذا
مثل لشدة خلوف الصائم ، وتغيير رائحة فمه ، والمسك من الطيب ، وتسميه العرب المشموم . قال الشاعر:
فان المسك بعض دم الغزال
فان تفق الأنام وأنت منهم
قيل : إن المك من صرة الغزال .
(١٠) شدوها ووضعوا فيها الأغلال، وربطوها فى عنقه فأصبح مشلول الحركة مقيدا مغلولا لاحراك
له، ولا يمكن أن يدافع عن نفسه، ويذب عن حوضه فسلم نفسه لخصومه ، وقدم لهم النداء بجل ما يملك وجاد
برائه فنجا وفاز. كذلك الصدقة تكون سبب العتق من النار والجاة من العذاب والفوز يوم القيامة وسبب
زيادة الرزق وهى حصن من السوء وقلعة منيعة من شرور المجرمين .
(١١) عقبه: يتعقبه عن قرب، ومنه خرج فى أثره .

٣٦٨
العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله
أَنَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ(١) فَأَحْرَزَ(٢) فْتَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ الْعَبْدُ لاَ يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ
الشَّيْطَانِ إِلاَّ بِذِكْرِ الهِ. قالَ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم: وَ أَنَا آمُرُ كمُ بِخَمْسٍ: أَلْهُ أَمَرِنِى
بِنَّ: السَّمْعُ(٢)، وَالطَّاعَةُ (٤)، وَالْجِهَهُ(٥)، وَالِجْرَةُ(٦)، وَالْمَاعَةُ(٧)، فَإِنَّهُ مَنْ
فَرَقَ الْجْمَعَةَ قِيدَ (٨) شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ إِلاَّ أَنْ يُرَاجِعَ (٩)،
(١) مكان مكين يقى شر العدو ، وبمع مجماته:
(٢) توقى، من أحرزت المتاع جعلته فى الحرز. والحرز: الموضع الحصين، يقال (حرز حريز) واحترز
وتحرز، وأحرزه : ضمه ، ومنه أحرز قصب السبق. (٣) أن تسمع كلام ولى الأمر من ملك وأمير،
ومدير ومأمور ، وأب وكل من له الولاية عليك ، وأمره نافذ أن تصغى إلى قوله وتتفهمه .
(٤) تعمل بإرشاداته، وتتبع أوامره، وتمشى على ضوء منهجه ليطمئن قلبك، ويستريح ضميرك،
ويصفو عيشك. أما المخالفة: فويل، والمضادة ، والهجر والمعاكسة: فشر، وفى قوله صلى الله عليه وسلم:
(( اسمعوا وأطيعوا)) قال الشيخ الحفنى فى تعليقاته على الجامع الصغير: ( طيب الله ثراه) إنما قدم اسمعوا مع أن
أطيعوا يغنى عنه: إشارة إلى أن الإمام إذا أمرهم بأمر وجب عليهم الاصغاء ليفهموه ويمتثلوه إن كان مندوبا
أو فرض كفاية، أو ترك مكروه فيصير ذلك فرض عين، فلو أمر طائفة بأن يقدموا بالتجارة مثلا، ولم ينتقلوا
إلى غيرها صار ذلك فرض عين عليهم بعد أن كان فرض كفاية . أما لو أمر بحرام حرم إطاعته، أو بمكروه
كرهت إطاعته اهـ .
قال العلقمى . قال القاضى عياض وغيره : أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية، وأوجبوا
تحريمها فى المعصية لقول الله تعالى: ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) قال العلماء: المراد
بأولى الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء
وغيرهم اه من الجامع الصغير ص ٢٠٢ - ١.
(٥) الغزو فى سبيل نصردين الله تعالى، ومحاربة النفس فى شهواتها على أن تتحلى بالمكارم وتعمل بالأوامر.
(٦) الانتقال من مكة إلى المدينة، وهذا سر من أسرار الله الإذاعة دينه، وتعميم الإسلام، ونصر المسلمين
وفى النهاية: (جهد) فيه ((لاهجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)» الجهاد: محاربة الكفار وهو المبالغة
واستفراغ ما فى الوسع والطاقة من قول أو فعل، يقال جهد الرجل فى الشنىء: أى جد فيه وبالغ، وجاهد
فى الحرب مجاهدة وجهاداً، والمراد بالنية إخلاص العمل لله تعالى: أى إنه لم يبق بعد فتح مكة هجرة لأنها قد
صارت دار إسلام، وإنما هو الإخلاص فى الجهاد ، وقتال الكفار اهـ ص ٩٠.
(٧) ملازمة رأى الجمهور، والتمشى مع روح اتحاد المسلمين ولم شعثهم، وجمع كلمتهم فى البر والاتفاق
على عمل صالح، وعدم بت الشقاق والاختلاف، وعدم التنابذ والتراشق، والدعوة إلى الائتلاف، وصفاء النية
والوداد والمحبة والشورى قال الله تعالى :
١ - ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا).
ب ـ ( وتعاونوا على البر والتقوى ) .
(٨) بكسر القاف. أى قدر، وكذا قاد رمح، وبفتح القاف واحد القيود .
(٩) إلا أن يتوب إلى الله جل وعلا ويرجع نادما متبعاً سنن الجماعة.

٣٦٩
لا يزال الله مقبلا على العبد فى صلاته مالم يلتفت
وَمَنْ أُدَّعى دَعْوَى(١) الجَاهِيّةِ، فَإِنَّهُ مِنْ جُثَاءٍ جَهَنَّمَ، فَقَلَ رَجُلٌ: يَرَسُولَ اللهِ، وَإِنْ
صَلَّى وَصَمَ؟ فَقَالَ: وَإِنْ صَلَّى وَصَمَ، فَادْعُوا(٢) اللهُالَّذِىِ تَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ عِبَادَ
اللهِ. رواه الترمذى، وهذا لفظه، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائى ببعضه، وابن خزيمة
وابن حبان فى صحيحيهما، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخارى ومسلم .
[ قال الحافظ ]: وليس للحارث فى الكتب الستة سوى هذا .
[ الربقة] : بكسر الراء وفتحها وسكون الباء الموحدة، واحدة الربق: وهى عرى
فى حبل تشدّ به البهم ، وتستعار لغيره .
وقوله: [ من جثاء جهنم ] بضم الجيم بعدها ثاء مثلثة: أى من جماعات جهنم.
٢ - وَعَنْ ◌َائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهاَ قالَتْ: سَأَلْتُ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وَسلم عَنْ
:التَّقُتِ (٣) فى الصَّلاَةِ، فَقَالَ: أُخْتِلاَسُ (٤) يَخْتَكِسُهُ(٥) الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ الْعَبْدِ . رواه
البخارىّ والنسائىّ وأبو داود وابن خزيمة.
٣ - وَعَنْ أَبِ الْأَحْوَص عَنْ أَبِ ذَرِ رضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم: لاَيَزَالُ اللهُ مُقْبِلاً(٦) عَلَى الْعَبْدِ فِى صَلاَتِهِ مَلَمْ يَلْتَفَتْ(٧)، فَإِذَا صَرَفَ
وَجْهَهُ (٨) اُنْصَرَفَ عَنْهُ (٩). رواه أحمد وأبو داود والنسائى وابن خزيمة فى محيحه
والحاكم وصححه .
(١) أى مشى بلا عقل، وعمل بلا دين، واتبع الحال التى كانت عليه العرب قبل الإسلام من الجهل بالله
ورسوله، وشرائع الدين ، والمفاخره بالأنساب والكبر والتجير وغير ذلك .
(٢) أى اعملوا بدين الله، واتبعوا أوامر الله، واتركوا عبادة ناقصة ليست على سنن الشرع الشريف.
(٣). تحريك العنق يميناً أو شمالا. (٤) أخذ الشىء بسرعة، يقال: اختلس الشىء إذا استطبه.
(٥) يخطفه ، والمعنى أن الشيطان يذهب إلى المصلى فيوسوس له ويزيل من قلبه الخشوع فتضعف خشيته
لربه ، فينسى موقفه هذا المقدس فيلتفت ويلعب بأطراف جسمه ويميل ، وهكذا من ضروب قلة الأدب أمام
رب العالمين سبحانه . وفى نيل الأوطار فى الحديث: النهى عن الخلسة بفتح الخاء ، وهو ما يستخلص من السبع
فيموت قبل أن يذكى. وفى النهاية: الاختلاس: افتعال من الخلسة، وهو مايؤخذ سلباً، وقيل: المختلس
الذى يخطف الشىء من غير غلبة ويهرب، ونسب إلى الشيطان لأنه سبب له لؤسوسته به وإطلاق اسم الاختلاس
على الالتفات مبالغة . اهـ ص ٢٨١ ج ٢ .
(٦) يتجلى بإحسانه، ويعطف برضوانه ورغماته. (٧) يحرك رأسه يميناً أو يساراً.
(٨٠) غير وجهه عن موضع السجود، وبعد عن اتجاه القبلة.
(٩) غضب الله عليه، وحول عنه رحات القبول، وبركات الخير.
(٢٤ - التغيب والترص ب ١)

٣٧٠
ماينهى عنه فى الصلاة
[ قال المعلى الحافظ عبد العظيم ] رضى الله عنه: وأبو الأحوص هذا لا يعرف اسمه
لم يرو عنه غير الزهرى ، وقد صحح له الترمذى وابن حبان وغيرهما .
٤ - وَعنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: أَوْصَانِى خَلِيلى صلى الله عليه وَسلم
بِثَلَاثٍ ، وَفِى عَنْ ثَلَاثٍ: نَهَنِى عَنْ نَقْرَةٍ(١) كَنَقْرَةِ الدِّيَّكِ، وَ إِفْعَاءِ كَإِفْعَاءٍ
الْكَلْبِ ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَتِ الثَّعْلَبِ (٢). رواه أحمد وأبو يعلى ، وإسناد أحمد حسن ،
ورواهابن أبى شيبة وقال : كَإِفْعَاءِ الْقِرْدِ: مَكَنَ الْكَلْبِ.
[ الإِقِعاء] بكسر الهمزة. قال أبو عبيد: هو أن يلزق الرجل أليتيه بالأرض، وينصب
ساقيه، ويضع يديه بالأرض كما يقعى الكلب. قال: وفسره الفقهاء بأن يضع أليتيه على عقبيه
بين السجدتين . قال : والقول هو الأول .
٥ - وَرُوِىَ عَنْ جَابِرٍ رَضِىَ اللهُ عِنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
إِذَا قَمَ الرَّجُلُ فِى الصَّدَةِ أَقْبَلَ اللهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ(٢)، فَإِذَا الْتَفَتَ. قَالَ : يَا ابْنَ آدَمَ
إِلَى مَنْ تَلْتَفَتُ؟ إِلَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِي، أَفْسِلْ إِلَىَّ(٤)، فَإِذَا الْتَفَتَ الثَّانِيَةَ قَالَ مِثْلَ
ذُلِكَ، فَإِذَا الْتَفَتَ الثَّالِثَةَ صَرَفَ اللهُ (٥) تَبَارَكَ وَتَعَلَى وَجْهَهُ عَنْهُ . رواه البزار.
٦ - وَرُوِىَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عِنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَمَ إِلَى الصََّةِ أَحْسِبُهُ قَالَ: فَإَِمَا هُوَ بَيْنَ يَدَىِ الرَّحْمنِ تَبَارَكَ
وَتَعَلَي، فَإِذَا الْتَفَتَ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَنَعَلَى: إِلَى مَنْ تَلْتَفَتُ ؟ إِلَى خَيْرٍ مِنِّى، أَقْبِلْ
يَا ابْنَ آدَمَ إِلَيَّ فَأَنَاَ خَيْرٌ مِّنْ تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ. رواه البزار أيضاً .
(١) خطف الركوع والسجود بمقدار مد الديك فمه لخطف الشىء. يحذر صلى الله عليه وسلم أبا هريرة
والمسلمين أن يسرعوا فى ركوعهم وسجودهم ولا يطمئنون كما نهى صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب فى رواية
أخرى، وفى النهاية: يريد تخفيف السجود وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله اهـ
(٢) الثعلب شديد الحركة . يريد صلى الله عليه وسلم أن يكثر الالتفات والخطف والسرعة مثل الثعلب،
وفقد معه الخشوع ، والاطمئنان : وخوف الله جل وعلا.
(٣) تقرى رحماته، وتتوجه إليه بركاته جل وعلا؛ ويغمر بعطف الله وإحسانه.
(٤) قف بخشوع وأدب ورجاء، وتفكر فى معنى ماتقرأ واهدأ واطمئن عسى أن تدرك رحمتی ويحدث
(٥) غضب عليه جل جلاله ، وزالت رحمته ، وقد سأل جبريل عليه السلام
غفرانى ، وتنال رضوانى .
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((أن تعبد الله كأنك تراه
فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

٣٧١
النهى عن الالتفات فى الصلاة
٧ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمَ: يَا بَنَىَّ
إَيَاكَ وَالأَلْتِفَتَ فِى الصََّةِ، فَإِنَّ الِأَلْتَفَتَ فِى الصَّلاَةِ هَلَكَةٌ (١) الحديث . رواه الترمذى
من رواية علىّ بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس ، وقال : حديث حسن ، وفى بعض
النسخ صحيح .
[ قال المملى ]: وعلىّ بن زيد بن جدعان يأتى الكلام عليه، ورواية سعيد عن أنس
غير مشهورة .
٨ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِ الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم يَقُولُ: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَى رَ كُعَتَيْن فَدَعَا رَبَّهُ إِلاَّ كَانَتْ دَعْوَتُهُ
مُسْتَجَبَةً (٢) مُعَجَّلَةً، أَوْ مُؤَّخَّرَةَ(٣). إَاكُمُ وَالِأَلْتِفَتَ(٤) فى الصَّلاةِ فَإِنَّهُ لَأَصَلاةَ
◌ُِلْتَفَتٍ (٥)، فَإِنْ غُلِبْتُ فِى الَّطَوِّيعِ فَ تُعْلَبُوا فى الْفَرِيضَةِ(٦). رواه الطبرانى فى الكبير.
(١) دمار. قال الشوكانى: سمى الالتفات هلكة باعتبار كونه سبباً لنقصان الثواب الحاصل بالصلاة أو
لكونه نوعا من تسويل الشيطان واختلاسه، فمن استكثر منه كان من المتبعين للشيطان ، واتباع الشيطان
هلكة، أو لأنه إعراض عن التوجه إلى الله، والإعراض عنه عز وجل هلكة. اهـ ص .٢٨ ج ٢.
(٢) أى أن الله تعالى يجيب دعاءه وقته هذا، ويظهر أثر الإجابة ويدرك حاجته فورا.
(٣) سبحانه يجيب الدعاء، ويدخر عنده التنفيذ، ويوجه الخير له على حسب الأصلح له والمفيد ويؤخر
بمقتضى حكمته :
١ - ( قد جعل الله لكل شىء قدراً).
ب- ( فيكشف ماتدعون إليه إن شاء ) .
(٤) احذروا تحريك العنق فى الصلاة يمنة أو بسرة. (٥) فى نسخة: للملتفت.
(٦) فيه الإذن بالالتفات للحاجة فى التطوع، والمع من ذلك فى صلاة الفرض، وفى رواية: ((فإن كان
لابد ففى التطوع لافى الفريضة)) وفى مختار الإمام مسلم ص٣١ ج ١ نقلا عن النووى: ((فإن لم تكن تراه
فإنه يراك)) هذا من جوامع كله صلى اللّه عليه وسلم التى أوتيها، لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام فى عبادة ربه
سبحانه وتعالى لم يترك شيئاً مما يقدر عليه من الخشوع والخضوع، وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه
على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أنّى بها ، فقال صلى الله عليه وسلم: اعبد الله فى جميع أحوالك
كعبادتك فى حال العيان . والمقصود الحث على الإخلاص فى العبادة، ومراقبة العبد ربه تعالى فى إتمام الخشوع
والخضوع ، ولذا ندب مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانها من تلبسه بشىء من النقائص احتراما لهم واستحياء
منهم فكيف بمن لايزال الله تبارك وتعالى مطلعا عليه فى سره وعلانيته اهـ ص ٣٧ ج ١.
ولن تجد فى الحياة ألذ من وقوف الإنسان أمام المنعم المتفضل عليه بالخير والبر فيحمده ، ويشكر فضله ،
وسبيل ذلك أداء الصلاة التى طلبها الله تعالى، وأمر بها فى كتابه، وأخبر أن آياته تشرح صدر المصلين ،
وتقر عين المزكين ، ونراس الهداية للعاملين المحسنين الذاكرين . قال تعالى :

٣٧٢
الترهيب من الالتفات فى الصلاة
وَفِى رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ قَمَ
فى الصَّلاَةِ فَالْتَقَّتَ (١) رَدَّ اللّهُ عَلَيْهِ(٢) صَلاَتَهُ.
٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: لاَيَزَالُ اللهُ مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ(٣) بِوَجْهِهِ
١ - ( تلك آيات الكتاب الحكيم ٢ هدى ورحمة للمحسنين ٣ الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة
هم يوقنون ٤ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ٥) من سورة لقمان .
إن اسم الإشارة عائد على الفائزين المهتدين. لماذا؟ لأن خلالهم أداء أوامر الله على أن لقمان الحكيم الذى
عاصر سيدنا داود عليه السلام كان من نصائحه بعد توحيد الله جل وعلا المحافظة على إقامة الصلاة .
ب - ( يا بنى أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور)
١٨ من سورة لقمان .
قال البيضاوى : (أقم الصلاة) تكميلا لنفسك (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر) تكميلا لغيرك. هذه
نصيحة رجل حنكته التجارب ، وعلمته طاعة الله أن يرشد ابنه إلى الصلاة لأنها تكسوه الكمال والجمال والبهاء
والهناء ويأمره بالصبر (واصبر على ما أصابك) أى فى ذات الله تعالى إذا أمرت بمعروف، ونهيت عن منكر
أو اصبر على ما أصابك من المحن، فإنها تورث المنح ، إن الذى وصيتك به ( من عزم الأمور) أى مما عزمه
الله من الأمور، أو قطعه قطع إيجاب وإلزام، وأمر به أمراً حتما اه نسفى ص ٢١٦ . والمراد بالصبر:
التسليم لأحكام اللّه تعالى، والرجوع فى كل الأمور لله جل شأنه، فالصلاة يا أخى عماد الدين قدمها لقمان
أولا، وفى سبب مناجاة الله تعالى. واعلم أن الالتفات مضيعة الثواب، وإعراض عن الله جل جلاله ، وباب
الخير، ومصدر العز)، وشمس الاستقامة، والتسلية للنفس، وسلوانها عند الشدة، وقد أمر الله تعالى بها
حبيبه سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم عند ماذكر سيدنا موسى عليه السلام الكتاب وأعمال فرعون معه ،
ونصر اللهله. قال تعالى: (ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بنى إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولى الألباب
فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى والإبكار) والإبكار: الفجر، والعشى:
الظهر ، والعصر ، والمغرب، والعشاء، وإن شاهدنا (وسبح) أى دم على التسبيح والتحميد لربك ، وقيل
صل لهذين الوقتين ، إذ كان الواجب بمكة ركعتين بكرة، وركعتين عشيا، وإن ثلاث خلال حميدة أمرنا الله بها
ترفع الرجال إلى مراتب الكمال : الصبر على المكاره لله، وطلب المغفرة من الله، والصلاة لله عز شأنه فاصبر
ياحد حتى يأتى النصر من ربك كما نصر الأنبياء من قبل، واطلب المغفرة لأمتك ليستنوا بك ويتأسوا. قال
الشاعر فى الصبر والحزم ص ٣٠٧ ج ٢ أمالى :
إذا اشتملت على اليأس القلوب
وضاق بما به الصدر الرحيب
وأرست فى مكامنها الخطوب
وأوطنت المكاره واطمأنت
الأريب
ولا أغنى بحيلته
ولم تر لانكشاف الضر وجهاً
المستجيب
يمن به اللطيف
أتاك على قنوط منك غون
القريب
فقرون بها الفرج
وكل الحادثات وإن تناهت
(١) حرك وجهه، ولقت بعنقه يمنة ويسرة.
(٢) لم يقبلها، ولا ثواب له ، ولم يؤد الفرض.
(٣) سبحانه يتجلى برحته على عبده، ويخيظه بأنواره مدة خشوعه وعدم التفاته وطهارته ، فإذا التفت
أو أحدث زالت ظلة الرحمة عنه، وبعدت بركات ربه المحيطة به .

٣٧٣
الترهيب من الالتفات فى الصلاة
مَالَمَّ يَلْتَفَتْ أَوْ يُحْدِثْ. رواه الطبرانى فى الكبير موقوفًا عن أبى قلابة عن ابن مسعود
ولم يسمع منه.
١٠ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِى هُرَيْرةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
إِذَا قَامَ أَحَدُ كمُ إِلَى الصَّلاَةِ فَلْيُقْبِلِ(١) عَلَيْهَاَ حَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، وَ إِنَاكُمُ وَالِأَلْتِفَتَ(٢)
فى الصَّلاةِ، فَإِنَّ أَحَدَ كُمُ يُنَحِى (٢) رَبَّهُ مَادَامَ فِى الصَّلاةِ(٤). رواه الطبرانيّ فى الأوسط.
١١ - وَعَنْ أُمَّ سَةَ بِنْتِ أَبِي أُمَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا زَوْجِ الَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم
أَّهَ قَلَتْ: كَانَ النّاسُ فى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا فَمَ المُصَلَّى يُصَلِّى لَ يَعْدُ(٥)
بَصَرُ أَحَدِهِمْ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ، فَتُؤُفَّىَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، فَكَنَ النَّاسُ
إِذَا قَمَ أَحَدُهُمْ يُصَلَّى لَ يَعْدُ بَصَرُ أَحَدِهِمْ مَوْضِعَ جَبِيِنِهِ، فَتُوُفَىَ أَبُو بَكْرٍ رَضِىَ الهُ
عَنْهُ، فَكَنَ مُمَرُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، فَكَانَ النَّاسُ إِذَا قَمَ أَحَدُهُمْ يُصَلَّى لَمَ يَعْدُ بَصَرُ
أَحَدِهِمْ مَوْضِعَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ تُوفّىَ عُمَرُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، فَكَنَ عُثْنُ بْنُ عَفَّانَ رَضِىَ اللهُ
عَنْهُ وَ كَانَتِ الْفِتْنَةُ، فَتَلَقَّتَ النَّاسُ يَمِينَاً وَشِمَلاً. رواه ابن ماجه بإِسناد حسن إلا أن
موسي بن عبد الله بن أبى أمية المخزومى لم يخرّج له من أصحاب الكتب الستة غير ابن ماجه ،
ولا يحضر ني فيه جرح ولا تعديل ، والله أعلم.
(١) يتم ركوعها وسجودها وآدابها .
(٢) احذروا الالتفات واجتنبوه .
(٣) يحادثه ويسأله ويدعوء، ويتضرع إليه جل وعلا.
(٤) مادة وجوده فى الصلاة.
(٥) لم يتجاوز، بمعنى أن بصره طول صلاته نحو سجوده ومكان وضع جبهته، واستمر هذا عادة فى زمن
سادتنا أبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم، ثم جاءت فتنة قتل سيدنا عثمان رضى الله عنه فذهب خشوع بعض
المسلمين ، فالتفتوا فى صلاتهم .
قال الطيبي : المعنى من التفت ذهب عنه الخشوع فاستعير لذها به اختلاس الشيطان تصويراً لقبح تلك الفعلة
أو أن المصلى مستغرق فى مناجاة ربه، وأنه تعالى يقبل عليه، والشيطان كالراصد ينتظر فوات تلك الحالة عنه.
فإذا التفت المصلى اغتنم الفرصة ، فيختلسها منه. اهـ، وقال ابن بزيزة: أضيف إلى الشيطان لأن فيه انقطاع!
من ملاحظة التوجه إلى الحق سبحانه وتعالى، وقال أبو ثور : إن التفت ببدنه كله أفسدصلاته ، وإذا التفت
عن يمينه أو شماله مضى في صلاته اهـ. (٦) فى النسخة المطبوعة: فالتفت، ومحح على ع ص ١٧٧.

٣٧٤
الترهيب من مسح الحصى وغيره فى موضع السجود الخ
الترهيب من مسح الحصى وغيره فى موضع السجود
والنفخ فيه لغير ضرورة
١ - عَنْ أَبِ ذَرِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ صلى اللهُ عليه وسلمٍ قَالَ: إِذَا قَامَ
أَحَدُ كُمُ فِى الصَّلاَةِ فَلاَ يَمْسَحِ (١) الَحَصِى، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ. رواه الترمذى وحسنه
والنسائىّ، وابن ماجه ، وابن خزيمة ، وابن حبان فى صحيحيهما ، ولفظ ابن خزيمة :
إِذَا قَمَ أَحَدُ كُمُ فِى الصَّلاَةِ ، فَإِنَّ الرَّْمَةَ (٢) تَوَاجِهُهُ فَلاَ تُحَرِّ كُوا الْحَمْي . رووهِ
كلهم من رواية أبى الأحوص عنه .
٢ - وَعَنْ مُعَيْقِيبٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: لاَ تَمْسَحٍ
الْخْصِى وَأَنْتَ تُصَلِّى، فَإِنْ كُنْتَ لاَ بُدَّ فَعِلاً فَوَاحِدَةً(٣) نَسْوِيَةُ الْصَا. رواه البخارى
ومسلم والترمذى والنسائى، وأبو داود ، وابن ماجه.
٣ وَعَنْ جَابِرٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ الْنِّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم عَنْ مَسْحٍ
الْطي فى الصَّلاَةِ، فَقَالَ: وَاحِدَةً وَلَأَنْ تُمْسِكَ عَنْهَا خَيْرٌ لَكَ (٤) مِنْ مِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَاَ
سُودُ الْدَقِ . رواه ابن خزيمة فى صحيحه .
٤٠ - وَعَنْ أَبِ ضَالِحٍ مَوْلَى طَلْحَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ
زَوْجِ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلمٍ فَأَتَي ذُوِ قَرَابَتِهَاَ شَابٌ ذُوُجَّةٍ (٤) فَمَ يُصَلّى، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ
(١) يريد صلى الله عليه وسلم أن المصلى لا يمسح الحصى عن جبينه رجاء إدراك رحمة الله ورضوانه.
(٢) هذا التعليل يدل على أن الحكمة فى النهى عن المسح أن لا يشغل خاطره بشىء يلهيه عن الرحمة المواجهة
له فيفوته حفظه منها ، وقد روى أن حكمة ذلك أن لايغطى شيئاً من الحصى بمسحه فيفوت السجود عليه وقال
النووى: لأنه ينافى التواضع، ويشغل المصلى ص ٢٨٥ ج ٢ نيل الأوطار.
(٣) فى نسخة: تسوية الحصى ص ١٢٢ د. أى أمسح مسحة واحدة، أو فواحدة تكفيه وفيه الإذن
بمسحة واحدة عند الحاجة خشية ضرر أو لحوق أذى ، وحكى النووى فى شرح مسلم اتفاق العلماء على كراهته
قال القاضى : وكره السلف مسح الجبهة فى الصلاة .
(٤) أباح لك صلى الله عليه وسلم أن تمسح واحدة، وأخبراك أن الرجوع عن فعلها خير لك من أن
تتصدق بمائة ناقة كلها سود الحدق: أى أعينها سليمة سوداء، وهى حيحة الجسم، والتحديق : شدة النظر
والحدقة: العين . ومنه حديث معاوية بن الحكم: فدقى القوم بأبصارهم، أى رمول بجدقيم.
(٥) الجمة من شعر الرأس : ماسقط على المنكبين، وفيه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جة بعد.
والمعنى جاء شاب كثر شعره على منكبيه، وهو قريب السيدة أم سلمة رضى الله عنها، وعند سجوده

٣٧٥
الترهيب من وضع اليد على الخاصرة فى الصلاة
يَسْجُدُ نَخَ، فَقَلَتْ: لاَتَفْعَلْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانَ يَقُولُ لِغُلَمٍ
أَذَا أَسْوَدَ: يَارَبَاحُ تَرِّبْ وَجْهَكَ(١) . رواه ابن حبان فى صحيحه
ورواه الترمذى من رواية ميمون أبى حمزة ، عن أبى صالح ، عن أم سلمة قالت :
رَأَى الَِّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم غُلاَمَاً لَنَا يُقَالُ لَهُ أَفْلَحُ إِذَا سَجَدَ نَفَخَ(٢)، فَقَالَ:
يَا أَفْلَحُ تَرِّبْ وَجْهَكَ . وَتَقَدَّمَ فى الثَّْغِيبِ فِى الصَّلاَةِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ :
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم :
مَامِنْ حَالَةٍ يَكُونُ الْعَبْدُ فِيهَا أَحَبُّ إِلى اللهِ مِنْ أَنْ يَاهُ سَاحِدًا (٢) يَعَفِّرُ وَجْهَهُ
فى التَّرَابِ . رواه الطبرانىّ.
الترهيب من وضع اليد على الخاصرة فى الصلاة
١ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: نُعِىَ عَنِ الْخَصْرِ (٤) فى الصََّةِ. رواه
البخارى ومسلم والترمذى ، ولفظهما :
أَنَّ الَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم نَهى أَنْ يُصَلّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِيرًا (٥). والنسائىّ نحوه
فى صلاته نفخ : أى أخرج هواء شديداً من ثمه ليزيل التراب الموجود فى مكان سجوده ، فتهته رضى الله عنها
وقالت: (لا تفعل) واستدلت بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لخادمها رباح وأنه دعا لهصلى الله عليه وسلم
باليمن والبركة والعز بما يصيب جبهته عند السجود، وجميمة : تصغير جمة ، ومنه حديث عائشة حين بنى بها
رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: وقد وفت لى جميمة، أى كثرت، وحديث: ((لعن الله المجممات من
النساء )) من اللآفى يتخذن شعور هن جمة تشبيهاً بالرجال اه نهاية.
(١) أى وفقك الله وأغناك، وأراد صلى الله عليه وسلم أن يدعوله بكثرة السجود والطاعات وفى النهاية
ومنه حديث « لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبابا ولاتخاشاً، كان يقول لأحدنا عند المعاتبة: تربت
جبينه)) قيل : أراد به دعاء له بكثرة السجود . اهـ .
(٢) يخرج من فمه هواء شديداً ليزيل التراب
الذى يسجد عليه، فناداه صلى الله عليه وسلم: ((بأرباح ترب وجهك)» أى ضع وجهك على التراب ليأخذ
بركة السجود عليه، وينال قسطا من التواضع والخير، هذا إذا كان (ترب) فعل أمر: أى جملة أمرية. أما
إذا كان (ترب وجهك) جملة ماضية، فتكون دعاء بطلب التوفيق له والإعانة على كثرة الصلاة ليزداد ثوابا
وبركات ، والله أعلم بالرواية. (٣) واضعاً جبهته على الأرض يصبيها غبار الأرض (يعفر) يترب، ومنه
الحديث العافر الوجه فى الصلاة: أى المغرب، وحديث أبي جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهر؟، يريد به
سجوده على الأرض . (٤) وضع اليد فى الخاصرة، والوقوف بلا أدب، والتكبر والغطرسة. هذا
-معنى الخصر والاختصار. (٥) قال النووى: الصحيح الذى عليه المحققون والأكثرون أنه هو الذى يصلى

٣٧٦
الترهيب من المرور بين يدى المصلى
وأبو داود، وقام يعنى: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى خَصِرَتِهِ.
٢ - وَعَنْهُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْأُخْتِصَارُ"
فى الصَّلاةِ رَاحَةُ (١) أَهْلِ النَّارِ. رواه ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحه .
الترهيب من المرور بين يدى المصلى
١ - عَنْ أَبِى الْمِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْخَارِثِ بْنِ الصَِّّةِ الْأَنْصَارِىِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسلم: لَوْ بَعْلَمُ الَاءُ بَيْنَ يَدَىِ المُصَلِى مَاذَا عَلَيْهِ
لَكَنَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لاَ أَدْرِى.
قالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً(٢). رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذىّ
والنسائي وابن ماجه. ورواه البزار ، ولفظه:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسَلم يَقُولُ: لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَىِ المَصَلِّى مَاذَا
عَلَيْهِ لَكَنَ لَأَنْ يَقومَ أَرْبِينَ(٣) خَرِيفاً خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَرِجَالُهُ
رِجَالُ الصَّحِيحِ. قال الترمذيّ: وقد روى عن أنس أنه قال :
لَأَنْ يَقِفَ (٤) أَحَدُ كُمِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بْنَ يَدَىْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلَى.
٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَ يْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
ويده على خاصرته . وقال الهروى: قيل هو أن يأخذ بيده عصاً يتوكأ عليها، وقيل أن يختصر السورة،
فيقرأ من آخرها آية أو آيتين، وقيل: هو أن يحذف، فلا يؤدي قيامها وركوعها وسجودها وحدودها،
والصحيح الأول، قيل: ثهى عنه لأنه فعل اليهود، وقيل: فعل الشيطان، وقيل: لأن إبليس هبط من الجنة
كذلك، وقيل: لأنه فعل المتكرين له من ٣٦ بشة في ن ط الجهيم وأن يهمن أربعين خيراً.
(١): أى إن فعل اليهود في صلاتهم، وهم أهل النار على أنه ليس لأجلُ البار الذين ثم خالدون فيها راحة
اهنهاية أتى وقوت أهل النار فى تعامل وجزع، ووضع اليد على الجنسي.
(٢) قال النووي: معناه لو يعلم ماعليه من الإثم لاختار الوقوف أربعين على ارتكاب ذلك الإثم. ومعنى.
الحديث النهى الأكيد، والوعيد الشديد فى ذلك أهص ٢٢٥ - ٤.
(٣) سنة: أى ينتظر هذه المدة من السنين خير له من أن يقتحم الصفوف، وبمر أمام المصلى، ما هذا
الأدب! رجل واقف أمام الله ، يناجى الله، ويدعو الله، يحترم ويعظم ويهاب فلا يمر عليه وانتظار انتهاء.
صلاته سنين عديدة خير من أن يمر فيرتكب الذنوب فيحاسب حسابا عسيراً .
(٤) والله لانتظار أحدكم مائة سنة أفضل وأحسن من المرور أمام المصلى أخيك.

٣٧٧
الترهيب من المرور بين يدى المصلى
لَوْ يَْلَمُ أَحَدُ كُمُ مَالَهُ(١) فِى أَنْ يَمْشِيَ بَيْنَ يَدَىْ أَخِيهِ مْتَرِضًا وَهُوَ يُنَحِى رَبَّهُ لَكَنَ
أَنْ يَقِفَ فى ذُلِكَ الَقَمِ مِائَةَ عَامٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْخَطْوَةِ الَّتِى خَطَهَا. رواه ابن ماجه
بإسناد صحيح ، وابن خزيمة ، وابن حبان فى صحيحيهما ، واللفظ لابن حبان .
٣ - وَعَنْ أَبِ سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم يَقُولُ: إِذَا صَلَى أَحَدُ كُمُ إِلَى شَىْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَحْتَازَ بَيْنَ
يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْ(٢) فِى نَحْرِهِ، فَإِنْ أَبِى فَلْيُقَاتِلَهُ، فَإَِّ هُوَ شَيْطَانٌ (٣) ، وَفِى لَفْظٍ آخرَ:
إِذَا كَانَ أَحَدُ كُمُ يُصَلّى فَلاَ يَدَعْ (٤) أَحَدًا يَمُ بْنَ يَدَيْهِ وَلْيَدْرَأْهُ(٥) مَا اُسْتَطَاعَ ، فَإِنْ
أَبَى(٦) فَلْيُقَتِلْهُ، فَإِنَّ هُوَ شَيْطَانٌ. رواه البخارى ومسلم، واللفظ له وأبو داود نحوه
[ قوله وليدرأه ]: بدال مهملة : أى فليدفعه بوزنه ومعناه .
(١) أى الشىء الذى يناله، والخطايا التى يرتكبها عند المشى أمام المصلى، وأن الانتظار أفضل.
تأمل ياأخى: كيف رفعت الصلاة من قدر الإنسان وزادته هيبة وإجلالا ، حقا إنها إحدى الخصال الثلاث
فى المؤمنين الذين يتاجرون مع الله فيربحون، وينتظرون المواسم فيجدون فى الاتجار بخالص الأعمال مع الغنى
الكريم. سبحانه يكافئ من أحسن الصلاة بدار لا يفنى نعيمها، ولا ينقص عيشها. قال تعالى :
(إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور ٢٨ إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة
وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ٢٩ ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور
شكور) ٣٠ من سورة فاطر .. أى يتلون قرآنه ويصلون وينفقون سرا فى الصدقة المسنونة وجهرا فى المفروضة
(٢) فليمنع وليضرب. قال النووى: والأمر بالدفع ندب متأكد. قال القاضى عياض: وأجمعوا على أنه لا يلزم
مقاتلته بالسلاح ، ولا ما يؤدى إلى هلاكه ، فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء،
وهل يجب ديته أم يكون هدراً ؟ فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان فى مذهب الإمام مالك رضى الله عنه. قال
واتفقوا على أن هذا كله لمن لم يفرط فى صلاته بل احتاط، وصلى إلى سترة أو فى مكان يأمن المروربين يديه،
وكذا اتفقوا على أنه لا يجوز المشى إليه من موضعه ليرده، وإنما يدفعه ويرده من موقفه لأن مفسدة المشى
فى صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه، وإنما أبيح له قدر ماتناله يده من موقفه ، ولهذا أمر بالقرب
من سترته ، وإنما يرده إذا كان بعيداً منه بالإشارة والتسبيح، وكذلك اتفقوا على أنه إذا مر لا يرده لئلا
يصير مروراً ثانياً إلا شيئاً .
روى عن بعض السلف أنه يرده وتأوله بعضهم اهـ، وقال النووى: قال أصحابنا : برده إذا أراد المرور
بينه وبين سترته بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشدها، وبى أدى إلى قتله فلا شيء عليه كالصائل عليه لأخذ
نفسه أو ماله، وقد أباح له الشرع مقاتلته، والمقاتلة : المباحة لاضمان فيها اهـ ص ٤ ٢٢ ج ٤ شرح مسلم .
(٣) قال القاضى: قيل: معناه إنما حمله على مروره وامتناعه من الرجوع الشيطان، وقيل: معناه يفعل
فعل الشيطان لأن الشيطان بعيد من الخير، وقبول السنة ، وقيل: المراد بالشيطان القرين . اهـ .
(٤) فلا يترك ولا يسمح. (٥) وليدفعه بقدر طاقته. (٦) امتنم .

٣٧٨
الترهيب من ترك الصلاة تعمدا وإخراجها عن وقتها تهاونا
٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِبْنِ مُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَ أَن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ:
إِذَا كَانَ أَحَدُ كُمُ يُصَلَّى فَلاَ يَذَعْ أَحَدًا يَمُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ أَبِي فَلْيُقَتِلْهُ، فَإِنَّ مَعَهُ
الْقَرِينَ(١) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، وابن خزيمة فى صحيحه.
٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِ و رَضىَ اللهُ عَنْهُمَ قالَ: لَأَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ وَمَادًا(٢)
يُذْرَى (٣) بِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ رَجُلٍ مُتَعَمّدًا (٤) وَهُوَ يُصَّى. رواه
ابن عبد البر فى التمنيد موقوفًا.
الترهيب من ترك الصلاة تعمدا وإخراجها عن وقتها تهاونا
١ - عَنْ جَابِرِ بْنٍ عَبْدِ اللهِرَضِىَ اللهُ عَنْهُمَاَ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم: بَيْنَ الرَّجُلِ (٥) وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ رواه أحمد ومسلم وقال:
بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشَّرْكِ وَالْكُغْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ. وأبو داود والنسائى ولفظه:
لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ، وَبَيْنَ الْكُعْرِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلاَةِ. والترمذى، ولفظه قالَ :
بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ تَرْكُ الصَّلاَةِ. وابن ماجه ولفظه قالَ:
بَيْنَ الْعَبْدِ (٦) وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ.
٢ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ:
(١) مصاحب الشر، وهو الشيطان اللازم للإنسان، ومنه حديث: ((ما من أحد إلا وكل به قرينه؟
أى مصاحبه من الملائكة والشياطين، فإن كل إنسان معه قرين منهما، فقريته من الملائكة يأمره بالخير،
وبحثه عليه ، وقرينه من الشياطين يأمره بالشر، ويحثه عليه. اهـانهاية من ٢٤٩.
(٢) رماداً دقيقاً ينتشر .
(٣) يسفى وينتشر، ويترك فى الهواء الملاه . ذروت الشىء : طيرته
وأذهبته، وبابه عدا، وذرت الريح التراب من باب عدا ورمى: سفته، ومنه قولهم : ذرى الناس الحنطة
تذرية، والذرى: خشبة بارى بها، وتقى بها الأكياس.
(٤) قاصداً أن عن عليه ، فإذا مها أو فى غفر الله له، وعنا منه.
(٥) بين السلم وبين الإخاء ، وإنكار هم الله، والإشراك به درجة واحدة هى تعمد اجتناب الصلاة
وعدم إقامتها. والمعنى والله أعلم أن إقامة الصلاة وكن الإسلام، وتاركها متعمداً كافر وزنديق ومشرك،
وإن مات مات على في الإسلام، ولا بدفن فى مقابر الامين، ولا يصلى عليه، وتركيا كسلا يجر إلى نسيان
ف انه ، وبعد عن رحمة الله وجلب ضمة الله وهل على سوء الخاصة.
(٦) الطيم المؤمن القريبة ،

٣٧٩
الترهيب من ترك الصلاة تعمدا وإخراجها عن وقتها تهاونا
الْعَهْدُ الَّذِى بَيْنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاَةُ، فَمَنْ تَرَكَهَاَ فَقَدْ كَفَرَ (١). رواه أحمد وأبو داود
والنسائىّ والترمذى، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه ، وابن حبان فى صحيحه،
والحاكم وقال : صحيح ، ولا نعرف له علة .
٣ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَوْصَانِى خَلِيلِ رَسُولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم بِسَبْعِ خِصَلٍ فَقَالَ: لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَإِنْ قُطْهُمُ(٢) أَوْ حُرِّقْتُمْ ،
أَوْ صُّْتُمْ، وَلَا تَتْرُ كُوا الصَّلاَةَ مُتَعَمَّذِينَ، فمَنْ تَرَ كَهَا مُتَعَمَّذًا فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمِلَّةِ،
وَلَا تَرْ كَبُوا الْمَعْصِيَةَ، فَإِنَّ سَخَطُ (٣) اللهِ، وَلَا تَشْرَبُوا الْمُرَ، فَإِنَّهَ رَأْسُ(٤) الْطَ
كُلِّها الحديث. ورواه الطبراني، ومحمد بن نصر فى كتاب الصلاة بإسنادين لا بأس بهما.
٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقِ الْعُقَيِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ
صلى الله عليه وسلم لَا يَرَوْنَ شَيْتًا مِنَ الْأَعْمَلِ تَرْ كُهُ كُفْرٌ غَيْرَالصََّةِ. رواه الترمذى.
٥ - وَعَنْ ثَوْبَانَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:
بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ الصَّلاَةُ، فَإِذَا تَرَ كَهَاَ فَقَدْ أَشْرَكَ (٥) رواه هبة الله
الطبرى بإسناد صحيح .
(١) جحد فضل الله، وغفل عن ذكر الله ، وباء بالخيبة، ورجع بالخسران، وحرمان ثواب الله
وعطفه ورضوانه. (٢) قتلتم إربا إربا، أو رميتم فى النار، أو وضعتم على جذوع الأشجار وشددتم.
(٣) مجلبة لغضبه.
(٤) أصل، تجر الويلات، وتدعو إلى فعل الموبقات، وهى أس المصائب، وباب الفقر والدعارة.
(٥) عد كافراً بالله وعاصيا لأنه تهجم على تراك أمره. قال النووى: وأما ترك الصلاة فإن كان مشكراً
لوجوبها، فهو كافر بإجماع المسلمين خارج من ملة الإسلام إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يخالط
المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه، وإن كان تركه تكاسلا مع اعتقاده وجوبها كما هو حال كثير من
الناس، فقد اختلف العلماء فيه، فذهب مالك والشافعى رحمهما الله، والجماهير من السلف والخلف إلى أنه
لا يكفر بل يفسق ويستتاب، فإن تاب وإلا قتلناه حدا كالزانى المحصن، ولكنه يقتل بالسيف. وذهب جماعة
من السلف إلى أنه يكفر، وهو مروى عن على بن أبى طالب كرم الله وجهه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد
ابن حنبل رحمه الله، وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وهو وجه لبعض أصحاب الشافعى رضوان الله
عليه . وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزنى صاحب الشافعى رضوان الله عليهما ورحمهما الله أنه
لا يكفر ولا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلى واحتج من قال بكفره بظاهر الحديث الثانى المذكور وبالقياس على
كلمة التوحيد. واحتج من قال لايقتل بحديث: ((لا يحل دم أمرى مسلم إلا بإحدى ثلاث)» وليس فيه الصلاء
واحتج الجمهور على أنه لا يكفر بقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) ولقوله
صلى الله عليه وسلم ((من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة. من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة

٣٨٠
صفة الصلاة المطلوبة شرعا
٦ - وَرُوِىَ عَنْ أَبِ هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وَسلم: لَاسَهْمَ(١) فِى الْإِسْلاَمِ لِنْ لَا صَلاَةَ لَهُ، وَلاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ. رواه البزار.
ولا يلقى الله تعالى عبد بهما غير شاك فيحجب عن الجنة، حرم الله الار على من قال: لا إله إلا الله)» وغير
ذلك ، واحتجوا على قتله بقوله تعالى (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة خلوا سبيلهم ) وقوله صلى الله
عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ؛ فإذا فعلوا
ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم)) وتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم: ((بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة))
على معنى أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر وهى القتل ، أو أنه محمول على المستحل، أو على أنه قد يئول
به إلى الكفر، أو أن فعله فعل الكفار، وانته أعلام . اهـ ص ٧١ ج ٢.
ماعذرك يا تارك الصلاة وقد رأيت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيح إراقة دمك، وضياع مالك
وذهاب قيمتك فى الحياة، حتى قال العلماء : امرأته طالق ، لأنه نقص قدره، وقلت درجته وصار دنيئاً ليس
كفؤا فى نظر الشارع لها ، هذا فى الدنيا، فما بالك فى الآخرة عند سؤال الله لك عن سبب تركها ، وما الذى
ينجيك من شدائد يوم القيامة، وهل قرأت قول الله تعالى يضرب مثلا للعابد المتهجد الخائف من أهوال القيامة.
والراجى فضل ربه ، قال تعالى :
١ - ( أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) هل يتساوى أيها العقلاء
من يسهر طول ليله فى عبادة ربه كمن هو ضده كافر أو غافل أو تارك ( قانت ) قائم بوظائف الطاعات
ساعة الليل .
ب - ( وما يستوى الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ قليلا ماتتذكرون ) ٥٩ أى
لايتساوى الغافل والمستبصر العامل والمحسن المسىء وإن تذكر المسلمين فى هذا الفرق قليل (إن الساعة
لآتية لاريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) ٦٠ من سورة المؤمن. أجمع الرسل على الوعد بوقوعها
ولكن لا يصدق المؤمنون أكثرهم لقصور نظرهم .
ج - ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون) نزلت فى المرضى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة
كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون ، فاتق الله وصل عسى إن عجزت تسامح وتؤجر.
(١) أى لا نصيب له فى خير الإسلام لأنه مشرك، والسهم فى الأضل واحد السهام التى يضرب فى الميسر،
وهى القداج ، ثم سمى به فليفوز يه الفالج سهمه ثم كثر حتى سمى كل نصيب سهماً، ومنه حديث كان النبى
صلى الله عليه وسلم ينهم من الغنيمة بنهد أبو تاب، فأنت ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفى توزيع الخير
على تارك الصلاة، ويجعله معدوما عند إعطاء الجائز أو الغنائم. هذا إلى أنه مذموم، وجاره إن رضى به
مذموم ، وصاحبه مذموم. نفى صلى الله عليه وسلم الإيمان وهو التصديق بوجود الله جل وعلا، والثقة به
من الخائن لأنه لاضمير يحاسبه أمام الله فيخهاه جل وعلا لأنه لا يرد الأمانة، ولا يحفظها فى حرز مثلها،
ويردها عند طلبه ، ويل له عند الله جزاء غدره ونكثه، ثم نفى صلاة النجس غير الطاهر المتوضئء ، ثم نفى
صلى الله عليه وسلم الدين عن تارك الصلاة كما قال صلى الله عليه وسلم: ((الصلاة عماد الدين)) والدين:
الطاعة والعبادة والعقيدة الموصلة إلى توحيد الله، وتنفيذ أوامره، واجتناب مناهيه، وقد شبه صلى الله عليه
وسلم الصلاة بالرأس، والدين بالجسم ، ولا يصح الجسم بلا رأس، وإن عدم الرأس على الجسم وفنى ، كذلك ترك
الصلاة تذهب لباب الدين ، وتضيع صفوته، وتزيل خلاصته ، وتعدم وحدته، فلا يعطيه الله ثوابا موصلا
اللجنة إن عمل صالحاً غير الصلاة ، فكأن الصلاة محور الطاعة، ومحط رجال العباد. وهى ثانى قنطرة يسأل عنها