Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
كتاب القضاء
الآخر: تحت شجرة تفاح. فعرف كذبهم))(١).
هذا الحديث رواه البيهقي(٢) من رواية أبي إدريس في قصة سوسن
قال: ((كان دانيال الَّه أول من فرق بين الشهود، فقال لأحدهما: ما
الذي [رأيت](٣) وما الذي شهدت؟ قال: أشهد بالله أني رأيت سوسن
تزني في البستان برجل. قال: في أي مكان؟ قال: تحت شجرة كمثرى.
ودعا الآخر قال: بم تشهد؟ قال: أشهد أني رأيت سوسن تزني بالبستان
تحت شجرة التفاح. قال: فدعا الله عليهما فجاءت من السماء نار
فأحرقتهما وأبرأ الله سوسن)).
فائدة: دانیال هذا يقال فيه دانیا- بحذف اللام- كما حكاه صاحب
العين، وإن كان خلاف المشهور، وهو ممن آتاه الله الحكمة والنبوة،
وكان في أيام بختنصر، قال أهل التاريخ: أسره بختنصر مع من أسره
وحبسهم، ثم رأى بختنصر رؤيا أفزعتهم وعجز الناس عن تفسيرها
ففسرها دانيال فأعجبته فأطلقه وأكرمه، وقبره بنهر السوس. هذا آخر
الكلام على أحاديث الباب.
وأما آثاره فخمسة عشر
الأول: ((أن عمر لما بعث ابن مسعود قاضيًا على الكوفة كتب له
كتابًا))(٤).
ولا يحضرني الآن(٥).
(١) (الشرح الكبير)) (٥٠٨/١٢).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٢٣٥/٨).
(٣) في ((أ)): قلت. والمثبت من البيهقي. (٤) ((الشرح الكبير)) (١٢/ ٤٥٠).
(٥) خرجه الحافظ في ((التلخيص)) فانظره هناك.

٦٠٢
البدر المنير
ثانيها: ((أن أبا بكر كان يأخذ من بيت المال كل يوم درهمين)) (١).
ولا يحضرني كذلك، نعم في البخاري (٢) في باب رزق الحاكم
والعاملين عليها ما نصه: ((وأكل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما))(٣) وفي
((سنن البيهقي))(٤) في أبواب قسم الفيء والغنيمة من حديث الحسن ((أن
أبا بكر الصديق خطب ... )) فذكرها ثم قال: ((فلما أصبح غدا إلى السوق
فقال له عمر: أين تريد؟ قال: السوق. قال: قد جاءك ما يشغلك عن
السوق. قال: سبحان الله، يشغلني عن عيالي. قال: تفرض بالمعروف.
قال: ويح عمر، إني أخاف أن لا يسعني أن آكل من هذا المال شيئًا
[قال](٥): فأنفق في سنتين وبعض أخرى ثمانية آلاف، ثم أوصى بردها
بعد موته فردت، فقال عمر: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده تعبًا
شدیدًا».
الثالث: ((أن عمر كان يرزق شريحًا كل شهر مائة درهم))(٦).
ولا يحضرني هذا كذا، نعم في البخاري(٧) في باب رزق الحاكم
والعاملين عليها ما نصه: ((كان شريح يأخذ على القضاء أجرًا)).
الرابع: عن الحسن البصري أنه قال ((في قوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِی
الْأَفَّ﴾ (٨) قال: كان ◌َّهُ غنيًا عن مشاورتهم، وإنما أراد بذلك أن يستن
الحكام بعد هذا الأمر))(٩).
(١) ((الشرح الكبير)) (١٢/ ٤٥٧).
(٢) ((صحيح البخاري)) (١٣/ ١٦٠).
(٣) قال في حاشية ((أ)): وقد وصلته في ((تعليق التعليق)) من طرق.
(٥) من ((السنن)).
(٤) ((السنن الكبرى)) (٣٥٣/٦).
(٦) ((الشرح الكبير)) (١٢ / ٤٥٧).
(٨) آل عمران: ١٥٩.
(٧) ((صحيح البخاري)) (١٦٠/١٣).
(٩) ((الشرح الكبير» (٤٦٥/١٢).

٦٠٣
كتاب القضاء
رواه البيهقي في ((سننه)) (١) من حديث سعيد بن منصور، عن
سفيان، عن ابن شبرمة، عنه ((في قوله رَ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ الْأَمَِّ﴾ (٢) قال:
علم الله سبحانه أنه ما به إليهم من حاجة ولكن أراد أن يستن من بعده).
قال الشافعي: أنا سفيان عن الزهري، قال أبو هريرة (٣): ((ما رأيت
أحدًا قط كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ێ)). وروى
البيهقي(٤) من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن
ابن عباس عن ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾(٥) قال: ((أبو بكر وعمر)). وروينا في آداب
الصحبة لأبي عبد الرحمن السلمي من حدیث مخلد بن یزید، عن عباد
ابن كثير، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ((لما نزلت
هذه الآية ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمَِّ﴾(٦) قال النبي ◌َّر: إن الله ورسوله غنیان
عنها ولكن [جعلها الله](٧) رحمة في أمتي، فمن شاور منهم لم يعدم
رشدًا، ومن ترك المشورة منهم لم يعدم غيًّا))(٨).
الخامس: عن شريح أنه قال: ((اشترط عليَّ عمر حين ولّاني القضاء
أن لا أبيع ولا أبتاع ولا أقضي وأنا غضبان))(٩).
(١) ((السنن الكبرى)) (١٠٩/١٠).
(٢) آل عمران: ١٥٩.
(٣) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٠٩/١٠) وقال رواه البخاري في ((الصحيح)).
(٤) ((السنن الكبرى)) (١٠٨/١٠-١٠٩).
(٥) عند البيهقي: في قوله عز وجل ﴿وشاورهم في الأمر﴾.
(٦) آل عمران، ١٥٩.
(٧) في ((أ)): جعلهما. والمثبت من ((الكامل)).
(٨) وأخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٥٤٤/٥) تحت ترجمة عباد بن كثير الرملي، وقال
الحافظ في ((التلخيص)): وهو ضعيف جدًّا.
(٩) ((الشرح الكبير)) (١٢/ ٤٦٦).

٦٠٤
البدر المنير
وهذا الأثر لا يحضرني من خرجه عنه.
السادس: عن مالك، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت القاسم
ابن محمد يقول: ((أتت أمرأة إلى عبد الله بن عباس فقالت: إني نذرت
أن أنحر ابني. فقال ابن عباس: لا تنحري ابنك وكفري عن يمينك. فقال
شيخ عنده جالس: كيف يكون في هذا كفارة؟ فقال ابن عباس: إن الله
يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ﴾ (١) ثم جعل فيه من الكفارات ما قد
رأيت)).
رواه البيهقي في ((خلافياته))(٢) عن مالك.
السابع: عن أبي بكر ((أنه قال في الكلالة: أقول فيها برأيي إن
كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني واستغفر الله))(٣).
هُذا الأثر مشهور عنه، وممن ذكره أبو الطيب الزمخشري
[وغيره] (٤) قال الرافعي: وروي مثله في وقائع مختلفة عن علي وعمر
وابن مسعود ﴾. قال: وخالفت الصحابة أبا بكر في الحد، وعمر في
الشركة.
الثامن: عن عمر ﴾ ((أنه كان يفاضل بين الأصابع في الديات
لتفاوت منافعها، حتى روي له في الخبر التسوية بينها فنقض حكمه))(٥).
هذا الأثر مشهور عنه، روى الشافعي في ((مسنده)) (٦) عن سفيان
(١) المجادلة: ٣.
(٢) ((مختصر الخلافيات)) (١١٢/٥).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٤٧٨/١٢).
(٤) في ((أ)): وغيرهما. وليس ثم الزمخشري، وعزاه الحافظ إلى قاسم بن محمد في
كتاب الحجة ...
(٥) ((الشرح الكبير)) (١٢/ ٤٧٩).
(٦) ((مسند الشافعي)) (ص٢٤١) وأخرجه البيهقي عنه في ((السنن الكبرى)) (٩٣/٨).

٦٠٥
كتاب القضاء
وعبد الوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب ((أن
عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر،
وفي الوسطى بعشر، وفي التي تلي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست))
وإنما رجعوه عنه فحكى أبو سليمان الخطابي في ((المعالم))(١) عن سعيد
ابن المسيب ((أن عمر كان يجعل في الإبهام خمسة عشر ... )) وقد ذكر ما
قدمنا قال: ((وفي الخنصر ستًا، حتى وجد كتابًا عند عمرو بن حزم عن
رسول الله أن الأصابع كلها سواء، فأخذ به)) ولم يذكر الشافعي ﴾ في
(الرسالة)) رجوعه، بل ما قدمناه عنه في ((المسند)) ثم قال: ((وفي كل
إصبع مما هنالك عشر من الإبل)) صاروا إليه، ولم يقبلوا إلى عمرو
ابن حزم حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله و ◌َله بتقوى الله.
التاسع: عنه أيضًا ((أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله
عنهما: لا [يمنعك](٢) قضاء قضيته ثم راجعت فيه نفسك فهديت لرشده
أن تنقضه، فإن الحق قديم لا ينقضه شيء، والرجوع إلى الحق خير من
التمادي في الباطل))(٣).
هذا الأثر رواه الدارقطني(٤) والبيهقي في ((سننه)(٥) وهو كتاب
معروف مشهور لابد للفقهاء من معرفته والعمل به، وقال ابن حزم بعد أن
ساقه من طريقين: وفيه إثبات القياس(٦)، لا يصح؛ لأن في سنده عبد
(١) ((معالم السنن)) (٢٦/٤).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٤٧٩/١٢).
(٢) من الدار قطني والبيهقي.
(٤) ((سنن الدارقطني)) (٢٠٦/٤-٢٠٧).
(٥) ((السنن الكبرى)) (١١٩/١٠).
(٦) كذا لفظه في ((أ) وكلام ابن حزم من ((الأحكام)) (٢/ ٤٤٣) تحت باب ((إبطال القياس
في أحكام الدين)) وليس فيه هذا اللفظ، لكن من لازم قول ابن حزم.

٦٠٦
البدر المنير
الملك بن الوليد بن معدان، وهو كوفي متروك ساقط بلا خلاف
ومجهول. قال: وطريقه الآخر فيه مجاهيل وانقطاع. قال: فبطل القول به
جملة.
العاشر: عن علي ﴾ ((أنه نقض قضاء شريح بأن شهادة المولى لا
تقبل بالقياس الجلي، وهو أن ابن العم لا تقبل شهادته مع أنه أقرب من
المولى))(١).
هُذا لا يحضرني من خرجه عنه.
الحادي عشر: عن عمره ((إذا حكم بحرمان الأخ من الأبوين في
الشركة، ثم شرك بعد ذلك، وقال: ذلك على ما قضينا، ولهذا ما نقض.
ولم ينقض قضاءه الأول))(٢).
هذا الأثر رواه الدارقطني(٣) والبيهقي(٤) وغيرهما من حديث
الحكم بن مسعود الثقفي قال: ((شهدت عمر بن الخطاب أشرك الإخوة
من الأب [والأم](٥) مع الإخوة من الأم في الثلث، فقال له رجل: لقد
قضيت عام أول بغير هذا. قال: [فكيف](٦) قضيت؟ قال: جعلته للإخوة
من الأم ولم تجعل للإخوة من الأب والأم شيئًا. قال: تلك ما قضينا
وهذه على ما قضينا)) ووقع في ((الوسيط))(٧) للغزالي هذا الأثر معكوسًا
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٧٩/١٢).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٨٠/١٢).
(٣) ((سنن الدارقطني)) (٨٨/٤ رقم ٦٦).
(٤) ((السنن الكبرى)) (٢٥٥/٦، ١٢٠/١٠) لكن عند الدارقطني والبيهقي في الموضع
الأول: عن مسعود بن الحكم الثقفي. قال البيهقي عقبه: قال يعقوب بن سفيان:
هذا خطأ، إنما هو الحكم بن مسعود.
(٥) من ((سنن البيهقى)).
(٧) ((الوسيط)) (٣٤٣/٤).
(٦) من ((سنن البيهقي)).

٦٠٧
كتاب القضاء
فقال: ((قضى بإسقاط الأخ من الأبوين في مسألة الشركة بعد أن شرك في
العام الأول)) وكذا وقع في ((النهاية)) قال ابن الصلاح: وهو سهو قطعًا،
وإنما هو على العكس شرك بعد أن لم يشرك. كذا رواه البيهقي في
((السنن)) والناس.
قلت: ووقع في ((بحر الروياني)) أنه روى ((أن عمر شرك بين الأخ
من الأب والأم، وبين أولاد الأم، ثم رجع في الأنتهاء، فقال الإخوة من
الأب والأم: هب أن أبانا كان حمارًا ألسنا من أم واحدة؟! فشرك)) وهذا
إن صح يجمع به بين كل من الروايتين السالفتين، نبه عليه ابن الرفعة في
کتاب ((الفرائض)».
الثاني عشر: ((أن عمر ﴾ كانت له درة مؤدبة))(١).
مشهور عنه، ومن ذلك ما رواه الخطيب في كتاب ((أسماء الرواة
عن مالك)) بسنده إلى أحمد بن إبراهيم الموصلي، ثنا مالك، عن يحيى
ابن سعيد، عن محمد بن سعيد بن المسيب، عن أبيه ((أن مسلمًا ويهوديًا
اختصما إلى عمر [فرأى عمر أن الحق لليهودي فقضى له، فقال له
اليهودي: والله لقد قضيت بالحق. فضربه عمر](٢) بالدرة، وقال: ما
يدريك؟ قال: إنا نجد في كتابنا أنه ليس [قاض يقضي بالحق](٣) إلا عن
يمينه ملك وعن يساره ملك، يسددانه ويوفقانه مع الحق، فإذا ترك الحق
ارتفعا وتركاه)) ومن ذلك ما رواه الشافعي في ((مسنده))(2) عن مالك، عن
ابن شهاب، عن ابن المسيب وسليمان بن يسار ((أن طليحة كانت تحت
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٨٥/١٢).
(٢) سقطت من ((أ)) والمثبت من ((الموطأ)) (٥٥٣/٢ رقم ٢).
(٣) في ((أ): حكم يحكم في. والمثبت من ((الموطأ)).
(٤) ((مسند الشافعي)) (ص ١٠٣).

٦٠٨
=
البدر المنير
رشيد الثقفي فطلقها البتة، فنكحت في عدتها، فضربها عمر
ابن الخطاب، وضرب زوجها بالمخفقة)). قال ابن دحية في كتابه
((مرج البحرين)): وأول من ضرب بالدرة وحملها عمر ﴾.
والدرة- بكسر الدال، وتشديد الراء- معرفة، ويقال: المعرفة-
بفتح العين والراء وبالقاف- ذكره صاحب المحكم. والمخفقة أيضًا كما
تقدم.
الأثر الثالث عشر: ((أن عمر ﴾ اشترى دارًا بأربعة آلاف وجعلها
سجنًا))(١).
وهذا الأثر ذكره البخاري(٢) في أثناء باب الخصومات بنحوه فقال:
((واشترى نافع بن عبد الحارث دارًا للسجن بمكة من صفوان بن أمية
على إن عمر رضي فالبيع بيعه، وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة)»
ورواه البيهقي في ((سننه))(٣) من حديث نافع بن عبد الحارث أيضًا ((أنه
اشترى من صفوان بن أمية دارًا للسجن لعمر بن الخطاب بأربعة آلاف)).
وفي رواية ((بأربعمائة)).
فائدة: قال ابن الطلاع في ((أحكامه)): اختلف أهل العلم هل سجن
رسول الله وأبو بكر أحدًا؟ فذكر بعضهم أنه لم يكن لهما سجن، ولا
سجنا أحدًا، وذكر بعضهم ((أن رسول الله وَله سجن بالمدينة في تهمة دم))
رواه أبو داود وكذلك قال، وروي «أنه سجن رجلًا أعتق شركا له في عبد
فوجب عليه استتمام عتقه)) قال في الحديث: ((حتى باع عتقه له)). وقال
ابن سفيان في كتابه: وقد رويت عن النبي ◌ّير ((أنه حكم بالضرب
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٨٥/١٢).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٣٤/٦).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٩١/٥).

٦٠٩
كتاب القضاء
والسجن)). قال ابن الطلاع: وثبت عن عمر ((أنه كان له سجن وأنه سجن
الحطيئة على الهجو، وصَبيغًا التميمي على سؤاله عليًّا في الذاريات
والمرسلات والنازعات، وشبههن، وضربه مرة بعد أخرى، ونفاه إلى
العراق- وقيل: إلى البصرة- وكتب أن لا يجالسه أحد إلى أن مات)).
الأثر الرابع عشر: عن أبي بكر # أنه قال: ((لو رأيت أحدًا على
حد لم أحده حتى يشهد عندي شاهدان بذلك))(١).
وهذا الأثر ذكره الإمام أحمد (٢) بلفظ: «لو رأيت رجلا على حد
من حدود الله - تعالى- ما أخذته، ولا دعوت له أحدًا حتى يكون معه
غيري)» وإسناده صحيح إليه.
الأثر الخامس عشر: ((أن شاهدين شهدا عند عمر فقال لهما :
إني لا أعرفكما، ولا يضركما أن لا أعرفكما، أئتيا بمن يعرفكما. فأتاه
رجل، فقال: تعرفهما؟ قال: بالصلاح والأمانة. قال: كنت جارًا لهما
[تعرف صباحهما ومساءهما ومدخلهما](٣) ومخرجهما؟ قال: لا. قال:
[هل عاملتهما بهذه الدراهم والدنانير التي تعرف بها أمانات الرجال؟
قال: لا. قال: فهل] (٤) صحبتهما في السفر الذي يسفر عن أخلاق
الرجال؟ قال: لا. قال: فأنت لا تعرفهما، أئتيا بمن يعرفكما))(٥).
وهذا الأثر رواه العقيلي في ((تاريخ الضعفاء)) (٦)، والبغوي،
والخطيب في ((كفايته)) (٧)، والبيهقي في ((سننه))(٨) من حديث داود
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٨٨/١٢).
(٢) لم أقف عليه في ((المسند)) وانظر ((التلخيص)) ففيه فوائد أخرى.
(٤) من ((الشرح الكبير)).
(٣) من ((الشرح الكبير)).
(٥) ((الشرح الكبير)) (٥٠٤/١٢).
(٧) ((الكفاية)) (٨٣-٨٤).
(٦) ((الضعفاء)) (٤٥٤/٣-٤٥٥).
(٨) ((السنن الكبرى)) (١٢٥/١٠-١٢٦).

٦١٠
البدر المنير
ابن رشيد، عن الفضل بن زياد، عن شيبان، عن سليمان الأعمش، عن
سليمان بن مسهر، عن خَرَشَةَ - بفتح الخاء المعجمة، ثم راء مهملة، ثم
شين معجمة مفتوحتين، ثم تاء- بن الحر - بضم الحاء المهملة وتشديد
الراء - الفزاري الكوفي قال: ((شهد رجل عند عمر بن الخطاب بشهادة
فقال له: لست أعرفك، ولا يضرك أن لا أعرفك، آئت بمن يعرفك.
فقال رجل من القوم: أنا أعرفه. قال: بأي شيء تعرفه؟ قال: بالعدالة
والفضل. قال: هو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره، ومدخله
ومخرجه؟ قال: لا. قال: فعاملك بالدينار والدرهم اللذين بهما يستدل
على الورع؟ قال: لا. قال: فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم
الأخلاق؟ قال: لا. قال: [لست](١) تعرفه. قال: ائتني بمن يعرفك)) قال
العقيلي: (الفضل بن زياد عن شيبان مجهول بالنقل، ولا يتابع على
حديثه، ولا نعرفه إلا به. قال: وما في الكتاب حديث مجهول أحسن من
هذا)(٢).
قلت: وأما ابن السكن فإنه ذكره في ((سننه الصحاح المأثورة))
فأغرب.
تنبيه: وقع في ((المهذب)): ثم مثناة من تحت ثم مثلثة(٣). وهو
تحريف، قال النووي في ((تهذيبه))(٤): كذا هو في نسخ ((المهذب)) وهو
(١) من ((الضعفاء)).
(٢) لفظه في مطبوعة ((الضعفاء)) بتحقيق قلعجي، وحمدي السلفي -: الفضل بن زياد عن
شیبان لا يعرف إلا بهذا وفيه نظر.
(٣) كذا في ((أ)) وقع سقط من العبارة، والاسم الساقط هو: سليمان بن حريث كما جاءت
من ضبط اسمه، وكذا جاءت تسميته في ((المجموع)) (١٣٤/٢٠).
(٤) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (المجلد الأول/ ٢٣٢/١) (المجلد الثاني/ ٣٢٢/١).

٦١١
كتاب القضاء
تصحيف، وذكر البخاري في ((تاريخه الكبير)) (١) وغيره من العلماء: أن
خرشة كان يتيمًا في حجر عمر بن الخطاب، ومن الرواة عنه المعروفين
بذلك، وليس في هذه الدرجة- أعني درجة من يروي عن عمر من
الصحابة والتابعين- من سمي سليمان بن حريث، فتعين أن المذكور في
((المهذب)) غلط وتصحيف.
باب القضاء على الغائب
ذكر فيه حديثًا واحدًا وهو حديث هند [زوجة](٢) أبي سفيان أنها
قالت لرسول الله وَ﴾ ((إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما
يكفيني ويكفي بني (أفآخذ من ماله ما يكفيني ويكفي بني؟)(٣) فقال ◌َالآن:
خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) (٤).
وهو حديث صحيح أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما)) وقد سلف
في النفقات واضحًا، قال الرافعي: وكان ذلك منه قضاء على زوجها أبي
سفیان وهو غائب.
قلت: وكذا ترجم عليه البخاري في ((صحيحه)): ((القضاء على
الغائب)) لكن ذكر جماعة من المحققين أن ذلك كان فتوى لا قضاء،
وصححه أصحابنا أيضًا، قال النووي في ((شرح مسلم)) (٥): استدل به
جماعات من أصحابنا وغيرهم على جواز القضاء على الغائب ولا يصح
الاستدلال به؛ لأن هذه القصة كانت بمكة، وكان أبو سفيان حاضرًا
(١) ((التاريخ الكبير)) (٢١٣/٣-٢١٤).
(٢) في ((أ)): بنت. وهو خطأ، والصواب المثبت.
(٣) تكررت في ((أ)).
(٥) (شرح صحيح مسلم)) (٨/١٢).
(٤) ((الشرح الكبير)) (١٢ / ٥١١).

٦١٢
البدر المنير
بها، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبًا عن البلد أو مستترًا لا
يقدر عليه أو متعذرًا، ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجودًا، ولا
يكون قضاء على الغائب بل هو إفتاء. هذا آخر كلامه، ونص أبو نعيم
والسهيلي أيضًا على أنه كان حاضرًا حينئذ كما سلف في حد الزنا، وقد
سلف في كتاب النفقات من كلام الرافعي ما يدل على أن ذلك كان إفتاء
لا قضاء، ويوضح ذلك أيضًا أنه العَّا لم يستحلفها أنها لم تأخذ النفقة،
ولم يقدرها بل قال لها: ((خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف))
فجعل التقدير إليها فيما تأخذه، ومعلوم أن ما كان من فرض النفقة على
وجه القضاء لا يكون تقديره إلى مستحقه إلا أن يقال: الواجب قدر
الكفاية. كما هو أحد أقوال الشافعي وهو ظاهر الحديث. وذكر الرافعي
فيه أيضًا حديث ((اغد يا أنيس على أمرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)) وقد
سلف في موضعه.
:

٦١٣
كتاب القضاء
باب القسمة
ذکر فیه رحمه الله حدیثین:
أحدهما
((أنه العَه كان يقسم الغنائم بين المسلمين))(١).
وهذا من المشهور المستفيض الثابت الذي عزوه أشهر من أن
يشتغل به، وقد ورد في ذلك عدة أحاديث، ومنها حديث جابر الثابت في
((الصحيحين))(٢) ((أنه القّ قسم غنيمة بالجعرانة فقال رجل: أعدل. فقال
رسول الله: ويحك إن لم أعدل فمن يعدل)).
الحديث الثاني
((أنه التّ جزأ العبيد الستة الذين أعتقهم الأنصاري في مرض موته
ثلاثة أجزاء))(٣).
وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٤) وستعلمه في
كتاب العتق إن شاء الله، وأشار الرافعي رحمه الله إلى حديث ((لا ضرر
ولا ضرار)) وقد أوضحته في تخريجي أحاديث ((المهذب)) في كتاب
الرهن فسارع إليه.
(١) ((الشرح الكبير)) (١٢/ ٥٤١).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٢٧٤/٦ رقم ٣١٣٨)، ((صحيح مسلم)) (٢ / ٧٤٠ رقم ١٠٦٣).
(٤) ((صحيح مسلم)) (١٢٨٨/٣ رقم ١٦٦٨).
(٣) ((الشرح الكبير)) (١٢/ ٥٥٤).

كتاب الشهادات

٦١٧
كتاب الشهادات
كتاب الشهادات
ذكر فيه رحمه الله أحاديث وآثارًا، أما الأحاديث فخمسة وثلاثون
حديثًا :
أحدها
((أنه وَ يُ سئل عن الشهادة، فقال للسائل: ترى الشمس؟ قال: نعم.
فقال: على مثلها فاشهد أو فدع))(١).
هذا الحديث رواه الحاكم(٢) ثم البيهقي(٣) من حديث طاوس، عن
ابن عباس قال: ((ذكر عند رسول الله وَلقول الرجل يشهد بشهادة، فقال: أما
أنت يا ابن عباس فلا تشهد إلا على أمر يضيء لك كضياء الشمس.
وأومأ رسول الله بيده إلى الشمس)) ورواه ابن عدي(٤) ولفظه عن
ابن عباس ((أن رجلًا سأل رسول الله وَ له عن الشهادة، فقال: ترى
الشمس على مثلها فاشهد أو دع)) قال الحاكم: هذا حديث صحيح
الإسناد.
قلت: فيه نظر، فإن في إسناده محمد بن سليمان بن مسمول وهو
ضعيف، كان الحميدي يتكلم [فيه](٥). وقال النسائي: ضعيف. وقال أبو
(٢) ((المستدرك)) (٩٨/٤-٩٩).
(١) ((الشرح الكبير)) (٤/١٣).
(٣) ((السنن الكبرى)) (١٥٦/١٠).
(٤) ((الكامل)) (٤٢٩/٧) بلفظ الحاكم والبيهقي، أما اللفظ المذكور فهو في ((شعب
الإيمان)) للبيهقي (٤٥٥/٧ رقم ١٠٩٧٤) و((تلخيص الحبير)) (٣٦٣/٤ رقم ٢٦٣٦)
((ونصب الراية)) (٤/ ٨٢).
(٥) من ((التاريخ الكبير)) للبخاري: (٩٧/١).

=
٦١٨
البدر المنير
حاتم الرازي: ضعيف. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه لا
في إسناده ولا في متنه. وقال العقيلي(١) بعد أن أخرجه في ((تاريخ
الضعفاء)): لا يعرف إلا به (٢). وفيه أيضًا عمرو بن مالك البصري، قال
ابن عدي(٣): منكر الحديث عن الثقات ويسرق الحديث، ضعفه أبو
يعلى الموصلي. وقال البيهقي عقب إخراجه له: في إسناده محمد
ابن سليمان بن مسمول تكلم فيه الحمیدي. قال: ولم یرو من وجه یعتمد
عليه. وقال الشيخ تقي الدين القشيري في كتابه ((الإمام)): أخرج أبو حاتم
بن حبان في ((صحيحه)) (٤) لمحمد بن سليمان المذكور.
قلت: فيقوم مقامه الحاكم إذن في تصحيح إسناده، لكن الكل
ضعفوه كما تقدم.
الحديث الثاني
أنه وَّ قال: ((أكرموا الشهود))(٥).
هذا ليس موجودًا في الكتب الستة ولا المسانيد فيما أعلم، إنما
وقفت عليه في أمالي أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي
المعروف بجزء البانياسي (٦) وقد وقع لنا بعد، وأخبرنيه [غير](٧) واحد
(١) ((الضعفاء)) (٧٠/٤).
(٢) انظر ترجمته في ((الميزان)) (٥٦٩/٣ -٥٧٠).
(٣) ((الكامل)) (٢٥٨/٦).
(٤) ((صحيح ابن حبان)) (١٩٦/١٣).
(٥) ((الشرح الكبير» (٤/١٣).
(٦) قال الحافظ في ترجمته من ((اللسان)): وقع لنا جزء البانياسي من حديثه عاليًا، ولا
بأس به إن شاء الله.
(٧) أثبتها لضرورة السياق.

٦١٩
كتاب الشهادات
كتابة وسماعًا عن الفخر بن البخاري منهم الجمال المزي وزين الدين
الرحبي وغيرهما، أنا ابن قدامة وشمس الدين العطار قالا: أخبرنا
ابن البطي، وقال ابن قدامة: أنا ابن تاج القراء، قالا : أنا البانياسي، نا
أحمد بن محمد بن الصلت المجبر، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد
الصمد، نا أبي، نا عمي إبراهيم بن محمد، عن عبد الصمد بن علي
ابن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده قال رسول الله وَ له: ((أكرموا
الشهود فإن الله - رقم - يستخرج بهم الحقوق ويدفع بهم الظلم)). ورواه
أيضًا في مجلس إبراهيم بن عبد الصمد أيضًا نا أبي ... فذكره، وقال:
(يدافع)) بدل ((يدفع)) أخبرنا بها ابن جني سماعًا والمزي، أنا محمد
ابن عبد الباقي السمر قندي، عن ابن النقور وأبي القاسم البغوي وأبي
محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن أحمد بن محمد بن الصلت عنه.
وأخبرنيه أعلى من هذا بدرجة في خبر البانياسي الشيخ الصالح الأصيل
نادرة المعمرين وجيه الدين أبو محمد عبد الرحمن بن الشيخ الجليل
القاضي ناصر الدين أبي الحزم مكي بن القاضي شرف الدين أبي الطاهر
إسماعيل العوفي بالإسكندرية في رحلتي الأولى إليها بقراءتي عليه،
قال: أنبأنا الكاشغري إجازة عامة قال: أنبأنا ابن البطي وابن تاج القراء.
وهو حديث ضعيف؛ لأن في إسناده ضعفاء، أحدهم: أحمد ابن محمد
ابن الصلت المجبر ضعفه البرقاني، قاله الخطيب(١) عنه، قال الخطيب:
وسمعت حمزة بن محمد بن طاهر يقول: كان ديِّنًا صالحًا. قال:
وسمعت عبد العزيز الأزجي يقول: محمد بن الصلت أتى بكتب ابن أبي
الدنيا فحدث بها عن البرذعي - يعني ولم تكن عند البرذعي.
(١) ((تاريخ بغداد)) (٩٤/٥-٩٥).

٦٢٠
البدر المنير
ثانيهم: إبراهيم بن محمد الهاشمي، ذكره العقيلي في كتابه
((الضعفاء))(١) وقال: حديثه غير محفوظ ولا أصل له من حديث الناس.
وذكر له الحدیث.
ثالثهم: عبد الصمد بن علي الهاشمي ذكره العقيلي أيضًا في
((ضعفائه))(٢) وذكر له هذا الحديث ثم قال: حديث غير محفوظ ولا
یعرف إلا به.
قلت: وقد نص غير واحد من الحفاظ على ضعفه فذكره
ابن الجوزي في ((علله)) (٣) بإسناده إلى ابن عباس ذكره بلفظين أحدهما
كما سقناه، وثانيهما: ((أكرموا الشهود بهم تستخرج الحقوق)) ثم قال:
قال الخطيب: تفرد بروايته عبد الصمد بن موسى وقد ضعفوه. وقال
العقيلي: هذا الحديث غير محفوظ. وقال ابن طاهر في ((تخريجه
أحاديث الشهاب)): هذا الحديث رواه عبد الصمد بن موسى وقد
ضعفوه. وقال العقيلي: هذا الحديث رواه عبد الصمد بن موسى، عن
إبراهيم بن محمد الهاشمي، عن آبائه متصلًا إلى ابن عباس، ورواه
إبراهيم بن عبد الصمد عن أبيه، ورواه محمد بن یحیی بن زکریا
الدينوري عن أبي يحيى بن أبي ميسرة، عن عبد الله بن إبراهيم
الهاشمي، عن عمه قال: عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن
أبيه، عن جده، عن ابن عباس. ولم يصنع شيئًا، قال: والمحفوظ عن
ابن أبي ميسرة، عن عبد الصمد بن موسى الهاشمي، عن عمه إبراهيم
ابن محمد. قال: وقال العقيلي: هذا الحديث غير محفوظ. وأورده في
(١) ((الضعفاء)) (٦٥/١).
(٢) ((الضعفاء)) (٨٤/٣).
(٣) ((العلل المتناهية)) (٢/ ٧٦٠-١٦١ رقم ١٢٦٧).