Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب قسم الفيء والغنيمة
((الثقات))(١) وسعيد بن عبد الرحمن ثقة وعبد الله بن أبي أحمد هو
ابن جحش، تابعيُّ.
فهذا إسناد يَقْرُب من الحسن لولا عبد الله بن خالد، وقال النووي
في كتابه ((رياض الصالحين))(٢): إسناده حسن. وكأنه اعتمد في ذلك على
سكوت أبي داود عليه، وأما ابن القطان فضعَّفه حيث قال في ((الوهم
والإيهام))(٣): عبد الله بن خالد ووالده مجهولان، ويحيى بن محمد
المدني إما مجهول، وإما ضعيف إن كان ابن هانئ، وعبد الله بن أبي
أحمد مجهول أيضًا.
قال: وليس بوالد بكير بن عبد الله بن الأشج كما ظنه ابن أبي
حاتم، حين جمع بينهما، والبخاري قد فصل بينهما. قال: وأيهما كان
فحالته مجهولة أيضًا، هذا كلامه.
وكل هؤلاء معلوم العين معلوم الحال كما قررته لك، إلا عبد الله
ابن أبي أحمد(٤)؛ فإني لا أعلم حاله، وأعله عبد الحق(٥)، بوجه آخر،
فقال: المحفوظ عن علي ﴾. وأعله المنذري في ((حواشيه)) بيحيى
ابن محمد المدني، وقد قال البخاري(٦): تُكُلِّم فيه. وقال ابن حبان(٧):
يجب التنكب عَمَّا أنفرد به من الروايات. وذكر هذا الحديثَ العقيليُّ
(١) ((الثقات)) (٢٥٦/٦).
(٢) ((رياض الصالحين)) (٤٩٧-٤٩٨ رقم ١٨٠٠) وقال: رواه أبو داود بإسناد حسن.
(٣) «الوهم والإيهام)) (٣/ ٥٣٧).
(٤) كتب في ((أ)): حاشية: عبد الله بن أبي أحمد أشهرهم. وهو له ترجمة في ((التهذيب))
(١٤/ ٢٩٢-٢٩٣).
(٥) (الأحكام الوسطى)) (٣٢٣/٣).
(٧) ((المجروحين)) (١٣٠/١٣).
(٦) ((التهذيب)) (٥٢٣/٣١).

٣٢٢
البدر المنير
وقال: لا يُتابع علیه یحیی.
قلت: ورُوي من طريق آخر عن عليٍّ، قال الطبراني في ((أصغر
معاجمه))(١): ثنا محمد بن سليمان الصوفي، ثنا محمد بن عبيد
ابن ميمون التبان المديني، حدثني أبي، عن محمد بن جعفر بن أبي
كثير، عن موسى بن عقبة، عن أبان بن تغلب، عن إبراهيم النخعي، عن
علقمة بن قيس، عن عليّ مرفوعًا: ((لا رضاع بعد فصال، ولا يُتم بعد
حلم)).
ثم قال: لم يروه عن أبان إلا موسى بن عقبة، ولا عن موسى إلا
محمد بن جعفر، ولا عن محمد إلا عبيد، تفرد به محمدُ بن سليمان عن
محمد بن عبيد. (ورواه) (٢) أبو داود الطيالسي في ((مسنده))(٣).
قلت: ولحديث علي شواهد من حديث جماعة من الصحابة:
أحدهم: جابر بن عبد الله، رفعه: ((لا يتم بعد حُلُم)).
وهو قطعة من حديثٍ طويل رواه ابن عدي(٤) في ترجمة حرام
ابن عثمان، والرواية عن حرام (حرام)(٥).
ثانيهم: أنس، قال المنذري عقب كلامه السالف: وقد رُوي هذا
الحديث من رواية جابر وأنس، وليس فيهما شيء يثبت.
ثالثهم: حنظلة، رواه الطبراني في ((أكبر معاجمه))(٦) مرفوعًا،
وذكره الحافظ أبو موسى الأصبهاني في كتابه ((معرفة الصحابة)) من
(١) ((المعجم الصغير)) (٦٨/٢).
(٢) في ((أ، ل)): وروى. والمثبت من (د)).
(٣) ((مسند الطيالسي)) (٢٤٣ رقم ١٧٦٧) من حديث جابر.
(٤) ((الكامل)) (٣٨٤/٣).
(٥) سقطت من (أ، ل)) والمثبت من ((د)).
(٦) ((المعجم الكبير)) (١٤/٤ رقم ٣٥٠٢).

٣٢٣
كتاب قسم الفيء والغنيمة
حديث حنظلة بن حنيفة عن جدَّته مرفوعا: ((لا يتم بعد احتلام، ولا يتم
على جارية(١)، إذا هي حاضت)).
ثم قال: كذا أورده ابن شاهين، وهو وهم وتصحيف، ولعله أراد
عن جده فصحفه بجدته، واسمه: حنظلة، ثم ساقه بإسناده كذلك.
الحديث السابع
أنه وَّه قال: (نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم
تحل لأحدٍ قَبْلي))(٢).
هذا الحديث صحيح، أخرجه الشيخان في (صحيحيهما))(٣) من
حديث أبي هريرة أن رسول الله وٍَّ قال: ((أُعطيت خمسًا لم يُعطهنَّ
أحدٌ من الأنبياء قَبْلي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مسيرة شهرٍ، وجعلت لي الأرض
مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجل من أُمَّتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأحلَّت لي
الغنائم ولم تحل لأحدٍ قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى
قومه [خاصة](٤) وبُعثت إلى الناس عامة)).
قال الرافعي(٥): وكانت الغنائم في أول الأمر له خاصةً، يَفْعل بها
ما شاء، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ اُلْأَنْفَالُ لِلَّهِ
وَالرَّسُولِ﴾ (٦) لمَّا تنازع فيها المهاجرون والأنصار - ﴾ - يوم بدر.
(١) زاد في ((أ، ل)): غير جده.
(٢) ((الشرح الكبير)) (٣٤٥/٧).
(٣) (صحيح البخاري)) (٥١٩/١ رقم ٣٣٥ وأطرافه في: ٤٣٨، ٣١٢٢)، ((صحيح مسلم))
(١/ ٣٧٠-٣٧١ رقم ٥٢١) واللفظ للبخاري من حديث جابر بن عبد الله، أما
حديث أبي هريرة فهو في ((صحيح مسلم)) (١/ ٣٧١ -٣٧٢ رقم ٥٢٣) بلفظ («فضلت
على الأنبياء بست ... ))
(٤) من ((صحيح البخاري)).
(٦) الأنفال: ١.
(٥) ((الشرح الكبير)) (٣٤٥/٧-٣٤٦).

٣٢٤
البدر المنير
قلت: روى ذلك البيهقي في ((سننه))(١) لكنه لم يصرِّح بالمهاجرين.
قال الرافعي (٢): وعليه يُحْمَل إعطاؤه من لم يَشهد الوقعة، ثم نُسخ
ذلك، فجعل خُمسها مقسومًا بخمسة أسهم، قال الله - تعالى -: ﴿فَأَنَّ
لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلَّسُولِ﴾ (٣) الآية، وجعل أربعة أخماسها للغانمين؛
الحديث: ((الغنيمة لمن شهد الوقعة)).
وهذا الحديث سيأتي الكلام (عليه)(٤) - إن شاء الله وقدَّره.
الحديث الثامن
رُوي («أنه ◌َ ل﴿ عرَّف عام (حنين)(٥) على كل عشرة عريفًا، وذلك (في
استطابة)(٦) قلوبهم في سَبِي هوازن))(٧).
هذا الحديث ذكره الشافعي فيما نقله البيهقي في ((المعرفة)) (٨) عنه
عن الزهري: ((أنه التَُّ عرَّف عام (حنين)(٩) على كلِّ عشرة عريفًا)).
وفي ((صحيح البخاري)) (١٠) من حديث عروة بن الزبير أن مروان
ابن الحكم والمسور بن مخرمة أخبرا: ((أن رسول الله وَله حين أذن
للناس في عِثْقِ سَبي هوازن؛ قال: إني لا أدري مَنْ أذن منكم ممن لم
يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم. فرجع الناس وكلَّمهم
(١) ((السنن الكبرى)) (٣١٥/٦-٣١٦).
(٣) الأنفال: ٤١.
(٢) ((الشرح الكبير)) (٣٤٦/٧).
(٤) سقطت من ((أ)) والمثبت من (د، ل)).
(٥) في ((أ، ل))، ((الشرح الكبير)): خيبر. والمثبت من ((د)) وهو الصواب.
(٦) في ((أ، ل)): لاستطابة. والمثبت من ((د))، ((الشرح الكبير)).
(٧) ((الشرح الكبير)) (٣٣٦/٧).
(٨) ((المعرفة)) (١٦٨/٥).
(٩) في ((أ، ل): خيبر. والمثبت من ((د))، ((المعرفة)).
(١٠) ((صحيح البخاري)) (١٨٠/١٣ رقم ٧١٧٦، ٧١٧٧).

٣٢٥
كتاب قسم الفيء والغنيمة
عرفاؤهم، فرجعوا إلى رسول الله وَله فأخبروه أن الناس قد طيبوا
وأذنوا)).
وروى الشافعي القصة في ((سير الواقدي)) من كتاب ((الأم))(١) بأطول
من ذلك، وفيها: ((أنه العَيْ ترك حَقَّه وحَقَّ أهل بيته، فسمع بذلك
المهاجرون، فتركوا لهم حقهم (وسمع بذلك الأنصار فتركوا لهم
حقهم) (٢)، ثم بقي قوم من المهاجرين الآخرين، وأنه عرَّف على كل
عشرة واحدًا ... )) ثم ساق الحديث.
الحديث التاسع
أنه وَلّ قال: ((قدِّموا قريشًا))(٣).
هُذا الحديث تقدَّم بيانه في باب صلاة الجماعة واضحًا.
الحدیث العاشر
((أنه ◌َّ كان في حلف الفضول)) (٤).
هذا الحدیث صحیح، رواه الحميدي عن سفيان، عن عبد الله، عن
محمد، وعبد الرحمن بن أبي بكر قالا: قال رسول الله وَله: ((لقد
شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حلفًا، لو دعيت به في الإسلام
لأجبت، تحالفوا أن (يردوا)(٥) الفضول (على)(٦) أهلها، وأن لا يَعُد
(ظالم)(٧) مظلومًا))(٨).
(١) ((الأم)) (٢٨٠/٤).
(٢) سقطت من ((أ، ل)) والمثبت من ((د))، ((الأم)).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٣٣٨/٧).
(٤) ((الشرح الكبير)) (٣٣٩/٧).
(٥) في ((أ، د)): يرد. والمثبت من ((ل). (٦) في ((أ، ل)): إلى. والمثبت من ((د)).
(٧) في ((أ، ل)): ظالمًا. والمثبت من (د)).
(٨) الحديث أورده ابن كثير في («البداية والنهاية)): (٢٧٠/٢) من طريق الحميدي.

٣٢٦
البدر المنير
ورواه ابن أبي أسامة في ((مسنده)) أيضًا، ورواه البيهقي(١) من
حديث طلحة بن عبد الله بن عوف.
(قال)(٢) السهيلي: وهذا أقوى وأولى ما ورد في تفسير حلف
الفضول. قال: وقول ابن قتيبة فيه حسنٌ، وهو كان قد سبق قريشًا إلى
مثل هذا الحلف جرهم في الزمن الأوَّل فتحالف منهم ثلاثة، هم ومَنْ
تبعهم: الفضل بن فضالة، والفضل بن وداعة، والفضل بن الحارث -
وقيل: ابن (رفاعة)(٣) - فلمَّا أشبه فعل قريش الآخر فعل هؤلاء
الجرهميين سُمِّي حِلف الفضول، وكان ذلك في ذي القعدة قبل المبعث
بعشرين سنة، ثم ذكر السهيلي سبب ذلك وأوضحه (كعادته)(٤).
(قال الرافعي(٥): وكذلك كان التَّ في الحلف الأول وكان مع
المطيبين)(٦).
قلت: في ((مسند أحمد)) (٧) من حديث عبد الرحمن بن عوف عن
النبيِ وَ ﴿ قال: ((شهدتُ حِلْفَ المطيبين مع عمومتي، وأنا غلام، فما
أُحِبُّ أن لي حُمْرَ النّعم وأني (أنكثه)(٨).
وفي ((سنن البيهقي)) (٩) من حديث عبد الرحمن بن عوف أيضًا
رَفَعَهُ: ((شهدت وأنا غلام حلف المطيبين، فما أحب أن أنكثه وأن لي
(به)(١٠) حُمْرَ النعم)».
(١) ((السنن الكبرى)) (٣٦٧/٦).
(٣) في ((د)): قضاعة.
(٥) ((الشرح الكبير)) (٣٣٩/٧).
(٧) («المسند» (١٩١/١، ١٩٣).
(٨) في ((ل، (د)): نكثته. والمثبت من ((أ))، ((المسند)).
(٩) ((السنن الكبرى)) (٣٦٦/٦).
(٢) سقطت من ((أ، ل)) والمثبت من ((د)).
(٤) من ((د)).
(٦) من ((د)).
(١٠) ليست في (د))، ((السنن الكبرى)).

٣٢٧
كتاب قسم الفيء والغنيمة
وفي رواية له(١): ((شهدتُ مع عمومتي)) (وروى هذا الحاكم في
(مستدركه)) (٢) بلفظ ((شهدت غلامًا مع عمومتي)(٣) حلف المطيبين، فما
(ترىُ)(٤) أن لي حُمْر النعم وإني أنكثه)). ثم قال: حديث صحيح الإسناد.
وكذا أخرجه ابن حبان في ((صحيحه))(٥).
وفي ((سنن البيهقي))(٦) أيضًا من حديث أبي هريرة رفعه: ((ما
شهدت حلفًا إلا حلف قريش من حلف المطيبين، وما أحب لي به حمر
النعم، وأني كنت نقضته)). والمطيبون: هاشم و[أمية] (٧) وزهرة،
ومخزوم، وروىُ هُذا ابن حبان في ((صحيحه))(٨) بلفظ: ((ما شهدتُ مِنْ
حلف قريش إلا حلف المطيبين، وما أحب أن لي حمر النعم، وإني كنت
نقضته)).
قال (ابن حبان)(٩): والمطيبون: هاشم و[أمية] (١٠) وزهرة،
ومخزوم.
(١) ((السنن الكبرىُ)) (٣٦٦/٦).
(٢) ((المستدرك)) (٢١٩/٢-٢٢٠).
(٣) سقط من ((أ، ل)). والمثبت من (د)).
(٤) في ((المستدرك)): يسرني.
(٥) ((صحيح ابن حبان)) (٢١٦/١٠ رقم ٤٣٧٣).
(٦) ((السنن الكبرى)) (٣٦٦/٦).
(٧) في ((أ، ل)) بنيه. وفي ((د)): ابنيه. والمثبت من ((السنن الكبرى)).
(٨) ((صحيح ابن حبان)): (٢١٦/١٠-٢١٧ رقم ٤٣٧٤).
(٩) كذا بالأصول الثلاثة. والصواب عدم إثباتها فهي ليست في ((صحيح ابن حبان)) وكذا
قول البيهقي الآتي يدل على أن القول ليس من قول ابن حبان وقد ذكره البيهقي
عقب روايته الحديث ولم يروه من طريق ابن حبان. والله أعلم.
(١٠) في ((أ، ل)): ابنيه. وفي ((د)): بنيه. والمثبت من ((صحيح ابن حبان)).

٣٢٨
البدر المنير
قال: ولم يشهد حلف المطيبين؛ لأنه كان قَبْل مولده، وإنما شهد
حلف الفضول، وهُمْ (كالمطيبين)(١).
قال البيهقي (٢): لا أدري هذا التفسير من قول أبي هريرة أو من
دونه. قال(٣): وبلغني أنه قد قيل: حلف المطيبين؛ لأنهم غمسوا أيديهم
في طِيْبٍ. قال الشافعي(٤): وقال بعضهم: حلفٌ من الفضول.
قال محمد بن نصر المروزي: قال بعض أهل المعرفة بالسير وأيام
الناس: إن قوله في الحديث: ((حلف المطيبين)) غلط؛ إنما هو حلف
الفضول، وذلك أنه العَّ لم يدرك حلف المطيبين؛ لأن ذلك كان قديمًا
قبل أن يُولد بزمان. وكذا ذكر هذا البيهقي في ((سننه))(6) وابْنُ عدي في
(كامله))(٦)، وفي ((المستعذب على المهذَّب)): حلف المطيبين والفضول
حلفان كانا في الجاهلية من قريش:
أما الأول: فلأن عاتكة بنت عبد المطلب عملت لهم طيبًا في جِفْنَةٍ
وتركتها في الحِجْر؛ فغمسوا أيديهم فيها وتحالفوا، وقيل: إنهم مسحوا
به الكعبة توكيدًا على أنفسهم. ولأي أمرٍ تحالفوا؟ قيل: على مَنْع الظالم
ونصْر المظلوم. وقيل: كان بَنُو عَبْدِ الدار أرادوا أخْذَ السقاية والرفادة من
بني هاشم، فتحالفوا على منعهم، ونحر الآخرون جَزُورًا، وغمسوا
أيديهم في الدم، وقيل: سُمُّوا المطيبين لأنهم تحالفوا على أن ينفقوا
ويطعموا الوفود من طيب أموالهم. وفي حلف (الفضول)(٧) وجهان:
(١) كذا بالأصول وفي ((صحيح ابن حبان)): من المطيبين.
(٢) ((السنن الكبرى)) (٣٦٦/٦).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٣٦٦/٦).
(٤) («السنن الكبرى)) (٣٦٦/٦).
(٥) ((السنن الكبرى)) (٣٦٧/٦).
(٦) ذكر ابن عدي الحديث في ((الكامل)) (٢٩٧/١) من رواية عبد الرحمن بن عوف.
(٧) في ((أ، ل)): الفضل. والمثبت من ((د)).

٣٢٩
كتاب قسم الفيء والغنيمة
الأول: أنه اجتمع فيه رجال أسماؤهم الفضل: ابن الحارث،
وابن وداعة، وابن فضالة (كما سلف)(١).
والفضول جَمْع فضل، قال الهروي: يقال: فضل وفضول، كما
يقال: سعد وسعود. وقال الواقدي: هم قوم من جرهم تحالفوا يقال
لهم: فِضال وفُضال وفضالة، فلمَّا تحالفت قريش على مثله سُمُّوا حلف
الفضول. ولأي أمْرٍ تحالفوا؟ فقيل: على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا من
أهلها، أو من غيرها إلا قاموا معه.
وقيل: على أنهم ينفقون من فضول أموالهم، فسمُّوا بذلك حلف
الفضول .
وقيل: سُمُّوا بذلك لفاضلٍ ذلكِ الطِيْب.
تنبيه (خاتمة)(٢) قال الرافعي (٣): وكان في قريش حِلفان قبل
المبعث - والحلف: العهد والبيعة - أحدهما: أنه وقع نزاع بين عبد
مناف وبني عبد الدار، فيما كان إلى قُصي من الحجابة والسقاية والرفادة
واللواء، فتبع عبد مناف قبائل .. إلى آخره. وقد بيَّنَّاها.
وعبد مناف وعبد الدار ولدان لقُصيّ ولهما أخ ثالث اسمه عبد
العزى، والمراد بالحجابة: حجاب الكعبة، وهي ولاية فتحها وغلقها
وخدمتها، ويُعبَّر عن ذلك (بالسِّدَانةِ) (٤) أيضًا (وهي)(٥) بكَسْر السين
المهملة، والمراد بالسقاية: القيام بتهيئة الماء من زمزم، وطرْح الزبيب
فيه لسقي الحجاج، والرِّفادة - بكَسْر الراء - مال كانت قريش تجمعه
(١) من (د)).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٣٣٨/٧).
(٢) من ((أ، ل)».
(٤) في ((د)): بالسقاية. وهو خطأ.
(٥) في ((أ، ل)): وهو. والمثبت من ((د)).

٣٣٠
البدر المنير
فيما بينهم على (قدر)(١) طاقة كلِّ منهم، فيشترون به الطعام والزبيب
لإطعام الحجاج وسقيهم، مأخوذ من الرفد وهو الإعانة.
الحديث الحادي عشر
((أنه عليه الصلاة والسلام نفل في بعض الغزوات دون بعض))(٢).
هو كما قال، قال الترمذي(٣): قال مالك بن أنس: بلغني ((أن
رسول الله صل نفل في بعض مغازيه، ولم ينفل في مغازيه كلِّها)).
قال: وإنما ذلك على وجه الاجتهاد من الإمام في أوَّل المغنم
وآخره.
قلت: و((في)) ((الصحيحين))(٤) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
((أن النبي وَيّ كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصةً سوى
قَسم عامَّة الجيش)).
وفيهما(٥) أيضًا من حديثه: ((التنفيل في السرية التي بعثها قبل نجد)).
الحديث الثاني عشر
عن عبادة بن الصامت ((أن النبي ◌َّهُ نَفَّلَ في البدأة الربع، وفي
الرجعة الثُّلثُ))(٦).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٣٤٩/٧).
(١) من ((د)).
(٣) ((جامع الترمذي)) (١١١/٤).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٦/ ٢٧٣ رقم ٣١٣٥)، ((صحيح مسلم)) (١٣٦٩/٣ رقم ١٧٥٠/
٤٠).
(٥) (صحيح البخاري)) (٢٧٣/٦ رقم ٣١٣٤)، ((صحيح مسلم)) (١٣٦٨/٣ رقم ١٧٤٩).
(٦) ((الشرح الكبير)) (٣٥٠/٧).

٣٣١
كتاب قسم الفيء والغنيمة
هذا الحديث صحيح، رواه ابن ماجه(١) والترمذي(٢) وقال:
حسن. وصححه ابن حبان(٣)، وقد أوضحت الكلام عليه في ((تخريجي
الأحاديث الوسيط))، وذكرته ثم من طريقين آخرين أيضًا، وذكرت
اختلاف الأصحاب في المراد بالبدأة والرجعة، فراجِعه من ثم، تجدُ ما
يشفي العليل.
والرافعي(٤) نقل عن بعضهم أنه فسر البدأة بالسَّرية الأولى،
والرجعة بالثانية، ثم قال: والمشهور أن البدأة ابتداء السَّفَر. قال
الخطابي(٥) عن ابن المنذر: إنما فرَّق الشّ بينهما لقوة (الظهور)(٦) عند
دخولهم، وضعفه عند خروجهم؛ لأنهم وهم داخلون أنشط وأشهى
[للسير](٧) والإمعان في بلاد العدو، وهُمْ عند القفول أضعف لضَعْف
دوابهم وأبدانهم، وهم أشهى للرجوع [إلى أوطانهم وأهاليهم لطول
عهدهم بهم وحبهم للرجوع إليهم](٨) فزادَهُمْ في الرجوع لذلك ثم
أعترض على ابن المنذر؛ فقال: كلامه(٩) (هذا ليس بالبَيِّن؛ لأن فَحْوَاه
يوهم أن معنى الرجعة هو القفول إلى أوطانهم، وليس المعنى كذلك؛
إنما (البداية) (١٠) هي ابتداء السفر لغزوٍ، فإذا نهضت سريةٌ من جملة
العَسْكر [فأوقعت بطائفة العدو](١١) نَفَلَهَا الرُّبْعَ، فإن قفلوا من الغزاة ثم
(١) ((سنن ابن ماجه)) (٩٥١/٢ رقم ٢٨٥٢).
(٢) ((جامع الترمذي)) (١١٠/٤ رقم ١٥٦١).
(٣) ((صحيح ابن حبان)) (١١/ ١٩٣-١٩٤ رقم ٤٨٥٥).
(٤) ((الشرح الكبير)) (٧/ ٣٥٠).
(٦) في ((معالم السنن)): الظهر.
(٨) من ((معالم السنن)).
(١٠) في ((معالم السنن)): البدأة.
(٥) («معالم السنن)) (٥٧/٤-٥٨).
(٧) من ((معالم السنن)).
(٩) من هنا بدأ سقط من ((د)).
(١١) من ((معالم السنن)).

٣٣٢
البدر المنير
رجعوا؛ فأوقعوا بالعَدُوِّ ثانيةً كان لهم الثلث من الغنيمة؛ لأن نهوضهم
بعد القفول أشقُّ عليهم وأخطر.
الحدیث الثالث عشر
رُوي أنه وَ ي ◌ُ قال: ((الغنيمة لمن شهد الوقعة))(١).
هُذا الحديث ذكره الرافعيُّ فيما مضى قَبْل الحديث الثامن، كما
أسلفته، وهو غريبٌ مرفوعًا؛ إنما نعرفه موقوفًا، كما ذكره الرافعي
أيضًا، وستعلمه آخر الباب.
وأمَّا ابن الرفعة فذكره في كتابيه مرفوعًا، ثم قال: ورواه بعضهم
موقوفًا، قيل: على أبي بكر، وقيل: على أبي بكر وعُمر، وقيل: على
أبي بكر وعثمان. وقال في ((مطلبه)): كذا ذكره الرافعيُّ - يعني: مرفوعًا -
وغيرهُ يوقفه عليهما. وفي هذه العبارة نظر؛ فإن الرافعيَّ ذكره أولًا مرفوعًا
ثم موقوفًا، كما ستعلمه آخر الباب.
وفي المسألة حديثان صحيحان دالان على أنه لا يسهم إلا لمن
حضر الوقعة:
أحدهما: حديث أبي موسى الثابت في ((الصحيحين))(٢): ((أنه لمّا
وافى هو وأصحابه من الحديبية النبي ◌ّ حين افتتح خيبر فأسهم لهم مع
من شهدها، ولم يُسهم لمن غاب عنها غيرهم)).
ثانيهما: حديث سعيد بن العاص ((أنه الكلية بعث أبان بن سعيد
(١) ((الشرح الكبير)) (٧/ ٣٦٤).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٢٧٣/٦ رقم ٣١٣٦) (٧/ ٥٥٧ رقم ٤٢٣٣)، ((صحيح مسلم))
(٤/ ١٩٤٦ رقم ٢٥٠٢).

٣٣٣
كتاب قسم الفيء والغنيمة
ابن العاص في سرية قِبل نجد، فقدم أبانُ وأصحابُه (على)(١) رسول الله
وَر بعدما فتح خيبر، فأبى رسول الله وَالله أن يُسهم شيئًا)). رواه
أبو داود (٢) بإسنادٍ صحيح، وغلَّطه البخاريُّ، قال الذهبي: وهو محفوظ
من طريقه.
الحديث الرابع عشر
قال الرافعي(٣): إذا قال الإمام: من أخذ شيئًا فهو له. فعلى قولين:
أحدهما: أنه يصح شرطه؛ لما رُوي: ((أنه ربَّ قال ذلك يوم بدر)).
وأصحهما: المنع. والحديث مما تكلموا في ثبوته، وبتقدير ثبوته فإن
غنائم بدر كانت له خاصة يضعها حيث شاء.
هذا الحديث تبع في إيراده وتضعيفه الغزالي في ((وسيطه)) (٤) فإنه
أورده كذلك ثم قال: والحديث غير صحيح، وقد قيل: إن غنائم بَدْر
كانت له خاصة، يفعل فيها ما يشاء.
وتبعا في ذلك الشافعيُّ؛ فإنه ذكره وأفهم أنه لا يصح عنده، فقال -
على ما نقله البيهقي في ((المعرفة))(٥) -: قال بعض أهل العلم: إذا بعث
الإمام سرية أو جيشًا؛ فقال لهم قبل اللقاء: مْن غنم شيئًا فهو له بعد
الخُمْس. فذلك لهم على ما شرط، لأنهم على ذلك غزوا، وبه رضوا،
وذهبوا في هذا إلى أن رسول الله وَ ل﴿ قال يوم بدر: ((من أخذ شيئًا فهو
له)).
(١) في ((أ)): إلى.
(٢) ((سنن أبي داود)) (٣٢٠/٣-٣٢١ رقم ٢٧١٧).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٣٥١/٧).
(٥) ((المعرفة)) (١٢٧/٥-١٢٨).
(٤) ((الوسيط)) (٥٣٤/٤).

٣٣٤
البدر المنير
وذلك قبل نزول الخُمْس، والله أعلم، ولم أعلم شيئًا [يثبت](١)
عندنا عن رسول الله وَله﴾ [بهذا](٢). قال البيهقي: قد روي عن عبادة
ابن الصامت ((أنه سئل عن الأنفال، قال: فينا نزلت أصحابُ بدر،
وذلك أن رسول الله ◌َي﴿ حين التقى الناس ببدرٍ نفل كلَّ أمرئٍ ما أصاب،
ثم ذكر نزول الآية والقَسْمَ بينهم)».
رواه الحاكم في ((مستدركه))(٣) وقال: صحيح على شرط مسلم.
وفيه نظر؛ فإنه من رواية مكحول عن أبي أمامة عن عبادة، ومكحول لم
ير أبا أمامة كما قال أبو حاتم(٤).
قال البيهقي(٥): ورُوي عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله وَلة
قال يوم بدر: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيْلًا فله كذا، ومَنْ أسر أسيرًا فله كذا وكذا)) ثم
ذَكَرَ تنازعهم، ونزول الآية في الأنفال، وقِسْمَةَ النبيِّ ◌َّ الغنيمة بينهم.
قلت: حديث صحيح على شرط الصحيح، رواه أبو داود في
((سننه))(٦) والحاكم في ((مستدركه))(٧) وقال: هذا حديث صحيح. فقد
أحتج البخاري بعكرمة، ومسلمُ بداودِ بْنِ أبي هند - يعني: المذكورَيْن
في إسناده - وقال الشيخ تقي الدِّين في ((الاقتراح))(٨): أنه على شرط
البخاري.
قال البيهقي(٩): وروينا في حديث سعد بن أبي وقاص في بعث عبد
(١) في ((أ، ل)): تنبيه. والمثبت من ((المعرفة)).
(٢) في ((أ، ل)): هذا. والمثبت من ((المعرفة)).
(٣) ((المستدرك)) (١٣٦/٢).
(٥) ((المعرفة)) (١٢٨/٥).
(٧) ((المستدرك)) (٢٢١/٢).
(٩) ((المعرفة)) (١٢٨/٥).
(٤) ((المراسيل)) (٢١٢ رقم ٧٩٦).
(٦) ((سنن أبي داود)) (٣٢٧/٣ رقم ٢٧٣٢).
(٨) ((الاقتراح)) (ص٣٧٩).

٣٣٥
كتاب قسم الفيء والغنيمة
الله بن جحش، وكان الفيء إذ ذاك: من أخذ شيئًا فهو له. قد كان ذلك
قبل وقعة بدر، وقد صار الأمر بعد نزول الآية إلى ما اختاره الشافعي في
قسمة أربعة أخماس الغنيمة بين من حضر القتال، وأربعة أخماس
الخُمس على أهله، وأن النبي وَل ◌ِ كان [يضع](١) سهمه حيث أراه الله،
وهو خُمس الخُمس.
الحديث الخامس عشر
عن ابن عباس ﴾ («أنه سُئل عن النساء هل كُنَّ يشهدن الحرب مع
رسول الله ◌َّ؟ وهل كان يُضرب لهن سهم؟ فقال: كُنَّ يشهدن الحرب،
وأما أنْ يُضْرب لهن سهمٌ فلا))(٢).
هذا الحديث أخرجه مسلم في ((صحيحه))(٣) من هذا الوجه مطولًا
بلفظ: (([كتبت](٤) تَسْألني - يعني: [نجدة](6) بن عامر الحروري التابعي
- هل كان رسول الله وَلّه يَغْزُو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهنَّ؛ فيداوين
الجَرْحَى، ويُحْذَيْنَ من الغنيمة، وأمَّا بسهم فلم يضرب لهن)).
وفي رواية له(٦): ((ليس لهما - يعني: العَبْد والمرأة - شيء إلا أن
یُخذیا)).
(١) في ((أ، ل)): يصعد. والمثبت من ((المعرفة)).
(٢) ((الشرح الكبير» (٣٥٢/٧).
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٤٤٤/٣-١٤٤٥ رقم ١٨١٢).
(٤) في ((أ، ل): كنت. والمثبت من ((صحيح مسلم)).
(٥) في ((أ، ل)): نجد. وهو خطأ، والمثبت هو الموافق ((صحيح مسلم))، ونجدة بن عامر
الحروري ترجمته في ((الميزان)) (٢٤٥/٤ رقم ٩٠١٣)، ((لسان الميزان)) (٢١٠/٧
رقم ٨٨٦٢).
(٦) ((صحيح مسلم)) (١٤٤٥/٣ رقم ١٣٩/١٨١٢).

٣٣٦
البدر المنير
وفي رواية لأبي داود(١): ((فأما أن يضرب لهن بسهم فلا، وقد كان
يُرْضَخُ(٢) لهن)).
معنى (يُحْذَيْن)): يُعْطَيْن. وادَّعى الرافعيُّ(٣) رحمه الله: أنه عليه
الصلاة والسلام لم يترك الرَّضْخَ قَط، ولنا به أسوة حسنة.
فائدة: حديث ابن عباس هذا دالٌّ على ضَعْف حديث حشرج
ابن زياد عن جدَّته أُمِّ أبيه: «أنها غزت مع رسول الله بَّه في ستّة نسوة،
قال: فأسهم لها القَيّ كما أسهم [للرجال](٤)).
رواه أبو داود(٥)، وحشرج مجهول.
الحديث السادس عشر
((أنه التَّيْف أعطى سلب مرحب يوم خيبر من قتله))(٦).
هذا الحديث مشهور، رواه البيهقي في ((سننه))(٧) قال: واختلفوا في
قاتل مرحب، فقيل: علي بن أبي طالب، وقيل: محمد بن مسلمة
الأنصاري.
قلت: وبالأوَّل قال جماعةٌ، ورواه الحاكمُ في (مستدركه» بإسنادٍ
للواقدي ما يجمع بين القولين، قال: ((ضرب محمد بن مسلمة ساقي
(١) ((سنن أبي داود)) (٣٢٣/٣ رقم ٢٧٢٢).
(٢) الرضخ: العطية القليلة. ((النهاية)) (٢٢٨/٢).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٧/ ٣٥٣).
(٤) في ((أ، ل)): لرجاله. والمثبت من ((سنن أبي داود)).
(٥) ((سنن أبي داود)) (٣٢٣/٣-٣٢٤ رقم ٢٧٢٣).
(٦) ((الشرح الكبير)) (٣٥٥/٧-٣٥٧).
(٧) ((السنن الكبرى» (٣٠٩/٦).

٣٣٧
كتاب قسم الفيء والغنيمة
مرحب؛ فقطعهما ولم يُجهز عليه، فمر به عليٌّ فضرب عنقه؛ فأعطى
رسول الله 383 سلبه محمد بن مسلمة: سيفه ودرعه ومِغْفره وبيضته، وقد
کان عند محمد بنِ مسلمة سیفه)».
وروى الحاكم إلى الواقدي أيضًا، قال: ((وقيل: إن محمد
ابن مسلمة ضَرَبَ ساقي مرحب، فقطعهما، فقال مرحبُ: أجْهزْ عليَّ يا
محمد. فقال محمد: ذُق الموت كما ذاقه أخي محمود. فمر به عليّ
فضرب عنقه وأخذ سلبه؛ فاختصما إلى رسول الله قال﴾ فقال محمد: یا
رسول الله، والله ما قطعتُ رجليه وتركته إلا ليذوق الموت، وكنت قادرًا
على أن أُجهز عليه. فقال عليُّ: صدق، ضربتُ عنقه بعد أن قطع رجليه.
فأعطى رسول الله وَي سلبه محمد بن مسلمة: سيفه ودرعه ومِغفره
وبيضته، وكان عند محمد بن مسلمة سيفه فيه كتابة لا يدرى ما هو، حتى
قرأه يهوديُّ مِنَ اليهود؛ فإذا فيه: هذا سيف مرحب، مَنْ يذقه يعطب)).
وقيل: إن قاتله أبو دجاجة، رواه الحاكمُ بسنده إلى الواقدي بإسنادٍ
منقطع أيضًا.
وفي (صحيح مسلم))(١) بإسناده عن سلمة بن الأكوع التصريح بأن
عليًّا هو الذي قتله.
وفي ((مسند أحمد))(٢) عن عليّ قال: ((لمَّا قتلتُ مرحبًا جئتُ برأسه
إلى رسول الله وَالێ)).
قال ابن الأثير: وهو الذي عليه أكثرُ أهل السير والحديث. وقال
ابن عبد البر في ((مختصر السيرة)): إنه الصحيح. وقال بالثاني محمدٌ
(١) ((صحيح مسلم)) (٣/ ١٤٣٣- ١٤٤١ رقم ١٨٠٧).
(٢) ((المسند)) (١١١/١).

٣٣٨
البدر المنير
ابن إسحق والشافعيُّ؛ فإنه قال في ((المختصر)): ((نفل النبي بَل يوم خيبر
محمد بن مسلمة سلب مرحب)». هذا تصريح منه بأنه قاتله.
فائدة: مَرحَب: بفتح الميم والحاء، مِنَ الرَّحَب، بمعنى السعة،
وهو يهودي قُتل کافرًا يوم خيبر.
الحديث السابع عشر
عن أبي قتادة ﴾ قال: ((خرجنا مع رسول الله وَّ يوم حُنَيْن، فرأيتُ
رجلاً من المشركين على رجلٍ من المسلمين، فاستدرتُ له حتى أتيته مِنْ
ورائه، فضربته على حَبْلِ عاتقه ضربة، فَأَقْبَلَ عليَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وجدتُ
منها ريح الموت، ثم أدركه الموتُ، فأرسلني إلى أن مات [فقال رسول الله
وَاله: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه. فقمت فاقتصصت عليه القصة،
فقال رجل: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي] (١) . فقال
رسول الله وَاله: فَأَعْطِهِ إِيَّاه. فأعْطَانِيْهِ، فابتعتُ به مَخْرَفًا في بني سلمة؛ فإنه
لأَوَّلُ مالٍ تأثلته في الإسلام))(٢).
هذا الحديث صحيح، أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما))(٣) مِنْ
هذا الوجه، قال: ((خرجنا مع رسول الله وَ﴾له عام حنين، فلمَّا التقينا كان
للمسلمين جولة، قال: فرأيتُ رجلًا من المشركين قد علا رجلاً من
المسلمين، فابتدرتُ إليه حتى أتيتَهُ مِنْ ورائه، فضربتُه على حَبْلِ عاتقه،
فأقبل عليَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وجدتُ منها ريح الموت، ثم أدركه الموتُ
(١) سقطت من ((أ، ل)) والمثبت من ((الشرح الكبير)).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٧/ ٣٥٧).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٢٨٤/٦ رقم ٣١٤٢)، ((صحيح مسلم)) (١٣٧٠/٣-١٣٧١ رقم
١٧٥١).

٣٣٩
كتاب قسم الفيء والغنيمة
فأرسلني، فلحقتُ عمرَ بْنَ الخطاب، فقلت: ما بالُ الناس؟ فقال: أَمْرُ
الله، ثم إن الناسَ رجعوا، وجلس رسول الله وَ ل﴿ فقال: مَنْ قتل قتيلًا له
عليه بَيَِّةٌ فله سلبه. فَقُمْتُ فقلتُ: مَنْ يشهد لي؟ ثم جلستُ ثم قال ذلك
ثلاثةً، فقال رسول الله بَّهِ: ما لَكَ يا أبا قتادة؟ فَقَصَصْتُ عليه القصة،
فقال رجل مِنْ القوم: صَدَقَ يا رسول الله؛ سَلَبُ ذلك القتيل عِنْدي،
فأرْضِهِ مِنْ حقِّه. فقال أبو بكر الصديق: لاها الله إذن، لا يعمدُ إلى أَسد
من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه؟ فقال رسول الله واله :
صَدَقَ، فأعْطِهِ إياه [فأعطاني: قال](١) فبعت الدرع وابتعتُ به مَخْرَفًا في
بني سلمة، فإنه لأوَّلُ مالٍ تأثلته في الإسلام)).
وفي رواية لهما(٢): (لمَّا كان يوم حنين نظرتُ إلى رجلٍ من
المسلمين يقاتل رجلًا من المشركين، [وآخر](٣) من المشركين [يختله] (٤)
مِنْ ورائه ليقتله، فأسرعتُ إلى الذي [يختله](٥) فرفع يده ليضربني،
فضربت يده فقطعتها، ثم أخذني فضمني ضمًّا شديدًا حتى تخوفت، ثم
بزك [فتحلَّل](٦)، ودفعتُه ثم قَتَلْتُه، وانهزم المسلمون وانهزمتُ معهم؛
فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلتُ له: ما شأن الناس؟ قال: أمر
(١) في ((أ، ل)): قال فانطلق. والمثبت من ((صحيح مسلم)).
(٢) كذا في ((أ، ل)). وهو وهم؛ فهذه الرواية في ((صحيح البخاري)) (٦٣١/٧ -٦٣٢ رقم
٤٣٢٢) فقط، والله أعلم.
(٣) في ((أ، ل)): فأخذ. والمثبت من ((صحيح البخاري)).
(٤) في ((أ، ل)): يحتمله. والمثبت من ((صحيح البخاري)).
(٥) في ((أ، ل)): يحتمله. والمثبت من ((صحيح البخاري)).
(٦) في ((أ، ل)): فتحال. والمثبت من ((صحيح البخاري)).

٣٤٠
البدر المنير
[الله. ثم تراجع](١) الناسَ إلى رسول الله وَّر ... )) ثم ذكر الناس بنَحْوِ ما
تقدم.
فائدة: قوله: ((كان للمسلمين جولة)): أي نُفُور وانكشاف. ((حَبْل
العاتق)) بسكون الباء الموحدة: موضع الرداء من العاتق. قاله الأصمعيُّ،
يذكَّر ويؤنَّث. وقوله: ((لاها الله إذًا)): هكذا رُوي، قال الخطابي(٢):
والصواب: ((لاها الله ذا)) بغير ألف قبل الذال، ومعناه في كلامهم: لا
والله يكون ذا، يجعلون الهاء مكان الواو. ووقع في ((مسند أحمد))(٣) نحو
هذا القول من عمر في حق أبي قتادة من حديث أنس، وهو وهم كما قال
ابن الجوزي في ((جامع المسانيد)) وإنما قاله أبو بكر.
والمَخرف- بفتح الميم، وإسكان الخاء المعجمة، وفتح الراء -
حائط النخل، وقيل: المَخرف: نخلة واحدة أو نخلات يسيرة إلى عشر،
فما فوق ذلك فهو بستان أو حديقة، مأخوذ من الخَرف - بفتح الخاء -
وهو القطع؛ لأن الرطب و[الثمر](٤) يقطعان منه، والمخرفية - بزيادة
الياء - أسم للبستان أيضًا، كما قاله في ((الصحاح)) والمِخْرَف - بكسر
الميم - هي ما يجتنى فيه الثمار، ومنه الخريف للفصل المعروف؛ لكون
الثمار تُقْطع فيه، وبالمد معناه: عللته. والحبل: الكر. و((الجدع))
و((حنين)): (واديين)(٥) بمكة، والطائف وراء عرفات، بينه وبين مكة
بضعة عشر ميلا، وهو مصروفٌ كما نطق به القرآن العزيز. وقوله: ((في
(١) في ((أ، ل)): أسلم راجع. والمثبت من ((صحيح البخاري)).
(٣) («المسند» (١٩٠/٣).
(٢) (معالم السنن)) (٤١/٤).
(٤) في ((أ): الرطب. وبيض لها في ((ل)) والمثبت أشبه بالصواب.
(٥) أنظر الصحاح (١١١٣/٣-١١١٤).