Indexed OCR Text

Pages 341-360

مشهور بها. وترجمته موضحة فيما أفردته في الكلام على رجال هذا
الكتاب.
ثانيها: هذا الحديث ذكره البخاري في باب الحرير في الحرب لفظ الحديث
عند البخاري
من كتاب الجهاد، بلفظ ((أن عبد الرحمن والزبير [شكيا](١) إلى
النبي ◌َّ - يعني القمل - فأرخص لنا في الحرير، فرأيته عليهما في
((غزاة».
ولفظ ((مسلم)): ((إنهما شكوا إلى رسول الله ◌َو القمل فرخص لفظ الحديث
عند مسلم
لهما في قميص الحرير في غزاة لهما)).
ثالثها: لو ذكر المصنف هذا الحديث في باب اللباس، لكان مناسبة الحديث
أنسب من ذكره هنا، لأنه من المخصص لعموم النهي عن لبس
الحرير، وهو مناسبته هنا عموم حاجة الغازي إلى ذلك.
رابعها: يقال: شكيت وشكوت. وقد ذكر الحديث بهما. قال ضبط الشكر!
الفاكهي: وكأن الواو أكثر والشكوى إخبارك عن المشكو بسوء فعله
بك. قال الجوهري(٢): في المصدر شكوى وشِكَاتَةً وشَكِيَّةً وشَكَاةً،
والاسم: الشَّكْوَى / .
[٢٣١/ هـ/ب]
خامسها: الحديث دال على جوازه، لأجل هذه المصلحة، الخلاف في
وهي دفع القمل للمداواة، فإن برودته تدفعه، ولعله تعين لذلك في الحرير للمداولة
جواز لبس
دفعه في ذلك الوقت، وقد سماه الراوي رخصة لأجل الإِباحة مع
قیام دليل الخطر .
(١) في البخاري (شكوا) ح (٢٩٢٠) (١٠١/٦).
(٢) المختار الصحاح (١٤٨)، مادة (ش كا).
٣٤١

ومن الشافعية: من خص جواز ذلك بالسفر، واختار ابن
الصلاح منهم لظاهر الحديث.
والأصح: الجواز حضراً وسفراً.
وقال مالك(١): لا يجوزلبسه مطلقاً. والحديث حجة عليه ولا
٠٠
تعارض. فحديث ((أن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها))(٢).
لما لا يخفى.
سادسها: ثبت في ((الصحيحين)) أيضاً من حديث أنس أنه عليه
الصلاة والسلام [أرخص] (٣) لهما - أعني ابن عوف والزبير - في
قميص الحرير لحكة كانت بهما أو وجع كان بهما)»، فيحتمل أنه
أرخص لهما لدفع القمل مرة، وللحكة أخرى، ويحتمل أنهما اجتمعاً
لهما، والحكمة في جوازه للحكه أن برودته يمنع منها. وخالف
مالك فيه، والحديث حجة عليه، وهو وجه بعيد عند الشافعية وفي
[٢٨٤/ ١/١] وجه ثالثٍ: / لهم يجوز ذلك في السفر دون الحضر، لظاهر رواية
في مسلم، أن ذلك كان في السفر، لكن جواب هذا أن الرخصة
معقولة فتعدى، والسؤال صادف حالة السفر، فلا يتقيد به.
سابعها: يباح أيضاً لمن خاف من حر أو برد لم يجد غيره
(١) الاستذكار (٢٠٨/٢٦).
(٢) من رواية ابن مسعود: أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣/٧)، والطبراني في
الكبير (٩٧١٤).
(٣) لما يأتي لفظ الصحيحين أو أحدهما بهذا وإنما لفظ (رخص) علماً أن بقية.
الحديث كما في سياق المصنف ليس هكذا في الصحيحين.
٣٤٢

وكذلك لمن فاجأته الحرب، ولم يجد غيره وكذا الديباج الثخين
الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح، كما سلف في بابه .
ثامنها: استحب ابن الماجشون لباس الحرير في الغزو، أو
لا يقصد به الخيلاء الممنوعة، حكاه عنه صاحب ((المعلم)) ومن
الشافعية من جوز اتخاذ القباء ونحوه ما يصلح للحرب ولبسه فيها
على الإطلاق لما فيه من حسن الهيئة وزينة الإِسلام: كتحيلة السيف.
تاسعها: استدل الطبري بهذا الحديث على أن كل علة تضطر
[إنسان](١) إلى لبس الحرير ويرتجى بلبسها خفته أنه يجوز معها
لباسه .
(١) في ن هـ (الإنسان).
٣٤٣

الحديث الثالث عشر
٨٠/١٣/٤٢٧ - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال:
كانت أموال بني النضير: مما أفاء الله على رسوله [َلَوْ](١)، مما لم
يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكانت لرسول الله وتلا
خالصة، فكان رسول الله وَلهو يعزل نفقة أهله سنة، ثم يجعل ما بقي
في الكراع والسلاح، عدة في سبيل الله عز وجل)) (٢).
الكلام علیه من وجوه:
لفظ الحديث
عند سلـمـ
أحدها: هذا الحديث، لما ذكره المصنف في ((عمدته الکبری»
عزاه إلى الترمذي، ثم قال: ومتفق على معناه. هذا لفظه، وقد
أخرجه مسلم في الجهاد، بلفظ: ((كانت أموال بني النضير مما
أفاء الله [على رسوله](٣) مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا
(١) زيادة من إحكام الأحكام.
(٢) البخاري (٢٩٠٤)، ومسلم (١٧٥٧)، والترمذي (١٧١٩، ١٦١٠)،
: وأبو داود (٢٩٦٣، ٢٩٦٥)، والنسائي (١٣٢/٧)، والسنن الكبرى له
(٤٤٥٠، ٦٣٠٧، ٦٣٠٨، ٦٣١٠)، والبيهقي (٤٦٨/٧، ٢٩٦/٦)،
والبيهقي في الشعب (١٣٩٠)، والحميدي (١٣/١)، والبغوي في السنة
(٢٧٣٨)، وعبد الرزاق (٤٦٩/٥)، وأحمد (٢٥/١، ٤٨)، وعبد الرزاق
(٤٦٩/٥)، ودلائل النبوة للبيهقي (١٨٥/٣).
(٣) زيادة من ن هـ وصحيح مسلم.
٣٤٤

ركاب [فكانت للنبي { ل* خاصة](١)، فكان ينفق على [أهله] (٢) نفقة
سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله))
[عزَّ وجلّ](٣) ثم ساقه بنحوه مطولاً بقصة.
وأخرجه بها البخاري في خمسة مواضع من صحيحه(٤).
مواضع تراجم
البخاري
ثانيها: كانت غزوة بني النضير سنة أربع من الهجرة وقريظة تاريخ غزوة
والنضير قبيلتان من اليهود، وكان صاحب عهد بني قريظة كعب بن
بني النضير
أسد، وكان حُييّ بن أخطب من سادات بني النضير، ونقض العهد مع
(١) زيادة من صحيح مسلم.
(٢) زيادة من ن هـ وصحيح مسلم.
(٣) غير موجود في صحيح مسلم.
(٤) أطرافه في (٢٩٠٤):
الموضع الأول، باب: المجن ومن بترس يترس صاحبه ح (٢٩٠٤).
الموضع الثاني، كتاب: فرض الخمس، باب: فرض الخمس
ح (٣٠٩٤).
الموضع الثالث، كتاب المغازي، باب: حديث بني النضير ح (٤٠٣٣).
الموضع الرابع، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿مََّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾
ح (٤٨٨٥).
الموضع الخامس، كتاب النفقات، باب: حبس رجل قوت سنة
ح (٥٣٥٧، ٥٣٥٨).
الموضع السادس، كتاب الفرائض، باب: قول النبي ◌َ: ((لا نورث))
ح (٦٧٢٨).
الموضع السابع، كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من التعمق والتنازع
(٧٣٠٥).
٣٤٥

النبي ◌َّر فكبر رسول الله له والمسلمون وقال: حاربت اليهود في
قصة طويلة .
ثالثها: في ألفاظه ومعانيه.
معنى [أوجف](١) الإِيجاف الإِعمال. وقيل: الإِسراع والوَجيفُ
معنی ،أوجف؟
[٢٨٤/ أ/ ب] ضرب من سير / الخيل والإِبل يقال: وَجَفَ الفرس والبعير يَجفُ
[وجوفاً](٢) أسرع وأَوْجَفَهُ صاحبه إذا حمله على السير.
معنی «الرکاب؟
و ((الركاب)) الإِبل خاصة، واحدته راحلة من غير لفظها.
والجمع الركب مثل الكتب. وأما الركب فمن الأسماء المفردة
الواقعة على الجمع، وليس بجمع تكسير لراكب، بدليل قولهم في
تصغيره رکیب، وجمع التكسير: لا يصغر على لفظه.
معنى الكانت
لرسول الله ﴾
خالصة؟
وقوله ((فكانت لرسول الله و # خالصة)). معناه أن أموال بني
النضير كان معظمها له لا كلها، لأن له عليه الصلاة والسلام مما
أفاء الله عليه أربعة أخماسها والخمس الباقي فيكون له أحد وعشرون
سهماً من خمسة وعشرين سهماً والأربعة الباقية لذوي القربى
واليتامى والمساكين وابن السبيل.
:
قال الشيخ تقي الدين(٣): ويحتمل أن یکون كلها كانت / له
أي كما هو مذهب مالك، وكان ما يفعله من الكراع والسلاح تبرعاً ..
معنى قوله: وقوله: (([فكان](٤) عليه الصلاة والسلام يعزل نفقة أهله سنة) يعني
«فکان یعزل نفقة
أهله سنة؟
[٢٣٢/ هـ/ أ]
(١) في الأصل ون ها (فأرجع).
(٢) في مختار الصحاح (٢٩٦) (وجِيفاً). انظر: مادة (وج ف).
(٣) إحكام الأحكام (٥٢٧/٤).
(٤) في هـ ساقطة.
٣٤٦

أنه لما كانت أموال بني النضير له خالصاً، واتسع عليه الحال ادخر
لعياله نفقة سنة تطييباً لقلوبهم. وكان قبل ذلك لا يدخر «لغدٍ شيئاً)
أو ((كان لا يدخر شيئاً لغد))(١) لأجل نفسه أو لأجل أهله، وإن كان
مشاركاً لأهله فیما يدخر لهم.
((والسلاح)) يذكر ويجوز تأنيثه، وهو ما أعد من السلاح
للحرب من آلة الحدید مما يقاتل به.
و ((العدة)) بضم العين كل ما يستعان به لحوادث الدهر من مال
وسلاح.
الرابع: في فوائده.
الأولى: ما أكرم الله به نبيه من خصائص الدنيا والأخرى [(٢)]
وتقدمه بها على جميع المخلوقات.
الثانية: أن حكم أموال الفيء كانت خاصّاً به في حياته، يضعه اختصاص
حيث شاء، فكان ينفق منه على أهله نفقة سنتهم، ويجعل ما بقي بالفي ء في حياته
النبي
مصرف أكثر مال الله تعالى إلى أن توفي، وهذا ما قاله أكثر الشافعية
بالنسبة إلى أربعة أخماس الفيء وخمس خمسه.
وقال الغزالي وغيره: كان الفيء جميعه له إلى أن مات، وإنما
یخمس بعد موته.
وقال الماوردي (٣) وغيره: اختصاصه عليه الصلاة والسلام
(١) أخرجه الترمذي من رواية أنس (٢٣٦٢)، وابن حبان (٦٣٧٨)، ودلائل
النبوة للبيهقي (٣٤٦/١).
(٢) الحاوي الكبير (٤٢٨/١٠).
(٣) الحاوي الكبير (٤٢٨/١٠).
٣٤٧

بجميع الفيء كان في أول حياته، ونسخ في حياته.
واختلف العلماء في مصرف الفيء بعده.
مصرف الفيء
بعد وفاة
البي ®
فقيل: جميعه للمصالح ولا يخمس وهو قول أبي حنيفة وأحمد.
وقيل: إن الأخماس الأربعة للمرتزقة، وهم الأجناد
المرصدون للجهاد، والخمس: لخمسة لمصالح المسلمين، ولبني
هاشم والمطلب، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وهذا مذهب
الشافعي. والأكثرون على أن لا يخمس حتى عد [القول] (١) بتخميسه
[١/١/٢٨٥] من أفراد / الشافعي، ومحل الخوض في المسألة كتب الخلاف.
جواز الادخار
للفوت
الثالث: جواز الادخار للنفس والعيال قوت سنة، وأن ذلك
غير قادح في التوكل وفعله عليه الصلاة والسلام ذلك لم يكن لنفسه،
بل كان للعيال تطييبًاً لقلوبهم، وتسكيناً لهم، وجمعها على ما هم
بصدده، وكان مع ذلك ينفقه قبل انقضاء العدة في وجوه الخير، ولا
يتم جملة السنَّة، ولهذا توفي ودرعه مرهونة على شعيرٍ، استدان
لأهله، ولم يشبع ثلاثة أيام تباعاً (٢)، وقد تظاهرت الأحاديث
(١) زيادة من هـ.
(٢) في رواية أبي هريرة رضي الله عنه ولفظ: ((ما شبع آل محمد من طعام.
واحدٍ ثلاثاً حتى قبض ◌َله، إلَّ الأسودين: التمر، والماء)»، أخرجه
البخاري (٥٣٧٤)، دون قوله ((إلَّ الأسودين)) إلخ، البغوي (٤٠٧٦)،
وأبو الشيخ في أخلاق النبي ◌َّ (ص ٢٦٥).
وفي لفظ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((ما أشبع رسول الله وَالقر أهله
ثلاثة أيام تباعاً من خبز البر حتى فارق الدنيا»، أخرجه مسلم (٢٩٧٦)،
والترمذي (٢٣٥٨)، وابن ماجه (٣٣٤٣)، وأحمد (٤٣٤/٢).
٣٤٨

الصحيحة بكثرة جوعه وجوع عياله(١). وقام الإِجماع على جواز
ادخار ما يستغله الإنسان من أرضه وزراعته مما لم يشتره من السوق،
كما فعل الشارع.
ووقع الخلاف في ادخار قوت سنة من السوق، فأجازه قوم
واحتجوا بهذا الحديث: ولا حجة فيه، لأنه لم يكن من السوق.
ومنعه الأكثرون على ما حكاه القاضي عياض(٢) إلّ على ما لا يضر
بالسعر، ومحل هذا الاختلاف ما إذا كان وقت سعة. أما [إذا
كان](٣) في وقت ضيق الطعام على المساكين [لم يصح](٤) بل
يشتري ما لا يضيق: كقوت أيام أو شهر، والصوفية أو بعضهم: قد
يجعلون ما زاد على السنَّة خارجاً عن طريق التوكل.
ومن رواية عائشة رضي الله عنها: ((ما شبع آل محمد # منذ قدم المدينة
=
من طعام بر ثلاث ليالٍ تباع حتى قبض»، أخرجه البخاري (٥٤١٦)،
ومسلم (٢٢٨١/٣)، وأحمد (١٥٦/٦)، وابن ماجه (٣٣٤٤)، وابن
أبي شيبة (٢٤٩/١٣)، والبيهقي في السنن (٤٧/٧)، والدلائل
(٣٤٠/١).
(١) كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما أخرجه مسلم (٢٩٧٧)،
والترمذي (٢٣٧٢)، وحديث عمر من رواية النعمان رضي الله عنهما،
أخرجه مسلم (٢٩٧٨)، وابن ماجه (٤١٤٦)، وحديث عائشة رضي الله
عنها، أخرجه البخاري (٢٥٦٧)، ومسلم (٢٩٧٢)، وحديث أنس
رضي الله عنه، أخرجه البخاري (٢٠٦٩)، والترمذي (١٢١٥).
(٢) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٥/ ٧٣).
(٣) زيادة من هـ.
(٤) زيادة من هـ هكذا رسمها قريباً مما أثبت، وسياق الكلام يقتضيه.
٣٤٩

الرابع: مراقبة الله تعالى في الأموال أخذاً وعطاءً وصرفاً ومنعاً.
الخامس: البداءة بالإِنفاق على العيال والتوسعة عليهم، وما
فضل يصرف في الأهم من المصالح العامة. وأما الإِنفاق على
[النفس](١) فيجوز تقديمها بالنفقة المتوسطة على العيال وغيرهم، ثم
يصرف ما بقي على العيال وما سلف. لكن الأفضل إن كان ممن
يصبر ويحتسب أن يؤثر، وإلاَّ فلا وأما حال الاضطرار المفضي إلى
الهلاك فيتعين تقديم النفس.
السادس: إعداد [اللأمة] (٢) وكذا ثباتهم ومن يشرع له الغزو
[و](٣) آلات الجهاد والاعتناء بتقديمها على غيرهما، وهو من القوة
المأمور بإعدادها في الآية(٤).
السابع: التصون والتحرز في الغزو ونحوه، ولا يكون ذلك
قادحاً في التوكل خلافاً لبعض من حكى عنه أنه كان إذا خرج لا يعلق
ماءه، ويرى أن إعلاقه ليس من التوكل(٥).
(١) في الأصل (البعض)، وما أثبت من هـ.
(٢): في الأصل (الأئمة)، وفي ن هـ (الأدلة)، وما أثبت يقتضيه السياق .
- اللأمة - الدروع، كما قاله أهل اللغة، وإطلاق السلاح عليها من
إطلاق اسم الكل على البعض.
(٣) زيادة من هـ.
(٤) آية سورة الأنفال: ﴿وَأَعِدُواْلَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾
(٥) ورد أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ اَلنَّقْوَىِّ﴾،
ما أخرجه البخاري في حديث رقم (١٥٢٣) وغيره، عن ابن عباس قال:
كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون نحن المتوكلون، =
٣٥٠

فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ
=
الثّقْوَىَ﴾، قال البيهقي في الشعب (٣٩٨/٣) نقلاً عن الإِمام أحمد ((وفي
هذا أن الله تعالى أمر زوّار بيته بالتزود، فقال: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ
النَّقْوَىَّ﴾، يعني الله تعالى أعلم، فإن خير الزاد ما عاد على صاحبه
بالتقوى)». اهـ. قال البيهقي في الشعب (٣٩٨/٣) نقلاً عن الحليمي،
وهو ألاَّ يتوكل على أزواد الناس فيؤذيهم ويضيق عليهم، ومن دخل البادية
بلا زاد متوكلاً فإنما يرجوا أن يقيض الله له من يواسيه في زاده، وهذا عين
ما أشارت الآية إلى المنع منه. اهـ محل المقصود، وقد أكثر علماء
السلف في الإِنكار على من يفعل ذلك.
فقد قال الإِمام أحمد لرجل أراد الخروج إلى مكة من غير زاد، حينما قال
له: يا أبا عبد الله أنا متوكل، قال: فتدخل البادية وحدك أو مع الناس؟
قال: لا، مع الناس، قال: كذبت، لست بمتوكل، فادخل وحدك، وإلاّ
فأنت متوكل على جرب الناس)). اهـ. من الحث على التجارة.
وجاء في شعب الإيمان (٤٧٢/٣) عن سهل أنه قال: ((من طعن في
الاكتساب فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في
الإیمان».
وفيه أيضاً: (٤٥٩/٣) عن الجنيد (ليس التوكل الكسب، ولا ترك
الكسب، التوكل: شيءٌ في القلب، وقال أيضاً: إنما هو سكون القلب
إلى موعود الله عز وجل.
قال البيهقي رحمه الله: وعلى هذا ينبغي أن لا يكون تجريد هذا السكون
عن الكسب شرطاً في صحة التوكل، بل يكتسب بظاهر العلم معتمداً بقلبه
على الله تعالى، كما قال بعضهم: أكتسب ظاهراً وأتوكل باطناً، فهو مع
كسبه لا يكون معتمداً على كسبه، وإنما يكون اعتماده في كفاية أمره على
الله عز وجل. اهـ.
٣٥١

وقال ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) (٢٨٢): («لو قال رجل للصوفية:
من أين أطعم عيالي؟! لقالوا: قد أشركت، ولو سئل عمن يخرج إلى
التجارة لقالوا: لیس بمتوکل ولا موقن»
وقال أيضاً نقلاً عن ابن عقيل رحمهم الله تعالى (٢٧٩): يظن أقوام أن
الاحتياط والتحرز ينافي التوكل، وأن التوكل هو إهمال العواقب واطراح
التحفظ، وذلك عند العلماء هو العجز. والتفريط الذي يقتضي من العلماء
التوبيخ والتهجين، ولم يأمر الله بالتوكل إلاَّ بعد التحرز واستفراغ الوسع
في التحفظ، فقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ آلْأَمِّ فَإِذَا عَهْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الَّهِ﴾، فلو
كان التعلق بالاحتياط قادحاً في التوكل لما خص الله به نبيه، حين قال له:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَنَِّ﴾، وهل المشاورة إلاَّ استفادة الرأي الذي منه يؤخذ
التحفظ والتحرز من العدو». اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب - رحمنا الله وإياه ـ في جامع العلوم (٤٠٩)،
((واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله سبحانه
وتعالى المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه، بذلك، فإن الله تعالى أمر
بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة
له، والتوكل بالقلب عليه إيمان به». اهـ. وكلام أهل العلم في هذا طويل
:
ومرتبط بعقيدة التوحيد، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمنا الله
وإياه - في الفتاوى (١٣١/١) (٣٥/١٠).
الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً
نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب قدح في الشرع. اهـ.
٣٥٢

الحديث الرابع عشر
٨٠/١٤/٤٢٨ - ((عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:
أجرى النبي ول# ما ضمر من الحفياء إلى ثنية الوداع، وأجرى ما لم
يضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق))(١).
قال ابن عمر: و کنت فیمن أجرى.
قال سفيان: ((من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة،
ومن ثنية الوداع إلى مسجد / بني زريق ميل)).
[١/٢٨٥/ ب]
الكلام علیه من وجوه :
أحدها /: هذا الحديث ساقه البخاري كذلك في الجهاد (٢)، (٢٣٢/هـ/ب]
لفظ البخاري
وترجم عليه السبق بين الخيل، ثم ساقه بنحوه، وترجم عليه إضمار ونراجمه عليه
(١) البخاري أطرافه (٤٢٠)، ومسلم (١٨٧٠)، والترمذي (١٦٩٩)،
وأبو داود (٢٥٧٥)، والنسائي (٢٢٥/٦)، وفي الكبرى (٤٤٢٤،
٤٤٢٥)، والدارمي (٢١٢/٢)، وابن ماجه (٢٨٧٧)، والحميدي
(٣٠١/٢)، وأحمد (٥/٢، ١١، ٥٥)، ومالك (٣٧٢/٢)، والبيهقي في
السنن الكبرى (١٩/١٠)، وابن أبي شيبة (٧١٥/٧)، وعبد الرزاق
(٣٠٤/٥)، ومالك (٤٦٧/٢).
(٢) الفتح (٧١/٦) ح (٢٨٦٨).
٣٥٣

الخيل(١) للسبق، ثم ساقه بنحوه، وترجم عليه غاية السبق للخيل(٢)
المضمرة. وفيه قال موسى بن عقبة(٣): أحد رواته من ((الحفياء إلى
ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة، ومنها إلى مسجد بني زريق ميل
ونحوه)).
لفظ مسلم
ورواه مسلم؛ بنحوه ولم يذكر قول سفيان ولا موسى، وفي
رواية له قال عبد الله: ((فجئت سابقاً فطفف بي الفرس المسجد)).
التعـريـف
بـ (سفيان بن
ثانيها: ((سفيان)) هذا هو ابن عيينة بن ميمون العلاَّمة الحافظ
عيبة شيخ الإِسلام ومحدث الحرم، وترجمته موضحة فيما أفردته في
الكلام على رجال هذا الكتاب، فليراجع منه، وترجمة الصعبي في
رجال هذا الكتاب لسفيان هذا، ولسفيان الثوري، فكأنه توقف في
المراد، وليس كما توهم، فإنه ابن عيينة لا الثوري، كما قررناه،
فتنبه لذلك.
ثالثها: في ألفاظه:
معنى ،أجرى» معنى ((أجرى)) سابق كما جاء مبيناً في الصحيح أيضاً، وجاري
في العلم ناظر.
(١) الفتح (٧١/٦) ج (٢٨٦٩).
(٢) الفتح (٧١/٦) خ (٢٨٧٠).
(٣) لفظه في الفتح (٧١/٦) فقلت لموسى: فكم كان بين ذلك؟ قال: ستة
أميال أو سبعة، وسابق بين الخليل التي لم تضمر، فأرسلها من ثنية
الوداع، وكان أمدها مسجد بني زريق، قلت: فكم بين ذلك؟ قال: ميل
أو نحوه، وكان ابن عمر ممن سابق.
٣٥٤

و ((تضمير الفرس)» أن يقلل علفها، وتدخل بيتاً كنيناً، وتجلل معنى(التضمير)
فيه، لتعرق، ويجف عرقه، فيجف لحمها، وتقوى على الجري،
قاله النووي في ((شرحه))(١).
وعبارة الشيخ تقي الدين(٢): نحوها فإنه قال: الإِضمار ضد
التسمين، وهو تدريج لها في أقواتها إلى أن يحصل لها الضمر.
ونقل الفاكهي عن أهل اللغة أن التضمير أن تعلف حتى تسمن،
ثم ترده إلى القوت، أي: فلا يعلف غيره، وذلك في أربعين يوماً،
وهذه المدة تسمى ((المضمار))، والموضع الذي تضمر فيه يسمى
أيضاً ((مضماراً)) وهو بيت لين تجلل فيه لتعرق ويجف عرقها، فيجف
لحمها، ويقوى على الجري.
وذكر بعضهم (٣) أنها تعلف الحب والقضيم حتى تسمن إلى آخره.
ومن العرب من يطعمها اللحم واللبن في أيام التضمير.
وعبارة بعضهم(٤): أن التضمير أن تشد عليها سروجها،
وتجلل بالأجلة حتى تعرق عنها، فيذهب رحلها، ويشتد لحمها.
ويقال: ضَمَّر بالتشديد، وأضمر بالهمز والتخفيف،
[والضُمْرُ](٥) بسكون الميم وضمها: خفة اللحم والهزال. وقد ضَمَرَ
(١) شرح مسلم (١٣/ ١٤).
(٢) إحكام الأحكام (٤/ ٥٣٠).
(٣) معالم السنن (٣٩٨/٣).
(٤) النهاية (٩٩/٣)، ذكره في النظم المستعذب (٥٠/٢).
(٥) في الأصل مكررة وهـ (المضمر).
٣٥٥

---
الفرس بفتح الميم يَضْمُرُ ضُمُوراً وضُمْر بالضم لغةً فيه، ويقال
ضمرت الفرس وأضمرتها.
:
رابعها: في تبين أسماء الأماكن الواقعة فيه .
معنی الحقیاء»
فأما ((الحَفْيَاءُ)) فبفتح الحاء المهملة وسكون الفاء تمد وتقصر
والأشهر المد والجاء مفتوحة بلا خلاف وأخطأ من ضمها، كما نَّه
[١/١/٢٨٦] عليه صاحب ((المطالع))، ويقال أيضاً: / ((بحيفاء))(١) بتقديم الياء عن
الفاء، كما حكاه الحازمي(٢)، والمشهور في كتب الحديث وغيرها
تأخيرها عنها .
و ((الثنية» بتشديد الياء الطريق في الجبل.
معنى (الوداع»
و ((الوداع)) بفتح الواو سميت بذلك لأنها موضع وداع
المسافرين من المدينة، يودعهم مشيعوهم بها.
وقيل: لأنه عليه الصلاة والسلام ودع بها بعض من خلفه على
المدينة في أحد خرجاته.
(١). ذكرها رواية كما في المغانم المطابة في معالم طابة، للفيروزآبادي
(١١٧)، وأيضاً في المؤتلف والمختلف في أسماء البلدان.
انظر: معجم البلدان (٢٧٦/٢).
(٢) هو محمد بن موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان الحازمي الهمداني،
وُلد سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمسمائة، له مؤلفات منها الناسخ
والمنسوخ، عجالة المبتدي وفضالة المنتهي في الأنساب، توفي في
جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وخمسمائة عن خمس وثلاثين سنة،
ترجمته شذرات الذهب (٢٨٢/٤)، وطبقات ابن شهبة (٤٦/٢).
٣٥٦

وقيل: بعض سراياه المبعوثة، والأول أصح، فإنه اسم قديم
جاهلي لهذه الثنية، وقد قال نساء الأنصار حين قدم رسول الله وَليم
المدينة :
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع(١)
وقول سفيان: إن بين الحفياء والثنية ستة أميال أو خمسة هو
قول الأكثر، خلافاً لقول موسى بن عقبة السالف.
و ((زريق)) بزاي مضمومة ثم راء مهملة بطن من الأنصار من ضبط ازريق)
الخزرج، ينسب إليه جماعة من الصحابة وغيرهم.
مقدار الميل
و ((الميل))(٢) حيث أطلق المراد به في المسافة ألف باع.
والباع: أربعة أذرع.
والذراع: أربعة وعشرون أصبعاً.
والأصبع: ست شعيرات بطن حبة إلى ظهر أخرى.
(١) أخرجها البيهقي في دلائل النبوة (٥٠٦/٢)، قال ابن حجر - رحمنا الله
وإياه - في الفتح (١٢٩/٨)، وقد روينا بسندٍ منقطع في الحلبيات قول
النسوة لما قدم النبي # المدينة ((طلع البدر علينا من ثنيات
الوداع». اهـ.
البيهقي في دلائل النبوة (٥٠٦/٢) ضعفه العراقي في تخريج إحياء علوم
الدين (١٩٩٧). قال: رواه البيهقي في الدلائل من حديث ابن عائشة
معضلاً وليس فيه ذكر الدف والألحان. اهـ.
(٢) الميل (١٨٤٨) م.
٣٥٧

والشعير: ست شعيرات من شعر البغل أو ما قام مقامه. وقال
ابن عبد البر(١): أصح ما قيل في الميل: أنه ثلاثة آلاف ذراع
وخمسمائة ذراع.
خامسها: في فوائده:
الأول: جواز المسابقة بين الخيل.
الثاني: تضميرها وهو إجماع أيضاً وكذا فيما قبله، لكن
اختلف العلماء في المسابقة بينهما هل هو سنة أو مباح، ومذهب
الشافعية الأول.
الثالث: جواز تجويع البهائم على وجه الصلاح عند الحاجة
إلى ذلك، وليس هو من باب تعذيبها، بل من باب تدريبها
[٢٣٣/ هـ/أ] [للحرب](٢) وإعدادها لحاجتها والكر والفر/.
الرابع: بيان الغاية التي يتسابق إليها ومقدار أمدها.
الخامس: إطلاق الفعل على الآمر به والمسوغ له، وليس في
الحديث دلالة على العوض فيها، ولا على جوازها على غير الخيل،
ولا على غير ذلك من الشروط التي اشترطها الفقهاء في عقد
المسابقة، فلا حاجة إلى الخوض فيها، فإنه تعرض لها بعض
الشراح، وقد قام الإجماع على جواز المسابقة بغير عوض بين جميع
أنواع الخيل، سواء أكان معها ثالث أم لا فأما [المسابقة بعوض](٣):
(١) الاستذكار (٢٣٧/١).
(٢) زيادة من ن هـ.
(٣) ما أضيف من شرح مسلم للنووي (١٤/١٣).
٣٥٨

فجائزة بالإِجماع، لكن يشترط أن يكون العوض من غير المتسابقين
أو منهما، ويكون معهما محلل، وهو ثالث على فرس مكافىء
لفرسيهما، ولا يخرج المحلل من عنده شيئاً، فيخرج هذا العقد عن
صورة القمار، ومحل الخوض في ذلك كتب الفروع، وقد
[٢٨٦/أ/ ب]
بسطناها / فيها، ولله الحمد.
السادسة: جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها، وليس في ذلك
تزكية لهم، وليس إضافة المسجد إلى بني رزيق إضافة تمليك، وإنما
هي إضافة تمييز، وقد ترجم البخاري(١) على هذه المسألة فقال:
باب جواز قول مسجد بن فلان، وروي عن إبراهيم النخعي(٢) أنه
كان يكره أن يقال مسجد بني فلان، ولا يرى بأساً أن يقال مصلى بني
فلان.
(١) البخاري الفتح (٥١٥/١)، ح (٤٢٠).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٤٣٨/٢).
٣٥٩

الحديث الخامس عشر
٤٢٩/ ٨٠/١٥ - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:
عرضت على النبي ◌َالهول يوم أُحُد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم
يجزئي [(١)] وعرضت عليه يوم الخندق [وأنا ابن خمس عشرة](٢)
فأجازني))(٣).
الكلام علیه من وجوه :
تاريخ غزوة أحد
أحدها: ((غزوة أُحُد)» كانت في يوم السبت النصف من شوال
سنة ثلاث .
((وغزوة الخندق)) كانت في شوال، وقيل: في جمادى الآخرة،
وقيل: في ذي القعدة سنة أربع، وقيل: خمس، وهو يوم الأحزاب،
تاريخ غزوة
الخندق
(١) في متن العمدة زيادة (في المقاتلة) ..
(٢) في هـ ساقطة. وفي متن العمدة زيادة (سنة).
(٣) البخاري (٤٠٩٧)، مسلم (١٨٦٨)، والترمذي (١٣٦١)، وأبو داود
(٢٩٥٧)، وابن ماجه (٢٥٤٣)، والنسائي (١٥٥/٦)، وفي الكبرى
(٥٦٢٤، ٨٨٧٧)، وأحمد (١٧/٢)، وأبو عوانة (٥٣/٤، ٥٤)،
وعبد الرزاق (٣١٠/٥، ٣١١).
٣٦٠