Indexed OCR Text
Pages 261-280
قال: المنهي عنه الوسطى والسبابة وهذه ظاهرية منه. وجاء فيهما حديثان صحيحان. قال البخاري(١): والأصح في اليمين، وهو الأصح عند الشافعية أيضاً، لأنه زينة واليمين أشرف وأحق بالزينة والإِكرام وتختم كثيرون من السلف فيه وكثيرون في اليسار، واستحبه مالك، وكره اليمين صيانةً له، وادعى البغوي في ((شرحه)) (٢) أنه كان آخر الأمرين من رسول الله بس طر، ولا ينبغي أن يحمل ذلك على النسخ، وإنما هو أمر اتفاقي ويعارض هذا ما روي عن عائشة أنه عليه الصلاة والسلام كان يتختم في يمينه وقُبِضَ والخاتم في يمينه، وذكر الزمخشري (٣) في ((ربيع الأبرار)) (٤) أنه عليه الصلاة والسلام كان يتختم في يمينه والخلفاء بعده، فنقله معاوية إلى اليسار، فأخذ المروانية بذلك، ثم نقله السفاح إلى اليمين فبقي إلى أيام الرشيد فنقله إلى اليسار، فأخذ الناس بذلك. (١) ذكره الترمذي في جامعه (١٧٤٤)، كتاب اللباس، باب: ما جاء في لبس الخاتم في اليمين. (٢) شرح السنة (٥٨/١٢). (٣) هو الإِمام أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي الملقب بجار الله، وُلد سنة سبع وستين وأربعمائة المتوفى سنة ثمان وثلاثون وخمسائة ((بجرجانية)) ليلة عرفة، له مصنفات منها: أساس البلاغة، الکشاف، ربيع الأبرار. ترجمته في: إنباء الرواة على أنباء النحاة القفطي (٢٦٥/٣، ٢٧٢)، والعقد الثمين في تاريخ البلد الأمين (١٣٧/٧، ١٥٠). (٤) ربيع الأبرار ونصوص الأخبار (٢٤/٤). ٢٦١ الحديث السادس ٧٩/٦/٤١٥ - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رسول الله ◌َ «نهى عن لبوس الحرير إلاَّ هكذا، ورفع لنا رسول الله ( ﴿ أصبعيه السبابة، والوسطى)). ولمسلم: ((نهى نبي الله ◌َّه عن لبس الحرير إلاَّ موضع إصبعين، أو ثلاثٍ، أو أربع)»(١). الكلام علیه من وجوه : أحدها: هذه الزيادة مما استدركها الدارقطني(٢) على مسلم، وقال: لم يرفعها عن الشعبي إلاَّ قتادة وهو مدلس، وقد رواه جماعة إيضاح استدراك الدار قطني (١) البخاري (٥٨٢٨)، ومسلم (٢٠٦٩)، وأبو داود (٤٠٤٢)، والترمذي (١٧٢١)، وابن ماجه (٣٥٩٣)، وأحمد (٥١/١)، والبيهقي (٤٢٣/٢). (٢) الإلزامات والتتبع (٣٨٢). انظر: جواب النووي في شرحه (٤٨/١٤)، والفتح (٢٨٥/١٠، ٢٨٦)، وقد أشار ابن حجر بأن الدارقطني نبه على أن هذا الحديث أصل في جواز الرواية بالكتابة عند الشيخين، قال ذلك بعد أن استدركه عليهما وفي ذلك رجوع عن الاستدراك عليهما، والله أعلم. اهـ. ٢٦٢ من الأئمة الحفاظ موقوفاً(١) على عمر، وجواب هذا أن / الرفع [١/١/٢٧١] مقدم عليه على الصحيح عند الفقهاء والأصوليين ومحققي المحدثين، لأنها زيادة من ثقة فقدمت. ثانيهما: ((لبوس)) بفتح اللام. و ((الإصبع)) فيه عشر لغات أفصحها كسر الهمزة وفتح الباء قاله ابن السيد. ((والسبابة)) التي تلي الإِبهام، سميت بذلك لأنه يشار بها عند السب. ثالثها: هذا الحديث جمع فيه 18َ بين النهي عن لبس الحرير مقدار الرخصة من الحرير وما رخص فيه ومقداره /، وفيه الرد على من يوسع فيه بالزيادة على [٢٢٤/ هـ/أ] أربعة أصابع، والمراد بالأصابع أصابع الآدمي لا أصابع الذراع الهاشمي وفي إشارته عليه الصلاة والسلام بإصبعيه ما يفهم ذلك. رابعها: توسع الفقهاء باعتبار الوزن، أو الظهور في المركب من الحرير وغيره، ولا بد لهم من الاعتذار عن هذا الحديث: إما بتأويل، أو بتقديم معارض. خامسها: يدخل في الإِباحة العلم في الثوب والعمامة وغيرهما، إذا لم يزد على أربع أصابع، وهو مذهب الشافعي والجمهور. (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٧/٨)، والنسائي في الكبرى (٩٦٢٦ - ٩٦٣٤). ٢٦٣ وعن مالك رواية تمنعه، وهو قول ابن عمر، وعن بعض أصحابه، رواية بإباحة العلم، بلا تقدير أربع أصابع، بل يجوز وإن عظم، ويردهما صراحة هذا الحديث. سادسها: يدخل في النهي عن لبوس الحرير جميع الملبوسات: قبعاً، وكلوبة وقباء وغيرهما إلاَّ ما استثني من ذلك: للضرورة والحاجة. ٢٦٤: كتاب الجهاد ٢٦٥ ٨٠ - باب الجهاد هو مأخوذ من الجَهد - بفتح الجيم - وهو التعب والمشقة تعريف الجهاد - وبضمها - الطاقة بلغ جُهده ــ أي طاقته -، فالمجاهد في سبيل [الله](١) هو البالغ في إتعاب نفسه في ذات الله وإعلاء كلمته التي جعلها طريقاً إلى الجنة وسبيلاً إليها، ووراء جهاد النفس والسيف جهاد القلب، وهو دفع الشيطان، ونهى النفس عن الهوى وشهواته المحرمة، وجهاد اليد واللسان، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن جملته جهاد القلب، وهو من أفضل الأعمال، لما فيه من بذل النفس في ذات الله تعالى. لا جرم جوزي بأنه حي عند ربه، إلى آخر ما جاء في التنزيل. وذكر المصنف في الباب تسعة عشر حديثاً، وبعضها في الفيء، وبعضها في النفل، وبعضها في المسابقة: (١) زيادة من ن هـ. ٢٦٧ أولها ٨٠/١/٤١٦ - عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما. ((أن رسول الله وي لتر - في بعض أيامه [التي لقى فيها العدو ، انتظر، حتى إذا [زالت] (١) الشمس قام فيهم، فقال: ((أيها الناس لا تتمنوا [١/٢٧١/ ب] لقاء العدو واسألوا / الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن. الجنة تحت ظلال السيوف». ثم قال النبي وقال: ((اللَّلهم منزّل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم، وانصرنا عليهم))](٢). الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه سلف في الأطعمة : كلام عن بداية غزوات وتقدم عليها أن أول غزوة غزاها رسول الله وَير ذات العسير. النبي أو العشير بالسين المعجمة والمهملة، وهي من أرض [مدلج](٣)، وعددها (١) في إحكام الأحكام (مالت). (٢) في ن هـ ساقطة. والحديث أخرجه البخاري (١٦٠٠)، ومسلم (١٧٤٢)، والترمذي (١٦٥٩)، وأبو داود (٢٦٣١)، والبيهقي (١٥٢/٩)، وأحمد. (٣٥٣/٤، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٨١)، أبو عوانة (٨٨/٤، ٨٩)، والنسائي في. الكبرى (٨٦٣٢)، عبد الرزاق (٢٤٩/٥)، وابن أبي شيبة (٦٤٧/٧، ٦٩٥). (٣) في المخطوط (مذحج)، وما أثبت من طبقات ابن سعد. ٢٦٨ وقال ابن سعد(١): كان قبلها ثلاث غزوات، يعني غزاها بنفسه، وقال ابن عبد البر في كتاب ((الدرر في المغازي والسير))(٢) أول غزاة غزاها وَدّان غزاها بنفسه في صفر سنة اثنتين من الهجرة، واستعمل على المدينة سعد بن عبادة حتى بلغ وَدَّانَ وادع بني ضمرة، ثم رجع، ولم يلق [حرباً](٣)، وهي المسماة بغزوة الأبواء وغزواته، دون الثلاثين، وسرياه فوق الأربعين، وموضع الخوض فيها كتب السير . الوجه الأول: قوله: ((انتظر حتى إذا مالت الشمس))، أي: مالت، وجاء في رواية في غير هذا الحديث أنه عليه الصلاة والسلام ((كان لا يقاتل حتى تزول الشمس)»(٤)، والحكمة في ذلك أنه أمكن للقتال، فإنه وقت هبوب الرياح ونشاط النفوس، وكلما طال ازدادوا نشاطاً وإقداماً على عدوهم. قاله النووي في ((شرح مسلم)(٥)، قال: قد جاء في البخاري(٦): ((أخّر حتى تهب الرياح، (١) طبقات ابن سعد (٩،٨/٢). (٢) الدرر في المغازي والسير (٩٥)، وطبقات ابن سعد (٨/٢). (٣) في طبقات ابن سعد (كيد). (٤) من حديث النعمان بن مقرن رضي الله عنه ولفظه: ((كان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر»، هذا لفظ الترمذي، البخاري (٣١٥٩) (١٦١٢ - ١٦١٣)، وأحمد (٤٤٤/٥)، وأبو داود (٢٦٥٥)، والبيهقي (١٥٣/٩)، وابن أبي شيبة (٣٦٨/١٢)، والحاكم (١١٦/٢). (٥) شرح مسلم (٤٦/١٢). (٦) البخاري (٣١٥٩). ٢٦٩ وتحضر الصلوات))، وسببه فضيلة أوقات الصلاة والدعاء عندها(١). الحكمة في وعبارة القاضي في ((إكماله)) الحكمة في ذلك أنه وقت هبوب الرياح تأخير القتال حتى نزول المنشطة لهم، بخلاف قتالهم قبل ذلك، فإنه قد يغشاهم وقت الشمس الهاجرة، وهم في الحرب وشدته فيشتد عليهم الأمر، فيثبطهم. فيؤدي إلى استيلاء العدو عليهم. وقيل: الحكمة أن الزوال وقت هبوب الصبا التي اختص بالنصر بها، قال عليه الصلاة والسلام ((نصرت بالصبا))(٢). الثاني: فيه استحباب المصافة بعد الزوال، كما قررناه. الثالث: إنما نهى عن لقاء العدو، لما فيه من صورة الإِعجاب والاتكال على النفس والوثوق للقوة، وهو نوع بغي، وقد ضمن الله سبب النهي عن تمني لقاء العدو (١) وقد جاء مبيناً في سنن الترمذي بقوله قال: ((وكان يقال عند ذلك تهيج رياح النصر ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم» . (٢) البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠)، والبيهقي (٣٦٤/٣)، والبغوي. (١١٤٩)، وأحمد (٢٢٣/١، ٣٧٣). قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٥٢١/٢): الصَبا بفتح المهملة بعدها موحدة مقصورة يقال القبول بفتح القاف لأنها تقابل باس: الكعبة إذ مهبها من مشرق الشمس، وضدها الدبور وهي التي أهلكت بها : قوم عاد، ومن لطيف المناسبة كون القبول نصرت أهل القبول، وكون · الدبور أهلكت أهل الإِدبار، وأن الدبور أشد من الصبا، - إلى أن قال ۔۔ ولما علم الله رأفة نبيه بقومه رجاء أن يسلموا سلط عليهم الصبا ... إلخ. والصبا: هي الرباح الشرقية. الدبور: الرياح الغربية. اهـ من الفتح (٤٠٢/٧). ٠٢٧٠ تعالى لمن بغي عليه أن ينصره، ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره، وهذا يخالف الاحتياط والحزم وتأوله بعضهم على النهي عن التمني في صورة خاصة، وهي إذا شك في الصحة فيه وحصول ضرر وإلاّ فالقتال كله فضيلة وطاعة، والصحيح الأول، ولهذا نَبَّهَ عليه الصلاة / والسلام عقب نهيه بقوله: ((واسألوا الله العافية))، أي: [١/١/٢٧٢] فإنه لا يعدلها شيء، وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤالها، وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات، [ديناً](١) ودنيا وأخرى، أدامها الله علينا [بمنه وكرمه](٢). رابعها: فيه كراهة تمني لقاء العدو، كما قررناه، قال الشيخ كرامة تمني تقي الدين(٣): لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء وأصعبها على لقاء العدو النفوس من وجوه كثيرة، وكانت الأمور المقدرة عند النفس ليست كالأمور المحققة لها، خُشي أن لا تكون عند التحقيق كما ينبغي، فكره [تمنيه](٤) لذلك، ولما فيه - إن وقع - من احتمال المخالفة لما وعد الإِنسان من نفسه، ثم أُمر بالصبر عند وقوع الحقيقة، وقد [صح](٥) النهي عن تمني الموت مطلقاً لضُرٍّ نزل به. وفي الحديث [الآخر](٦): ((لا تتمنوا الموت، فإن هول المطلع (١) في ن هـ ساقطة. (٢) في ن هـ ساقطة. (٣) إحكام الأحكام (٤/ ٥٠٠). في المرجع السابق (تمني لقاء العدو). (٤) (٥) في المرجع السابق (ورد). (٦) غير موجودة في المرجع السابق . ٢٧١ شديد))(١)، وفي الجهاد زيادة ((على مطلق الموت)). هذا آخر. كلامه . قال ابن عباس: ولم يتمن [نبي] (٢) الموت غير يوسف عليه : الصلاة والسلام (٣)، وقال غيره: إنما تمنَّى الوفاة على الإِسلام (١) أحمد (٣٣١/٣) من حديث جابر بن عبد الله وأخرجه البزار كما في الكشف (٧٨/٤، ١٥٢)، قال الهيثمي: في المجمع (١٩٩/١٠)، رواه البزار عن شيخه عمرو بن مالك (الرؤاسي) صوابه: (الراسبي)، وضعفه غير واحد، ووثقه ابن حبان، وقال: يغرب ويخطىء، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقال أيضاً: (٣٣٤/١٠) رواه أحمد والبزار وإسنادهما جيد. اهـ. (٢) في ن هـ ساقطة. (٣) تفسير الطبري (٢٧٩/١٦)، وقال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (١٢٨/١٠): على باب تمني المريض الموت وقال أيضاً: (١٣٠/١٠): قوله: (لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه): الخطاب للصحابة، والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عموماً، وقوله: ((من ضر أصابه)). حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي، فإن وجد الضر الأخروي بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي، ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية ابن حبان ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا) على أن (في)) في هذا الحديث سببية، أي بسبب أمر من الدنيا، وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة: ففي ((الموطأ)) عن عمر أنه قال: ((اللَّهُم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط))، وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن عمر، وأخرج أحمد وغيره من طريق عبس ويقال عابس الغفاري أنه قال: ((يا طاعون خذني. فقال له = ٢٧٢ عليم الكندي: لِمَ تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله وَليقول: لا يتمنين أحدكم = الموت؟ فقال: إني سمعته يقول: بادروا بالموت ستّاً، إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم ... )) الحديث. وأخرج أحمد أيضاً من حديث عوف بن مالك نحوه وأنه ((قيل له: ألم يقل رسول الله ◌َ لاير: ما عمر المسلم كان خيراً له ... )) الحديث، وفيه الجواب نحوه، وأصرح منه في ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود وصححه الحاكم في القول في دبر كل صلاة وفيه: ((وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون». اهـ. (قوله: (باب تمني المريض الموت)، أي هل يمنع مطلقاً أو يجوز في حالة؟ ووقع في رواية الكشميهني نهى تمني المريض الموت، وكأن المراد منع تمني المريض. وذكر في الباب خمسة أحاديث: الحديث الأول عن أنس . قوله: (ولا يتمنى) كذا للأكثر بإثبات التحتانية، وهو لفظ نفي بمعنى النهي. ووقع في رواية الكشميهني: ((لا يتمنَ)) على لفظ النهي، ووقع في رواية معمر الآتية في التمني بلفظ: ((لا يتمنى)) للأكثر، وبلفظ: ((لا يتمنين)) للكشميهمي، وكذا هو في رواية همام عن أبي هريرة بزيادة نون التأكيد، وزاد بعد قوله أحدكم الموت: ((ولا يدع به من قبل أن يأتيه» وهو قيد في الصورتين، ومفهومه أنه إذا حل به لا يمنع من تمنيه رضا بلقاء الله ولا من طلبه من الله لذلك وهو كذلك، لهذه النكتة عقب البخاري حديث أبي هريرة بحديث عائشة: ((اللَّهمَّ اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى)) إشارةً إلى أن النهي مختص بالحالة التي قبل نزول الموت، فلله درَّه ما كان أكثر استحضاره وإيثاره للأخفى على الأجلى شحذاً للأذهان. وقد خفى صنيعه هذا على من جهل حديث عائشة في الباب معارضاً لأحاديث الباب أو ناسخاً لها؛ وقوى ذلك بقول يوسف عليه السلام : = ٢٧٣ : لا الموت وقد ورد عنه [عليه الصلاة والسلام] (١) في بعض أدعيته: ((وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون))(٢): وروى عن ﴿تَوَقَِّى مُسْلِمًا وَ أَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ . (0)﴾، قال ابن التين: قيل أن النهي منسوخ وسف فذكره: وبقول سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادَِ الصَّلِحِينَ ﴾، وبحديث عائشة في الباب، وبدعاء عمر بالموت وغيره. قال: وليس الأمر كذلك لأن هؤلاء إنما سألوا ما قارب الموت. قلت: وقد اختلف فى مراد يوسف عليه السلام، فقال قتادة: لم يتمنَ الموت أحد إلاَّ يوسف حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل اشتاق إلى لقاء الله، أخرجه الطبراني بسندٍ صحيح عنه. وقال . غيره: بل مراده توفني مسلماً عند حضور أجلي، كذا أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك بن مزاحم، وكذلك مراد سليمان عليه السلام. : وعلى تقدير الحمل على ما قال قتادة فهو ليس من شرعنا، وإنما يؤخذ بشرع من قبلنا ما لم يرد في شرعنا النهي عنه بالاتفاق، وقد استشكل الإذن: في ذلك عند نزول الموت لأن نزول الموت لا يتحقق، فكم من انتهى إلى غاية جرت العادة بموت من يصل إليها ثم عاش. والجواب أنه يحتمل أن يكون المراد أن العبد يكون حاله في ذلك الوقت حال من یتمنی نزوله به ویرضاء أن لو وقع به، والمعنی أن یطمئن قلبه إلى ما يرد عليه من ربه ويرضى به ولا يقلق، ولو لم يتفق أنه يموت في ذلك المرض). اهـ. (١) في ن هـ ساقطة. (٢) من رواية ابن عباس عند أحمد (٣٦٨/١)، والترمذي (٣٢٣٣، ٣٢٣٤)، قال في تحفة الأشراف: النكت الظراف (٣٨٢)، وقال محمد بن نصر في كتاب تعظيم قدر الصلاة: هذا حديث اضطرب الرواة في إسناده، وليس يثبت عند أهل المعرفة. اهـ. السنّة لابن أبي عاصم (٢٠٤/١)، والتوحيد لابن خزيمة (٥٣٨)، والشريعة للآجري (٤٩٦)، والمنتخب لعبد بن حميد = ٢٧٤ [(١)] عمر أنه قال: «قد رق عظمي وانتشرت رعيتي فتوفني غير [مقصر](٢) ولا [عاجز](٣) (٤). فإن قلت: إذا كان الجهاد طاعة فكيف ينهى عن تمنيها. قلت: وقد أجيب عن هذا بإن المنهي عنه التهاون بأمر العدو وعدم أخذ الحذر منه كما مضى. (٢٢٨/١)، والأسماء والصفات للبيهقي (٣٧٩)، والعلل لابن أبي حاتم = (٢٠/١)، والرؤية للدارقطني (٣٣٢، ٣٢٦). ومن رواية معاذ بن جبل: عند أحمد (٢٤٣/٥)، والترمذي (٣٢٣٥)، قال: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح ... إلخ كلامه، الأسماء والصفات للبيهقي (٣٨٠)، والطبراني في الكبير (١٠٩/٢٠، ١٤١)، والتوحيد لابن خزيمة (٥٤٠)، والدارقطني في .( الرؤية ( وقد روي عن جماعة من الصحابة منهم عبد الرحمن بن عايش (مختلف في صحبته)، وقد روى عنه عن بعض أصحاب رسول الله ◌َلله فى السنة لابن أبي عاصم (٢٠٤/١)، الشريعة للآجري (٤٩٧)، والدارمي في السنن (١٢٦/٢)، وأحمد (٣٧٨/٥)، والرؤية للدارقطني (٣١٦)، وعن ثوبان في السنة لابن أبي عاصم (٢٠٤/١)، والتوحيد لابن خزيمة (٥٤٣)، والرؤية للدار قطني (٣٤٠)، والبغوي في السنة (٣٨/٤)، وأبي أمامة في السنة لابن أبي عاصم (١٧٠/١، ٢٠٣)، والرؤية للدارقطني (٣٣٣، ٣٣٦)، والطبراني في الكبير (٣٤٩/٨). (١) في ن هـ زيادة (ابن)، وهو خطأ. (٢) في الموطأ (مضيّع). (٣) المرجع السابق (مُفَرِّط). (٤) الموطأ (٨٢٤/٢). ٢٧٥ قال القاضي: هو بمعنى نهي أمته عن تمني المكاره، ولهذا كان السلف الصالح يتمنون من الله تعالى العافية من الفتن والمحن، لاختلاف الناس في الصبر عند نزولها، ولهذا قال في الحديث متصلاً به ((واسألوا الله العافية)). طلب المبارزة خامسها: استدل به بعضهم على منع طلب المبارزة، لأنها من تمني لقاء العدو، ولكن إن دعي إليها أجاب: ((روي عن علي رضي الله عنه أنه قال لابن له: يا بني لا تدعُ أحداً إلى المبارزة، ومن دعاك إليها فأخرج إليه، فإنه باغ، وقد ضمن الله نصر من بُغِي عليه))(١). تعريف الصبر سادسها: قوله: ((فإذا لقيتموهم فاصبروا)) أمر بالصبر عند وقوع الحقيقة، وحثّ على الصبر في القتال، وهو كظم ما يؤلم من غير إظهار شكوى ولا جزع، وهو الصبر الجميل، وهو آكد أركانه، وقد جمع الله تعالى آداب القتال في قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾﴾﴾(٢)، إلى قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ()﴾(٣)، وقد جاءت آيات في الحث على (٤) الصبر، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّيِرِينَ ١٥٣) ومنها قوله تعالى: [﴿وَلَيِنِ صَبّ ◌ُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّبِنَ شَ﴾(٥)](٦) (١) ذكرها في إكمال إكمال المعلم (٥/ ٥٤). (٢) سورة الأنفال: آية ٤٥ . (٣) سورة هود: آية ٩٢. (٤) سورة البقرة: آية ١٥٣. (٥) سورة النحل: آية ١٢٦. (٦) في ن هـ (﴿ لَيْنَ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾). ٢٧٦ سابعها: قوله: ((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف))، هذا معنى (أن الجنة من المجاز البليغ الحسن جداً، فإن ظل الشيء لما كان ملازماً، جعل السبوف، تحت ظلال ثواب الجنة واستحقاقها بسبب الجهاد، وإعمال السيوف لازم لذلك، كما يلزم الظل، وهذا نظير ((الجنة تحت أقدام الأمهات))، وكما في تخصيص السيوف دون آلات الحرب، لكونها الغالب مما يقاتل به، فإنها أسرع إلى الزهوق، وقال القاضي عياض: قيل: معنى الحديث إن ثواب الجهاد تحت ظلال السيوف، لأن معظم الجهاد بها، ولكونها تظل صاحبها عند رفعها للضرب بها غالباً، وقيل: معناه دُنُؤُّ الأقران من الأعداء حتى يكونوا جميعاً تحت ظلال السيوف، ولا يفرون، لأن كل من دنا منك فقد أظلك، وإلى نحو هذا أشار الخطابي(١)، وقال النووي(٢): معناه ثواب الله، والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله ومشي المجاهدين في سبيله فاحضروا فيه بصدق واثبتوا. ثامنها: قوله: ((اللهم منزل الكتاب)) إلى آخره، أشار بالكتاب إلى نصره على من خالفه، قال تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾(٣) الآية. وأشار بـ ((مجري السحاب)) إلى شدة الأخذ وسرعة البطش أسباب يطلب وهذا الدعاء إشارةً إلى ثلاثة أسباب / يطلب بها الإِجابة. بها الإجابة [٢٢٥ /هـ/ أ] (١) معالم السنن (٤٣٠/٣). (٢) شرح مسلم (٤٦/١٢). (٣) سورة التوبة: آية ١٤. ٢٧٧ أحدها: طلب النصر بالكتاب المنزل، وعليه يدل قوله: ((منزل الكتاب)»، كأنه قال كما أنزلته فانصره وأعله، وأشار إلى القدرة بقوله: ((ومجري السحاب)». وأشار إلى أمرين بقوله: «وهازم الأحزاب». أحدهما: التفرد بالفعل وتجريد التوكيل واطراح الأسباب واعتقاد أن الله هو الفاعل. والثاني: التوسل بالنعمة السابقة إلى النعمة اللاحقة، وقد ضَمَّن الشعراء هذا المعنى أشعارهم بعدما أشار إليه كتاب الله حكاية عن زكرياء عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنُّ ◌ِدُعَلَبِكَ رَبِّ شَقِيًّا (﴾﴾(١)، وعن إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِيِّ إِنَُّ كَانَ بِ حَفِيًّا ◌َلْ﴾﴾(٢)، وقال الشاعر: كذلك يحسن فيما بقى كما أحسن الله فيما مضى وقال آخر: قالوا نلت به وأنت في هذا التمادي فأجبتهم حسن الرجاء وملة الإِسلام زادي [لولا و](٣)الذي قدمن [بالإيمان](٤) يثلج في فؤادي ما كان يختم بالإساءة وهو بالإِحسان بادي (١) سورة مريم: آية ٤. (٢) سورة مريم: آية ٤٧ . (٣) في الأصل: (لا و). (٤) في ن هـ وضع فوقَها (بالإِسلام)، وأثبت (الإِيمان) فوقها. ٢٧٨ ومراده بالإساءة ما يسوء الشخص بعد الإحسان إليه، فإن [الله](١) تعالى مالك لعبيده، يفعل ما يريد فلا يوصف بكونه أساء، ويحتمل الحديث معنى آخر وهو التنبيه على عظم / هذه النعم [١/١/٢٧٣] الثلاث، فإن بإنزال الكتاب، وإعجازه حصلت النعمة الأخروية وهي الإِسلام، قال تعالى: ﴿هُدِّى لِلْمُتَّقِينَ ﴾﴾(٢)، و((مجري السحاب)) حصلت النعمة الدنيوية وهي الرزق، قال تعالى: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (®)﴾(٣)، وبهزيمة الأحزاب حصل حفظها، فإن فائدة الجهاد إنما هي إعلاء كلمة الدين وصون المسلمين، فكأنه عليه الصلاة والسلام [يقول](٤) اللَّلهم كما أنعمت بعظيم نعمتك الأخروية والدنيوية وحفظتهما فأبقهما. تاسعها: فيه استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار لنا والهزيمة على أعدائنا، وقد ورد أن هذا أحد المواضع التي يستجاب فيها (٥) . عاشرها: ترغيب الإِمام المقابلة عند اللقاء. (١) زيادة من ن هـ. (٢) سورة البقرة: آية ٢. (٣) سورة الذاريات: آية ٢٢ . (٤) زيادة من ن هـ. (٥) في الحديث الذي أخرجه أبو داود (٢٥٤٠)، من رواية سهل بن سعد ولفظه (ثنتان لا تردان، أو قلما تردان (في تحفة الأشراف (١٢٤/٤) - أو قال ما تردان): الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يُلحم بعضهم بعضاً». ٢٧٩ حادي عشرها: [الدعاء](١) بصفات الله التي تناسب طلب الداعي، لقوله: ((وهازم الأحزاب، اهزمهم)). ثاني عشرها: الصبر عند اللقاء كما مرَّ، فإن النصر مع الصبر، كما جاء في الحديث الآخر(٢). ثالث عشرها: تعليق الإِمام الناس ما يحتاجون إليه. رابع عشرها : سؤال الله العافية كما مرَّ . خامس عشرها: التنبيه على أسباب الجنة بالضرب بالسيوف. (١) زيادة من ن هـ. (٢) في الحديث الذي أخرجه أحمد (٣٠٧/١)، والطبراني في الكبير (١١٢٤٣) من رواية ابن عباس. قال ابن رجب - رحمنا الله وإياه ـ في كتاب ((جامع العلوم والحكم). شرح الحديث التاسع عشر، وقد روي عن النبي وَلل أنه أوصى ابن عباس بهذه الوصية من حديث علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وعبد الله بن جعفر، وفي أسانيدها كلها ضعف وذكر العقيلي أن أسانيد الحديث كلها لينة، وبعضها أصلح من بعض، وبكل حال فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة. أقول: أما قوله «فقد روي عن النبي ◌َّ أنه أوصى ابن عباس إلى أن قال: وعبد الله بن جعفر)) فإن رواية عبد الله بن جعفر وصية من النبي ټژ له كما في الحديث الذي ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وسنده ضعيف (١٩٢/٧). وجاء الأمر بالصبر من رواية أنس بن مالك عند الخطيب في تاريخه (٢٨٧/١٠) ولفظه: ((والنصر مع الصبر ... )) الحديث. ٢٨٠