Indexed OCR Text
Pages 301-320
وأجاب غيره بأوجه: ومنها: أنه خرج مخرج المبالغة قصداً للزجر عن اللعنة كقوله عليه الصلاة والسلام: ((التمس ولو خاتماً من حديد))(١) وكقوله: ((ثم بيعوها ولو بضغير)) (٢). ومنها: أن تكون مفسدته كمفسدة القتل لكن خفف فيه القود رفقاً، كما خفف الإِيجاب في السواك عن كل صلاة رفقاً. ومنها: أن يكون المراد بالتشبيه بقتل الإنسان نفسه لأنه المتقدم في أول الحديث، فالتقدير ولعن المؤمن كقتله نفسه لأن المؤمن لا يكون لعاناً كما جاء في الحديث(٣)، وإنما يلعن الكافر من كفر فقد أباح قتل نفسه فيكون لعنه مثل قتله نفسه لأنه نفى عنها الإِيمان المانع من قتلها فيكون كقتلها. السابعة: التقييد في المؤمن يحتمل أن يكون للتشنيع والتشنيع السبب في كما تقدم نظيره في الحديث الخامس من قوله: ((من حلف على يمين التقيد بالمؤمن صبر يقتطع بها مال أمرىء مسلم)» والظاهر أنه لإخراج الكافر ولا خلاف في جواز لعن الكفار جملة من غير تعيين. واختلفوا: في لعن العاصي المعين، والمشهور المنع ونقل ابن (١) سبق تخريجه في النكاح. (٢) سبق تخريجه في الحديث الثالث من كتاب الحدود. (٣) ولفظه: ((ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا البذيء ولا الفاحش». أحمد (٤٠٤/١، ٤١٦)، والترمذي (١٩٧٧)، والبيهقي (١٩٣/١٠، ٢٤٣). ٣٠١ [١٩١/هـ/أ] العربي الاتفاق عليه /](١). شناعة الدعوى الكاتبة الثامنة: قوله عليه الصلاة والسلام: ((ومن ادعى دعوى كاذبة)) إلى آخره هو عام في كل دعوى يتشبع بها المرء بما لم يعطه (٢) من ادعى فضيلة ليست [له](٣) أو علم أو إصلاح وغير ذلك من المزايا ويدخل فيه أيضاً الدعوى على خصمه بما ليس له والتكثر فيه يرجع إلى ضم ما ليس له إلى ماله والعلة فيه ذهاب بركته بضم الحرام إليه والتكثر في الأول يرجع إلى تعظيم الناس له على تقدير صحة ما (١) نهاية السقط . (٢) وفيه حديث عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها («المتشبع بما لم يعط. كلابس ثوبي زور" البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٣٠)، وأبو داود (٤٩٩٧)، وشرح السنة (٢٣٣/١)، وأحمد (٣٤٥/٦، ٣٤٦، ٣٥٣)، وقال البغوي في شرح السنة (١٦١/٩)، المتشبع: المتكثر بأكثر مما عنده يتصلف به، وهو الرجل يُرى أنه شبعان، وليس كذلك ((كلابس ثوبي زورا قال أبو عبيد: هو المرائي يلبس ثياب الزهاد يُرى أنه زاهد. اهـ. غريب الحديث (٢٥٣/٢)، وقال غيره: هو أن يلبس قميصاً يصل بكميه کمین آخرین یُرى أنه لابس قمیصین فكأنه یسخر من نفسه. ويُروى عن بعضهم أنه كان يكون في الحي الرجل له هيأة ونُبل، فإذا احتيج إلى شهادة زور، شهد بها، فلا تُرد من أجل نُبله وحُسن ثوبيه. وقيل: أراد بالثوب نفسه، فهو كناية عن حاله ومذهبه، والعرب تكنى بالثوب عن حال لابسه، تقول: فلان نقي الثياب: إذا كان بريئاً من الدنس وفلان دنس الثياب: إذا كان بخلافه، ومعناه: المتشبع بما لم يُعط بمنزلة الكاذب القائل ما لم یکن . اهـ. (٣) زيادة يقتضيها السياق. ٣٠٢ ادعاه والقلة فيه قلة قدره وتعظيمه عندهم لكذبه في دعواه بها ولو كان كاذباً ثم قيد التكثر في الكذب خرج مخرج الغالب فإن غالب كذب الناس إنما هو لجلب الحطام. فائدة: حكى ابن سيده ((دعوى كاذب)) بالتذكير لكن التأنيث أفصح، كما في الحديث. وحكى أيضاً ((دعوى باطل)). فائدة ثانية: المضبوط في معظم الأصول ((ليتكثر)) بالثاء المثلثة ضبط البنكثر)) وضبطه بعضهم بالمهملة، وله وجه وهو أن يصير ذلك كبيراً عظيماً. التاسعة: في تلخيص الأحكام الواقعة في الحديث: أولها: المنع من الحلف بملة غير الإِسلام كاليهودية حرمة الحلف بملة غير الإسلام والنصرانية وغيرها مطلقاً، وكذا تعليق الحلف بها / وتقدم ذكر [٨/٢١٩/ب] الكفارة فيه وعدتها . ثانيها: تحريم الجناية على نفسه بالقتل وإثمه بذلك. ثالثها: المماثلة في القصاص، وقد سلف فيه. رابعها: منع النذر فيما لا يملك وهل يجب عليه فيه كفارة منع النذر فيما لا يملك یمین؟ قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وداود والجمهور: لا، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد)) رواه مسلم (١) من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه وهو محمول على ما إذا أضاف النذر إلى معين ولا يملكه، بأن قال: إن (١) مسلم (١٦٤١)، أبو داود (٣٣١٦)، والنسائي (١٩/٧)، وابن ماجه (٢١٢٤)، والبغوي (٢٧١٤)، وابن الجارود (٩٣٣)، والحميدي (٨٢٩) . ٣٠٣ شفى الله مريضي فللَّه علي أن أعتق عبد فلان أو أتصدق بثوبه. أو بداره أو نحو ذلك، فأما إذا التزم في الذمة لشيء لا يملكه فيصح نذره كأن شفا الله مريضي فللَّه علي عتق رقبة وهو في ذلك الحال لا يملك شيئاً .. وقال أحمد: يجب في النذر في المعصية ونحوها كفارة يمين ... وفيه حديث من طريق عمران بن حصين(١) وعائشة(٢) ((لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين)) لكنه حديث [ضعيف] (٣) باتفاق المحدثين، كما نقله النووي في ((شرح مسلم). وأما حديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم: «كفارة النذر كفارة اليمين)، فاختلف العلماء في المراد به على أقوال: المراد بقوله اكفارة النذر كفارة اليمين؟ أحدها: أنه محمول على نذر اللجاج والغضب كأن كلمت زيداً مثلاً فللَّه عليّ حجة أو غيرها، فهو مخير بين كفارة يمين وبين ما التزمه، وهذا تأويل جمهور أصحابنا. (١) النسائي (١٩/٧، ٢٨، ٢٩ - ٣٠). قال ابن عبد البر في الاستذكار (٥١/١٥): هذان حديثان مضطربان لا أصل لهما عند أهل العلم. بالحديث لأن حديث عائشة إنما يدور على سليمان بن أرقم وهو متروك الحدیث، وعنه رواه ابن شهاب لا یصح عنه غير ذلك، وقد أوضحنا ذلك في التمهيد (٩٦/٦) وحديث عمران بن حصين يدور على زهير بن محمد، عن أبيه، وأبوه مجهول لم يرو عنه، غير ابنه زهير، وزهير أيضاً عنده مناكير. اهـ. (٢) أبو داود (٣١٩٠، ٣١٩)، والترمذي (١٥٢٤)، والنسائي (٦٨٦/١). (٣) زيادة من شرح مسلم (١٠١/١١). ٣٠٤ ثانيها: أنه محمول على النذر المطلق كقوله: للَّه عليّ نذر، وهذا تأويل مالك وكثيرين أو الأكثرين. ثالثها: إنه محمول على نذر المعصية كمن نذر أن يشرب الخمر مثلاً، وهذا تأويل أحمد وبعض الشافعية . رابعها: إنه محمول على جميع أنواع النذور، وهذا تأويل جماعة من فقهاء المحدثين وقالوا: إنه مخير في جميع المنذورات بين الوفاء بما التزمه، وبين كفارة اليمين(١). خامسها: تغليظ التحريم في لعن المؤمن ووجوب احترامه ورعايته. سادسها: تحريم الدعوى تكثراً كاذباً، وذم التكثر والكذب وتحريم تعاطي أسباب القلة المعنوية. (١) وما ذكره هنا ساقه النووي في شرح مسلم (١٠٤/١١). ٣٠٥ ۔ باب النذور ٣٠٧ ٧٣ - باب النذور النذور: جمع نذر. يقال: نذرت أنذُر، بكسر الذال وضمِّها، كما سلف في باب الاعتكاف. وهو لغة: الوعد بخير أو شر. وشرعا: وعد بخير دون شر(١). قاله الماوردي(٢): قال عليه الصلاة والسلام: ((لا نذر في معصية الله(٣)/)). وقال الرافعي: هو التزام شيء. [١٩١/هـ/ب] وعبارة غيرهما: أنه التزام قربة غير لازمة بأصل الشرع. وزاد بعضهم مقصودة / . وذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث. [٢٢٠ /١/ ١] (١) وقيل: هو التزام قربة لم تتعين. (٢) الحاوي الكبير (٣/٢٠). (٣) من رواية عمران بن حصين أخرجه مسلم (١٦٤١)، وأبو داود (٣٣١٦)، وابن ماجه (٢١٢٤)، وأحمد (٧٥/٢، ٧٦)، والنسائي (١٩/٧)، والبيهقي (٦٨/١٠، ٦٩)، والبغوي (٢٧١٤). ٣٠٩ الحدیث الأول ٧٣/١/٣٨٢ - عن عمر رضي الله عنه قال: «قلت: يا رسول الله، إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة. وفي رواية: يوماً في المسجد الحرام؟ قال: فأوف بنذرك))(١). هذا الحديث ذكره المصنف في باب الاعتكاف أيضاً. وقد سلف الكلام عليه هناك مستوفىّ، ومما لم يذكره هناك: أن هذا وقت سؤال عمر السؤال من عمر وقع بالجعرانة بعد رجوع النبي ◌َّر من الطائف، كذا ثبت في الصحيح ومما ذكرته هناك أنه قد يستدل به على لزوم رضي اله عنه الوفاء بكل منذور، ولا شك أن النذر على ثلاثة أقسام: أحدها: ما عُلق على وجود نعمة أو اندفاع نقمة فوجد ذلك فيلزمه الوفاء به. أقسام النذر (١) البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦)، والترمذي (١٥٣٩)، وأبو داود (٣٣٢٥)، والنسائي (٢١/٧، ٢٢)، والسنن الكبرى (٤٧٦٢، ٤٧٦٣، ٤٧٦٤)، وابن ماجه (٢١٢٩)، وابن الجارود (٩٤١)، وأحمد (٢/ ٢٠)، والسنن الكبرى (١٣٢/١٠)، والحميدي (٣٠٤/٢)، وابن أبي شيبة (٣ /٤٩٣). ٣١٠ ثانيها: ما علق على شيء لقصد المنع أو الحث، كقوله: إن دخلت الدار فعليَّ كذا، وهو المسمى بنذر اللجاج والغضب، وقد عرفت حكمه قريباً في آخر الباب السالف. ثالثها: ما لم يعلق على شيء كللَّه عليَّ كذا. فالمشهور وجوب الوفاء به، وهو المراد بقولهم: النذر المطلق. وأما ما لم يذكر مخرجه كللَّه علي نذر، فقد سلف في الموضع المشار إليه أنه يلزمه كفارة يمين على قول مالك وکثیرین. وفيه دلالة أيضاً على أن الاعتكاف قربة تلزم بالنذر. وأصحابنا وحوب الوفاء تصرفوا فيما يلزم بالنذر المطلق من العبادات، وليس كل ما هو عبادة بنذر الاعتكاف [مثاباً] (١) عليه لازماً بالنذر عندهم، ففائدة هذا الحديث من هذا الوجه أن الاعتكاف من القسم الذي يلزم بالنذر. وفيه دلالة أيضاً على عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف عملاً عدم اشتراط برواية ((ليلة)). وقد سلف ما فيه، وأبعد بعض من اشترطه، فحمل الامتكاف الصوم في الاعتكاف في الحديث على غير بابه. وقال: المراد الاعتكاف هنا الجواز، وهو لا يحتاج إلى صوم. ووجه بعده أن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية مقدم على اللغوية، ومن تراجم البخاري(٢) على هذا الحديث إذا حلف لا يكلم إنساناً في جاهلية ثم أسلم. (١) زيادة من ن هـ. (٢) (٢٠٤٣). ٣١١ الحديث الثاني ٧٣/٢/٣٨٣ - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي ◌ّ: ((أنه نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل))(١). الكلام علیه من وجوه: كرامة النفر مع وجوب أحدها: ظاهر الحديث كراهة ابتداء النذر في الطاعة، وإن كان : الوفاءب الوفاء به لازماً لأن سياق بعض الحديث يقتضي أحد أقسام النذر، التي ذكرناها، وهو ما يقصد به تحصیل غرض أو دفع مكروه، وذلك لقوله: ((وإنما يستخرج به من البخيل))، وهو ما نص عليه الشافعي [١/٢٢٠/ ب] رحمه الله، ولأنه التزام إيجاب على نفسه من / غير إيجاب الشرع، فکره من هذا الوجه. وأما القاضي حسين والمتولي والغزالي والرافعي فإنهم قالوا: إنه قربة، لأنه سبحانه وتعالى حث عليه، حيث قال: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُمِن (١) البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩)، والنسائي (١٥/٧، ١٦)، وابن ماجه (٢١٢٢)، وأبو داود (٣٢٨٧)، والبيهقي (٧٧/١٠)، وأحمد (٦١/٢، ٨٦). ٣١٢ نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَذْرٍ﴾(١) فتكون قربة، ولأنه وسيلة إلى القربة، ولها حكم المقاصد. وقال ابن الأثير في ((نهايته))(٢) النهي عنه تأكيد لأمره، وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به، إذا كان بالنهي يصير معصية، فلا يلزم. وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم: أن ذلك أمرٌ لا يجرُّ لهم في العاجل نفعاً، ولا يصرف عنهم ضَرّاً، ولا يردّ [(٣)] قضاءً، فقال: لا تنذروا، على أنكم [(٤)] تدركون بالنذر شيئاً لم يُقَدِّرْهُ الله لكم، أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا، فاخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم. وقال الشيخ تقي الدين(٥): في كراهة النذر إشكال على قاعدة: وسيلة القواعد، فإن القاعدة تقتضي أن وسيلة الطاعة طاعة، ووسيلة الطاعة طاعة، ووسيلة المعصية المعصية معصية. ويعظم قبح الوسيلة بحسب عظم المفسدة وكذلك معصية تعظم فضيلة الوسيلة بحسب عظم المصلحة، ولما كان النذر وسيلة إلى التزام قربة لزم على هذا أن يكون قربة، إلاّ أن ظاهر إطلاق الحديث دل على خلافه، وإذا حملناه على القسم الذي أشرنا إليه من أقسام النذر - كما دل عليه سياق الحديث - فذلك المعنى الموجود (١) سورة البقرة: آية ٢٧٠ . (٢) النهاية لابن الأثير (٣٩/٥). (٣) في ن هـ زیادة (به). (٤) في ن والنهاية زيادة (قد). (٥) إحكام الأحكام (٤/ ٤٢٠، ٤٢٢). ٣١٣ في ذلك القسم ليس بموجود في النذر المطلق، فإن ذلك خرج مخرج طلب العوضين، وتوقيف العبادة على تحصيل الغرض، وليس هذا المعنى موجوداً في التزام العبادة والنذر بها مطلقاً، وقد يقال: إن البخيل لا يأتي بالطاعة إلاَّ إذا اتصفت بالوجوب، فيكون النذر هو الذي أوجب له فعل الطاعة، لتعلق الوجوب به، ولم يتعلق به: الوجوب لتركه البخيل، فيكون النذر المطلق أيضاً مما يستخرج به [من](١) البخيل، إلاَّ أن لفظة ((البخيل)) هنا قد تشعر بما يتعلق: بالمال، وعلى كل تقدير فاتباع النصوص أولى. وما ذكره الشيخ تقي الدين من التفصيل، ذكره ابن الرفعة أيضاً، فقال: يمكن أن يتوسط [فيه](٢) [فيقال](٣) الذي دل عليه الخبر على كراهته نذر المجازاة . نذر التيرر وأما نذر التبرر: فيظهر أنه قربة، لأن له فيه غرضا، وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوع، أي: بسبعين درجة، كما أفاده إمام الحرمين. وكذا قال القرطبي (٤): المنهى عنه [١/١/٢٢١] هو نذر المجازاة، وفي معناه النذر على وجه التَّرُّم والتَّحرُّج / بأن ينذر عتق عبد استثقل به تخلصاً منه أو ينذر كثيراً من العبادة كالصوم الكثير مثلاً مما يؤدي إلى الحرج والمشقة مع القدرة عليه. (١) زيادة من ن هـ. (٢) زيادة من ن هـ. (٣) في ن هـ ساقطة .. (٤) المفهم (٤ / ٦٠٧). ٣١٤ وقال الماوردي(١): الحديث دال على أن ما يبذله الإِنسان من البر أفضل مما يلتزمه بالنذر. ثانيها: هذا النهي للتنزيه، وقال القرطبي (٢): يظهر لي حمله المراد بالنهي على التحريم في حقٌّ من يُخاف عليه أن يعتقد أن النذر يوجب ذلك الغرض، أو أن الله يفعله لأجل ذلك، والأول يقارب الكفر. والثاني خطأ صراح، وحمله على التحريم في حق من لم يعتقد ذلك. وذكر المازري(٣) في [سبب] (٤) النهي احتمالين: سبب النهي عن النذر أحدهما: كون الناذر يصير ملتزماً له، فيأتي به على سبيل التكلف من غير نشاط. ثانيها: إتيانه به على سبيل المعاوضة لا على سبيل القربة، فينتقص أجره للأمر الذي طلبه، وشأن العبادة أن تكون محضة لله تعالى. وذكر القاضي(٥) عياض احتمالاً ثالثاً: وهو أن بعض الجهلة قد يظن أن النذر يرد القدر، ويمنع من حصول المقدَّر، فنهى عنه خوفاً من جاهل يعتقد ذلك، وهذا يؤيده بعض روايات الحديث في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن النذر وقال: ((إنه لا يرد (١) الحاوي الكبير (٢٠/٥). (٢) المفهم (٤/ ٦٠٧). (٣) المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٣٦٠). (٤) في الأصل (سببه)، وما أثبت من ن هـ. (٥) ذكره النووي في شرح مسلم (٩٩/١١). ٣١٥ شيئاً، وإنما يستخرج به من الشحيح))، وفي رواية للبخاري(١): ((إن النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخره، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل)، وفي صحيح مسلم (٢) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل)). وفي رواية له: ((إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج)). ورواه البخاري من هذا الوجه بلفظ: ((لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته، ولكن يلقيه النذر إلى القدر، قد قُدِّر له، فيستخرج الله به من البخيل فيؤتى عليه ما لم يكن يُؤتى عليه من قبل)». معنى قوله: «إنه لا يأتي بخيره ثالثها: قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنه لا يأتي بخير)) ومعنى (الباء، يحتمل أن تكون هذه ((الباء)» باء السببية، كما قاله الشيخ تقي (٣) الدين كأنه قال: لا يأتي سبب خير في نفس الناذر وطبعه في طلب القرب والطاعة من غير عوض يحصل له وإن كان يترتب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها، لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه . ويحتمل أن يكون معناه: لا يغني من القدر شيئاً، كما سلف، (١) البخاري (٦٦٩٢). (٢) البخاري (٦٦٠٩)، ومسلم (١٦٤٠)، والنسائي (١٦/٧)، وأبو داود (٣٢٨٨)، وابن ماجه (٢١٢٣)، وابن الجارود (٩٣٢)، والحميدي (١١١٢)، والترمذي (١٥٣٨)، وأحمد (٣١٤/٢، ٣٧٣، ٤١٢، ٤٦٣) .. (٣) إحكام الأحكام (٤٢٣/٤). ٣١٦ وعليه اقتصر النووي في ((شرح مسلم))(١). رابعها: قوله: ((وإنما يستخرج به من البخيل))، معناه أنه معنى قوله: لا يأتي بهذه القربة تطوعاً محضاً مبتدئاً وإنما يأتي بها في مقابلة شفاء به من البخيل )؟ «وإنما يستخرج المرض / وغيره / مما يعلق النذر عليه. قاله النووي في ((شرحه)). [١٩٢/هـ/ب] [١/٢٢١/ ب] وعبارة الشيخ تقي الدين: الأظهر في معناه: أن البخيل لا يعطي طاعة إلاَّ في عوض ومقابل يحصل له، فيكون النذر هو السبب الذي استخرج تلك الطاعة وهو غير ما ذكره النووي. خامسها: في أحكامه. أحكام الحديث الأول: كراهة النذر، وقد سلف ما فيه. الثاني: الإِخلاص في الأعمال، وأن ما ليس فيه إخلاص لا یأتي بخیر. الثالث: ذم البخل والبخلاء. الرابع: أن من وقف مع الشرع في أعماله ليس ببخيل، بل هو الكريم حقيقة . (١) شرح مسلم (٩٩/١١). ٣١٧ الحديث الثالث ٧٣/٣/٣٨٤ - عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: ((نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية: فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ◌َ﴿، فاستفتيته فقال: لتمشٍ ولتركبْ))(١). الكلام علیه من وجوه: واعلم فيها أن قوله ((حافية)) ليس في البخاري كما نبّه عليه عبد الحق في (جمعه)). [الأول:](٢) في التعريف براويه، وقد سلف في الحديث السادس من كتاب النكاح. : تعيين المبهم ((أخت عقبة بن [الثاني:](٣) أخته هي أم حبان، بكسر الحاء المهملة، ثم باء عامر، موحدة، ثم ألف، ثم نون، بنت عامر أسلمت وبايعت. ذكره ابن (١) البخاري (١٨٦٦)، ومسلم (١٦٤٤)، وأبو داود (٣٢٩٩)، وابن ماجه : (٢١٣٤)، والنسائي في الكبرى (٤٧٥٦)، والنسائي (١٩/٧)، والدارمي (١٨٣/٢، ١٨٤)، وابن الجارود (٩٣٦، ٩٣٧)، والبيهقي (١٣٥/١٠، ١٣٦)، وعبد الرزاق (٤٥١/٨)، والبغوي (٢٧/١٠). (٢). في ن هـ (الثاني). (٣) في ن هـ (الثالث). ٣١٨ ماكولا(١) عن محمد بن سعد، وحكاه عنه ابن بشكوال في ((مبهماته))(٢)، ولم يذكرها ابن عبد البر في الصحابة، وهي من شرطه . [الثالث:](٣) معنى قوله: ((لتمشٍ ولتركبْ))، والله أعلم لتمش معنى التمش ولتركب؟ إن قدرت، وتركب إذا عجزت أو شق عليها المشي، وكذا ترجم له البيهقي في ((سننه)»(٤) فقال: باب المشي فيما قدر عليه والركوب فيما عجز عنه، ثم ذكر هذا الحديث، ثم قال باب الهدي فيما ركب واختلاف الروايات عنه، ثم ساق بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس ((أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك فقال [رسول الله](٥) وَليقول: ((إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب، ولتهدٍ بدنة))، وفي رواية له: ((أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت فقال: إن الله غني عن نذر أختك، فتحج راكبة وتهدي بدنة)). ورواه أبو داود في [سننه] (٦)))، وقال: ((تهدي هدیاً». وخالفه هشام الدستوائي فَرَواه عن قتادة دون ذكر الهدي فيه، ورواه بإسناده عن هشام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ◌َلي بلغه أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية فقال له (١) الإكمال (٣١١/٢). (٢) غوامض الأسماء المبهمة (٨٣٧). (٣) في ن هـ (الرابع). (٤) السنن الكبرى (٧٨/١٠، ٧٩). (٥) في ن هـ (النبي)، وما أثبت من السنن. (٦) فى ن هـ ساقطة. ٣١٩ النبي ◌َّ 18: ((إن الله لغني عن نذرها، فمرها فلتركب))(١)، وكذلك [١/١/٢٢٢] روي عن خالد الحذاء، عن عكرمة دون ذكر الهدي فيه / . ورواه ابن أبي عروبة عن قتادة، فأرسله، ولم يذكر الهدي فيه، ورواه أبو داود من حديث ابن(٢) عدي عن شعبة، عن قتادة، عن عكرمة أن أخت عقبة بمعنى حديث هشام لم يذكر الهدي، وقال: ((مُرْ أختك فلتركب))، قال أبو داود: رواه خالد عن عكرمة بمعناه، وقيل: عن [عكرمة](٣)، عن عقبة بن عامر دون ذكر الهدي فيه. كذلك رواه أبو داود عن شعيب بن أيوب، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، عن عقبة بن عامر أنه قال للنبي ◌َ﴾: ((إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت فقال: ((إن الله لا يصنع بمشي أختك إلى البيت شيئاً)، ورواه [الحاكم](٤) في (مستدركه)) من حديث يعلى بن عبيد ثنا أبو سعد البقّال، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ◌َ# فقال: إن أختي حلفت أن تمشي إلى البيت، وأنه يشق عليها المشي. قال: مرها فلتركب إذا لم تستطع أن تمشي، فما أغنى الله أن يشق على أختك))، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وروى في ((مستدركه)) أيضاً من حديث شريك، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل أبي طلحة، عن كريب، عن ابن عباس قال: ((جاء رجل إلى (١) أبو داود (٣٢٩٦، ٣٢٩٧)، والبيهقي (٧٩/١٠)، والطبراني (١١٨٢٩). (٢) في هـ زيادة (أبي). (٣) في ن هـ ساقطة (٤) زيادة من ن هـ ومستدرك الحاكم (٣٠٢/٤)، والطبراني (١١٩٤٩). ٣٢٠