Indexed OCR Text

Pages 161-180

الحادي بعد العشرين: الرجوع إلى العلماء عند اشتباه الأحكام
والشك.
الثاني بعد العشرين: استصحاب الحال في استمرار الأحكام
الثابتة وإن كان يمكن زوالها في حياته عليه الصلاة والسلام بالنسخ.
الثالث بعد العشرين: أن ما أخذ بالمعاوضة الفاسدة يجب رده
ولا يملك، وقد قدمنا في الوجه السابع أنه يؤخذ منه رد المال
المأخوذ في الصلح الفاسد.
قال الشيخ تقي الدين(١) وبه يتبين ضعف من اعتذر من
الشافعية من بعض العقود الفاسدة، فإن المتعاوضين أذن كل منهما
للآخر في التصرف في ملكه، وجعل ذلك سبباً لجواز التصرّف فإن
ذلك الإذن ليس مطلقاً، وإنما هو مبني على المعاوضة الفاسدة.
الرابع بعد العشرين: أن ما يستعمل من الألفاظ في محل
الاستفتاء يسامح فيه في إقامة الحد والتعزير. فإن هذا الرجل قذف
المرأة بالزنا، ولم يتعرض الشارع لأمر حده بالقذف، وأعرض عن
ذلك ابتداء، كذا قرره الشيخ تقي الدين(٢)، وفيه مخالفة لما
أسلفناه.
الخامس بعد العشرين: عدم الجمع بين الجلد، والرجم فإنه
لم يعرِّفه أنيساً ولا أمره به.
(١) إحكام الأحكام مع الحاشية (٤/ ٣٤٤).
(٢) إحكام الأحكام مع الحاشية (٤/ ٣٤٤)، وأيضاً المسألة بعدها.
١٦١

السادس بعد العشرين: جواز إيجار الآدمي نفسه واستئجاره
وهو لائح.
السابع بعد العشرين: الرجوع إلى كتاب الله تعالى في الأحكام
إما بالنص وإما بالاستنباط كما مر.
الثامن بعد العشرين: القسم على الأمر بفعله تفخيماً له
وتعظيماً.
التاسع بعد العشرين: الحلف من غير استحلاف.
الثلاثون: استدل به بعضهم على تأخير الحدود عند ضيق
جواز تأخير
الحدود عند
ضيق الوقت الوقت لأن الغدوّ إنما يكون في أول النهار وهو ضعيف كما قال
القاضي عياض(١)، فإنه لم يثبت في الحديث إن ذلك كان في آخر
النهار فأخر بعده. وقد أسلفنا أن المراد بالغدو هنا المضي والشير
لا هذا.
الحادي بعد الثلاثين: أن زنا المرأة تحت زوجها لا يفسخ
نكاحها ولا يوجب تفرقة بينها وبينه إذ لو كان ذلك لفعل ولو فعل
لنقل. وأغرب الجوري بضم الجيم من الشافعية فقال: إنه يفسخ وهو
غريب .
(١) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤/ ٤٦٠).
١٦٢

الحديث الثالث
:
٦٩/٣/٣٦٦ - وعنه عنهما (١) قالا: ((سئل رسول الله والفيقل عن
الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: [إذا](٢) زنت فاجلدوها، ثم إن
زنت فاجلدوها / [ثم إن زنت فاجلدوها (٣)]، ثم بيعوها ولو (١٧٣/هـ/ب]
بضفير)) (٤) .
قال ابن شهاب: ولا أدري أبعد الثالثة، أو الرابعة؟
والضفير: الحبل.
(١) في متن عمدة الأحكام مع الحاشية (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن
مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني).
(٢) في المرجع السابق: إن.
(٣) زيادة من المرجع السابق.
(٤) البخاري (٢١٥٣)، ومسلم (١٧٠٤)، وأحمد (٢٤٩/٢، ٤٢٢)،
(٤ /١١٦، ١١٧، ٣٤٣)، والترمذي (١٤٣٣)، وأبو داود (٤٤٦٩)،
والنسائي في الكبرى (٧٢٥٦، ٧٢٥٧، ٧٢٥٨، ٧٢٥٩، ٧٢٦٠)، وابن
الجارود (٨٢١)، والحميدي (١٠٨٢)، وابن ماجه (٢٥٦٥)، والبيهقي
(٤٢١/٨)، وعبد الرزاق (٣٩٣/٧)، وابن أبي شيبة (٤٨٦/٦)، ومالك
(٦٣٠/٢).
١٦٣

الکلام علیه من وجوه:
أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في الحديث قبله، وابن
شهاب سلف التعريف في باب العدة وأنه منسوب إلى جد جده.
ثانيها: (الضفير)): فقيل: بمعنى مفعول وفي بعض الروايات
في الصحيح ((ولو بحبل من شعر)) وصفه بذلك لأنها أكثر حبالهم.
والمراد بقوله: ((اجلدوها)) الحد بدليل الرواية الأخرى، في
الصحيح في حديث أبي هريرة ((فليجلدها الحد)».
والأمة: المملوكة وجمعها إماء(١) وأموات. والجلد المأمور به
هنا هو نصف الحرة كما سيأتي.
ومعنى ((لم تحصن)) لم تتزوج، وقيل: لم تسلم، وقيل: لم
تعتق. قال القرطبي (٢): والثاني: أولى الأقوال في الآية على ما
أوضحه ابن العربي.
الحكمة في بيع
الأمة الزانية
ثالثها: الحكمة في بيعها وكونه ثمن حقير بتنفيرها وكسر نفسها
عن الفاحشة والتنفير عن مثل فعلها لعدم مخالطتها.
فإن قلت: كيف ينبغي له بيعها لغيره ويرضى لأخيه المسلم ما
لا یرضی لنفسه.
: فالجواب: لعلها تستعف عند المشتري بأن يعفها بنفسه
أو يصونها في بيته أو بالإِحسان إليها أو بالتوسعة أو يزوجها أو غير
(١) مختار الصحاح ( أ م هـ).
(٢) المفهم (١٢٤/٥).
١٦٤

ذلك. ذكره النووي(١) والقرطبي(٢) وأيضاً الحرج في ذلك يزول
بإعلام البائع بزناها.
رابعها: اعترض الطحاوي(٣) على قوله: ((ولم تحصن))، وقال بيان زيادة
تفرد بها مالك وأشار بذلك إلى تضعيفها وأنكر ذلك الحفاظ عليه .
ولم تحصن٤
وقالوا: بل رواها أيضاً ابن عيينة ويحيى بن سعد عن ابن شهاب
[ثم](٤) ليس في ثبوتها حكم مخالف، فإن الأمة تجلد على النصف
من الحرة سواء أكانت محصنة بالتزويج، كما سلف أو لم يكن. نعم
فيه بيان من لم تحصن وقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ
يِفَاحِشَةٍ فَعَلَتِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾(٥) فيه بيان من
أحصنت فحصل من الآية الكريمة والحديث بيان أن الأمة المحصنة / [١/١٩١/ب]
بالتزويج وغير المحصنة تجلد وهو معنى ما ثبت من أفراد ((صحيح
مسلم))(٦): أن علياً رضي الله عنه خطب فقال: ((يا أيها الناس أقيموا
على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن)) الحديث.
فإن قلت: ما الحكمة من التقييد في قوله تعالى: ﴿فَإِذَآَ الحكمة مِن
التقيد في الآية
أُحْصِنَّ﴾، مع أن عليها نصف جلد الحرة سواء كانت الأمة محصنة ((فإذا أحصن؟
أم لا؟
(١) شرح مسلم (٢١٢/١١).
(٢) المفهم (١٢١/٥).
(٣) شرح معاني الآثار (١٦٥/٣).
(٤) زيادة من ن هـ.
(٥) سورة النساء: آية ٢٥.
(٦) مسلم (١٧٠٥)، والترمذي (١٤٤١)، وأبو داود (٤٤٧٣).
١٦٥

فالجواب: كما ذكره في ((شرح مسلم))(١) أن الآية نبهت على
أن الأمة المزوجة لا يجب عليها إلاَّ جلد نصف جلد الحرة لأنه الذي
يتنصف، وأما الرجم: فلا يتنصف فليس مراداً في الآية بلا شك
فليس للأمة المزوجة الموطوءة في النكاح حكم الحرة الموطوءة فيه
فبينت الآية الكريمة هذا لئلا يتوهم متوهم أن الأمة المزوجة ترجم
وقد أجمعوا على أنها لا ترجم، فأما غير الأمة المزوجة فقد علمنا أن
عليها النصف أيضاً بالأحاديث الصحيحة منها هذا الحديث فإنه مطلق
يتناول المزوجة وغيرها.
الوجه الخامس: في أحکامه:
عيب الزنا في
الرقيق وغيره
الأول: أن الزنا عيب في الرقيق يرد به ولذلك حط من قيمته
من الأمر ببيعه ولو بحبل، قال أصحابنا: ولو زنا مرة ثم تاب وأصلح
وباعه ثبت الرد به لأن تهمة الزنا لا تزول، ولهذا لا يعود إحصان
الحر الزاني بالتوبة، ويجب على البائع الإِعلام به. وكذا على
الأجنبي إذا عرف به أيضاً وهذا الاستنباط الذي ذكرته وهو أن الزنا
عيب في الرقيق يرد به ثم استشهدت بعد ذلك بالحط من قيمته ذكره
النووي في ((شرحە)»(٢).
وقال الشيخ تقي الدين(٣): کذا ذكره بعضهم. وعنى به النووي
وفيه نظر، لجواز أن يكون المقصود أن يبيعها، وإن انحطت قيمتها
(١) شرح مسلم (٢١٣/١١).
(٢) شرح مسلم (٢١٢/١١).
(٣) إحكام الأحكام مع الحاشية (٣٤٩/٤).
١٦٦

إلى الضغير. فيكون ذلك إخباراً متعلقاً بحال وجودي، لا إخباراً عن
حكم شرعي ولا شك أن من عرف بتكرر زنا الأمة انحطت قيمتها عنده.
الثاني: إن الزاني إذا حد ثم زنى ثانياً يلزمه حد آخر /، وهكذا [١٧٤/ هـ /أ]
كلما زنى وحد ثم زنى يلزمه حد آخر، فلو زنا مرات ولم يحد لواحد بتكرر الفعل
منهن حد حداً واحداً للجميع. ثم حدها إنما يكون بإقرارها أو ببينة
أو بعلمه عند من يجوزه.
تكرر الحد
الثالث: ترك مخالطة الفساق وأهل المعاصي وفراقهم لكنه البعدعن مخالطة
أهل المعاصي
ذكر الفراق هنا في الرابعة فقد يستنبط منه أن من ارتكب معصية
لا یفارق ببيع وهجران ونحوهما إلاّ بعد تکرر ذلك منه.
الرابع: الأمر ببيع الأمة الزانية، وفي معناها العبد الزاني بعد الأمر بيع
الأمة الزانية
المرة الثالثة لكن اختلف العلماء / فيه هل هو أمر ندب أو إيجاب؟ [١/٨/١٩٢]
ذهب الشافعي والجمهور إلى الأول.
وذهب داود وأهل الظاهر وأبو ثور [إلى الثاني] (١) قال ابن
الرفعة في ((كفايته)» البيع المذكور منسوخ.
الخامس: الأمر بحدها في كل مرة وهو للوجوب وعطف البيع وجوب الحد
عليه لا ينافيه لأنه قد يعطف غير الواجب على الواجب كقوله في كل مرة
تعالى: ﴿كُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِ: إِذَا أَثْمَرَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِّمْتُمْ
فِهِمْ خَيْراً﴾ (٣).
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) سورة الأنعام: آية ١٤١ .
(٣) سورة النور: آية ٣٣.
١٦٧

السادس: بيع الشيء الثمين بثمن حقير إذا كان البائع عالماً به
السعي في
التخلص من
الأمة الزائبة وهو إجماع، فإن كان جاهلاً به فكذلك عند الشافعية وجمهور
بثمن حقير العلماء، ولأصحاب مالك فيه خلاف. قيل كالأول، وقيل تعتبر
بالزيادة على الثلث أو النقص منه، واعترض الشيخ تقي الدين(١).
على هذا الوجه فقال: ذكر بعضهم أن فيه دلالة على جواز بيع غير
المحجور عليه ماله بما لا يتغابن [الناس به](٢).
وهذا النظر تعرض له أيضاً القاضي (٣) ثم القرطبي(٤)
كفاية الحد
السابع: أن الحد كاف ولا يضم إليه التعزير، فإن في الصحيح
أيضاً ((فليجلدها الحد ولا يثرب عليها)) والتثريب: التوبيخ واللوم
على المذنب، وأبعد من قال: معناه لا يبالغ في جلدها حتى يدميها ..
وقال الخطابي(٥) معناه: لا يقتصر على التثريب.
يقيم الحدعلى
الأمة سيدها
الثامن: أن السيد يقيم الحد على عبده وأمته وهو مذهب مالك
والشافعي وأحمد والجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم.
· وقال أبو حنيفة في طائفة: ليس له ذلك وهذا الحديث وغيره
صريح في الدلالة للجمهور.
(١) إحكام الأحكام مع الحاشية (٣٤٨/٤).
(٢) في ن هـ وإحكام الأحكام: (به الناس). ويوافقه في معالم السنن
(٢٧٩/٦).
(٣) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤٦٦/٤).
(٤) المفهم (١٢١/٥).
(٥) معالم السنن (٢٧٩/٦).
١٦٨

وحكى القاضي(١) الخلاف في إقامة القطع عليه ونقل عن
مالك وغيره المنع من القطع والقتل وقصاص الأعضاء مخافة أن يمثل
بعبده ويدعي أنه أقام عليه الحد فلا يعتق عليه.
قال مالك: فإن كان لها زوج [أجنبي](٢) لم يحدها بل الإِمام
بخلاف ما إذا كان عبده فإنه يحده(٣).
التاسع: إنه لا فرق في إيجاب الحد بين أن تكون الأمة لا فرق بين الأمة
والعبد سواء كان
أو العبد مزوجين أم لا لإطلاقه عليه الصلاة والسلام الجلد من غير متزوجين
أو غيرهما
تفصيل وهو مذهب جمهور الأمة منهم الأئمة الأربعة.
وقال جماعة من علماء السلف(٤): لا حد على من لم تكن
مزوجة من النساء والعبيد. منهم ابن عباس وطاوس وعطاء وابن
جريج وأبو عبيد، وهو مفهوم الآية السالفة، وقد أسلفنا بيانها. ونص
هذا الحديث يقدم على المفهوم، قال ابن شاهين في («ناسخه
ومنسوخه))(٥): وأحسب هذا الحديث ناسخاً لحديث ابن عباس
المرفوع ((ليس على الأمة حد حتى تحصن))(٦). مع أنه حديث قد
(١) ذكره في إكمال إكمال المعلم.
(٢) في ن هـ بياض.
(٣) انظر: المفهم (١٢٢/٥).
(٤) انظر: المفهم (١٢٣/٥).
(٥) ناسخ الحديث ومنسوخه (٥٠٢).
(٦) الدر المنثور (٤٩١/٢). سورة النساء: آية (٢٥)، والعلل المتناهية
(٣٠٩/٢). وذكره في مجمع الزوائد (٢٧٣/٦)، وقال: رواه الطبراني
بإسنادين غير عبد الله بن عمران وهو ثقة. أهـ.
١٦٩

علل. وقيل: إنه روي موقوفاً على ابن عباس ولا أعلم [أحداً](١)
[٨/١٩٣ب] أسنده / [وجوده](٢) إلّ عبد الله بن عمران العابدي.
قلت: لكنه صدوق كما قاله أبو حاتم (٣) الرازي.
العاشر: قال الشيخ تقي الدين(٤): قد يقال إن فيه إشارة إلى
وجوب إعلام
المشتري بالعيب
إعلام البائع المشتري بعيب السلعة، فإنه إنما تنقص قيمتها بالعلم
بعيبها، وفيه نظر. ولو لم يعلم لم تنقص.
الحادي عشر: قال وقد يقال أيضاً: إن فيه إشارة إلى أن
العقوبات إذا لم تفد مقصودها من الزجر لم تفعل، فإن كانت واجبة
كالحد، [فلترك] (٥) الشرط في وجوبها على السيد وهو الملك، لأن
[١٧٤/ه/ب] أحد الأمرين لازم: إما ترك الحد / ولا سبيل إليه لوجوبه. وأما إزالة
شرط الوجوب، وهو الملك، فتعين. ولم يقل اتركوها، أو حدوها
كلما تكرر فنخرج عن هذه التعزيرات التي لا تفيد لأنها ليست بواجبة
الفعل فیمکن تركها.
قلت: قد حكى إمام الحرمين عن المحققين أن المعزر إذا علم
أن التأديب لا يحصل إلاَّ بالضرب المبرح لم يكن له الضرب المبرح
(١) زيادة من الناسخ والمنسوخ لابن شاهين.
(٢) غير موجودة في المرجع السابق.
(٣) الجرح والتعديل للرازي (١٣٠/٥)، وقال ابن حبان في الثقات (١٣٠/٨)
يخطىء ويخالف وفي الجرح (المعابدي).
(٤) إحكام الأحكام مع الحاشية (٤/ ٣٥٠). مع التقديم والتأخير بين ولو لم
یعلم لم تنقص وفيه نظر.
(٥) في إحكام الأحكام (فيترك).
١٧٠

ولا غيره، أما المبرح فلأنه مهلك وليس له الإهلاك وأما غيره فلا
فائدة فيه .
قال الرافعي: ويشبه أن يبقى الأمر في حق الإِمام على أصل
التعزير هل هو واجب عليه إن أوجبناه التحق بالحد وحينئذٍ يضربه
ضرباً غير مبرح لضرورة الواجب.
١٧١

الحديث الرابع
٦٩/٤/٣٦٧ - عن أبي هريرة رضي الله عنه [أنه](١)
[قال](٢): ((أتى رجل من المسلمين رسول الله وَ لـ وهو في
المسجد - فناداه [فقال](٣) يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه.
فتنحى تلقاء وجهه فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه حتى
ثنى ذلك عليه أربع مرات. فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه
رسول الله وَالية، فقال: ((أبك جنون؟ قال: لا. قال: فهل أحصنت؟
قال: نعم. فقال رسول الله ◌َّلتر: اذهبوا به فارجموه))(٤).
قال ابن شهاب: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع
جابر بن عبد الله يقول: ((كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى. فلما
أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة فرجمناه)) .
(١) زيادة من متن العمدة.
(٢) في ن هـ ساقطة
(٣) في المتن ساقطة.
(٤) البخاري (٦٨١٥)، (١٦٩٧)، وأحمد (٤٥٣/٢)، ومالك (٦٢٦/٢)،
والنسائي في الكبرى (٧١٧٧)، والبغوي في السنة (٢٨٩/١٠).
١٧٢

((الرجل)) هو ماعز بن مالك. وروى قصته جابر بن سمرة،
وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وبريدة بن الحصيب
الأسلمي.
الكلام عليه من وجوه:
الأول: حديث جابر بن سمرة (١) رواه مسلم منفرداً به وحديث من روى هذا
ابن عباس: أخرجاه(٢) وحديث أبي سعيد(٣) وبريدة(٤) رواهما أبي هريرة
الحديث مع
مسلم منفرداً به واتفقا على إخراجه من حديث جابر بن عبد الله(٥)
أحاله مسلم على حديث أبي هريرة / . وقال بنحوه.
[١٨/١٩٤]
والبخاري ذكره مطولاً ومختصراً.
وفي رواية له فقال له النبي ◌َّلتر: ((خيراً وصلى عليه)) ثم قال
البخاري: لم يقل يونس وابن شريح عن الزهري ((وصلى عليه)).
يعني: إن معمر انفرد بها وقد قيل للبخاري رواه غيره قال: لا .
الثاني: قوله قال ابن شهاب: ((فأخبرني أبو سلمة
(١) مسلم (١٦٩٢)، وأبو داود (٤٤٢٢، ٤٤٢٣)، وأحمد (٨٦/٥، ٨٧،
١٠٢، ١٠٣)، والطبراني (١٩١٧)، وعبد الرزاق (١٣٣٤٣)، والبيهقي
(٢٢٦/٨).
(٢) مسلم (١٦٩٣)، وأحمد (٢٤٥/١)، والترمذي (١٤٢٧)، وأبو داود
(٤٤٢٥)، والنسائي في الكبرى (٧١٧١).
(٣) مسلم (١٦٩٤)، وأبو داود (٤٤٣٢)، وأحمد (١٠٣/٥).
(٤) مسلم (١٦٩٥)، والنسائي في الكبرى (٧١٦٧)، وأبو داود (٤٤٤٢).
(٥) مسلم (١٦٩١)، والترمذي (١٤٢٩)، وأبو داود (٤٤٢٠، ٤٤٣٠).
١٧٣

بن عبد الرحمن أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: ((إلى آخره الذي في
مسلم قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول:
وكذا هو في ((صحيح البخاري)) في موضعين منه في هذا الباب.
الثالث: في تبيين الأسماء الواقعة فيه.
أما أبو هريرة؛ فسلف في الطهارة.
وأما ابن شهاب: فتقدم في باب العدة.
۔۔۔
التعـريف
بأبي سلمة
وأما أبو سلمة بن عبد الرحمن: فهو أحد الأعلام اسمه عبد الله
على الأصح عند أهل النسب كما قاله ابن عبد البر في ((الاستغناء»
ويقال: إسماعيل ويقال: عوف حكاه [الصريفيني] (١). ويقال:
لا يعرف له اسم وهو تابعي قرشي وزهري مدني متفق على ثقته
وأمانته وفقهه وكثرة حديثه. روى عن أبيه عبد الرحمن بن عوف
وخلائق صحابة وتابعين وعنه الشعبي وخلائق، مات بالمدينة سنة
أربع وتسعين على أثبت الأقوال ابن اثنين وسبعين سنة. وعده
بعضهم من الفقهاء السبعة.
وأما جابر بن عبد الله: فسلف في باب الجنابة.
وأما جابر بن سمرة: فهو أبو عبد الله ويقال أبو خالد وجده
عمرو وقيل جنادة ابن جندب بن حجر بن رياب بن حبيب بن
سواه بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن
صعصعة بن قيس عيلان بن مضر السواى.
التعريف بجابر
ابن سمرة
(١) في الأصل غير واضحة.
١٧٤

له ولأبيه صحبة، نزل الكوفة وابتنى به داراً في بني سواه وهو
ابن أخت سعد بن أبي وقاص فأمه خلدة بنت أبي وقاص. روي له
عن النبي والقر مائة حديث وستة وأربعون حديثاً اتفقا على حديثين
وانفرد مسلم بمائة وعشرين قاله ابن الجوزي، وقال غيره بستة
وعشرين .
روى عنه جماعة من التابعين، قال خليفة: مات سنة ثلاث
وسبعين، وقال ابن حبان: مات بالكوفة سنة أربع وسبعين في ولاية
بشر بن مروان علی العراق وصلّی علیه عمرو بن حریث وحديثه عند
أهل الكوفة. وقال غيرهم: مات سنة ست وستين أيام المختار.
وأما ماعز بن مالك فهو أسلمي مدني جاء إلى النبي وَ# تائباً التعريف بماعز
منيباً فرجم رحمه الله. قال عليه الصلاة والسلام: / ((رأيته [١/٨/١٧٥]
يتخضخض في أنهار الجنة)).
وماعز لقب واسمه عريب وكنيته أبو عبد الله، كتب له
رسول الله / # كتاباً بإسلام قومه روى عنه ابنه عبد الله حديثاً [٨/١٩٤/ب]
واحداً، قال ابن حبان [لماعز](١) صحبة بلا رواية. وفي [الرواة](٢)
أيضاً آخر يقال له ماعز وسأل النبي وَر («أي الأعمال أفضل قال:
إيمان بالله))(٣) روى عنه البصريون ذكره ابن حبان في الصحابة من
((تاريخ الثقات)).
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) في الأصل (الرواية)، وما أثبت من ن هـ.
(٣) تخريج الحديث.
١٧٥

تعيين اسم المرأة
فائدة: اسم [المرأة](١) التي زنا بها ماعز فاطمة وقيل: منيرة (٢).
وهي أمة لهزّال وكان هزّال وصياً على ماعز.
وأما ابن عباس: فسلف التعريف به من باب الاستطابة.
وأما أبو سعيد الخدري: فسلف أيضاً في الصلاة.
التعريف ببريدة
وأما بريدة بن الحصيب: فهو أبو عبد الله، وقيل:
أبو سهل، وقيل: أبو ساسان بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن
الحارث بن الأعرج بن سعيد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن
[الأسلمي](٣) أسلم قبل بدر ولم يشهدها وهو من المهاجرين. نزل
البصرة ثم مرو وقبره بها وشهد خيبر والفتح وكان أميراً على ربع
أسلم.
روى عنه ابناه عبد الله وسلمان، والشعبي وجماعة. وكان
فارساً شجاعاً مات سنة ثلاث وستين وقال المقدسي: ابن اثنين
أو ثلاث وستين. وهو آخر من مات من الصحابة بخراسان.
روي له عن النبي ◌ّلي مائة حديث وأربعة وستون حديثاً، اتفقا
على حديث واحد. وانفرد [البخاري] (٤) بحديثين، [ومسلم](٥)
بأحد عشر.
(١) في الأصل (الماعز)، وما أثبت من ن هـ.
(٢) كما في المستفاد من مبهمات المتن والإِسناد للعراقي (٧٣).
(٣) في ن هـ (أسلمي).
(٤) في ن هـ رمز له بحرف خ.
(٥) في ن هـ رمز له بحرف م.
١٧٦

الوجه الرابع في ألفاظه ومعانيه:
قوله: ((أتى رجل من المسلمين فقال))، إلى آخره. هذا هو عدد المواضع
المضطربة في
حديث ماعز
المشهور أنه بدأ بالسؤال وحديث ابن عباس في الصحيح ظاهره أنه .
عليه الصلاة والسلام هو الذي بدأه به. قال القرطبي(١): وهذا أحد
المواضع الثلاثة المضطربة في حديث ماعز.
وثانيها: في الحفر له وسيأتي.
وثالثها: في الصلاة عليه، وكذا في الاستغفار له، وكلها في
الصحيح.
وقوله: ((حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات)) هو بتخفيف النون، معنى احتى
أي: كرره أربع مرات. وقوله: ((أبك جنون))؟ إنما قاله تخفيفاً لحاله أربع مرات)
ثنى ذلك عليه
فإن الإنسان غالباً لا يصبر على الإِقرار بما يقتضي قتله من غير سؤال
مع أن له طريق إلى سقوط الإِثم بالتوبة. وهي أستر له أو يبرر واقعته
في صورة استفتاء وفعل ما أمر. وفي رواية في الصحيح ((أنه عليه
الصلاة والسلام سأل قومه عنه فقالوا: ما نعلم به بأساً)). وهذا مبالغة
في تحقيق حاله. [و](٢) في صيانة دم المسلم فينبني الأمر عليه
لا على مجرد إقراره بعدم الجنون فإنه لو كان مجنوناً لم يفد.
قوله: ((إنه ليس به جنون)). لأن إقرار المجنون غير معتبر فهذا معنى «إنه ليس
به جنسون)
هو الحكمة في سؤاله / عن ذلك. وقال القرطبي (٣): في ((مفهمه))
[١٨/١٩٥]
إنما قاله لما ظهر عليه من الحال التي تشبه حال الجنون وذلك أنه
المفهم (١٠٢/٥).
(١)
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) المفهم (٨٩/٥).
١٧٧

دخل إلى](١) رسول الله وَلل منتفش الشعر، ليس [عليه](٢) رداء،
يقول: [زنيت فطهرئي كما قد](٣) صح في الرواية، أي: في ((صحيح
مسلم» من حديث جابر بن سمرة.
معنى (أحصنت) ومعنى ((أحصنت)) تزوجت، وإنما سأله عن الإِحصان لتردد
حد الزاني بين الجلد والرجم ولا يمكن الإقدام على أحدهما إلا بعد
تبیین سببه .
معنى «أفلقته!
((وأذلقته)) بالذال المعجمة وبالقاف أصابته بحدها. قاله النووي
في ((شرحه))(٤). وكذا ذكره القرطبي في ((مفهمه))(٥) قال: وذلق كل
شيء: حده. ومنه: لسان ذلق. وقال الشيخ تقي الدين(٦): بلغت منه
الجهد، قال وقيل: عَضَّته، وأوجعته، [وعقرته](٧). وفي
((الصحاح))(٨) الذلق بالتحريك القلق، وقد ذلق بالكسر وأذلقته أنا
فعلى هذا معنى أذلقته: أقلقته.
و ((المصلى)» هنا مصلى الجنائز ويؤيده الرواية الأخرى، وفي
الصحيح ((في بقيع الغرقد)) وهو مصلى الجنائز بالمدينة.
(١) في الأصل بياض، وما أثبت من ن هـ.
(٢) في ن هـ له.
(٣) في الأصل بياض، وما أثبت من ن هـ.
(٤) شرح مسلم (١٩٤/١١).
(٥) المفهم (١٠٢/٥).
(٦) إحكام الأحكام (٤ / ٣٥٤).
(٧) في المرجع السابق (وأوهنته).
(٨) مختار الصحاح ٢٣٠ مادة (ذ ل ق).
١٧٨

و ((الحرة)»: تقدم بيانها في الصيام.
أحكام الحديث
الوجه الخامس: في أحكامه :
الأول: جواز الإقرار بالزنا عند الأئمة لإقامة الحد عليه.
الثاني: أن الحدود إذا وصلت إلى الإِمام يقيمها ولا يهملها.
[١٧٥/هـ/ب]
الثالث: جواز الإِقرار بالحقوق / عند الحكام في المساجد.
الرابع: نداء الكبار من العلماء وأهل الدين بأعلى نعوتهم [التي
شرفهم الله تعالى بها، فإنه نادى رسول الله وَ لو بيا رسول وهي أعظم
نعوتة](١).
الخامس: إعراض الإِمام عن من أقر بما يوجب عليه حداً
لیرجع عن إقراره أو يثبت عليه.
السادس: أن الإِمام يسأل عن شروط الرجم من الإِحصان
وغيره سواء ثبت بالإِقرار أم بالبينة لترتيب الحكم عليه.
السابع: أن إقرار المجنون باطل فإن الحدود لا تجب عليه،
وأنه يحتاط للدماء أكثر من غيرها وكل ذلك إجماع.
الثامن: التعريض للمقر بالزنا بأن يرجع ويقبل رجوعه بلا
خلاف .
التاسع: اعتبار الإِقرار بالزنا أربع مرات وهو مذهب أبي حنيفة لا بد من الإقرار
بالزنا أربع مرات
والكوفيين وأحمد قالوا: لأنه عليه الصلاة والسلام إنما أخر تمام
الحد إلى تمام الأربع مرات لكونه لم يجب قبل ذلك لأنه لو وجب
(١) من ن هـ ساقطة.
١٧٩

قبله لما أخره فدل على أنه لا يجب إلا بعدها ويقوى ذلك بقول
الراوي: ((فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه عليه الصلاة
والسلام)) إلى آخره، ففيه إشعار بأن الشهادة أربعاً هي العلة في
الحکم وقاسوه على شهود الزنا.
وخالف في ذلك مالك والشافعي ومن وافقهما فقالوا: لا يعتبر
تكرره بل يثبت مرة واحدة ويرجمه قياساً على سائر الحقوق. وبأنهم
[١١٥//ب] رووا أن تأخير الحد إلى تمام / الإِقرار أربعاً ليس للوجوب كما ذكره
الأولون بل للاستثبات والتحقيق لوجوب السبب لأن مبنى الحد على
الاحتياط في درئه بالشبهات.
واحتجوا أيضاً بالحديث السالف: ((واغد يا أنيس على امرأة
هذا فإن اعترفت فارجمها)» فلم يشترط عدد. وحديث الغامدية في
(صحيح مسلم))(١) ليس فيه أيضاً إقرارها أربع مرات ولأنه اعتراف بما
يوجب القتل فلا يشترط فيه التكرار قياساً على شهود الاعتراف بالقتل
فإنه لا خلاف كما قال القاضي عياض أن الاعتراف بالقتل لا يعتبر فيه
التكرار كالشهادة، فكذا في الرجم، ولا يحسن قياسهم الإقرار على
الشهادة لأن إقرار الفاسق على نفسه مقبول بخلاف شهادته.
واشترط ابن أبي ليلى وغيره من العلماء إقراره أربع مرات في
أربع مجالس. ونقل القرطبي(٢) هذا عن أصحاب الرأي، ونقل عن
ابن أبي ليلى وأحمد اشتراط كونها في مجلس واحد، وما قدمناه
(١) مسلم (١٦٩٥)، وأحمد (٣٤٧/٥)، والنسائي في الكبرى (٧١٦٣).
(٢) المفهم (٩٠/٥).
١٨٠