Indexed OCR Text
Pages 101-120
الثالث: الرد على من يغلو من المقلدين في أنه إذا استدل عليه بحديث، فيقال: لو كان صحيحاً لعلمه فلان مثلاً. فإن ذلك إذا خفي على أكابر الصحابة، وجاز عليهم فهو على غيرهم أجوز. الرابع: أن دية الجنين غرة عبد أو أمة، وهو إذا ألقته ميتاً مقداردية الجنين بسبب الجناية - وهو إجماع . واعتبر الفقهاء أن يكون قيمتها عشر دية الأم أو نصف عشر دية الأب. وقيل: لا يشترط ذلك لإطلاق الخبر، ولا يشترط فيها أن تكون بيضاء - كما سلف - بل تجزي السوداء أيضاً. قال مالك: والحمر أحب إليَّ من السود، فإن غلب ممن أوسط السودان. وقال الفاسي: فإن قلت الحمر بذلك البلد أخذ من السود ولا يجزي غير العبد والأمة من الحيوانات. وشذَّ طاووس وعطاء ومجاهد: فقالوا بإجزاء الفرس، وشذ داود فقال بإجزاء كل ما وقع عليه اسم الغرة، وصريح الحديث يردهما وزيادة ((أو فرس أو بغل)) قد أسلفنا الكلام على حالها. وقال ابن سيرين: يجزىء مائة شاة. حكاه القرطبي (١) قال: وفي بعض طرق أبي داود: ((خمس مائة شاة»، وهو وهم، وصوابه: ((مائة شاة». وفي ((مسند الحارث بن أبي أسامة))(٢) من حديث حمل بن (١) المفهم (٦١/٥). (٢) في مسند الحارث بن أبي أسامة ((في الجنين غرة عبد، أو أمة، أو عشر من الإِبل، أو مئة شاة». أخرجه الطبراني (٩/٤)، وذكره في المطالب العالية برقم (١٩٠٢). ١٠١ مالك: ((أو عشر من الإِبل)) قال: وشذت شرذمة، فقالوا: لا شيء في الجنين، وهي محجوجة بهذه النصوص وبإجماع الصحابة. تنبيهات؛ شروط الغرة أحدها: شرط الغرة التمييز، لأن من لا يميِّز لا استقلال له، والسلامة من عيب المبيع، لأن المعيب ليس من الخيار اللهم إلا أن يرضى به ويقبل كبير لم يعجز بهرم في الأصح، لأنه إذا لم ينته إلى الهرم هو من الخيار. وقيل: لا يقبل بعد عشرين سنة. وقيل: هذا في الجارية، أما الغلام، فلا يقبل بعد خمس عشرة لأنه لا يدخل على النساء بعد ذلك، وهذا كله من تصرف الفقهاء. الاتفاق على مقدار دية الجنين الثاني: اتفقوا على أن دية الجنين ما ذُكر، سواء كان الجنين ذكراً أو أنثى، وإنما كان كذلك لأنه قد يخفى فيكثر فيه النزاع، فضبطه الشارع بضابط يقطعه، وسواء كان كامل الأعضاء أم ناقصها، أو كان مضغة تصور فيها خلق آدمي، ففي كل ذلك الغرة بالإِجماع. الثالث: الغرة تكون لورثة الجنين على مواريثهم الشرعية، وهذا / شخص یورث ولا یرث. توزيع ديةالجنين على مقدار مواريثهم [١٨/١٨٠] قال النووي في ((شرح مسلم)) (١): ولا يعرف له نظير إلا من بعضه حر وبعضه رقيق، فإنه لا يرث عندنا وهل يورث فيه قولان: أصحّهما یورث. قلت: ولا يخفى أن المعتق يورث ولا يرث، وشدَّ فقال: إن الجنين كعضو من أعضاء الأم، فتكون ديته لها خاصة. حكاه القاضي (١) شرح مسلم (١٧٦/١١). ١٠٢ عياض(١)، وقيل: يشاركها فيها الأب. وعن مالك أنها للأبوين أثلاثاً، فإن انفرد أحدهما فله وما أسلفناه هو مذهبنا ومذهب الجمهور . رابعها: هذا كله إذا انفصل الجنين ميتاً كما أسلفته، فإن الدية المذكورة إذا خرج منًا انفصل حياً ثم مات وجب فيه كمال الدية، فإن كان ذكراً وجب فيه مائة بعير، وإن كان أنثى فخمسون. وهذا مجمع عليه وسواء في هذا الخطأ والعمد. وعند المالكية خلاف في إثبات القسامة فيه. وقال أشهب: إن مات حين استهل فلا قسامة فيه، وإن خرج حياً ثم مات ففيه القسامة. / حكاه الباجي(٢) عنه [ومشهور [١٦٦/هـ/أ) مذهب](٣) مالك أنه لا قود فيه وإن كان عمداً. [خامسها] (٤): تُعرف حياته بالحركة والعطاس والرضاع وغير الأمور التي ذلك مما يستيقن به حياته عند الشافعي وأبي حنيفة والثوري وأكثر الجنين تعرف بها حياة الفقهاء كما حكاه عنهم ابن عبد البر(٥) قال: ومذهب مالك أن الاستهلال الصياح والبكاء دون الحركة والعطاس. وقال قتادة: لو مکثت الروح فيه ثلاثاً ما ورثته. (١) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤٣٢/٤). (٢) المنتقى (٨١/٧). (٣) في ن هـ (والمشهور من قول). (٤) في ن هـ (تنبيه). (٥) الاستذكار (٨٢/٢٥). ١٠٣ وحكى الباجي (١) خلافاً في العطاس والحدث، لأن الحدث من استرخاء [المواسك](٢). [سادسها](٣): متى وجبت الغرة فهي على العاقلة لا على الخلاف فيمن يتحمل الغرة الجاني أو العائلة الجاني، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الكوفيين .. وقال مالك والبصريون: تجب على الجاني، وهو قول قديم للشافعي. وقال بعض المالكية: إن تعمد فعلى الجاني وإلا فعلى: العاقلة . سابعها: يلزم الجاني الكفارة أيضاً عند الشافعي وآخرين خلافاً لمالك وأبي حنيفة . ثامنها: يُشترط انفصال الجنين ميتاً في حياتها أو موتها، وكذا إن ظهر بلا انفصال في الأصح عندنا. ويتفرع: على الوجهين صور محل الخوض فيهما كتب الفروع، ولو ماتت الأم ثم خرج الجنين ميتاً فعندنا يجب فيه الغرة. وقال مالك وجمهور أصحابه: لا شيء فيه. ولو ماتت الأم ولم ينفصل الولد ولم يظهر فلا غرة، لأنا لا نتيقن وجود الجنين، فلا يوجب شيئاً بالشك. : تاسعها: لو فقدت الغرة فخمسة أبعرة، وقيل: القيمة. الموض عند فقد الغرة (١) المنتقى (٨٢/٧). - (٢) في المرجع السابق (المرسل). (٣) في ن هـ (خامسها) إلى آخر المسائل. ١٠٤ قال القاضي: ومقتضى مذهب / مالك أنه يتخير بين إعطاء [١٨٠/أ/ب] غرة أو عشر دية الأم. عاشرها: هذا كله في جنين الحرة، وأما الرقيقة ففي جنينها غرة جنين الأمة عشر قيمة أمه عشر قيمة أمه يوم الجناية . وقيل: يوم الإجهاض وتكون الغرة لسيدها ومحل الخوض في ذلك کتب الفروع، فإنه ألیق به. الوجه الخامس: من أحكام الحديث تمسك بقول عمر قبول خير العدل في الأحكام وغيرهما - رضي الله عنه - : ((لتأتين بمن يشهد معك)) بعض من اعتبر العدد . في الرواية. وهو مذهب غير صحيح، فإنه قد ثبت قبول خبر الواحد، العدل وهو قاطع بعدم اعتبار العدد فيها. وقد قبل عمر خبر الضحاك وغيره من غير استظهار(١). وأما طلب العدد في حديث جزئي فلا يدل على اعتباره كلياً، لجواز أن يحال ذلك على مانع خاص بتلك الصورة، أو قيام سبب يقتضي التثبت، وزيادة الاستظهار؛ لا سيما إذا قامت قرينة، مثل عدم علم عمر بهذا الحكم، وكذلك حديثه مع أبي موسى في الاستئذان(٢). (١) قال: قال عمر - رضي الله عنه -: الدية على العاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً. فأخبره الضحاك بن سفيان الكلابي: أن رسول الله و98 كتب إليه: أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح (٢١١٠). (٢) الموطأ (٩٦٤)، وأبو داود (٥١٨٤)، وأحمد (٤٣٩/٣)، ومصنف ابن أبي شيبة (٤٩٣/٨). ١٠٥ قال الشيخ تقي الدين: ولعل الذي أوجب ذلك استبعاده عدم العلم به، وهو في باب الاستئذان أقوى. وقد صرَّح عمر بأنه أراد أن يستثبت. وأجيب أيضاً بجواب آخر، وهو أن عمر - رضي الله عنه - كان يفعل هذا أول الأمر احتياطاً، وقد يُجاب بثالث بأنها شهادة على حكم الحاكم، فلهذا طلب العدد، لكنه بعيد. ١٠٦ الحديث السابع ٦٨/٧/٣٦١ - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ((اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله وَّة، فقضى رسول الله وَيه أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم، فقام حمل بن النابغة الهذلي فقال: يا رسول الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل. فقال رسول الله: ((إنما هو من إخوان الكهان)) من أجل سجعه الذي سجع(١). الكلام علیه من وجوه : أحدها: الضاربة من المرأتين؛ يقال أنها أم عفيف(٢) بنت اسم الضاربة والمضروبة (١) البخاري (٥٧٥٨)، ومسلم (١٦٨١)، وأحمد (٢٣٦/٢)، ومالك (٦٥١/٢)، وأبو داود (٤٥٧٦، ٤٥٧٧، ٤٥٧٩)، والنسائي (٤٧/٨، ٤٨)، وفي الكبرى له (٧٠٢، ٧٠٢٣)، والترمذي (١٤١٠)، وابن ماجه (٢٦٣٩)، والدارمي (١٩٧/٢)، وابن الجارود (٢٩٤/١)، والبيهقي في السنن (١٩٥/٨، ١٩٧)، وعبد الرزاق (٥٦/١٠). (٢) في سنن أبي داود عن ابن عباس (أم غطيف). ١٠٧ مسروح، والمضروبة مليكة بنت [عويم](١)، ذكره ابن بشكوال عن عبد الغني، وفي حديثه: فقال العلاء بن مسروح: يا رسول الله، [لا يغرم من لا شرب ولا أكل] (٢) ... الحديث. قال: وقيل: إن المتكلم بذلك حمل بن مالك بن النابغة وأنه كان له امرأتان: مليكة وأم عفيف. : قلت: وهو الصحيح، أعني أن المتكلم بذلك حمل بن مالك بن / النابغة لثبوته كذلك في / الصحيح. [١٦٦/هـ/ب] [١/٢/١٨١] وقال الخطيب(٣): إحداهما مليكة والأخرى غطيفة. ويقال: أم غطيف. قال: وروي أن إحداهما أم عطيف والأخرى أم مكلف. قال: وذكر أن الضاربة هي أم عفيف بنت مسروح، والمضروبة مليكة بنت ساعدة الهذلي. وقال ابن أبي شيبة (٤): مليكة ابنة عويمر من بني لحيان. وكذا قال أبو عمر(٥). وقال الحافظ أبو موسى: عويم بلا راء كما سلف عن ابن بشكوال، ورأيت بخط الصعبي في كلامه على رجال هذا الكتاب - بنت عون بنون بدل الميم - وما أبعد أن يكون تصحيفاً. (١) ذكر ابن بشكوال (عويمر) (٢٢٠). (٢) في المرجع السابق (أنغرم من لا أكل ولا شرب). وهو في معجم الطبراني (١٤١/١٧) والخطيب فى المبهمات. (٣) المبهمات ص ٥١٤. (٤) مصنف ابن أبي شيبة (٥٥/١٠). (٥) الاستيعاب (٤/ ١٩١٤). ١٠٨ ! ثانيها: ((حمل)) بفتح الحاء المهملة والميم: هو ابن مالك بن التعريف بحمل النابغة، وفي رواية المصنف نسبته إلى جده، والنابغة من نبغ إذا علا وارتفع، وهو هذلي من هذيل بن مدركة بن الياس، وكنيته أبو فضلة. له صحبة، نزل البصرة وله بها دار، وذكره مسلم فيمن روى من أهل المدينة. روى عنه ابن عباس. قال ابن السكن: يقال أسلم ثم رجع إلى بلاد قومه. قال: وليس يروى عنه غير هذا الحديث والروايات عنه حجازية، ويقال في اسمه: حمله بزيادة هاء. ذكره ابن عبد البر في ((استيعابه))، وهو غريب. ثالثها: قوله: ((اقتتلت امرأتان من هذيل)) وجاء في الصحيح الجمع بين فوله أيضاً أن المضروبة من بني لحيان، ولا تنافي بينهما، فإن لحيان بني لجبان، (هنيل» ورواية بكسر اللام، وقيل: بفتحها، بطن من هذيل، وفي الصحيح أن إحداهما كانت ضرة الأخرى. رابعها: ((العاقلة)): جمع عاقل، وجمع الجمع عواقل، معنى العاقلة والمعاقل: الديات، والعقل: الدية، سُمِّيت بذلك لأن مؤديها يعقلها بفناء أولياء المقتول. يُقال: عقلت فلاناً إذا أعطيت ديته، وعقلت عن فلان إذا غرمت عنه دية جنايته، ويقال لدافع الدية: عاقل، لعقله الإِبل بالعقل، وهي الحبال التي تثنى بها أيدي الإِبل إلى ركبها فتشد بها، وعقلت البعير أعقِله بكسر القاف عقلاً، والعاقلة عند الفقهاء العصبات ما عدا الآباء والأبناء. خامسها: ((فرمت إحداهما الأخرى بحجر [فقتلتها](١) وما في المراد بقوله «فرمت إحداهما الأخرى: (١) ساقطة من ن هـ. ١٠٩ ۔۔ بطنها))، أي رمتها بحجر صغير لا يحصل به القتل غالباً، فيكون شبه عمد، فيه الدية على العاقلة ولا يجب فيه القصاص ولا دية على الجاني. وكذا تحمل رواية الصحيح أيضاً أنها ضربتها بعمود فسطاط [١٨١/أ/ب] على ذلك. وبهذا قال الشافعي(١/ والجمهور، لكن في رواية للبيهقي (٢): ((فقضى في الجنين بغرة وقضى أن تُقتل المرأة بالمرأة)» ثم قال: إسناد صحيح، إلا أن هذه الزيادة الأخيرة لم أجدها في شيء من طرق الحديث، وإنما فيها أنه قضى بديتها على العاقلة. قلت: وأخرج ابن حبان في صحيحه(٣) هذه الرواية أيضاً، ورواية الصحيحين مقدمة عليها، ويحتمل في الجمع بينهما بأنه قضى أولاً بقتلها، ثم عفو إلى الدية، فقضى بها على عاقلتها .. المراد بقوله «فقتلتها وما سادسها: قوله: ((فقتلتها وما في بطنها)) ليس فيه ما يشعر في بطها، بانفصال الجنين، ولا يفهم منه بخلاف حديث عمر الذي قبله؛ فإنه صرَّح في الانفصال وهو مشروط عند الشافعية في وجوب الغرة كما أسلفناه، ثم قال الشيخ تقي الدين(٤): فيحتاج إلى تأويل هذه. الرواية، وحملها على أنه انفصل، وإن لم يكن في اللفظ ما يدل عليه . قلت: في ((صحيح مسلم)) في هذا الحدیث ما يدل عليه، فإن. فيه: ((أنه - عليه الصلاة والسلام - قضى في جنين المرأة من بني (١) السنن الكبرى (٨/ ١١٣). (٢) السنن الكبرى (١١٣/٨). (٣) صحيح ابن حبان (٦٠١٨). (٤) إحكام الأحكام (٣٢٩/٤). ١١٠ لحيان سقط ميتاً بغرة عبدٍ أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها - أي لها بالغرة - توفيت)) الحديث، وطرق الحديث يفسِّر بعضها بعضاً. وقوله: ((فقتلتها)) ظاهر العطف بالفاء وقع عقب الضرب، وليس كذلك بدليل الرواية التي أوردناها آنفاً. سابعها: الحكم في الحديث معلق بلفظ الجنين، والشافعية الخلاف في وجوب الغرة هل فسَّروه بما ظهر فيه صورة آدمي من يد أو إصبع أو غيرهما، ولو لم هو مجرد الحمل يظهر شيء من ذلك، وشهدت القوابل بأن الصورة خفية لا يعرفها إلا أو اكتمال الصورة أهل الخبرة، وجبت أيضاً، ولو قالوا ليس ثم صورة، ولكن لو بقي لتصور، فوجهان، أصحّهما: لا غرة وإن شكت في كونه أصل آدمي لم / تجب قطعاً، وحَظُّ الحديث أن الحكم مرتب على اسم [١/٨/١٦٧] ((الجنین))، فما تخلق فهو داخل فیه. وما كان دون ذلك فلا يدخل تحته إلا من حيث الوضع اللغوي، فإن الجنين مأخوذ من الاجتنان - وهو الاختفاء -، فإن خالفه العرف العام فهو أولى منه، وإلا اعتبر الوضع. ثامنها: ((قضى)) معناها حكم وألزم. (وغرة عبد أو وليدة)) بالتنوين و((عبدٌ)) بالرفع على البدل، إعراب (غرة وروی بغير تنوين وخفض ((عبد)) بالإضافة، وقد سلف ذلك. عبد أو أمة» وقوله: ((أو وليدة)) معطوف على عبد، ففيه الوجهان. و ((الوليدة)»: الأمة، كما جاء في الرواية الأخرى. ومعنى «استهل»: رفع الصوت بالصياح ونحوه. ١١١ ومعنی «یطل): أي يهدر، أي يلغى. معنى (يطل) [١٨/١٨٢] قال أهل اللغة: يقال طل دمه، بضم / الطاء، وأطِل: أي أهدر، وأطله الحاكم وطله: (١) أهدره. وجوَّز بعضهم طل دمه بفتح ضبط(بطل) الطاء واللام، وأباها الأكثرون. واختلف في ضبط الياء من يطل على و جھین : أحدهما: بضم الياء المثناة تحت وفتح الطاء وتشدید اللام، أي يهدر ويلغى ولا يضمن. ثانيهما: بفتح الباء الموحدة وتخفيف اللام على أنه فعل ماض من البطلان، وهو بمعنى الأول، وأكثر صحيح مسلم على الأول. ونقل القاضي (٢) أن جمهور الرواة فيه على الثاني. وقال: الخطابي(٣): أنه قول عامة المحدثين، واقتصر الشيخ تقي الدين (٤) في شرحه على الأول، فقال: طلَّ دمه إذا أهدر ولم يؤخذ فيه شيء .. تعريف الكهان تاسعها: ((الكهان)»: جمع كاهن، وهو تخييل كالسحر [وكلاهما من الجبت. قال القاضي(٥): الكهانة في العرب](٦) على أنواع الكهانة أربعة أضرب: (١) في ن هـ زیادة واو. (٢) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤٣٣/٤)، ومشارق الأنوار (٨٨/١). (٣) إصلاح غلط المحدثين (٥٧). (٤) إحكام الأحكام (٤/ ٣٢٢). (٥) ذكره في إكمال إكمال المعلم. (٦) زيادة من ن هـ. ١١٢ أحدها: أن يكون للإنسان من يخبره من الجن فيسترق من السماء، وهذا قد بطل بالبعثة . ثانيها: أن يخبره الجن بما يطرأ في بعض الأقطار البعيدة مما خفي على من قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده. ونفت هذا كله المعتزلة وبعض المتكلِّمین. ثالثها: الحزر والتخمين والأغلب فيها الكذب. رابعها: العرافة، وهو الذي يستدل على الأمور المقدمات بأسباب معتادة، وهذا الفن من العيافة، وكلها يُطلق عليها كهانة. عاشرها: السجع في الكلام الذي يأتي في أواخره نسق واحد، تعريف السجع وأصله القصد المستوي على نسق واحد في كل شيء. قال الجوهري(١): السجع: الكلام المقفى، والجمع: أسجاع، وأساجيع، وقد سجع الرجل سجعاً وسجع تسجيعاً، وكلام مسجع. وإنما ذم سجعه لما فيه من التكلف لإبطال حق أو تحقيق [باطل](٢)، أو لمجرد التكليف، ولا شك في ذم ذلك. وأما مطلق السجع الذي ليس كذلك، فليس بمذموم بل ممدوح؛ خصوصاً إذا كان أدعى إلى قبول الحق أو فهمه أو حفظ لفظه لوروده في حديث النبي ﴿﴿ وكلام السلف. ولهذا شبَّه - عليه الصلاة والسلام - سجعه بسجع الكهان من [حيث](٣) أنهم كانوا يروجون أقاويلهم (١) مختار الصحاح (س. ج.ع). (٢) زيادة من ن هـ. (٣) زيادة من ن هـ. ١١٣ الباطلة بأسجاع تروق للسامعين، فيستميلون بها القلوب ويستصغون إليها الأسماع. فأما إذا كان في مواضعه من الكلام، فلا ذم فيه : تنبيه: قوله: ((من أجل سجعه الذي سجع)) يحتمل أن يكون مدرجاً وأن يكون من نفس الحديث. وجزم القرطبي(١) في ((مفهمه)) بأنه من تفسير الراوي. الحادي عشر: في أحكامه : أحکام الحديث الأول: رفع الجنايات والخصام فيها إلى الحكام لغرض الفصل . الثاني: وجوب الغرة بالجناية على الجنين وانفصاله ميتاً. الثالث: أنه لا فرق / بين الذكر والأنثى، ويخير مستحقها على قبولها من أي نوع كان بالشرط الذي أسلفناه في الكلام على الحديث قبله . [٨/١٨٢/ب] الرابع: أنه لا يتقدر للغرة قيمة لإطلاق الخبر وهو وجه سلف مع بيان الأصح فيه . الخامس: أن الغرة إذا وجدت بصفاتها المعتبرة لا يلزم المستحق قبول غيرها لتعيينها في الحديث، وأما إذا عدمت فليس في الحديث ما يشعر بحكمه وقد أسلفت حكمه في الكلام على الحديث قبله. (١) المفهم (٦٤/٥): ١١٤ السادس: أنه لا يقتضي تخصيص سن دون سن للغرة، وقد أسلفت ما فيه هناك أيضاً، وأن الأصح قبول كبير لم يعجز بهرم، و وجهه أن من أتی بما دل الحديث عليه وسماه، فقد أتى بما وجب، فلزم / قبوله، إلا أن يدل دليل على خلافه، كيف والحديث [١٦٧/هـ/ب] [بالإطلاق](١) ليس فيه تقييد لمعين ولا يقتضيه لفظه. السابع: هذا الحديث ورد في جنين حرة من غير لفظ عام، والحديث السالف ليس فيه تقييد، فإن المرأة تطلق عليها؛ وإن كان في لفظ الراوي ما يقتضي أنه شهد واقعة مخصوصة في جنين حرة، فعلى هذا يؤخذ حكم جنين الأمة من محل آخر، وقد أسلفت فيما مضى أن فيه عشر قيمة أمه، والجنين اليهودي والنصراني قيل كمسلم، وقيل: هدر، والأصح: أن الواجب فيه غرة كثلث غرة مسلم . الثامن: أن دية المرأة الميتة من ضرب شبه عمد على عاقلتها إجراءً لحكمها مجرى القتل العمد. التاسع: ذم الكهان وسجعهم والتشبه بهم. العاشر: بيان الأحكام في المنطق وغيره من الأعمال. الحادي عشر: أن العقل لا مدخل له في الأحكام الشرعية، وأنه لا حكم إلا للشرع. الثاني عشر: قال القاضي: وفي قول ((حمل كيف أغرم)) إلى الخلاف في تقسيم الغرة آخره: حجة لليث وربيعة على أن الغرة للأم خاصة؛ إذ لو كانت على (١) في هـ (بإطلاقه). ١١٥ الفرائض على مشهور قول مالك وأصحابه وأصحاب أبي حنيفة والشافعي لكان للأب فيها أكثر نصيب أو الأم والأب على مذهب ابن هرمز، [فلا يقرب للغرة](١)، لأنه يغرم أكثر مما يعطي. الثالث عشر: قد يحتج بقوله: ((وقضى بدية المرأة على عاقلتها)) من لا يرى القصاص في القتل بغير المحدد ويجعله شبه العمد، ويعارض ذلك رواية من روى القتل - كما أسلفته ــ (٢). (١) لعل معناه: (فلا يرث من الغرة). كما في إكمال المعلم (٤٩٣/٥) قال: (فلما كان غارماً محضاً دل أنه لم يكن له في ذلك حق). وساقها المصنف بتصرف. (٢) كما في الوجه الخامس ص ١٠٩، ١١٠. ١١٦ الحديث الثامن ٦٨/٨/٣٦٢ - عن عمران بن حصين - رضي الله عنهما -: ((أن رجلاً عض يد رجل، فنزع يده من [فمه](١) فوقعت ثنيتاه، [فاختصموا](٢) إلى [رسول الله](٣) وَالّر، فقال: بعض أحدكم أخاه كما بعض / الفحل، لا دية لك)) (٤). [١٨/١٨٣) الكلام عليه من وجوه: والتعريف براويه سلف في باب التيمم. الأول: المعضوض هو أجير يعلى، وقيل: يعلى نفسه ابن نعين المبهم أمية، ويقال: ابن منية يُنسب تارة إلى أبيه وتارة إلى أمه، وقيل: إنها والتعريف بيعلى جدته، والرواية الأولى هي الصحيحة المعروفة عند الحفاظ. وقال صاحب ((المفهم)(٥): إنها الأولى والأليق من رواية مسلم: ((أن يعلى (١) في متن حاشية إحكام الإِحكام (فيه) .. (٢) في المرجع السابق (فاختصما). (٣) في المرجع السابق (إلى النبي). (٤) البخاري (٢٢٦٥)، ومسلم (١٦٧٤)، وأحمد (٢٢٢/٤)، وأبو داود (٤٥٨٤)، والنسائي (٣٠/٨)، وابن ماجه (٢٦٥٦)، والنسائي في الكبرى (٦٩٦٢، ٦٩٦٣، ٦٩٦٤)، والدارمي (١٩٥/٢)، وعبد الرزاق (٣٥٥/٩)، والطبراني في الكبير (١٨٧/١٨). (٥) المفهم (٣٢/٥). ١١٧ قاتل رجلاً فعضَّ أحدهما صاحبه)) الحديث، إذ لا يليق هذا الفعل بیعلی مع جلالته وفضله. وقال النووي(١): يحتمل أنهم قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقتين مختلفين. التعريف تنبيه: والد يعلى هو أمية - كما أسلفناه ــ ابن أبي عبيد بن همام بن الحارث الحنظلي التميمي، كنيته أبو خالد، وقيل: أبو صفوان أسلم يوم الفتح وشهد حنيناً والطائف، وكان معروفاً بالسخاء. قُتل سنة ثمان وثلاثين مع علي بصفين بعد أن شهد الجمل مع عائشة . وأمه مُنية بضم الميم وإسكان النون وفتح المثناة تحت، ثم هاء بنت جابر عمة عتبة بن غزوان. ويقال: أخته. وقال الدارقطني: منية بنت الحارث جدته أم أبيه، وبها يُعرف. قاله الزبير بن بكار، وأهل الحديث يقولون إنها أمه . : قال القاضي(٢): وصحفه بعضهم فقال: منبة بضم الميم ثم نون مفتوحة ثم باء موحدة، وكان ابن وضاح يقول: أمه منية وأبوه منية، ووهم في اسم الأب، وإنما هو أمية. قال أبو عمر: ولم يصب الزبير في دعواه أنها جدته. الثاني: كانت هذه القصة في غزوة تبوك، أعني قصة أجير يعلى . وقت هذه الحـادثة (١) شرح مسلم (١٦٠/١١). (٢) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤ / ٤١٤). ١١٨ الثالث: ((الفحل)) بالحاء المهملة أي: الفحل من الإِبل وغيرها من الدواب. وقوله: ((فمه)) كذا هو بإثبات الميم، وفي بعض نسخ الصحيحين بالياء المثناة تحت بدلها، وهو الأكثر في اللغة، وإن كانت الأولى فأشبه كثيرة. وقوله: ((فوقعت [ثنيتاه](١))) كذا هو بالتثنية، وفي بعض الروايات في الصحيح بالتوحيد. الرابع: في أحكامه : [أحدها](٢): تحريم العض. [وأنه ليس من شيم بني آدم](٣). ثانيها: الحديث دال لمذهب الشافعي وأبي حنيفة وكثيرين سقوط الضمان في العض أو الأكثرين على أنه لا ضمان فيما إذا عض إنسان يد آخر فانتزعها فسقطت سنه بشرط أن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك من ضرب في شدقيه أو فك لحييه ليرسلها، فلو أمكن / تخليصها بأيسر ما يقدر [١٦٨/هـ /أ] عليه فانتقل إلى الأثقل. فعليه الضمان. وأجاز المارودي(٤) من الشافعية له أن ينزع يده من فيه بجبذها مذاهب العلماء في التخلص ولو سقطت أسنانه، ابتداءً من غير عجز عن نزعها بفك لحييه من الجاني (١) في الأصل (ثنيته). (٢) في الأصل الخامس وما أُثبت من ن هـ إلى آخر المسائل. (٣) زيادة من هـ. (٤) الحاوي الكبير (٣٧٠/١٧، ٣٧١). ١١٩ [١٨٣//ب] ونحوه، ولو لم يمكنه التخليص إلا بعضو آخر / بأن يبعج بطنه أو يفقأ عينه أو يعصر خصيبه، فله ذلك على الصحيح. وقيل: ليس له قصد عضو آخر. وخالف مالك في ذلك فقال في المشهور عنه: يجب الضمان في السن مطلقاً، والحديث صريح لمذهب الأكثرین. ونقل المازري(١) مثل مقالة مالك عن الشافعي، وهي غريبة لا نعرفها في مذهبه. وتبعه القرطبي (٢)، ثم شرع يخرج قولاً للشافعي من مسألة الصائل: إنه لا ضمان وهو عجيب .. ونقل المازري عن بعض محققي شيوخهم أن من ضمنه علله بأنه يمكنه النزع برفق حتى لا تتقلع أسنانه، فإذا زاد على ذلك صار متعدِّياً بالزيادة، فضمن، وحملوا الحديث على من لا يمكنه النزع إلا بما أدى إلى سقوط الأسنان. وقال بعضهم: لعل أسنانه كانت متحركة فسقطت عقب النزع، وهو بعيد من ظاهر الحديث، فلا تشتغل به والتقييد بعدم الإِمكان - كما أسلفته ـــ ليس في الحديث، ولكن يؤخذ من القواعد الكلية، وكذا إلحاق عضو آخر غير الفم وإن كان النص ورد في صورة مخصوصة . ثالثها: رفع الجنايات إلى الحكام لأجل الفصل. (١) المعلم بفوائد مسلم (٣٧٩/٢). (٢) المفهم (٣٣/٥). ١٢٠