Indexed OCR Text

Pages 81-100

خاتمة: أول من قضى بالقسامة - على ما حكاه ابن قتيبة في
((معارفه)) - الوليد بن المغيرة في الجاهلية، فأقرها - عليه الصلاة
والسلام - في الإِسلام. وفي ((مصنف عبد الرزاق)) (١) أن أول من
كانت فيه القسامة في الإِسلام عبد الله بن سهل، وذكر ابن زبالة أنه
- عليه الصلاة والسلام - قضى بذلك في مسجد بني حارثة من
الأوس.
(١) (٣٠/١٠، ٣١).
٨١

الحديث الرابع
٦٨/٤/٣٥٨ - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: ((أن
جارية وجد رأسها مرضوضاً بين حجرين، فقيل: من فعل هذا بكِ؟
فلان؟ فلان؟ حتى ذكر يهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي
....
فاعترف، فأمر النبي ◌َّه أن يُرضّ رأسه بين حجرين)).
ولمسلم والنسائي عن أنس: ((أن يهودياً قتل جارية على
أوضاح، فأقاده رسول الله وَ لات))(١).
الكلام علیه من وجوه :
الأول: هذه الرواية التي عزاها لمسلم ليست فيه بهذا اللفظ،
وإنما لفظه: ((فقتله رسول الله ولا بين حجرين))، وهي بهذا اللفظ
في البخاري أيضاً. وترجم / على الحديث: ((إذا قتل بحجر أو
لفظ مسلم
[١٦٣/هـ/ أ]
تراجم البخاري
على هذا
الحديث (١) البخاري في أطرافه (٢٤١٣)، ومسلم (١٦٧٢)، والترمذي (١٣٩٤)،
وأبو داود (٤٥٢٧، ٤٥٢٨، ٤٥٣٥)، والنسائي (٢٢/٨)، وابن ماجه
(٢٦٦٥)، والدارقطني (١٦٨/٣، ١٦٩)، وأحمد (١٦٣/٣)، وابن
الجارود (٨٣٨)، والطيالسي (١٩٨٦)، والبغوي (٢٥٢٨)، والبيهقي
.(٤٢/٨)، وأبو يعلى (٢٨٦٦، ٣١٤٩).
--
٨٢

بعصى(١). ومن أقاد بالحجر(٢). وقتل الرجل بالمرأة (٣). وإذا أقر
بالقتل مرة قتل به (٤). والإِشارة في الطلاق والأمور))(٥). رواه فيه
معلقاً، وفيه أنه - عليه الصلاة والسلام - قال لها: ((من قتلك؟
فلان؟ - لغير الذي قتلها - فأشارت برأسها أن لا. قال: فقال الرجل
آخر - غير الذي قتلها - فأشارت أن لا. فقال: ففلان؟ - لقاتلها -
فأشارت أن نعم، فأمر به رسول الله ﴿ فرُضخ رأسه بين حجرین)).
نعم هو في النسائي باللفظ الذي عزاه إليه.
الثاني: هذه الجارية وقاتلها لا أعرف اسمها بعد الفحص عنه،
وفي الصحيح أن الجارية من الأنصار، والظاهر من قتلها كان غيلة،
لأنه أخذ حلیھا .
الثالث: الأوضاح بالضاد المعجمة: حلي من فضة يُتُحلَّى به. معنـ
وقد ذُكر في الصحيح أيضاً: مكانها ((الحلي)) سُميت بذلك لبياضها.
(الأوضاح»
واحدها: وضح. وقيل: إنه حلي من حجارة. حكاه القاضي.
و ((الرض)): الكسر غير المبان،
(١) حديث (٦٨٧٧).
(٢) حديث (٦٨٧٩).
(٣) حديث (٦٨٨٥).
(٤) حديث (٦٨٨٤).
(٥) حديث (٥٢٩٥)، لم يذكر المؤلف بعض التراجم التي عقد البخاري على
هذا الحديث أبواب، منها: باب إذا أومأ المريض برأسه إشارة بينة
جازت، حديث (٢٧٤٦)، وأيضاً باب سؤال القاتل حتى يقر، والإِقرار
في الحدود (٦٨٧٦).
٨٣

معنى بين
حجرين؟
ومعنى ((بين حجرين)): أنه وضع رأسها على حجر ورمى
بآخر، وفعل به مثل ذلك. وفي الصحيح: ((أنه رضخ رأسه بين
حجرين"، وفيه: ((أنه رجمه بالحجارة))، والمعنى واحد لأنه إذا
وضع رأسه على حجر ورضّ بآخر فقد رجم، ورض، ورضخ، وقد
يكون رجمه نوعاً مما فعل بها؛ فإن في الصحيح: ((أنه ألقاها في
القليب))، وهي البير غير المطوية ((ورضخ رأسها بالحجارة)). وهذا
رجم لا شك فيه، وهذا أولى من ادعاء تعدد الواقعة.
الرابع في أحكامه :
قتل الرجل
بالمرأة
وبالعكس
الأولى: قتل الرجل بالمرأة، وهو إجماع من يعتد به. وعن
عليّ أنه إذا قتل بها أخذ نصف الدية إن شاءوا وإلا أخذوا الدية. قال
ابن عبد البر(١): ولا يصح، وروي ذلك عن الحسن، واختُلف فيه
عن عطاء، وبه قال البتي.
الثاني: قتل الذمي والمعاهد والمستأمن بالمسلم.
جواز سؤال
الجريح من
جرحك
الثالث: جواز سؤال الجريح من جرحك؟ لفائدة تعرف
الجارح من بين المتهمين ليطالب، فإن أقرّ ثبت عليه القتل كما جرى
لليهودي من أخذه واعترافه، فلو أنکر فالقول قوله مع یمینه ولا يلزمه
بمجرد قول المجروح شيء، وهو قول جمهور العلماء.
وقال مالك: يثبت القتل بمجرد قول المجروح على المتهم.
تعلقاً بهذا الحديث وهو غريب، فإن اليهودي لم يقتل إلا باعترافه
لا بمجرد قول المجروح. لاجرم قال النووي(٢): إنه تعلّق باطل.
(١) الاستذكار (٢٥٤/٢٥).
(٢) شرح مسلم (١٥٩/١١).
٨٤

ورأيت من المالكية من يشنع هذا على النووي ويقول: ليس
هذا مذهب مالك وإنما مذهبه أنه لوث وغفل هذا المعترض المتحايل
عن مذهبه أن اللوث موجب القصاص. وذكر القاضي(١)
أبو عبد الله بن المرابط أنه كان في أول الإِسلام قبول [قول](٢)
القتيل، وأن هذا معنى الحديث؛ وأن ما جاء من اعترافه إنما جاء من
رواية قتادة ولم يقلده غيره، وهذا مما عُدَّ عليه، وفيما ذكره نظر
لا يخفى.
الرابع: التوصل إلى معرفة القاتل بتعديد الأشخاص عليه لقصد
معرفة الحق ودفع الريبة فيه .
الخامس: أن الإشارة بالرأس ونحوه في ذلك قائمة مقام النطق الاكتفاء
بالإشارة عن
[فإنها نزلت منزلة دعواها. قال القرطبي (٣): ومن قال من الرواة: النطق
إنها قالت: نعم، فإنما عبر عما فُهم عنها من الإِشارة بالقول](٤).
السادس: وجوب القصاص بالمثقل عمداً وهو ظاهر من إقامة القصاص
الحديث وقوي في المعنى أيضاً، فإن صيانة الدماء من الإهدار
بالمقل
مطلوب، والقتل بالمثقل كالمحدد في إزهاق الأرواح؛ فلو لم يجب
القصاص بالقتل بالمثقل لأدى ذلك إلى أن يتخذ ذريعة إلى إهدار
القصاص، وهو خلاف المقصود من حفظ الدماء. وبهذا قال مالك
والشافعي وأحمد وجمهور العلماء ..
(١) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤١٤/٤).
(٢) في هـ ساقطة.
(٣) المفهم (٢٤/٥).
(٤) زيادة من ن هـ.
٨٥

وقال أبو حنيفة: لا قصاص إلا في القتل المحدد من حديد
أو حجر أو خشب أو كان معروفاً بقتل الناس كالمنجنيق والإلقاء في
النار.
واختلف عنه في مثقل الحديد كالدبوس، واعتذر الحنفیون عن
اعتذار القائلين
بعدم القتل
بالمثقل الحديد بأعذار ضعيفة :
منها: أن قتل اليهودي إنما كان سياسة لا قصاصاً. قالوا: فإنه
[١٦٣/ هـ/ب] كان ساعياً في الأرض / بالفساد، وكان من عادته قتل الصغار بذلك.
الطريق، وهذا كله مردود برواية النسائي التي فيها لفظ الإِقادة، فإنه
لا يقال في القتل سياسة. فإن كانت الجناية شبه عمد فإن قتل بما
لا يقصد به القتل غالباً فتعمد القتل به، كالعصا والسوط واللطمة
والقضيب والبندقة .. ونحو ذلك، فقال جماهير العلماء من الصحابة.
والتابعين فمن بعدهم من أئمة المذاهب وغيرهم، كالشافعي
وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور:
لا قصاص فیه.
وقال مالك والليث: يجب فيه القود.
المماثلة في
القصاص
السابع: اعتبار المماثلة في استيفاء القصاص بالقتل بالمثقل،
والخلاف فيه فيُقتل على الصفة التي قَتل، فإن قَتل بالسيف قُتل به، وإن قَتل
بخشب أو حجر أو نحوهما قُتل بمثله؛ لأن اليهودي رضخها فرضخ
[١٧٦//ب] هو. وهذا مذهب الشافعي ومالك؛ فإن اختار الولي العدول / إلى
السيف، فله ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا قود إلا بالسيف.
٨٦

[قال ابن رشد في ((مقدماته)) في القسامة: يُقتل بالسيف، وإن
كان بالإِقرار أو بالبينة، ففيه خلاف](١) وهو قول مخرج عندنا
والحديث حجة عليه، وحديث: ((لا قود إلا بالسيف))، و ((لا قود إلا
بحديدة))(٢) قد بيَّن البيهقي في ((خلافياته))(٣) ضعفهما.
والنهي عن المثلة: محمول على من وجب عليه القتل لا على
طريق المكافأة.
نعم يُستثنى من هذا ما إذا كان الطريق الذي حصل به القتل صور مستثناة
من المماثلة
محرماً كالسحر، فإنه لا يقتل به.
واختلف أصحابنا فيما لو قتل باللواط [أو](٤) بإيجار الخمر،
فالأصح أن المماثلة تسقط، فإنها محرمة كالسحر،
ومنهم من قال: يدس فيه خشبة مثل الذكر، ويوجر مائعاً،
ومحل القول في ذلك وأمثاله كتب الفروع. وقد أوضحناها فيها ولله
الحمد.
وعندنا أن إذا حرقه بالنار يحرق بها، وخالف ابن الماجشون
بحديث: ((لا يعذب بالنار إلا ربها))(٥).
(١) في ن هـ ساقط.
(٢) البيهقي (٦٢/٨) عبد البرزاق (١٧١٧٩).
(٣) مختصر الخلافيات (٣٤١/٤).
(٤) في ن هـ (و).
(٥) البخاري (٣٠١٦)، وأبو داود (٢٦٧٤)، والترمذي (١٥٧١)، وأحمد
(٣٠٧/٢).
٨٧

وقد يجاب بأن المراد: لا يعذب أدباً وتعزيراً؛ وقد قال
تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُمْ﴾(١) الآية.
:
وأما قولنا: إن للولي أن يعدل إلى السيف إذا اختار، فقد
استثنى بعضهم منه ما إذا قتله بالخنق. قال: لا يعدل إلى السيف
وادعى أنه عدول إلى الأشد، فإن الخنق يغيب العقل فيكون أسهل،
وأشار إمام الحرمین من أصحابنا إلى حكايته وجهاً.
جواز القسامة مع
قول الصبي
الثامن: هذه الجارية المذكورة يحتمل أن تكون أمة، وأن
تكون حرة؛ إلا أن الجارية لا تطلق على الحرة حقيقة إلا قبل البلوغ،
فقد يؤخذ منه على هذا التقدير جواز القسامة مع قول الصبي الذي
لم يبلغ وإن كانت لم تقع؛ كما رواه مطرف عن مالك أن الصبي إذا
راهق وعرف أقسم على قوله. وقاله ابن الماجشون خلافاً لابن
القاسم، وعلى التقدير الأول: يكون في العبد القسامة؛ وهو قول
أبي حنيفة خلافاً لمالك(٢). وقال أبو يوسف: مرة هو هدر لا قسامة
فيه ولا قيمة، ومرة تعقله العاقلة بالقسامة.
وقال الشافعي: لسيد العبد القسامة فيه .
وقال القرطبي (٣): فيه دلالة على قتل الكبير بالصغير، لأن
الجارية اسم لمن لم يبلغ من النساء كالغلام في الرجال، وهذا
لا يختلف فيه.
(١) سورة النحل: آية ١٢٦.
(٢) انظر: الاستذكار (٣٣٩/٢٥، ٣٤٠).
(٣) المفهم (٢٥/٥).
.-
٨٨

الحديث الخامس
٦٨/٥/٣٥٩ - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ((لما
فتح الله [تعالى](١) على رسوله وَالر مكة، قتلت هذيل رجلاً من بني
ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية. فقام النبي وَ الله فقال: ((إن الله
[تعالى] (٢) قد حبس عن مكة الفيل، وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين،
وإنها لم تحل لأحد [كان](٣) قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما
أحلت لي ساعة [من] (٤) نهار وإنها ساعتي هذه [حرام](٥) لا يعضد
شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا تلتقط ساقطتها
إلا لمنشد. ومن قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن
[يفدي](٦)، فقام رجل من أهل اليمن يُقال له أبو شاهٍ فقال: يا
رسول الله، اكتبوا لي. فقال رسول الله وَلقول: اكتبوا لأبي شاهٍ. ثم قام
العباس فقال: يا رسول الله، إلَّ / الإِذخر، فإنا نجعله في بيوتنا [١/٥/١٦٤]
(١) زيادة من متن حاشية إحكام الأحكام.
(٢) في المرجع السابق (عز وجل) وما أُثبت زيادة من ن هـ.
(٣) ساقطة من المرجع السابق.
(٤) زيادة من ن هـ ومن متن حاشية إحكام الأحكام.
(٥) زيادة من المرجع السابق.
(٦) في المرجع السابق (يدي).
٨٩

وقبورنا، فقال رسول الله (سلفه: إلا الإذخر))(١).
الكلام علیه من وجوه :
الأول: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه، وقد سلف التعريف
بأبي هريرة في أوائل الكتاب وبالعباس في الزكاة.
ضبط أبي شاه
وأبو شاه لا يُعرف اسمه، وإنما هو معروف بكنيته، وهو بالهاء
درجاً ووقفاً، ولا يُعرف اسمه. وعن ابن دحية أنه بالياء منصوبة.
وقال النووي(٢): هو بهاء في آخره تكون هاء في الدرج كما تكون في
الوقف. قال: وهذا لا خلاف فيه ولا يغتر بكثرة من يصحفه ممن
لا يأخذ العلم على وجهه، ومن مظانه. ومثله شاه الكرماني الصوفي
الزاهد: هو بالهاء وقفاً ودرجاً.
[فائدة: روى ابن إسحاق(٣) أن خراش بن أمية من خزاعة قتل ابن
الأدلع الهذلي وهو مشرك بقتيل قُتل في الجاهلية يُقال له أحمر، فقال
- عليه الصلاة والسلام -: ((يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل))(٤)
(١) البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥)، وأحمد (٢٣٨/٢)، والترمذي
(١٤٠٥)، وأبو داود (٢٠١٧)، والنسائي في الكبرى (٥٨٥٥)،
والدارقطني (٩٦/٣، ٩٧)، والدارمي (٢٦٥/٢)، والبيهقي في السنن
(١٧٧/٥، ١٧٨)، (٥٢/٨، ٥٣)، وابن أبي شيبة (٤٣٤/٨ -
٥٣٧).
۔۔
(٢) شرح مسلم (١٢٩/٩).
(٣) المغازي للواقدي (٨٤٣، ٨٤٤) وفي البداية والفتح (الأثوغ).
(٤) المغازي للواقدي (٨٤٣)، معاني الآثار (٣٢٧/٣) البداية والنهاية
(٣٠٥/٤) وذكره في الفتح الباري (٢٠٦/١٢).
٩٠

وذكر الحديث، ففي هذا بيان المبهم الواقع في الحديث فاستفده](١).
الثاني: هذيل بفتح الذال المعجمة: قبيلة كبيرة، والنسب إليها ضبط مدبل
ونسبها
هذلي بضم الهاء وفتح الذال، وهي هذيل بن مدركة بن إلياس بن
مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وأكثر أهل وادي نخلة بقرب مكة
على ستة فراسخ من هذيل.
وبنو ليث: هم بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة.
الثالث: في ألفاظه ومعانيه،
فقوله: ((حبس عن مكة الفيل)) هو بالفاء ثم مثناة تحت، وشدَّ
بعض الرواة فقال: ((الفيل أو القتل)) بالقاف ثم مثناة فوق. وجزم
القرطبي في ((شرحه)»(٢) بالأول.
و ((حبسه)»: حبس أهله الذي جاؤوا للقتال في الحرم، وذلك معنى (حبس)
أن أبرهة الأشرم الحبشي قصد خراب الكعبة، فلما وصل إلى ذي
المجاز - سوق العرب قريب من مكة - عيا فيله، وجهزه إلى مكة،
فلما استقبل الفيل مكة رزم، أي: أقام وثبت، فاحتالوا عليه بكل
حيلة فلم يقدروا عليه، فاستقبلوا به جهة مكة فامتنع فلم يزالوا به
هكذا حتى رماهم الله بالحجارة التي أرسل الطير / بها على ما هو [٨/١٧/ب]
مذكور في السير والتفاسير.
و ((عام الفيل)): هو عام وُلد نبينا - عليه الصلاة والسلام -، عام الفيل
وقال مقاتل: كان قبل مولده بأربعين سنة. وقال الكلبي بثلاث
وعشرين، والأكثرون على الأول.
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) المفهم (٤٧٥/٣).
٩١

معنى «لا يعضد
شجـرهـا:
وقوله: ((ولا يعضد شجرها))، أي لا يقطع بالمعضد، وقد
سلف ذلك في باب حرمة مكة، وكذا سلف فيه الكلام على ((لا يختلاً
خلاها)»، وعلى: ((لا يعضد شوكها))، وعلى: ((إلا لمنشد)،
و «الإِذخر))، فراجعه منه. وكذا سلف هناك تاريخ فتح مكة أيضاً.
[ومعنی](١) آيدي](٢) تؤخد دیته.
وقوله: ((اكتبوا لي)) أراه خطبة النبي ◌َّلل يوم الفتح بمكة. قاله
الأوزاعي: كما حكاه عنه الوليد بن مسلم في الصحيح.
أحكام الحديث
الرابع: في أحكامه سوى ما سلف في باب محرمات الإِحرام،
فإنه تقدم هناك معظم ما يتعلق بالحديث من الألفاظ والمعاني
والأحكام:
الأول: تذكير الناس في المجامع والفتوح بما من الله تعالى به،
وفي ((صحيح مسلم)) أنه خطب به على راحلته.
الثاني: أن مكة فُتحت عنوة، فإن التسليط الذي وقع
لرسول الله والمؤمنين مقابل بالحبس الذي وقع للفيل، وهو الحبس
عن القتال، وقد سلف هناك ما فيه.
الثالث: حرمة مكة زادها الله شرفاً، وقد سلف هناك الخلاف
:
في القتال فيها .
الرابع: أن ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وأن
(١) في ن هـ ساقط .
(٢) انظر ت ٦ ص ٨٩.
٩٢

له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء، وبه قال سعيد بن المسيب
وابن سيرين والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال مالك: ليس له إلا القتل أو العفو وليس له الدية إلا برضا
الجاني، وهو خلاف نص الحديث.
الخامس: أن القاتل عمداً يجب عليه أحد الأمرين من أن لولي المقتول
: عمدًا القصاص
أو السدية
القصاص أو الدية، وهو أحد قولي الشافعي وأصحَّهما عنده: أنَّ ا
الواجب القصاص أو الدية بدل عند سقوطه، وهو مشهور مذهب
مالك أيضاً، وعلى القولين [للولي] (١) العفو على الدية ولا يحتاج
إلى رضا الجاني، ولو مات أو سقط / الطرف المستحق وجبت (١٦٤/ هـ/ب]
الدية، وبه قال أحمد.
وعن أبي حنيفة ومالك: أنه لا يعدل إلى المال إلاَّ برضا
الجاني، وأنه لو مات الجاني سقطت الدية، وهو قول قديم
للشافعي .
ووقع في شرح الشيخ تقي الدين(٢) ترجيح هذا القول، فإنه لما
حكى القولين المذكورين أولاً وعزاهما إلى الشافعي قال: ومن فوائد
هذا الخلاف أن من قال: الواجب القصاص قال: ليس للولي حق
أخذ الدية بغير رضى القاتل، [قال: وقيل على هذا للولي حق إسقاط
القصاص، وأخذ الدية بغير رضا القاتل](٣).
(١) زيادة من هـ.
(٢) إحكام الأحكام مع الحاشية (٤/ ٣٢٣).
(٣) في ن هـ ساقطة. ومثبتة في المرجع السابق.
٩٣

قال: وثمرة هذا القول على هذا تظهر في عفو الولي، وموت
القاتل، فعلى قول التخيير يأخذ المال في الموت لا في العفو، وعلى
قول التعيين يأخذ المال بالعفو عن الدية لا في الموت.
وهذا الحديث ظاهر الدلالة لمن قال: الواجب أحد الأمرين،
وللقائل الآخر، أوله بأنه المراد إن شاء أخذ الدية برضى الجاني، إلا
أنه لم يذكر الرضى لثبوته عادة، وقيل: إنه كقوله - عليه الصلاة
والسلام - فيما ذكر: ((خذ سلمك أو رأس مالك)) يعني: رأس مالك
برضا المسلم إليه لثبوته عادة، لأن السلم بيع بأبخس الأثمان،
فالظاهر أنه يرضى بأخذ رأس المال. قال: وهذا الحديث المستشهد
به يحتاج إلى إثباته. وتبعه في ذلك ابن العطار، وزاد فجزم به، ثم
قال: وأنه إذا عفى عن القصاص وقلنا على التخيير يسقط القصاص
وتثبت الدية، وإن قلنا على قول التعيين لم يجب قصاص ولا دية،
وتبع فيه النووي؛ فإنه ذكره كذلك في ((شرحه لمسلم)»(١) ولِيُتأمَّل مع
ما ذكره الشيخ تقي الدين.
سادسها: الإِذن في كتابة العلم غير القرآن، وقد ثبت في
الصحيح حديث علي - رضي الله عنه -: ((ما عندنا إلا ما في هذه
الصحيفة))(٢)، وحديث أبي هريرة: ((كان عبد الله بن عمرو يكتب
جواز كتابة العلم
(١) شرح مسلم (١٢٩/٩) مع بعض التصرف.
(٢) مسلم (١٩٧٨)، والنسائي (٢٣٢/٧)، والبغوي (٢٧٨٨)، والبخاري في
الأدب المفرد (١٧)، وأحمد (١١٨/١، ١٥٢)، عبد الله في زوائد
المسند (١٠٨/١)، والبيهقي (٩٩/٦) ..
٩٤

ولا أكتب(١)))(٢)، وجاءت أحاديث في النهي عن كتابة غير القرآن
عمل بها بعض السلف، منها حديث: ((لا تكتبوا عني شيئاً إلا
القرآن، ومن كتب عليَّ شيئاً غير القرآن فليمحه))(٣). رواه مسلم
وأكثرهم على جوازها. ثم وقع بعد ذلك إجماع الأمة على
استحبابها، وأجابوا عن النهي بجوابين:
الإجابة عن
أحاديث التھي
أحدهما: أنها منسوخة لأن النهي كان خوفاً من اختلاط غير عن كتابة العلم
القرآن به، فلما اشتهر وأمنت مفسدة الاختلاط وقع الإِذن فيها.
ثانيهما: أنه نهي تنزيه لمن يثق بحفظه وخيف اتكاله على
الكتابة، فأما من [لم](٤) يثق بحفظه، فإنها مستحبة في حقه، والإِذن
محمول عليه، وقد عد تدوين العلم وكتابته من البدع الواجبة،
وادعى القرافي الإِجماع عليه وعلله بأن التبليغ لمن بعدنا من القرون
واجب إجماعاً ولا يتوصل إليه إلا بالكتب لسوء الحفظ وقلة الضبط،
وما لا يتوصل إلى الواجب الآن فهو واجب(٥).
(١) البخاري (١١٣).
(٢) في ن هـ زيادة: (وحديث يا رسول الله أَكتب عنك ما تقول في الرضا
والغضب، فقال: أُكتب فإني لا أقول إلاَّ حقاً).
(٣) أحمد (١٢/٣)، ومسلم (٣٠٠٤)، والنسائي في الكبرى (٨٠٠٨).
(٤) زيادة من ن هـ.
(٥) انظر: الفتح (٢٠٨/١).
٩٥

الحديث السادس
٦٨/٦/٣٦٠ - عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:
((أنه استشار الناس في إملاص المرأة، فقال المغيرة [بن شعبة](١):
[١٧٨//ب] شهدت النبي ◌َّ قضى فيه بغرةٍ - عبدٍ، أو أمة -، فقال(٢)
لتأتين بمن يشهد معك، فشهد [معه](٣) [محمد](٤) بن مسلمة)).
[(إملاص المرأة)): أن تلقى جنينها ميتاً](٥).
الكلام عليه من وجوه: وهو أصل في إثبات الغرَّة:
أحدها: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه ..
أما عمر بن الخطاب: فسلف أول الكتاب.
(١) زيادة من متن العمدة على حاشية إحكام الأحكام.
(٢) البخاري (٦٩٠٥)، ومسلم (١٦٨٣)، وأحمد (٢٥٣)، والنسائي
(٤٧/٨)، وأبو داود (٤٥٧٠، ٤٥٧١)، وابن ماجه (٢٦٤٠)، والدارمي
(٢٩٦/٢)، والبيهقي في السنن (١٩٨/٨، ١٩٩)، والبغوي
(٢٠٧/١٠)، وابن أبي شيبة (٢٣٨/٦).
(٣) في ن هـ (له). وتوافق صحيح مسلم.
(٤) زيادة من ن هـ والمرجع السابق.
(٥) زيادة من متن حاشية إحكام الأحكام.
٩٦.

وأما المغيرة: فسلف في باب مسح الخف.
وأما محمد بن مسلمة: فهو حارئي أنصاري أوسي، كنيته التعريف بمحمد
أبو عبد الله، ويقال أبو عبد الرحمن: ويقال أبو سعيد، وهو حليف
ابن مسلمة
بني عبد الأشهل، واسم جده سلمة بن مالك بن عدي بن مجدعة بن
حارثة بن الحارث بن عمرو، وهو النبيت بن خالد بن الأوس، شهد
محمد بدراً والمشاهد كلها، وله أحاديث، روى عنه ابنه محمود
وجابر وجماعة. وكان على مقدمة عمر في مسيره إلى الجابية، وكان
شديد السمرة طويلاً أصلع ذا جثة، وكان من فضلاء الصحابة، وهو
أحد الذين قتلوا كعب بن الأشرف، واستخلفه النبي صل18 / على (١٦٥/هـ/أ]
المدينة مرة، وقد اعتزل الفتنة واتخذ سيفاً من خشب وأقام بالربذة،
وكان له من الولد عشر ذكور وست بنات. وأمه: اسمها جليلة. مات
سنة ثلاث وأربعين، وقيل: سبع، وقيل: ست من صفر عن سبع
وسبعين سنة، وصلَّى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ أمير
بالمدينة.
الثاني: وقع في ((المستصفى)) للغزالي أن حمل بن النابغة شهد
عند عمر بذلك ولم یذکر محمد بن مسلمة، وهو غريب.
تنبيه: هذا الحديث رواه مسلم من رواية وكيع عن هشام بن لفظ سلم
عروة عن أبيه، عن المسور بن مخرمة قال: ((استشار عمر الناس)) الحديث
والبخاري لهذا
فذكره بلفظ المصنف؛ إلا أنه قال: ((ائتني)) بدل: ((لتأتيني)).
ورواه البخاري من حديث هشام عن أبيه، عن المغيرة، عن
عمر نحوه؛ ومن حديث هشام عن أبيه: ((أن عمر نشد الناس)) فذكره
٩٧

بنحوه، وفي بعض طرقه: ((أن عمر قال للمغيرة: لا تبرح حتى تجيء
بالمخرج مما قلت، فشهد معه محمد بن مسلمة)) .
واعترض الدارقطني(١) على رواية مسلم، فقال: وهم وكيع في
هذا الحديث، وخالفه أصحاب هشام، فلم يذكروا فيه المسور، وهو
الصواب، ولم یذکر مسلم غیر حديث وكيع، وذكره البخاري حدیث
من خالفه، وهو الصواب، واعترض النووي في ((شرح مسلم))(٢)،
فقال: إنما رواه البخاري عن هشام، عن أبيه، عن المغيرة: ((أن عمر
سأل عن إملاص المرأة»، ولا بد من ذكر المسور أو عروة، وهو ابن
المغيرة ليتصل الحديث، فإن عروة لم يدرك عمر.
1.
معنى
(الإِملاص)
[١٨/١٧٩]
الثالث: ((الإِملاص)) بكسر الهمزة: وهو جنين المرأة. يُقال:
أملصت / به، وأزلقت به. وأسهلت به وخطات به بمعنى كما نص
عليه أهل اللغة، وهو إذا وضعته قبل أوانه، وكل ما زلق من اليد فقد
ملص بفتح الميم وكسر اللام ملصاً بفتحهما، وأملص أيضاً لغتان،
وأملصته أنا. ورواية مسلم: ((ملاص المرأة)) بحذف الألف وهو
صحيح على لغة مَلِص مثل لزم لزاماً. يقال: مَلِص الشيء إذا فلت،
لكن المعروف في اللغة: إملاص بالهمز، وهو ما ذكره الحميدي في
(جمعه))، وفي بعض نسخ هذا الكتاب تفسير الإِملاص من كلام
المصنف(٣). قال: ((إملاص المرأة)) [مصدر أملصت]، وهو أن تلقي
جنينها ميتاً، وإنما سمي بذلك لأنها تزلقه.
(١) الإلزامات والتتبع (٣١٧).
(٢). شرح مسلم (١١/ ١٨٠).
(٣) كما في تعليق (٥) ص ٩٦ وما بين القوسين غير موجود في أحكام الإحكام.
٩٨

رابعها: أصل الغرة في الوجه. ولهذا قال أبو عمرو (١). المراد المراد بالغرة
بالغرة الأبيض منهما خاصة ولا يجزي الأسود. قال: ولولا أنه
- عليه الصلاة والسلام - أراد بالغرة معنى زائداً على [محض](٢)
العبد والأمة لما ذكرها ولاقتصر على قوله: «عبد أو أمة)).
قال النووي(٣): هذا قول [أبي](٤) عمرو، وهو خلاف ما اتفق
عليه الفقهاء أنه يجزي فيها البيضاء والسوداء، ولا تتعين البيضاء.
قال أهل اللغة: الغرة عند العرب أنفس الشيء، وأطلقت هنا
على الإِنسان لأن الله خلقه في أحسن تقويم، فهو من أنفس
المخلوقات. قال تعالى: ﴿﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ مَادَمَ﴾ الآية.
قال الجوهري(٥): وكأنه عبر بالغرة عن الجسم كله كما قالوا:
أعتق رقبة .
واعلم أن الفاكهي نقل مقالة أبي عمرو هذا عن ابن عبد البر،
والظاهر عندي وهمه في ذلك وسببه أن القاضي ثم النووي(٦) حكياه
عن ابن عمرو بالواو، وهو ابن العلا فظنه [أبا عمر](٧) بن عبد البر
فصرح به نسبة له.
(١) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤/ ٤٣٠) وصحفه (أبو عمر).
(٢) في ن هـ (شخص).
(٣) شرح مسلم (١٧٦/١١).
(٤) في الأصل (ابن) وما أثبت من ن هـ وشرح مسلم.
(٥) مختار الصحاح (غ ر ر).
(٦) شرح مسلم (١٧٥/١١).
(٧). في ن هـ (أبا عمرو).
٩٩

خامسها: قوله: ((بغرة)) هو منون و ((عبدٍ أو أمة)) بدل منه هكذا
ضبط (بغرة؟
وإعرابها
الرواية كما قاله القاضي وغيره، ويؤيده رواية البخاري: ((قضى بالغرة
عبد أو أمة)) ورواه بعضهم؛ بالإِضافة، والأوّل أوجه وأقیس وأصوب،
لأن الإِضافة تكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه، وهي قليلة.
و((أو)) في قوله: ((أو أمة)) للتقسيم لا للشك، وجاء في بعض
(١٦٥/ هـ/ب] الروايات / زيادة: ((أو فرس أو بغل))(١)، وهي زيادة غير محفوظة،.
وإن أخذ بها بعض السلف. قاله البيهقي. وقال ابن القطان(٢): بل
زيادة صحيحة، لضعف الاعتلال.
قلت: وأوردها ابن حبان في صحيحه(٣) من حديث محمد بن
عمرو، عن ابن سلمة، عن أبي هريرة.
وأما النووي: فقال [في ((شرح](٤) مسلم)) إنها زيادة باطلة،
وكأنه فهم ذلك من قولة البيهقي السالفة.
سادسها : في أحكامه: /
[١/١٧٩/ب]
الأول: استشارة الإِمام في الأحكام إذا لم يعلمها.
الثاني: أن العلم الخاص قد يخفى عن الأكابر، فيتعلَّمونه ممن
دونهم ((فالحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها [التقطها](٥))).
(١) أبو داود (٤٥٧٩)، والبيهقي (١١٥/٨).
(٢) بيان الوهم والإِيهام في كتاب الإِحكام (٤٥٩/٥).
(٣)
ابن حبان (٦٠٢٢).
(٤) زيادة من ن هـ. شرح مسلم (١١/ ١٧٦).
(٥) أخرجه الترمذي (٢٦٧٧) سوى ما بين القوسين وبدله (فهو أحق بها)
القضاعي في مسنده الشهاب (١٤٦).
١٠٠