Indexed OCR Text

Pages 421-440

قال العلماء: وليس من الأيمان شيء متعدد إلا اللعان
والقسامة، ولا يمين في جانب المدعي إلا فيهما.
والحكمة في مشروعيته: حفظ الأنساب، ودفع المعرة عن الحكمة في
الأزواج. وأجمع العلماء على صحته في الجملة.
مشروعية اللعان
وذكر المصنف في الباب ثمانية أحاديث، وذكر في آخره
اللحوق بالنسب، والإِلحاق به، والقيافة، وحكم العزل لتعلقه به .
لتسوية الراوي بين لاعن وحلف، ويؤيده أن اليمين ما دل على حث
=
أو منع أو تحقيق خبر وهو هنا كذلك، ويدل عليه قوله { 8# في بعض طرق
حديث ابن عباس: ((فقال له: احلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو أني لصادق،
يقول ذلك أربع مرات)). أخرجه الحاكم والبيهقي من رواية جرير بن حازم
عن أيوب، عن عكرمة، عنه، وسيأتي قريباً: «لولا الأيمان لكان لي ولها
شأن))، واعتل بعض الحنفية بأنها لو كانت يميناً لما تكررت، وأجيب بأنها
خرجت عن القياس تغليظاً لحرمة الفروج كما خرجت القسامة لحرمة
الأنفس، وبأنها لو كانت شهادة لم تكرر أيضاً. والذي تحرر لي أنها من
حيث الجزم بنفي الكذب وإثبات الصدق يمين، لكن أطلق عليها شهادة
الاشتراط أن لا يكتفى في ذلك بالظن بل لا بد من وجود علم كل منهما
بالأمرين علماً يصح معه أن يشهد به، ويؤيد كونها يميناً أن الشخص
لو قال أشهد بالله لقد كان كذا لعد حالفاً. وقد قال القفال في ((محاسن
الشريعة)): كررت أيمان اللعان لأنها أقيمت مقام أربع شهود في غيره ليقام
عليها الحد، ومن ثم سميت شهادات؟
٤٢١

الحدیث الأول
٦٦/١/٣٤١ - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ((أن فلان
ابن فلان قال: يا رسول الله أرأيت [أن](١) لو وجد أحدنا امرأته على
فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت
على مثل ذلك. قال: فسكت النبيُّ نَّ﴾، فلم يجبه. فلما كان ذلك
أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به. فأنزل الله عز وجل
هؤلاء الآيات في سورة النور (٦ - ٩): ﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ}
فثلاهن عليه، ووعظه، وذكَّره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من
عذاب الآخرة. فقال: لا والذي بعثك بالحق، ما كذبت عليها. ثم
دعاها، فوعظها، وأخبرها: أن عذاب الدنيا أهون من عذاب
الآخرة، فقالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب. فبدأ بالرجل
فشهد أربع شهاداتٍ ببالله: إنه لمن الصادقين، والخامسة: أن
لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم ثنّى بالمرأة، فشهدت أربع
شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين، والخامسة: أن غضب الله عليها
إن كان من الصادقين. ثم فرق بينهما. ثم قال: [إن] (٢) الله يعلم أن
(١) زيادة من ن هـ وإحكام الأحكام.
(٢) زيادة من إحكام الأحكام.
٤٢٢

أحد[كما] (١) كاذب، فهل منكما تائب؟ ثلاثاً.
وفي لفظ: ((لا سبيل لك عليها. قال: يا رسول الله، مالي؟
قال: لا مال لك. إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من
فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها)) (٢). /
[٨/١٤٩ب]
الكلام علیه من وجوه:
الأول: هذا الحديث بهذه السياقة [لمسلم] (٣)، وللبخاري فيه
اللفظ الأخير، وكذا لمسلم أيضاً، وللبخاري: قوله: («ثلاثاً»، وله
في رواية أخرى مرتين.
الثاني: قال الخطيب في ((مبهماته)) (٤) الملاعن لهذه المرأة هو الملاعن للمرأة
هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلى شهد بدراً.
والرجل الذي رميت به: شريك بن السحماء. والسحماء(٥):
(١) في الأصل: ((هما))، وما أثبت من ن هـ وإحكام الأحكام.
(٢) البخاري (٥٣١١)، ومسلم (١٤٩٣)، والحميدي (٦٧١)، وابن الجارود
(٧٥٣)، وأبو داود (٢٢٥٧)، النسائي (١٧٧/٦)، وأحمد (١١/٢)،
والبغوي (٢٣٦٩)، والبيهقي (٧/ ٤٠١، ٤٠٤، ٤٠٩).
(٣) زيادة من هـ.
(٤) كتاب الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة (٤٧٧).
(٥) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٩ / ٤٤٦):
ووقع في رواية مسلم من حديث أنس: ((أن شريك بن سحماء كان أخا
البراء بن مالك لأمه»، وهو مشكل، فإن أم البراء هي أم أنس بن مالك،
وهي أم سليم ولم تكن سحماء ولا تسمى سحماء، فلعل شريكاً كان أخاه
من الرضاعة، وقد وقع عند البيهقي في الخلافيات من مرسل محمد بن =
٤٢٣

أمه، وهي أيضاً أم البراء بن مالك. وأما هو: فشريك بن عبدة بن
مُغَيِّثٍ (١) بن الجد بن عجلان شهد أبوه عبدة بدراً. [قال](٢) وقد
روينا لعويمر العجلاني قريباً من هذه القصة في اللعان، وإسناد كل
واحدة من القصتين صحيح، فلعلهما اتفقا معاً في وقت واحد
أو متقاربين. ونزلت آية اللعان في تلك الحال، لا سيما وفي حديث
عويمر كره رسول الله وسلّر المسائل، وهو يدل على أنه كان [قد]
(٣)
سيرين: ((أن شريكاً كان يأوي إلى منزل هلال)»، وفي تفسير مقاتل: أن
=
والدة شريك التي يقال لها سحماء كانت حبشية وقيل: كانت يمانية، وعند
الحاكم من مرسل ابن سيرين: ((كانت أمة سوداء»، واسم والد شريك
عبدة بن مغيث ين الجد بن العجلان، وحكى عبد الغني بن سعيد
وأبو نعيم في الصحابة أن لفظ شريك صفة لا اسم، وأنه كان شريكاً لرجل
يهودي يقال له ابن سحماء، وحكى البيهقي في ((المعرفة)) عن الشافعي أن
شريك بن سحماء كان يهودياً، وأشار عياض إلى بطلان هذا القول وجزم
بذلك النووي تبعاً له وقال: كان صحابياً، وكذا عده جمع في الصحابة
فيجوز أن يكون أسلم بعد ذلك. ويعكر على هذا قول ابن الكلبي: بأنّه
شهد أُحُداً؛ وكذا قول غيره أن أباه شهد بدراً وأُحُداً؛ فالله أعلم. اهـ.
(١) في المفهم (٢٦١٣/٥): ((مغيث»، وهو غلط، فليصحح.
(٢) في المبهمات زيادة: ((قد)).
(٣) زيادة من هـ. قال ابن حجر في الفتح (٤٤٨/٩) - رحمنا الله وإياه - بعد
كلام سبق: وقد ذكر ابن الكلبي أن امرأة عويمر هي بنت عاصم المذكور،
وأن اسمها خولة. وقال ابن منده في ((كتاب الصحابة)): خولة بنت عاصم التي
قذفها زوجها فلاعن النبي 18 بينهما، لها ذكر ولا تعرف لها رواية - أيضاً
ذكر هذا في الإصابة (٧١/٨) - وتبعه أبو نعيم، ولم يذكرا سلفهما في
ذلك، وكأنه ابن الكلبي، وذكر مقاتل بن سليمان فيما حكاه القرطبي أنها =
٤٢٤

سبق بالمسألة، وأنه عليه الصلاة والسلام سُئل عن ذلك غير مرة،
وهذا يصحح القصتين معاً مع ما روينا عن جابر، قال: ما نزلت آية
اللعان إلا لكثرة السؤال.
قلت: واسم المرأة / خولة بنت قيس(١).
[١٤٥/هـ/ب]
الثالث: كانت قصة اللعان في شعبان سنة تسع من الهجرة تاريخ اللعان
منصرف النبي ول# من تبوك إلى المدينة حكاه القاضي(٢) عن ابن
خولة بنت قيس، وذكر ابن مردويه أنها بنت أخي عاصم، فأخرج من
=
طريق الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أن عاصم بن عدي لما
نزلت والذين يرمون المحصنات)) قال: يا رسول الله أين لأحدنا أربعة
شهداء؟ فابتلي به في بنت أخيه))، وفي سنده مع إرساله ضعف.
وأخرج ابن أبي حاتم في التفسير عن مقاتل بن حيان قال: ((لما سأل
عاصم عن ذلك ابتلي به في أهل بيته، فأتاه ابن عمه تحته ابنة عمه، رماها
بابن عمته، المرأة والزوج والحليل ثلاثتهم بنو عم عاصم. اهـ.
(١) إكمال إكمال المعلم (١٣٩/٤).
(٢) الثقات لابن حبان (١٠٤/٢). قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه -
(٤٤٩/٩): الثاني - أي من التنبيهان - وقع في السيرة لابن حبان في
حوادث سنة تسع: ((ثم لاعن بين عويمر بن الحارث العجلاني وهو الذي
يقال له عاصم، وبين امرأته بعد العصر في المسجد، وقد أنكر بعض
شيوخنا - أقول: هو ابن الملقن كما هو هنا - قوله: وهو الذي يقال له
عاصم))، والذي يظهر لي أنه تحريف. اهـ.
وقال أيضاً في الفتح (٩/ ٤٤٧، ٤٤٨).
(قال سهل بن سعد شهدت المتلاعنين وأنا ابن خمس عشرة سنة)) ووقع
في نسخة أبي اليمان عن شعيب، عن الزهري، عن سهل بن سعد قال : =
٤٢٥

جرير الطبري، وذكره أبو حاتم ابن حبان(١) أيضاً حيث قال: سنة
((توفي رسول الله وَ﴾ وأنا ابن خمس عشرة سنة)) فهذا يدل على أن قصة
اللعان كانت في السنة الأخيرة من زمان النبي #، لكن جزم الطبري
وأبو حاتم وابن حبان بأن اللعان كان في شعبان سنة تسع، وجزم به غير
واحد من المتأخرين، ووقع في حديث عبد الله بن جعفر عند الدارقطني
أن قصة اللعان كانت بمنصرف النبي 8 من تبوك، وهو قريب من قول
الطبري ومن وافقه، لكن في إسناده الواقدي فلا بد من تأويل أحد
القولين، فإن أمكن وإلاَّ فطريق شعيب أصح. ومما يوهن رواية الواقدي
ما اتفق عليه أهل السير أن التوجه إلى تبوك كان في رجب، وما ثبت في
الصحيحين أن هلال بن أمية أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وفي قصته أن
(امرأته استأذنت له النبي ◌َ ل# أن تخدمه فأذن لها بشرط أن لا يقربها
فقالت: إنه لا حراك به وفيه أن ذلك كان بعد أن مضى لهم أربعون يوماً،
فكيف تقع قصة اللعان في الشهر الذي انصرفوا فيه من تبوك ويقع لهلال
مع كونه فيما ذكر من الشغل بنفسه وهجران الناس له وغير ذلك، وقد
ثبت في حديث ابن عباس أن آية اللعان نزلت في حقه، وكذا عند مسلم
من حديث أنس أنه أول من لاعن في الإِسلام، ووقع في رواية عباد بن
منصور في حديث ابن عباس عند أبي داود وأحمد حتى جاء هلال بن
أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم فوجد عند أهله رجلاً الحديث،!
فهذا يدل على أن قصة اللعان تأخرت عن قصة تبوك والذي يظهر أنّ
القصة كانت متأخرة، ولعلها كانت في شعبان سنة عشر لاتسع، وكانت
الوفاة النبوية في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة باتفاق، فيلتثم حينئذٍ
مع حديث سهل بن سعد. ووقع عند مسلم من حديث ابن مسعود («كنا
ليلة جمعة في المسجد إذ جاء رجل من الأنصار فذكر القصة في اللعان
باختصار، فعين اليوم لكنم لم يعيّن الشهر ولا السنة.
(١) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياہ ـ في الفتح (٤٤٩/٩): الأول - أي من =
٤٢٦

تسع. ثم قال: ثم لاعن رسول الله و84َّ* بين عويمر بن
الحارث بن عجلان ـــ وهو الذي يقال له عاصم - وبين امرأته
بعد العصر في مسجده في شعبان. قال: وذلك أنه أتى
رسول الله ◌َله، فقال: يا رسول الله! لو أن أحدنا ... وساق الحديث
بکماله.
وقوله: ((وهو الذي يقال له: عاصم)) رد عليه وإنما هو ابن
عمه، وهو عاصم بن عدي وشريك وخولة وعويمر، كلهم ابن
[عم] (١) عاصم.
الرابع: اختلف العلماء في نزول آية اللعان (٢): سبب نزول
آية اللعان
التنبيهان، وقد تقدم التنبيه الثاني - : تقدم في تفسير سورة النور
=
(٤٤٩/٨) أن النووي - أي في مبهماته - نقل عن الواحدي أن عاصماً
أحدٌ من لاعن، وتقدم إنكار ذلك، ثم وقفت على مستنده وهو مذكور في
«معاني القرآن للفراء» (٢٤٦/٢). اهـ، وسيأتي في آخر التعليق الآتي
بسط أكثر من هذا.
(١) في هـ ساقطة.
(٢) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه ـ في الفتح (٤٤٩/٨، ٤٥١):
قوله: (فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما
يبرىء ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾
كذا في هذه الرواية أن آيات اللعان نزلت في قصة هلال بن أمية، وفي
حديث سعد الماضي أنها نزلت في عويمر، ولفظه: ((فجاء عويمر، فقال:
یا رسول الله رجل وجد مع امرأته رجلاً أیقتله فتقتلونه، أم کیف یصنع؟
فقال رسول الله وَلجر: «قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، فأمرهما
بالملاعنة))، وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع: فمنهم من رجح أنها =
٤٢٧

نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم
من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال وصادف مجيء عويمر
أيضاً، فنزلت في شأنهما معاً في وقت واحد. وقد جنح النووي إلى هذا،
وسبقه الخطيب فقال: لعلهما اتفق کونهما جاءا في وقت واحد، ویؤید
التعدد أن القائل في قصة هلال سعد بن عبادة كما أخرجه أبو داود.
والطبري من طريق عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس مثل رواية
هشام بن حسان بزيادة في أوله: ((لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَزَمُونَ أَزْوَجَهُمْ ... ﴾.
الآية، قال سعد بن عبادة: لو رأيت لكاعاً قد تفخذها رجل لم يكن لي أن.
أهیجه حتی آتي بأربعة شهداء، ما کنت لآتي بهم حتى يفرغ من حاجته،
قال: فما لبثوا إلا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية)) الحديث. وعند الطبري
من طريق أيوب عن عكرمة مرسلاً فيه نحوه، وزاد: «فلم يلبثوا أن جاء
ابن عم له فرمی امرأته» الحديث. والقائل في قصة عویمر عاصم بن عدي
كما في حديث سهل بن سعد في الباب الذي قبله، وأخرج الطبري من
طريق الشعبي مرسلاً، قال: ((لما نزلت ﴿وَلَِّينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ ... ) الآية،
قال عاصم بن عدي: إن أنا رأیت فتكلمت جُلدت، وإن سکت سکت
على غيظ)) الحديث، ولا مانع أن تتعدد القصص ويتَّحد النزول. وروى:
البزار من طريق زيد بن تبيع عن حذيفة قال: ((قال رسول الله ال*
لأبي بكر: لو رأيت مع أم رومان رجلاً ما كنت فاعلاً به؟ قال: كنت
فاعلاً به شرّاً. قال: فأنت يا عمر؟ قال: كنت أقول لعن الله الأبعد، قال:
فنزلت)). ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال، فلما جاء عويمر ولم يكن.
علم بما وقع لهلال أعلمه النبي وهو بالحكم، ولهذا قال في قصة هلال ::
((فنزل جبريل»، وفي قصة عويمر: ((قد أنزل الله فيك، فيؤوَّل قوله: قد
أنزل الله فيك، أي: وفيمن كان مثلك))، وبهذا أجاب ابن الصباغ في
الشامل قال: نزلت الآية في هلال، وأما قوله لعويمر: ((قد نزل فيك وفي =
٤٢٨

صاحبتك))، فمعناه ما نزل في قصة هلال، ويؤيده أن في حديث أنس عند
=
أبي يعلى قال: ((أول لعان كان في الإِسلام أن شريك بن سحماء قذفه
هلال بن أمية بامرأته)) الحديث، وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية
مرتين، قال: وهذه الاحتمالات وإن بعدت أولى من تغليط الرواة
الحفاظ. وقد أنكر جماعة ذكر هلال فيمن لاعن، قال القرطبي: أنكره
أبو عبد الله بن أبي صفرة أخو المهلب، وقال: هو خطأ، والصحيح أنه
عويمر. وسبقه إلى نحو ذلك الطبري. وقال ابن العربي: قال الناس: هو
وهم من هشام بن حسان، وعليه دار حديث ابن عباس وأنس بذلك. وقال
عياض في ((المشارق)): كذا جاء من رواية هشام بن حسان، ولم يقله
غيره، وإنما القصة لعويمر العجلاني، قال: ولكن وقع في ((المدونة)) في
حديث العجلاني ذكر شريك. وقال النووي في مبهماته: اختلفوا في
الملاعن على ثلاثة أقول: عويمر العجلاني، وهلال بن أمية، وعاصم بن
عدي. ثم نقل الواحدي أن أظهر هذه الأقوال أنه عويمر. وكلام الجميع
متعقب. أما قول ابن أبي صفرة فدعوة مجردة، وكيف يجزم بخطأ
حديث ثابت في الصحيحين مع إمكان الجمع؟ وما نسبه إلى الطبري لم
أره في كلامه: وأما قول ابن العربي: إن ذكر هلال دار على هشام بن
حسان، وكذا جزم عياض بأنه لم يقله غيره، فمردود، لأن هشام بن
حسان لم ينفرد به، فقد وافقه عباد بن منصور کما قدمته، وکذا جرير بن
حازم عن أيوب أخرجه الطبري وابن مردويه موصولاً قال: «لما قذف
هلال بن أمية امرأته)). وأما قول النووي تبعاً للواحدي وجنوحه إلى
الترجيح فمرجوح، لأن الجمع مع إمكانه أولى من الترجيح. ثم قوله:
((وقيل عاصم بن عدي)) فيه نظر، لأنه ليس لعاصم فيه قصة أنه الذي لاعن
امرأته، وإنما الذي وقع من عاصم نظير الذي وقع من سعد بن عبادة.
ولما روى ابن عبد البر في ((التمهيد)) طريق جرير بن حازم تعقبه بأن قال : =
٤٢٩

قد رواه القاسم بن محمد عن ابن عباس كما رواه الناس. وهو يؤهم أن
=
القاسم سمى الملاعن عويمراً، والذي في الصحيح: ((فأتاه رجل من
قومه)) أي من قوم عاصم، والنسائي من هذا الوجه: («لاعن بين العجلاني
وامرأته))، والعجلاني هو عويمر. أهـ.
قال أيضاً في (٩/ ٤٥٠):
قوله: (فقال رسول الله ◌َ له: قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك)، ظاهر هذا.
السياق أنه كان تقدم منه إشارة إلى خصوص ما وقع له مع امرأته، فيترجح
أحد الاحتمالات التي أشار إليها ابن العربي، لكن ظهر لي من بقية.
الطرق أن في السياق اختصاراً، ويوضح ذلك ما وقع في حديث ابن عمر:
في قصة العجلاني بعد قوله: ((إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت
سكت على مثل ذلك، فسكت عنه النبي ◌َّطر، فلما كان بعد ذلك أتاه.
فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتُليت به، فدل على أنه لم يذكر امرأته إلا
بعد أن انصرف ثم عاد. ووقع في حديث ابن مسعود: ((إن الرجل لما
قال: وإن سكت سكت على غيظ، قال النبي قال: اللهم افتح، وجعل
يدعو، فنزلت آية اللعان)) وهذا ظاهره أن الآية نزلت عقب السؤال، لكن
يحتمل أن يتخلل بين الدعاء والنزول زمن بحيث يذهب عاصم ويعود
عویمر، وهذا كله ظاهر جداً في أن القصة نزلت بسبب عویمر، ویعارضه
ما تقدم في تفسير النور من حديث ابن عباس: «أن هلال بن أمية قذف
امرأته بشريك بن سحماء، فقال النبي ◌َّ﴾: البينة أو حدّ في ظهرك. فقال
هلال: والذي بعثك بالحق إنني لصادق، ولینزلن الله فيّ ما يبرىء ظهري.
من الجد، فنزل جبريل فأنزل عليه: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ الحديث. وفي.
رواية عباد بن منصور عن عكرمة، عن ابن عباس في هذا الحديث عند
أبي داود: «فقال هلال: وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجاً. قال: فبينا
رسول الله (* كذلك إذ نزل عليه الوحي)). وفي حديث أنس عند مسلم : =
٤٣٠

هل هو بسبب عويمر العجلاني أم بسبب هلال بن أمية؟ على قولين،
وكل منهما ثابت في الصحيح، كما أوضحته في ((تخريجي لأحاديث
وسيط الغزالي)). لكن الجمهور على الثاني، وقد ثبت في صحيح
مسلم بأنه أول من لاعن في الإِسلام، وأوّل ابن الصباغ من أصحابنا
قوله عليه الصلاة والسلام لعويمر: ((إن الله قد أنزل فيك وفي
صاحبتك)) بأن معناه: ما نزل في قصة هلال، لأن ذلك حكم لجميع
الناس، وخالف أبو عبد الله أخو المهلب ابن أبي صفرة، فقال:
الصحيح أن القاذف لزوجته هو عويمر. وهلال بن أمية خطأ، ونحواً
منه قال: الطبري، وقال: إنما ... / هو عويمر.
[١٨/١٥٠]
وجمع النووي(١) بين القولين فقال: يحتمل أنها نزلت فيهما
((إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، وكان أخا البراء بن
مالك لأمه، وكان أول رجل لاعن في الإِسلام»، فهذا يدل على ن الآية
نزلت بسبب هلال، وقد قدمت اختلاف أهل العلم في الراجح من ذلك،
وبينت كيفية الجمع بينهما في تفسير سورة النور بأن يكون هلال سأل أولاً
ثم سأل عويمر فنزلت في شأنهما معاً، وظهر لي الآن احتمال أن يكون
عاصم سأل قبل النزول ثم جاء هلال بعده فنزلت عند سؤاله، فجاء عويمر
في المرة الثانية التي قال فيها: ((إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فوجد
الآية نزلت في شأن هلال، فأعلمه وَل# بأنها نزلت فيه، يعني أنها نزلت في
كل من وقع له ذلك، لأن ذلك لا يختص بهلال. وكذا يجاب على سياق
حديث ابن مسعود يحتمل أنه لما شرع يدعو بعد توجه العجلاني جاء
هلال فذكر قصته فنزلت، فجاء عويمر فقال: قد نزل فيك وفي
صاحبتك. اهـ.
(١) شرح مسلم (١٢٠/١٠).
٤٣١

جميعاً، فلعلهما سألا في وقتين متقاربين، فنزلت الآية فيهما، وسبق
هلال باللعان، فيصدق أنها نزلت في ذا وفي ذاك، وأن هلالاً أول
من لاعن، وسبقه إلى ذلك الخطيب، كما سلف، والقاضي فقال:
قيل لهما قصتان. قال: ويحتمل أنهما متقاربتان فنزل القرآن ..
والسهيلي أيضاً، فقال في ((التعريف والإعلام) (١) الحديث في كل
واحد منها صحيح، فيحتمل أن تكونا قصتين، نزل القرآن في
إحداهما، وحكم في الأخرى بما حكم في الأولى.
ثم ذكر مقالة أخي ابن أبي صفرة السالفة، ويحتمل كما قال
القرطبي (٢): إن الآية تكرر نزولها، كما قيل في الفاتحة، وهذان
الاحتمالان وإن بَعُدا فهما أولى من أن يتطرق الوهم للرواة الأئمة
الحفاظ .
الخامس: في ألفاظه ومعانيه :
فـ ((فلان)): كناية عن الأعلام، كما سلف في الحديث الأول
من باب التيمم، وقد أسلفنا لك تسميته.
المراد بالفاحشة
و((الفاحشة)): هنا الزنا.
قال القرطبي: كل فحشاء في القرآن زنا، إلا قوله تعالى
﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْتَاءِ﴾(٣)، فالمراد به البخل ومنع الزكاة.
(١) التعريف والإعلام (١٢٠).
(٢) المفهم (٥/ ٢٦١٢).
(٣) سورة البقرة: آية ٢٦٨.
٤٣٢

وأما سؤاله فيحتمل أن يكون عن أمرٍ لم يقع، ويحتمل أنه
وقع، لكن أراد إبهامه استحياء من إظهاره، فعلى الأول: قوله: ((إن
الذي سألتك عنه قد ابتُليت به)) ظاهر لإِخفائه(١).
وعلى الثاني: يحتمل أن الحكم المسؤول عنه إنما تأخر جوابه
عليه الصلاة والسلام عنه لتبين ضرورة السائل إلى معرفة الحكم عند
(١) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٩/ ٤٥٥):
قوله: (فقال عاصم: ما ابتليت بهذا إلا لقولي) تقدم بيان المراد من ذلك،
لأن عويمر بن عمرو كانت تحته بنت عاصم، أو بنت أخيه، فلذلك أضاف
ذلك إلى نفسه بقوله: ((ما ابتليت»، وقوله: ((إلا بقولي)»، أي بسؤالي عما
لم يقع، كأنه قال: فعوقبت بوقوع ذلك في آل بيتي، وزعم الداودي أن
معناه أنه قال مثلاً: لو وجدت أحداً يفعل ذلك لقتلته، أو عير أحداً بذلك
فابتلي به، وكلامه أيضاً بمعزل عن الواقع، فقد وقع في مرسل مقاتل بن
حيان عند ابن أبي حاتم، ((فقال عاصم: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا
والله بسؤالي عن هذا الأمر بين الناس فابتليت به))، والذي قال: ((لو رأيته
لضربته بالسيف))، هو سعد بن عبادة كما تقدم في ((باب الغيرة))، وقد
أورد الطبري من طريق أيوب عن عكرمة مرسلاً، ووصله ابن مردويه بذکر
ابن عباس قال: ((لما نزلت: ﴿وَلَِّينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ قال سعد بن عبادة:
إن أنا رأيت لكاع يفجر بها رجل»، فذكر القصة. وفيه: ((فوالله ما لبثوا إلا
يسيراً حتى جاء هلال بن أمية فذكر قصته، وهو عند أبي داود في رواية
عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس، فوضح أن قول عاصم كان في
قصة عويمر وقول سعد بن عبادة كان في قصة هلال، فالكلامان مختلفان،
وهو مما يؤيد تعدد القصة، ويؤيد التعدد أيضاً أنه وقع في آخر حدیث
ابن عباس عند الحاكم: ((قال ابن عباس: فما كان بالمدينة أكثر غاشية
منه)).
٤٣٣

وقوعه، فإن البيان إنما يجب عند الحاجة.
ويحتمل أنه تأخر لأنه لم يكن عنده علم منه، فلما نزل القرآن
به تلاه عليه وعرفه الحكم والعمل بمقتضاه، ويكون قوله: «قد
ابتُليت به)) إخباراً عما كان وقع وقت سؤاله أولاً .
ويحتمل أنه كان قد رفع له أمارات، فسأل عن حكمه، ثم
تحققه بعد وعلمه
وقوله: «فأنزل الله تعالى هذه الآيات)» مقتضاه أن سؤاله سبب
نزولها، وقد أسلفنا من نزلت فيه (١).
والوعظ: هو النصح والتذكير بالعواقب، كما قاله الجوهري (٢)
[فقوله](٣) ((وذكره)) هو [ذكر](٤) لبعض أفرادها ويسن للقاضي
وعظها، ويبالغ عند الخامسة.
وقال الشيخ تقي الدين(٥): ذکر الفقهاء استحبابها عندما ترید
(١) انظر: الوجه الرابع.
(٢) انظر: مختار الصحاح (٣٠٣).
(٣) في ن هـ (وقوله).
(٤). في هـ ساقطة.
(٥) إحكام الأحكام (٤/ ٢٦٠).
أقول: قد جاء في حديث ابن عباس من طريق عاصم بن كليب عن أبيه،
عنه، عند أبي داود والنسائي وابن أبي حاتم: «فدعا الرجل، فشهد أربع
شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فأمر به فأمسك على فيه، فوعظه فقال:
كل شيء أهون عليك من لعنة الله، ثم أرسله فقال: لعنة الله عليه إن كان
من الكاذبين، وقال في المرأة نحو ذلك».
٤٣٤

المرأة أن تتلفّظ بالغضب. قال: [وظاهر] (١) هذه الرواية أنه
لا يختص بالمرأة، فإنه ذكره فيها وفي الرجل، قال: فلعل هذه
الموعظة عامة .
قلت: قد صرح أصحابنا بأنه يسن وعظهما، وأنه يبالغ عند
الخامسة، كما قدمته .
و (ابدأ)» مهموز، لأنه بمعنى شرع، بخلاف ما إذا كان بمعنى
ظهر، فإنه لا يهمز. وبدأ به عليه الصلاة والسلام للتأسِّي بالقرآن،
قال تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾(٢)، / والدرء يقتضي [وجود] (٣)/ (٨/١٥٠ب]
[١٤٦/هـ/أ]
سبب العذاب عليها، وذلك بلعان الزوج.
وقوله: ((إن أحدكما كاذب)) هو مما غلب فيه المذكر على
المؤنث. قال القاضي(٤): وفيه رد على من قال من النحاة إلى أن
أحداً لا تستعمل إلا في النفي، وعلى من قال: منهم لا تستعمل إلا
في الوصف، وأنها لا توضع موضع واجب، ولا توقع موقع
واحد، وأجاز هذا المبرد، وقد جاء في هذا الحديث في غير وصف
ولا نفي، وبمعنى واحد، وقد قال تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾(٥)،
وأقرّه النووي(٦) على ذلك، ورده الفاكهي، وقال: إنه من أغرب
(١) في هـ فظاهر.
(٢) سورة النور: آية ٨.
(٣) في هـ وجوب.
(٤) إكمال المعلم (٨٦/٥).
(٥) سورة النور: آية ٦ .
(٦) شرح مسلم (١٢٦/١٠).
٤٣٥

وأعجب ما يسمع من القاضي مع براعته وحذقه، فإن الذي قاله
النحاة في ((أحد)) التي للعموم، نحو: ما في الدار من أحد. وما
جاءني من أحدٍ، ونحوهما. أما (أحد)) بمعنى ((واحد))، فلا خلاف
في استعمالها في الإِيجاب، نحو قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ(ٍ﴾﴾(١)،
و﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾(٢)، وهذا الحديث. وقد جمع الشاعر بين ((أحد))
التي للعموم والأخرى فقال:
لقد ظهرت فلا تخفى على أحد إلا على أحد لا يعرف القمر
فاستعمل الأولى لعمومها في النفي، والثانية: التي هي بمعنى
«واحد» في الإِیجاب.
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((فهل منكما تائب؟))، يحتمل أنه
إرشاد إلى التوبة بينهما وبين الله تعالى، فإنه لم يحصل اعتراف منهما
أو من أحدهما.
ويحتمل أنه إرشاد للزوج، فإنه لو راجع وأكذب نفسه كان
توبة. قال القاضي(٣): وظاهر الحديث أنه قال هذا الكلام بعد
فراغهما من اللعان. والمراد بيان أنه يلزم الكاذب التوبة. [قال](٤):
وقال الداودي: أنه قال قبل اللعان تحذيراً لهما منه. قال: والأول
أظهر وأولى [بسياق](٥) الكلام.
(١) سورة الصمد: آية ١.
(٢) سورة النور: آية: ٦.
(٣) انظر: إکمال إكمال المعلم (١٤٥/٤)، وفتح الباري (٤٥٨/٩).
(٤) في هـ ساقطة .
(٥) في هـ لسياق.
٤٣٦

وقوله: ((لا سبيل لك عليها)) يحتمل [رجوعه](١) إلى
[التفريق] (٢) بعد اللعان، لعموم دخوله في عدم السبيل، ويحتمل
رجوعه إلى المال.
الوجه السادس: في فوائده :
الأولى(٣): الاستعداد للوقائع بعلم أحكامها قبل وقوعها إذا
قلنا إن سؤاله عن أمر لم يقع، وعليه استمر عمل الفقهاء فيما فرّعوه
وقرّروه من النوازل قبل وقوعها، وقد كان في السلف من يكره
الحديث في الشيء قبل أن يقع، ويراه من باب التكلف. وفي
الصحيح(٤) من حديث سهل بن سعد أنه عليه الصلاة والسلام: ((كره
المسائل وعابها»، والمراد المسائل التي لا تحتاج إليها، لا سيما ما
كان فيه هتك ستر مسلم أو مسلمة أو إشاعة فاحشة أو شناعة. قال
العلماء: / إذا كانت المسألة مما يحتاج إليها في أمور الدين، وقد [١٨/١٥١]
وقعت فلا كراهة فيها، وليس هو المراد في هذا الحديث. وقد كان
المسلمون يسألون رسول الله عن الأحكام الواقعة فيجيبهم، ولا
يكرهها، وإنما كره المسائل هنا وعابها لأنها لم تقع بعد، ولم يحتج
إليها، وفيها شناعة على المسلمين والمسلمات وتسليط اليهود
والمنافقين ونحوهم على الكلام في أعراض المسلمين وفي الإِسلام،
ولأن من المسائل ما يقتضي جوابه تضييقاً. وفي الحديث الآخر:
(١) في الأصل (وقوعه)، وما أثبت من ن هـ.
(٢) في هـ التفرق.
(٣) انظر: الفتح (٩/ ٤٤٩، ٤٥٠ - ٤٦٢).
(٤) البخاري (٥٣٠٨)، ومسلم (١٤٩٢).
٤٣٧

((أعظم الناس جرماً من سأل عما لم يحرم فحُرِّمَ من أجل مسألته)) (١).
الثانية: الرجوع إلى الله ورسوله فيما نزل بالشخص والتثبت في
أحكام الشرع.
الثالثة: وعظ المستفتي والمدعي، وذكر الدليل له، وتذكيره
بالله تعالى وبالآخرة وعذابها، وتفخيم أمر الآخرة، وكذلك المستفتى
عليه والمدعى عليه .
الرابعة: أجراء الأحكام على الظاهر، والله يتولى السرائر.
الخامسة: عرض التوبة على المذنبين.
السادسة: أن الزوج إذا أكذب نفسه كانت توبة.
. السابعة: البداءة في الزوج في اللعان. ونقل القاضي (٢) عياض
وغيره فيه الإِجماع، فلو لاعنت قبله لم يصح لعانها، وصححه
أبو حنيفة وطائفة، ونقله الفاكهي عن مشهور مذهبهم.
. الثامنة: أن ألفاظ اللعان هي التي ذكرها الله ورسوله وهو
إجماع.
واختلف أصحابنا فيما إذا أبدل لفظ الشهادة بالحلف(٣) ونحوه
(١) البخاري (٧٢٨٩)، ومسلم (٢٣٥٨)، وأبو داود (٤٦١٠)، والحميدي
(٦٧)، وأحمد (١٧٦/١، ١٧٩)، والبغوي (١٤٤)؛ ولفظه في مسلم:
(( [إن] أعظم المسلمين في المسلمين جرماً، من سأل عن شيء (أمرٍ] لم
يحرم على المسلمين، فحُرِّم عليهم [على الناس] من أجل مسألته)).
(٢) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤/ ١٤٤).
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢٦١/٤).
٤٣٨

أو الغضب باللعن وعكسه، والأصح عدم الصحة فيه. وفي ((شرح
الشيخ تقي الدين))(١) أن محل الخلاف في إبدال الغضب باللعنة في
جانب الرجل. أما جانبها فلا يكتفى به، وهذه طريقة ((صاحب
التنبيه))، والأصح جريان الخلاف في جانبها أيضاً كما أطلقت أولاً.
التاسعة: أن الخصمين المتكاذبين لا يعاقب واحد منهما حدّاً
ولا تعزيراً وإن علمنا كذب أحدهما على الإبهام.
العاشرة: أن اللعان يكون بحضرة الإِمام أو القاضي، وأنه
یلاعن بينهما .
[١٤٦/هـ/ب]
الحادية / عشرة: وقوع الفرقة بينهما بعد لعانهما.
الثانية عشرة (٢): أن التفريق بينهما لا يقع بنفس التلاعن، بل التفريق بقع
باللعان أو بتفريق
الحاكم
(١) إحكام الأحكام (٢٦٣/٤).
(٢) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٤٥٨/٩) على قول
البخاري: ((باب التفريق بين المتلاعنين)). قوله بأن: التفريق بين
المتلاعنين. ثبتت هذه الترجمة للمستملى وذكرها للإسماعيلي، وتليت
عند النسفي ((باب)) بلا ترجمة، وسقط ذلك للباقين، والأول أنسب وفيه
حديث ابن عمر من طريق عبيد الله بن عمر العمري عن نافع من وجهين،
ولفظ الأول ((فرق بين رجل وامرأة قذفها فأحلفهما)) ولفظ الثاني («لا عن
بين رجل وامرأة فأحلفهما)) ويؤخذ منه أن إطلاق يحيى بن معين وغيره
تخطئة الرواية بلفظ ((فرق بين المتلاعنين)) إنما المراد به في حديث
سهل بن سعد بخصوصه، فقد أخرجه أبو داود من طريق سفيان بن عيينة
عن الزهري عنه بهذا اللفظ وقال بعده ((لم يتابع ابن عيينة على ذلك أحد)»
ثم أخرج من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير، عن =
٤٣٩

ابن عمر ((فرق رسول الله (8* بين أخوى بني العجلان)) قال ابن عبد البر:
لعل ابن عيينة دخل عليه حديث في حديث. وذكر ابن أبي خيثمة أن
يحيى بن معين سئل عن الحديث فقال: إنه غلط. قال ابن عبد البر: إن
أراد من حديث سهل فسهل، وإلاّ فهو مردود. قلت: تقدم أيضاً في
حديث سهل من طريق ابن جريج ((فكانت سنة في المتلاعنين لا يجتمعان
أبداً)) ولكن ظاهر سياقه أنه من كلام الزهري فيكون مرسلاً، وقد بينت من
وصله وأرسله في ((باب اللعان ومن طلق))، وعلى تقدير ذلك فقد ثبت
هذا اللفظ من هذا الوجه فتمسك به من قال إن الفرقة بين المتلاعنين
لا تقع بنفس اللعان حتى يوقعها الحاكم، ورواية ابن جريج المذكورة
تؤيدان الفرقة تفع بنفس اللعان، وعلى تقدير إرسالها فقد جاء عن ابن
عمر بلفظه عند الدارقطني، ويتأيد بذلك قول من حنل التفريق في حديث
الباب على أنه بيان حكم لا إيقاع فرقة، واحتجوا أيضاً بقوله في الرواية
الأخرى ((لا سبيل لك عليها)) وتعقب بأن ذلك وقع جواباً لسؤال الرجل
عن ماله الذي أخذته منه، وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ وهو نكرة في
سياق النفي فيشمل المال والبدن، ويقتضي نفي تسليطه عليها بوجه من
الوجوه. ووقع في آخر حديث ابن عباس عند أبي داود («وقضى أن ليس
· عليه نفقة ولا سكنى من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق ولا متوفى عنها)»
وهو ظاهر في الفرقة وقعت بينهما بنفس اللعان، ويستفاد منه أن قوله في
حديث سهل ((فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله وَ﴿ بفراقها)) أن الرجل
إنما طلقها قبل أن يعلم أن الفرقة تقع بنفس اللعان فبادر إلى تطليقها لشدة
نفرته منها، واستدل بقوله: ((لا يجتمعان أبداً» على أن فرقة اللعان على
التأبيد ((وأن الملاعن لو أكذب نفسه لم يحل له أن يتزوجها بعد، وقال
بعضهم: يجوز له أن يتزوجها، وإنما يقع باللعان طلقة واحدة بائنة، هذا
قول حماد وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وصح عن سعيد بن المسيب، =
٤٤٠