Indexed OCR Text

Pages 261-280

لأنه يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله
- تعالى -: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾(١)، وذلك ببركة نية
الأبوين الصالحين وبركة اسم الله - تعالى - والتعوذ والالتجاء إليه.
وكأن هذا [اشرب](٢) من قول أم مريم: ((وإني أعيذها بك وذريتها
من الشيطان الرجيم)). ولا يفهم من هذا نفي وسوسته، وتشيعثه،
وصرعه، فقد يكون كل ذلك، ويحفظ الله - تعالى - الولد من
ضرره في قلبه ودينه وعاقبة أمره.
وقال الشيخ تقي الدين (٣): [نفي الضرر] (٤) يحتمل أن يؤخذ
عاماً يدخل تحته الضرر الديني. ويحتمل أن يؤخذ خاصّاً، بالنسبة
إلى الضرر البدني، بمعنى أن الشيطان لا يتخبطه، ولا يداخله بما
يضر عقله أو بدنه. وهذا أقرب، وإن كان التخصيص على خلاف
الأصل. لأن إذا حملناه على العموم اقتضى ذلك أن يكون الولد
معصوصاً عن المعاصي كلها، وقد لا يتفق ذلك، أو يعز وجوده،
ولا بدَّ من وقوع ما أخبر عنه وَّهِ. أما إذا حملناه على أمر الضرر في
العقل أو البدن فلا يمتنع ذلك، ولا يدل دليل على وجود
[خلافه](٥).
(١) سورة الحجر: آية ٤٢ .
(٢) في المفهم (شوب).
(٣) إحكام الأحكام (٢٠٥/٤، ٢٠٦).
(٤) غير موجودة في المرجع السابق.
(٥) في ن هـ (خلافهم)، وما أثبت يوافق إحكام الأحكام.
٢٦١

الوجه الثالث: في أحکامه.
استحباب
التسمية والدعاء
[١٢٥//ب]
الأول: استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الجماع
وإليه الإشارة بقوله: ((إذا أراد أن يأتي أهله))، واستحب الغزالي في /
((الإحياء))(١) أن يقول قبل هذا الدعاء باسم الله، ويقرأ قل هو الله
أحد، ويكبِّر، ويهلِّل، ويقول: باسم الله العلي العظيم، اللهم اجعلها
ذرية طيبة، إن كنت قدرت ولداً يخرج من صلبي، وإذا قربت
الإِنزال فقل في نفسك ولا تحرك به شفتيك: ﴿ وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ
بَشَرًا ... ) الآية ..
الثاني: الاعتصام بذكر الله - تعالى - ودعائه من الشيطان.
الحث على
المحافظة
الثالث: الحث على المحافظة على تسمیته [و دعائه](٢) في كل
علبهما حال لم ينه الشرع عنه حتى في حال ملاذ الإِنسان. وفيه أيضاً إشارة
إلى ملازمة الشيطان لابن آدم من حين خروجه من ظهر أبيه إلى رحم
أمه إلی حین موته، أعاذنا الله منه.
أحكام عامة
في الحديث
فروع متعلقة بالجماع لا بأس أن نعرفها: لا يكره الجماع
مستقبل القبلة ولا مستديرها لا في البنيان ولا في الصحراء، قاله
النووي في ((الروضة من زوائده))(٣). وقال الغزالي في
(١) نزهة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (١٧٣/٦، ١٧٤) أقول: ويغنى عن.
هذا الحديث الصحيح إلاّ إذا كان هذا من قبيل التعبد وليس اعتقاده بسنة
فلا بأس. وإنما يأتي به دعاء مطلقاً.
(٢) في هـ (الدعاء).
(٣) روضة الطالبين (٦٥/١).
٢٦٢

((الإحياء))(١): لا يستقبل القبلة / إكراماً لها، وليتغطيا بثوب، قال: [١٢٨/هـ/أ]
وينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة، وأن يزيد وينقص بحسب
حاجتها في التحصين فإن تحصينها واجب، وإن لم تثبت المطالبة
بالوطء، قال: ويكره الجماع في الليلة الأولى من الشهر والأخيرة منه
وليلة نصفه، يقال: إن الشيطان يحضر الجماع في هذه الليالي (٢).
ويقال: إنه يجامع قال: وإذا قضى وطره فليمهل عليها حتى تقضي
وطرها.
(١) نزهة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (١٧٣/٦، ١٧٤).
(٢) هذا لم يرد فيه حديث وإنما ورد حديث لا أصل له في الجماع في ليلة
النصف من الشهر من رواية علي بن أبي طالب، ذكره أبو نعيم في كتاب
الطب.
٢٦٣

الحديث الثالث عشر
١٣/٣٣١/ ٦٢ - عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أن
رسول الله وَ ل قال: ((إياكم والدخول على النساء))، فقال رجل من
الأنصار: يا رسول الله أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت (١).
ولمسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب قال: سمعت
رسول الله وَلـ يقول: ((الحمو)) أخو الزوج، وما أشبهه من أقارب
الزوج، ابن العم ونحوه.
الكلام علیه من وجوه:
الأول: هذا الحديث ترجم عليه البخاري: الدخول على
ذكر من رواه المغيبة، والترمذي: أيضاً كراهة الدخول أيضاً على المغيبات، ثم
من الصحابة
قال: وفي الباب عن عمر (٢)
(١) البخاري (٥٢٣٢)، ومسلم (٢١٧٢)، والترمذي (١١٧١)، والدارمي
(٢٧٨/٢)، والبيهقي (٩٠/٧)، والبغوي (٢٢٥٢)، وأحمد (١٤٩/٤ ،
١٥٣)، والنسائي في الكبرى (٣٨٦/٥)، والطبراني (٧٦٢/١٧ إلى
٧٦٥)، وابن أبي شيبة (٤٦٠/٣)، البغوي في شرح السنة (٢٦/٩).
(٢) حديث عمر وفيه: ((ولا يخلون أحدكم بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما)»،
أخرجه أحمد (١٨/١، ٢٦)، والحميدي (٣٢)، الطيالسي (٧)، =
٢٦٤

وجابر(١) وعمرو بن العاص(٢).
الثاني: في التعريف براويه والأسماء الواقعة فيه.
أما راويه فقد سلف التعريف به في الحديث السادس من هذا
الباب.
وأما أبو الطاهر: فاسمه أحمد بن عمرو بن عبد الله بن التعريف بأبي
عمرو بن السرح الأموي مولاهم البصري. روى عن ابن عيينة
الطاهر
والشافعي وخلق وعنه [ م دس ق](٣)، وجماعة وثقه النسائي.
وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن يونس: كان فقيهاً من
والترمذي (٢١٦٥)، والحاكم (١١٤/١، ١١٥)، والنسائي في الكبرى
(٣٨٧/٥)، وأبو يعلى (١٤٣).
(١) حديث جابر ولفظه: ((ألا لا يبيتن رجل عند امرأة في بيت، إلاَّ أن يكون
ناكحاً أو ذا محرم)»، أخرجه مسلم (٢١٧١)، والنسائي في الكبرى
(٣٨٦/٥)، والبيهقي (٩٨/٧)، وأبو يعلى (١٨٤٨).
(٢) حديث عمرو بن العاص، ولفظه فيه: ((لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على
مغيبة إلاَّ ومعه رجل))، أخرجه مسلم (٢١٧٣)، والنسائي (٣٨٦/٥)،
والبيهقي (٩٠/٧)، وأحمد (١٧١/٢، ١٨٦، ٢١٣).
وأيضاً جاء من رواية ابن عباس - رضي الله عنهما - ولفظه: سمعت
رسول الله* وهو على المنبر يخطب: لا تسافرن امرأة إلَّ بذي محرم،
ولا يخلون رجل بامرأة إلاَّ بذي محرم)) البخاري (١٨٦٢)، والحميدي
(٤٦٨)، الطيالسي (٢٧٣٢)، وأبو يعلى (٢٥١٦)، والنسائي (٣٨٦/٥).
(٣) رمزم: مسلم، د: أبو داود، س: النسائي، ق: ابن ماجه: انظر: تهذيب
التهذيب (٦٤/١)، ((س)) لم تتضح في الأصل وإنما صورة كتابتها في
هكذا (بين)، وما أثبت من ن هـ وتهذيب التهذيب.
٢٦٥

الصالحين الأثبات توفي في ذي القعدة سنة خمسين ومائتين عن
ثمانين سنة، حكاه ابن طاهر، وصلَّى عليه بكار بن قتيبة القاضي.
التعريف
بابن وهب
[٨/١٢٦ ١]
وأما ابن وهب: فاسمه عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي
الفهري مولاهم المصري أبو محمد أحد الأئمة الأعلام، ولد سنة
خمس وعشرين ومائة وطلب العلم / وله سبع عشرة سنة، وجمع
بين الفقه والحديث والعبادة، وصنف موطأ. روى عنه شيخه الليث
وجماعة، قال بعضهم: عن نحو من أربعمائة رجل، وكان ثقة
[حجة](١) حافظاً مجتهداً، لا يقلد أحداً [إذا تعبد وتزهد] (٢) وحدث
بمائة ألف حديث، وعرض عليه [القضاء](٣) فحبس نفسه ولزم بيته،
وكان قسم دهره أثلاثاً: ثلثاً في الرباط، وثلثاً يعلِّم الناس، وثلثاً في
الحج، قيل: حجَّ ستّاً وثلاثين حجة، وكان مالك يكتب إليه:
أبي عبد الله مفتي مصر، ولم يفعل هذا مع غيره، ويقال أيضاً: إنه
كتب له كتاباً وعنونه بالفقيه، ولم يكتب بذلك لغيره، وهو في طبقة
مالك في الفقه، مات بمصر سنة سبع وتسعين ومائة ..
التعريف بالليث
وأما الليث: فهو ابن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم
الأصبهاني الأصل الإمام الحافظ شيخ الديار المصرية وعالمها
ومفتيها ورئيسها، روى عن عطاء بن أبي رباح وخلق، وعنه أمم
لا يحصون منهم عبد الله بن صالح كاتبه ولد بقلقشنده قرية على
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) هذه العبارة ليست متسقة بما قبلها.
(٣) زيادة من هـ.
٢٦٦

فراسخ من مصر سنة ثلاث أو أربع وتسعين، وحج سنة ثلاث عشرة
ومائة، وكان كبير الديار المصرية وعالمها الأصيل حتى إن نائب
مصر وقاضيها من تحت أوامره وإذا رابه من أحد منهم أمر كاتب فيه ،
الخليفة [فيعزله](١)، وطلب منه المنصور أن يعمل نيابة الملك
فامتنع، وكان يُعد من الأبدال، وكان / الشافعي يتأسف على فراقه، [١٢٨/هـ/ب]
وكان يقول: هو أفقه من مالك إلاَّ أن أصحابه لم يقوموا به.
وفي لفظ: إلاّ أنه ضيعه أصحابه، وقال أيضاً: كان أتبع للأثر
من مالك، وقال يحيى بن بكير: كان أفقه من مالك إلاَّ أن الحظوة
كانت لمالك.
قال محمد بن رُمْح: كان دخله في السنة ثمانين ألف دينار فما
أوجب الله عليه زكاة قط. انتهى. وبعث إلى مالك بألف دينار
وأهدى إلى مالك مرة أحمال عصفر، وكان يصله في سنة بمائة
دينار، وأعطى ابن لهيعة لما احترق منزله ألف دينار، ووصل منصور
الواعظ بألف دينار وجاءته امرأة بسكرجة تطلب عسلاً فأعطاها ظرف
عسل، ومناقبه عديدة وهو إمام حجة كتب التصانيف، مات سنة
خمس وسبعين ومائة نصف شعبان، وقيل غير ذلك عن إحدى
وثمانين سنة.
فائدة: في الرواة الليث بن سعد أربعة:
من أسمه
اللیث بن سعد
من الرواة
أحدهم: هذا.
والثاني: مصري أيضاً حدَّث عن عبد الرزاق الإدريسي.
(١) في هـ (فيصرفه).
٢٦٧

والثالث: روى عن ابن وهب.
والرابع: ثقيفي حدَّث عن بكر بن سهل ..
الوجه الثالث: فيما فيه من المبهم وهو هذا الرجل من الأنصار
ولم أره مسمی بعد البحث عنه.
معنى «إياكم
والدخول
الوجه الرابع: معنى: ((إياكم والدخول على النساء» باعدوا
على النساء، واتقوا الدخول [عليهن](١) وهو [من] (٢) باب إياك والأسد! وإياك
[٨/١٢٦ب] والشر! أي اثق ذلك واحذره. والمنصوبان / مفعولان بفعلين
مقدرين يدل عليهما المعنى.
المراد بالحمو؟
و ((الحمو)) فسَّره الليث بن سعد، ولمّا كان الحمو یستعمل عند
الناس في أبي الزوج وهو محرم من المرأة ولا يمتنع دخوله عليها،
فسره الليث بما يزيل هذا الإشكال، وحمله على من ليس بمحرم،
فإنه لا يجوز له الخلوة بالمرأة.
واتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة: كأبيه
وعمه وأخیه وابن أخیه وابن عمه ونحوهم.
والأَخْتَان: أقارب زوجة الرجل.
والأصهار: يقع على النوعين.
قال القرطبي(٣): وقد جاء الحمو في هذا الحديث مهموزاً،
لغات الحمو)
(١) في ن هـ (عليهم).
(٢) زيادة من ن هـ.
(٣) المفهم (٥٠١/٥).
٢٦٨
۔۔۔

والهمز أحد لغاته، ويقال فيه: حمو بواو مضمومة كدلو، وحما
مقصور كعصا، والأشهر فيه أنه من الأسماء الستة المعتلة المضافة
التي تعرب في حال إضافتها إلى غير ياء المتكلم بالواو رفعاً،
وبالألف نصباً، وبالياء خفضاً، فتقول: جاءني حموك، ورأيت
حماك، ومررت بحميك، وحماة المرأة أم زوجها [لغة في] (١) غير
هذه.
وقوله: ((الحمو الموت)) فيه قولان:
معنى «الحمو
المـوت؟
أحدهما: أن المعنى فليمت ولا يفعلن ذلك، قاله أبو عبيد.
والثاني: أن لقاء هذا مثل الموت، قاله ابن الأعرابي، حكاها
ابن الجوزي في ((غريبه))(٢)، ثم قال: والمراد بالحديث النهي عن
الخلوة ولو بالحمو. وقال النووي في ((شرح مسلم))(٣) معناه أن
الخوف منه أكثر من غيره، والشر يتوقع منه، والفتنة أكبر لتمكنه من
الوصول بالمرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه بخلاف الأجنبي.
قال: والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه. فأما الآباء
والأبناء فمحارم لزوجته يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون
بالموت، وإنما المراد الأخ [وابن الأخ والعم](٤) وابن العم ونحوهم
ممن ليس بمحرم، وعادة الناس المساهلة فيه، ويخلو بامرأة أخيه،
فهذا هو الموت، وهو أولى بالمنع من الأجنبي لما ذكرناه، فهذا
(١) في الأصل (بالغة فيها).
(٢) غريب الحديث لابن الجوزي (٢٤٥/١).
(٣) شرح مسلم (١٤/ ١٥٤).
(٤) زيادة من هـ ومن شرح مسلم.
٢٦٩

صواب معنى الحديث. وأما ما ذكره [المازري و](١) حكاه أن المراد
بالحمو أبو الزوج. وقال: إذا نهى عن أبي الزوج وهو محرم فكيف
بالغريب فهو كلام فاسد مردود، ولا يجوز حمل الحديث عليه،
وكذا ما نقله القاضي(٢) عن أبي عبيد أن معنى ((الحمو الموت)).
فليمت ولا يفعل [ذلك](٣) هو كلام فاسد، والصواب [ما سلف](٤)
[١٢٩/هـ/١] ثم نقل عن ابن الأعرابي: أنها كلمة تقولها / العرب كما تقول:
الأسد الموت أي - لقاؤه مثل الموت - .
قال القاضي(٥): معناه الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة
والهلاك في الدين؛ فجعله كهلاك الموت، فورد الكلام مورد
التغليظ، ونقل المحب في ((أحكامه)) عن ابن الأثير(٦) أنه قال: إنما
كان [خلوة الحم] (٧) أشد من خلوة غيره، [من البعداء](٨)، لأنه ربما
حسن لها أشياء، وحملها على أمور تثقل على الزوج، من التماس ما
(١) في المخطوطتين (البخاري أو)، وهو خطأ وما أثبت من شرح مسلم.
(٢) إكمال إكمال المعلم (٥/ ٤٤٠).
(٣) زيادة من غريب الحديث، لأبي عبيد (٣٥٣/٣).
(٤) زيادة من ن هـ، والمراد به هنا النووي فإنه نقله منه. انظر: شرح مسلم.
(١٤/ ١٥٤). وانظر: ابن حجر في فتح الباري (٣٣١/٩، ٣٣٢).
(٥) إكمال إكمال المعلم (٥/ ٤٤٠).
(٦) في جامع الأصول (٦٥٧/٦)، ولله دره حيث إنه لما لم يطلع عليه لم يعزه
إلى ابن الأثير مباشرة، وإنما نسبه إلى من ذكره عنه. فهذا غاية في الأمانة
ودقة في البحث فجزاه الله خيراً.
(٧) في المخطوطتين (خلو لحم)، وما أثبت من جامع الأصول.
(٨) زيادة من جامع الأصول.
٢٧٠
:

ليس في وسعه، أو سوء عشرة أو غير ذلك [فلهذا قال: هو
الموت](١)، ولأن الزوج [قد](٢) لا يؤثر أن يطلع [الحم](٣) على
باطن حاله. ثم قال: / - أعني المحب - ويحتمل أن الكراهة إنما [١/٨/١٢٧]
كانت لمكان إدلاله على الزوج، فربما تبسط في بيته بما يكره من
أخذه ما لا يسهل عليه أخذه ونحو ذلك مما يعز عليه، ولا ينبغي أن
يحمل على أمر مكروه، فإن الأجنبي أقرب إلى ذلك منه. وقال
البغوي في ((شرح السنة)) (٤) معناه: احذروا الحمو كما تحذروا
الموت، وقال الشيخ تقي الدين القشيري(٥): إن تأويله بحسب
اختلاف الحمو، فإن حُمل على محرم المرأة، - كأبي زوجها -
فيحتمل أن يكون المعنى أنه لا بدَّ من إباحة دخوله، كما أنه
لا بدَّ من الموت، وإن حُمل على من ليس بمحرم فيحتمل
أن يكون هذا الكلام خرج مخرج التغليظ والدعاء، لأنه فهم من
قائله طلب الترخيص بدخول هؤلاء الذين ليسوا بمحارم. فغلَّظ
عليه لأجل هذا القصد المذموم، بأن جعل دخول الموت عوضاً
[من](٦) دخوله، زجراً عن هذا الترخيص، على سبيل التفاؤل،
أو الدعاء، كأنه يقال: من قصد ذلك فليكن الموت في دخوله عوضاً
(١) زيادة من جامع الأصول.
(٢) زيادة من جامع الأصول.
(٣) في المخطوطتين (الحمو)، وما أثبت من جامع الأصول.
(٤) شرح السنة (٢٧/٩).
(٥) إحكام الأحكام (٢٠٧/٤، ٢٠٨).
(٦) في هـ (عن).
٢٧١

[من](١) دخول الحمو الذي قَصَد دخوله، قال: ويجوز أن يكون
....
شبهه بالموت، باعتبار كراهته لدخوله، وشبه ذلك بكراهة دخول
الموت .
تحريم الخلوة
بالنساء
الوجه الخامس: الحديث دال على تحريم الخلوة بالأجانب
وقوله: ((وإياكم والدخول على النساء)) مخصوص بغير المحارم،
وعام بالنسبة إلى غيرهن، ولا بدَّ من اعتبار أمر آخر، وهو أن يكون
الدخول مقتضياً للخلوة، أما إذا لم تقتضيه فلا يمتنع(٢)، کالدخول
للتعليم ونحوه(٣) وعموم النساء يدخل تحته الشابة والعجوز، وذكر
البيهقي(٤) عن ابن عباس أنه - تعالى - استثنى [من ذلك وال](٥)
قواعد [من النساء](٦) [اللاتي لا يرجون نكاحاً](٧) أن يضعن ثيابهن
الجلباب، و((أن يستعففن)) بلبس جلابيبهن ((خير لهنّ))، وذهب أنس
مع النبي وقالله إلى أم أيمن وبعده انطلق إليها الصديق(٨)، ولعل من
هذا دخول سفيان على رابعة - رضي الله عنها - .
(١) في هـ (عن).
(٢) إلى هنا ساقه من إحكام الأحكام (٢٠٧/٤).
(٣) أقول: لا يجوز الخلوة بالمرأة مطلقاً لا للتعليم ولا غيره، وهذا باب
يجب إغلاقه.
(٤) السنن الكبرى (٩٣/٧)، وسياقه هنا بتصرف.
(٥) زيادة من السنن.
(٦) في هـ ساقطة.
(٧) زيادة من سياق الآية.
(٨) مسلم (٢٤٥٣، ٢٤٥٤)، وابن ماجه (١٦٣٥)، والبيهقي (٩٣/٧).
٢٧٢

وفي معنى الخلوة بالنساء الخلوة بالأمرد الحسن الذي يفتتن
به، بل الخلوة به أشد.
الوجه السادس: يؤخذ من الحديث السؤال عما يلزم أن يكون
داخلاً في العموم فإن قوله: ((إياكم والدخول على النساء)) يعم الحمو
وغيره، فسأل عنه. ويؤخذ منه أيضاً الجواب بأمر يلزم فيه التغليظ
في النهي والتحذير من ارتكابه.
٢٧٣

٦٣ - باب الصداق
· هو - بفتح الصاد وكسرها - وأصله من الصدق لإِشعاره
الصداق لغة
ولغاته
بصدق رغبة الزوج في الزوجة، ويقال: صدق - بفتح الصاد وضم
الدال، وبضم الصاد وإسكان الدال، وبفتحها وبضمها، وبالفتح
أسماؤه وسكون الدال ـ، فهذه سبع لغات، وله ثمانية أسماء مجموعة في
بیت:
حباء وأجر ثم عقر علائق
صداق ومهر نحلة وفريضة
وزاد بعضهم: النكاح مستدلاً بقوله - تعالى -: ﴿لَا يَجِدُونَ
[٨/١٢٧ب] نِكَلِحًا﴾(١)، والطول مستدلاً بقوله - تعالى -: ﴿وَمَن / لَّمْ يَسْتَطِعْ
مِنْكُمْ طَوْلًا﴾(٢)، والنفقة والرصاص وهو اسم للمال الواجب للمرأة
اصطلاحاً على الرجل بالنكاح [و](٣) بالوطء، وذكر المصنف في الباب ثلاثة
أحاديث :
(١) سورة النور: آية ٣٣.
(٢) سورة النساء: آية ٢٥.
(٣). في هـ ساقطة.
٢٧٤

الحدیث الأول /
٦٣/١/٣٢٢ - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن
رسول الله وَالر: ((أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها))(١).
الكلام علیه من وجوه :
الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة،
ونبهنا عليه لطول العهد.
وصفية: تقدمت في باب الاعتكاف.
الأول: اختلف أصحابنا في معنى هذا الحديث على أربعة معنى الحديث
أوجه :
أحدها: أنه أعتقها بشرط أن ينكحها فلزمها الوفاء بخلاف
غيره، وهذا يقتضي إنشاء عقد بعد ذلك.
(١) البخاري (٤٢٠٠)، ومسلم (١٣٦٥)، والنسائي (١١٤/٦، ١١٥)،
والدارمي (١٥٤/٢)، وابن الجارود (٧٢١)، وابن ماجه (١٩٥٧)،
والدار قطني (٢٨٦/٣)، والبغوي (٢٢٧٣، ٢٢٧٤)، وأحمد (١٨١/٣،
٢٣٩، ٢٤٢، ٢٨٠، ٢٩١)، وأبو يعلى (٣٣٥١)، والطيالسي (١٩٩١)،
وأبو داود (٢٠٥٤)، والبيهقي (٢٨/٧)، وعبد الرزاق (١٣١٠٧)،
والمعجم الصغير (٣٨٦).
٢٧٥

ثانيها: أنه جعل نفس العتق صداقاً، وجاز له ذلك بخلاف
غيره، وهذا ما أورده الماوردي(١).
ثالثها: أنه أعتقها بلا عوض، وتزوجها بلا مهر، لا في الحال
ولا في المآل. وهذا أقرب إلى الحديث، قال النووي في
(«الروضة)»(٢): وهذا أصحها وسبقه إلى ذلك ابن الصلاح، فقال في
((مشكله)) إنه أصح وأقرب إلى الحديث، وحكى عن أبي إسحاق
وقطع به البيهقي (٣) فقال: أعتقها مطلقاً، قال ابن الصلاح: فيكون
معنى قوله: ((وجعل عتقها صداقها)» أنه لم يجعل لها شيئاً غير العتق،
فحل محل الصداق، وإن لم يكن صداقاً، وهو من قبيل قولهم:
الجوع زاد من لا زاد له ...
رابعها: أنه أعتقها على شرط أن يتزوجها، فوجب له عليها
قيمتها فتزوجها به، وهي مجهولة، وليس لغيره أن يتزوج بصداق
مجهول. حكاه الغزالي في ((وسيطه)) نعم لنا وجه في صحة إصداق
قيمة الأمة المعتقة المجهولة إذا أعتقها عليه بالنسبة إلينا، وهو يرد
على قول الغزالي في ((وسيطه)» فيه خاصة بالاتفاق إلاَّ أن يكون القائل
بالصحة في حق غيره غير القائل بالصحة هنا.
وقال أبو محمد بن حزم(٤): ما وقع في الحديث سنة جائزة
(١) الحاوي الكبير (١١/ ٤٢).
(٢) الروضة (١٠/٧، ١١)، وشرح مسلم (٢٢١/١٠).
(٣) سنن البيهقي (١٢٨/٧).
(٤) المحلى (٩ / ٥٠١، ٥٠٧).
٢٧٦

صحيحة لكل من أراد أن يفعل مثل ذلك إلى يوم القيامة، وكذا قال
الترمذي(١): فإنه لما أخرج الحديث السالف قال: حسن صحيح،
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم، قال:
وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وكره بعض أهل العلم أن يجعل
عتقها صداقها، حتى يجعل لها مهراً سوى العتق. قال: والقول
الأول أصح.
وترجم البخاري (٢) على الحديث، باب: من جعل عتق الأمة
صداقاً، وقال أبو حاتم بن حبان من أصحابنا في صحيحه(٣).
النوع السادس: فعل فعله - عليه الصلاة والسلام - لم تقم
(١) سنن الترمذي (٤١٤/٣)، تعقب ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح
(١٢٩/٩)، الترمذي قائلاً: ومن المستغربات - ثم ساق كلامه هنا إلى أن
قال - وكذا نقل ابن حزم عن الشافعي، والمعروف عند الشافعية أن ذلك
لا يصح، لكن لعل مراد من نقله عنه صورة الاحتمال الأول، ولا سيما
نص الشافعي على أن من أعتق أمته على أن يتزوجها فقبلت عتقت ولم
يلزمها أن تتزوج به، لكن يلزمها له قيمتها، لأنه لم يرض بعتقها مجاناً
فصار كسائر الشروط الفاسدة، فإن رضيت وتزوجته على مهر يتفقان عليه
كان لها ذلك المسمى وعليها له قيمتها، فإن اتحدا تقاصا، وممن قال بقول
أحمد من الشافعية ابن حبان - وسيأتي كلامه ـــ صرَّح بذلك في
صحيحه. اهـ ، محل المقصود.
(٢) البخاري الفتح (١٢٨/٩)، (ح ٥٠٨٦).
(٣) صحيح ابن حبان - تقريب الإحسان - برقم (٤٠٦٣، ٤٠٩١)، ورمز له
هكذا [٦/٥]، وهذا يعني أنه من القسم الخامس النوع السادس.
٢٧٧

الدلالة على أنه خص باستعماله دون أمته مباح لهم استعمال ذلك
الفعل لعدم وجود تخصيصه فيه، ثم ساق الحديث المذكور،
وجمهور العلماء على أنه إذا أعتق أمته على أن يتزوج بها يكون
[١/١/١٢٨] عتقها صداقها، لا يلزمها أن / تتزوج به، ولا يصح هذا الشرط،
وممن قاله مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن
وزفر. قال الشافعي: فإن أعتقها على هذا الشرط فقبلت عتقت ولا
يلزمها أن تتزوج به، بل له عليها قيمتها، لأنه لم يرض بعتقها مجاناً،
وصار ذلك كسائر الشروط الباطلة، فإن رضيت وتزوجها على مهر
يتفقان عليه كان لها ذلك المسمى، وعليها له قيمتها، وإن تزوجها
زواج الأمة على على قيمتها، فإن كانت معلومة له أو لها صح الصداق ولا يبقى له
قيمتهـا
عليها قيمة ولا لها عليه صداق، وإن كانت مجهولة فوجهان
لأصحابنا :
أحدهما: يصح الصداق كما لو كانت معلومة، لأن هذا
العقد فيه ضرب من المسامحة والتخفيف وأصحهما، وبه قال
الجمهور، منهم: أنه لا يصح الصداق، بل يصح النكاح ويجب
لها مهر المثل، وما حكاه الترمذي فيما سلف عن أحمد وإسحاق،
قاله سعيد بن المسيب أيضاً والحسن والنخعي [والزهري](١).
[١٣٠/هـ/أ] والثوري والأوزاعي وأبو يوسف / وظاهر الحديث معهم، لكن
الجمهور يؤولونه كما سلف: إن عتقها قام مقام الصداق وإنه سماه
باسمه .
(١) في هـ ساقطة.
٢٧٨

قال الشيخ تقي الدين القشيري(١): والظاهر مع أحمد ومن
وافقه إلاَّ أن القياس مع الآخرين، فيتردد الحال من ظن نشأ من
قياس، وظن نشأ من ظاهر الحديث، مع احتمال الواقعة
الخصوصية، وهي وإن كانت على خلاف الأصل إلاّ أنه يُتأنس في
ذلك بكثرة خصائص الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام - في
النكاح لا سيما هذه الخصوصية لقوله - تعالى -: ﴿وَأَمْرَةً
مُؤْمِنَةً . .. ﴾(٢) الآية.
تنبيه: في البخاري(٣) في باب اتخاذ السراري، ومن أعتق
جارية ثم تزوجها من حديث أبي موسى أنه - عليه الصلاة
والسلام -: ((أعتقها ثم أصدقها))، وذلك يدل على تجديد العقد
بصداق غير العتق.
وقال البيهقي(٤): روي من حديث ضعيف أنه أمهرها ثم ذكره، رواية أن الصداق
وفي رواية من حديث ابن عمر أن جويرية وقع لها مثل ذلك، لكن
غير العشق
أعلها ابن حزم(٥) بيعقوب بن حميد بن كاسب وهو مختلف فيه
(١) إحكام الأحكام (٤/ ٢١٠).
(٢) سورة الأحزاب: آية ٥٠.
(٣) البخاري الفتح (١٢٦/٩)، (ح ٥٠٨٣).
(٤) سنن البيهقي (١٢٨/٧، ١٢٩)، قال ابن حجر في الفتح (١٢٩/٩) - بعد
أن ذكر الحديث - : وهذا لا تقوم به حجة لضعف إسناده، ويعارضه ما
أخرجه الطبراني وأبو الشيخ من حديث صفية نفسها قالت: ((أعتقني
النبي لة وجعل عتقي صداقي)). اهـ محل المقصود.
(٥) المحلى (٩/ ٥٠٤).
٢٧٩

لا کما جزم بضعفه .
تنبيه [آخر] (١): جعل القاضي عياض قوله: ((وجعل عتقها
صداقها)) من قول أنس لم يسنده. قال: ولعله تأويل منه إذا لم يسم
لها صداقاً، وبما قاله نظر لا يخفى، فإنه أخبر بما حضره وعلمه وأي
إسناد أكثر من هذا (٢).
(١) في هـ ساقطة.
(٢) قال القرطبي بـ رحمنا الله وإياه - في المفهم (٢٣٩٨): اعتذر أصحابنا
عن قول أنس بشتى أوجه:
:أحدها: إن قوله، موقوف عليه، والحجة في قول النبي ◌َّ. قال: ابن
حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (١٢٩/٩): ناسباً عن بعض العلماء
بأنه قول أنس، قاله ظناً من قبل نفسه ولم يرفعه، وربما تأيد ذلك عندهم
بما أخرجه البيهقي من حديث أميمة - وفيه: ((وأمهرها رزينة))، سبق
تخريجه في - ما قبل السابق - ، إلى قوله: ((وجعل عتقي صداقي))،
وهذا موافق لحديث أنس، وفيه رد على من قال: إن أنساً قال: ذلك بناء
على ما ظنه.
وثانيها: أن ظاهر قوله: أعتقها وتزوجها أنه كان قد أعتقها ثم تزوجها،
وهذا على ما قدمناه في قوله - تعالى: ﴿﴿إِنَّ الصَّفَا وَاَلْمَرْوَةَ ﴾،
وقوله وَ *: أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا.
وثالثها: أن قوله: ((أصدقها نفسها))، يحتمل أن يكون أنس لم يرَ صداقاً،
وسُئل عنه قال ذلك. ويعني به: أنه لم يصدقها شيئاً، ويكون هذا من
خصوصياته ◌َله
ورابعها: إنه لو سلم كونه مرفوعاً نصّاً فحينئذٍ يكون من
خصائصه الر في باب النكاح، وقد ظهرت له فيه خصائص كثيرة،
والله أعلم. اهـ.
٢٨٠