Indexed OCR Text

Pages 101-120

الرابع عشر: فيه أيضاً دلالة على جواز سؤال الرجل عما لم جواز السؤال
عما استجد
في بيته
يعهده في بيته، ولا يرد على هذا حديث أم زرع («ولا يسأل عما
عهد)) أن معناه: لا يسئل عن شيء عهده وفات فلا يسئل أين
ذهب؟ وأما هنا وكانت البرمة واللحم فيها موجودين حاضرين،
فسألهم النبي ◌َ عما رآه ليبين لهم حكمه /، لأنه يعلم أنهم [٨/١٠٤/ب]
لا يتركون إحضاره له شحّاً عليه، بل لتوهم تحريمه عليه فأراد بيان
ذلك لهم .
وعبارة الشيخ تقي الدين(١): في إيراد هذا الوجه فيه دلالة على
تبسط الإِنسان في السؤال عن أحوال منزله وما عهده فيه لطلبه من
أهله مثل ذلك، وفي ذكره نظر، بل الظاهر أنه سؤال عما لم يعهده.
الرابع عشر: فيه أيضاً دلالة على أن هدية الأدنى للأعلى
لا توجب ثواباً ولا تقتضيه شرعاً؛ لأنه لم ينقل أن عائشة أثابت بريرة
على اللحم.
الخامس عشر: فيه أيضاً دلالة على أن الهدية تملك بوضعها
في بيت المهدى له، ولا يحتاج إلى قبول، وهو الصحيح عندنا؛ لأنه
- عليه الصلاة والسلام - لم يسأل عائشة عن قبولها، ولا أنكر
قبولها له .
السادس عشر: فيه أيضاً دلالة على جواز الصدقة على من
يمونه غيره: إما وجوباً كزوجة ورقيق أو ندباً كقريب لا تجب نفقته؛
لأن عائشة كانت تمون بريرة، ولم ينكر قبولها الصدقة .
(١) إحكام الأحكام (١٦٨/٤).
١٠١
أ

:
السابع عشر: فيه أيضاً دلالة على أنه يجوز لمن تصدق عليه
بصدقة أن يتصرف فيها بما شاء من الصدقات.
الثامن عشر: فيه أيضاً دلالة على جواز أكل اللحم وإن لم يعلم
حال من ذبحه إذا لم يظن أنه ممن تحرم ذبيحته، لعدم سؤاله - عليه
الصلاة والسلام - عنه.
التاسع عشر: فيه أيضاً دلالة على أنه لا يجب السؤال عن أصل
المال الواصل إليه بطريق مشروع إذا لم يظن تحريمه، أو تظهر شبهة
فيه، لأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسأل عن المتصدق ولا عن
حاله، والأيدي ظاهرة في الملك.
العشرون: فيه أيضاً دلالة على أنه يستحب للكبير إذا أهدي إليه
القليل أن يقبله ولا يستقله لقبول هدية اللحم من بريرة مع علو
مقدارهم ونزارة مقدار اللحم.
الحادي بعد العشرين: فيه أيضاً دلالة على أن من تصدق عليه
بقليل ينبغي أن يقبله ولا يستقله، لتقرير بريرة على قبول اللحم.
الثاني بعد العشرين: فيه دلالة أيضاً على حصر الولاء
[١١١/ هـ/ب] للمعتق / .
الثالث بعد العشرين: فيه دلالة أيضاً على جواز نكاح العبد
الحرة إذا رضيت هي وأولياؤها لتخيير بريرة بعد العتق، وكان زوجها
عبداً على قول الجمهور كما مرّ.
الرابع بعد العشرين: عدم اعتبار الكفاءة إذا رضي الولي
والزوجة .
١٠٢

الخامس بعد العشرين: فيه دلالة أيضاً على اعتبارها في
الأزواج، لأن تخييرها إنما كان لارتفاعها بالحرية عن نقصه بالرق.
وإذا اعتبر ذلك دواماً فابتدء أولى.
السادس بعد العشرين: فيه دلالة أيضاً على أن المغرور بحرية
الزوج أو الزوجة له الخيار إذا علم بالحال بعد ذلك، لأن / بريرة [١٨/١٠٥]
خيرت مع العلم، فما بالك مع التغرير؟!
السابع بعد العشرين: فيه دلالة أيضاً على تسمية الأحكام
سنناً.
الثامن بعد العشرين: فيه دلالة أيضاً على أن المرأة إذا فوتت
بضعها على زوجها بعد الدخول بفسخ بحرية لم ترجع بمهرها، لأن
بريرة فوتت ذلك على زوجها بكتابتها وحريتها واختيارها ولم يقضٍ
له بالرجوع [عليها] (١) .
ومذهب الشافعي: أنه إن كان الفسخ بعتق بعد الدخول وجب
المسمى، وإلَّ فمهر المثل على الأظهر، وإن كان الفسخ قبل
الدخول فلا شيء.
التاسع بعد العشرين: فيه دلالة أيضاً على أن الشيء المحرم
لوصف یزول تحريمه بزوال وصفه.
الثلاثون: فيه دلالة أيضاً على جواز الحيل المباحة أو المستحبة
بطريقة الشرع، وفيه أيضاً حسن الجواب بالصدق.
(١) في ن هـ (عليه).
١٠٣

واستعمال الورع الذي لا يؤدي إلى مخالفة الشرع من الزوجة
للزوج، ومثله كل متبوع مع تابعه، وأنه إذا رأى العالم أن بتابعه
حاجة إلى تعليم علم أو معرفة حكم أن يذكره له مبتدئاً من غير
سؤال، واختيار أطيب الإِدام ليتقوى به على طاعة ربه، خلاف ما
ذهب إليه بعضهم، وغير ذلك.
١٠٤

باب النكاح
١٠٥

٦٢ - باب النكاح
أصله في كلام العرب الوطء وسُمِّي به العقد لأنه سببه، النكاح في اللغة
والأصح أنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء. وعكس أبو حنيفة.
وقيل: إنه حقيقة بينهما بالاشتراك(١)، وذكر المصنف في
الباب ثلاثة عشر حديثاً.
(١) النكاح عند جميع الأئمة الأربعة حقيقة في العقد، مجاز في الوطء لأنه
المشهور في القرآن والأخبار، قال الزمخشري: لم يرد في القرآن لفظ
النكاح بمعنى الوطء إلَّ قوله - تعالى -: ﴿حَّى تَنكِحَ زَوْبًا غَيْرَهُ﴾،
لحديث ((حتى تذوقي عسيلته))، فالمراد به العقد، والوطء مستفاد من هذا
الخبر.
أما عند الأصوليين وأهل اللغة فالنكاح: حقيقة في الوطء مجاز في العقد،
فمتى جاء في القرآن أو السنَّة مجرداً عن القرائن يراد به الوطء، كما قال
- تعالى -: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَانَكَحَ ءَآبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فتحرم مزنية
الأب على الابن أي على فروعه، وأما حرمة التي عقد عليها عقداً صحيحاً
على الفروع، فبالإِجماع. ولو قال لزوجته: إن نكحتك فأنت طالق، تعلق
الشرط بالوطء، وكذا لو أبانها قبل الوطء ثم تزوجها تطلق بالوطء
لا بالعقد .
أما نكاح المرأة الأجنبية فيراد به العقد، لأن وطأها لما حرم عليه شرعاً،
كانت الحقيقة مهجورة، فتعين المجاز.
١٠٧

الحدیث الأول
٦٢/١/٣١٩ - عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال:
قال رسول الله وسلم :: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج،
فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه
له وجاء» (١).
الكلام علیه من وجوه :
الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في الحديث الأول من
كتاب الصلاة .
قال ابن منده في ((مستخرجه)): ورواه مع ابن مسعود، عائشة
وجابر بن عبد الله، وأنس.
(١) البخاري أطرافه (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠)، والترمذي (١٠٨١)،
وأبو داود في النكاح (٢٠٤٦)، باب: التحريض على النكاح، وابن ماجه
(١٨٤٥)، والنسائي (١٦٩/٤، ١٧٠)، (٥٧/٦)، والدارمى (١٣٢/٢)،
وأبو يعلى في مسنده (٥١١٠، ٥١٩٢)، ابن الجارود (٦٧٢)، والبيهقي
(٢٩٦/٤)، (٧٧/٧، والحميدي (١١٥)، وابن أبي شيبة (١٢٦/٤،
١٢٧)، والبغوي (٢٢٣٦)، وأحمد (٤٢٤/١، ٤٣٢)، والطيالسي
(٣٠٣/١)، وعبد الرزاق (١٦٩/٦).
١٠٨

الثاني: في ألفاظه .
الأول: قال أهل اللغة: المعشر: الطائفة الذين يشملهم « المعشرة
وصف. فالشباب: معشر، والشيوخ: معشر، والأنبياء: معشر،
والنساء: معشر، وكذا ما أشبه ذلك.
الثاني: ((الشباب)) جمع شاب، ويجمع على شبان وشببة.
قال الأزهري: ولا يجمع فاعل على فعال غيره.
الشباب
قال ((صاحب الجامع)): وأصل الشباب الحركة والنشاط، لأن
الإِنسان أول عمره أكثر حركة، ونشاطاً منه في آخر عمره، والشباب
عند الشافعية من بلغ ولم يجاوز ثلاثين سنة، كما نقله النووي في
(شرحه لمسلم)»(١) عنهم.
وقال الزمخشري: حده من لدن / البلوغ إلى اثنتين وثلاثين [٨/١٠٥/ب]
:
سنة، وقال ابن شاس(٢) من المالكية: الشبان والأحداث لمن بلغ
حتى يكمل أربعين سنة.
وحكى القرطبي عن أهل اللغة: أنه يقال له / حدث إلى ست [١١٢/هـ/أ]
عشرة سنة، ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين، ثم كهل في ثلاثة وثلاثين.
(١) شرح مسلم (١٠/ ١٧٣).
(٢) هو الشيخ الإمام العلامة جلال الدين أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاس
صاحب كتاب («الجواهر الثمينة في فقه أهل المدينة»، مات غازياً بثغر
دمياط في جمادى الآخرة أو في رجب سنة ست عشرة وستمائة. الذخيرة
السنية (٥٦)، والديباج لابن فرحون (٤٤٣/١)، وسير أعلام النبلاء
(٩٨/٢٢).
١٠٩

وقد أسلفت في الكلام على الحديث الرابع من باب الاستطابة عن:
أبي جعفر النحوي أسماء الإِنسان من حين يخلق في بطن أمه إلى أن
يهرم، فراجعه منه، وخص في الحديث الشباب بذلك لأن الغالب
وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح بخلاف الشيوخ. والمعنى معتبر
إذا وجد في الكهول والشيوخ أيضاً.
الثالث: ((الباءة)) أصلها في اللغة الجماع، وهي مشتقة من
المباءة، وهي المنزل، ومنه مباءة الأرض وهو موطنها، ثم قيل لعقد
النكاح باءة لأن من تزوج امرأة فقد بوأها منزلاً، فهو من مجاز
الملازمة .
(الباءة"
وفي ((الباءة)»(١) أربع لغات: أفصحها وأشهرها الباءه بالمد
والهاء .
لغات «الباءة)
وثانيها: بدون مد ..
وثالثها: بالمد بلا هاء.
ورابعها: الباهه بهاءين بلا مد، وفي بعض ((شروح التنبيه)) أنها
بالمد: القدرة على مؤن النكاح. وبالقصر: الوطء والنكاح.
المراد في: واختلف في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى:
واحد :
((الباءة؟
(١) انظر: المقصور والممدود للفراء (٩٤)، وتهذيب اللغة (٥٩٦/١٥)،
واللسان مادة (بوه): (٣٧٢/١٧)، والمقصور والممدود لابن ولاد (١٧).
هكذا: الثانية : الباة، الثالثة : الباء:
١١٠

أصحهما: أن المراد معناه اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من
استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنم وهي مؤن النكاح فليتزوج،
ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم؛ ليدفع شهوته،
ويقطع شر منيه، كما يقطعه الوجاء. ووقع الخطاب للشباب لكونهم
مظنة الشهوة كما سلف.
والثاني: أن المراد بالباءة هنا مؤن النكاح، [و](١) سميت
[باسم](٢) ما يلازمها، فالتقدير: من استطاع منكم مؤن النكاح
فليتزوج، ومن لم يستطعها فليصم، ليدفع شهوته، والذي حمل
القائلين بهذا على هذا أنهم قالوا: قوله - عليه الصلاة والسلام -:
((ومن لم يستطع فعليه بالصوم))، قالوا: والعاجز عن الجماع
لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة على المؤن.
وأجاب الأولون: بما قدمناه في القول الأول، وهو أن تقديره:
ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤونة وهو محتاج إلى الجماع،
فعليه بالصوم (٣).
الرابع: معنى ((أغض)) أمنع.
و ((أحصن)) مأخوذ من الحصن الذي يمنع به من العدو.
و ((الوجاء»: بكسر الواو وبالمد رض الخصيتين، وقال «الوجاء!
القاضي (٤): أصله الغمز، يقال: وجىء في عنق فلان إذا غمز عنقه
(١) في هـ ساقطة .
(٢) في هـ ساقطة.
(٣) انظر: شرح مسلم (١٠/ ١٧٣).
(٤) انظر: مشارق الأنوار (٢٧٩/٢)، وذكره في إكمال إكمال المعلم (٤ /٧،٦).
١١١

ودفع، ومنه: وجاه بالخنجر وشبهه، وجاء ساکن الجیم إذا نخسه به.
[١٨/١٠٦] وطعنه، والوجْأ المصدر ساكن / الجيم وهو أيضاً اللزق، ومنه
الوجيئة: تمر يحل باللبن أو السمن ويرض حتى يلتزق بعضه ببعض،
ومنه أخذ الوجاء وهو غمز الأنثيين أو رضهما بحجر أو نحوه.
قال أبو عبيد: وقد قال بعض أهل العلم وجأ بفتح الواو.
ومقصور [من](١) الحفاء، وقال: والأول أجود في المعنى، وقال:
أبو زيد: لا يقولون وجاء إلَّ فيما لم يبرأ وكان قريب عهده. وفي
(صحيح ابن حبان)) (٢) بعد قوله: ((فإنه له وجاء، وهو الإخصاء))، ولا
أدري هذه الزيادة ممن.
والمراد على الرواية المشهورة: وهي رواية المدّ: أن الصوم
يقطع الشهوة وشر المني، كما يفعل الوجاء كما سلف، وهو من
مجاز المشابهه .
وعلى رواية القصر: يكون شبه الصوم في باب النكاح بالنعت
في باب المثنى.
الخامس: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فإنه أغض للبصر
(١) في غريب الحديث (٧٤/٢) (يريد).
(٢) الإِحسان بتقريب صحيح ابن حبان (٤٠٢٦)، قال ابن حجر - رحمنا الله
وإياه ـ في الفتح (١١٠/٩): وهي زيادة مدرجة في الخبر لم تقع إلاَّ في
طريق زيد بن أبي أنيسة هذه، وتفسير الوجاء بالإخصاء فيه نظر، فإن
الوجاء رض الأنثيين والإخصاء سلهما، وإطلاق الوجاء على الصيام من
مجاز المشابهة. اهـ.
١١٢

وأحصن للفرج)) يحتمل كما قال الشيخ تقي الدين(١): أن تكون
((أفعل)) فيه لغير المبالغة، بل إخبار عن الواقع، ويحتمل أن تكون
على بابها، [فإن التقوى بالتزوج سبب لها]، وهو أبلغ من غضه
وتحصينه بمجرد الصوم / .
[١١٢/هـ/ب]
السادس: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فعليه بالصوم)) (٢)
(١) إحكام الأحكام (١٧٢/٤). وعبارة ما بين القوسين [فإن التقوى سبب لغض
البصر].
(٢) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (١٠٩/٩، ١١٠):
قوله (ومن لم يستطع فعليه بالصوم): وفي رواية مغيرة عن إبراهيم عند
الطبراني ((ومن لم يقدر على ذلك فعليه بالصوم))، قال المازري: فيه إغراء
بالغائب، ومن أصول النحويين أن لا يغرى بالغائب، وقد جاء شاذاً قول
بعضهم: عليه رَجُلاً ليسنى، على جهة الإغراء، وتعقبه عياض بأن هذا
الكلام موجود لابن قتيبة والزجاجي، ولكن فيه غلط من أوجه: أما أولاً :
فمن التعبير بقوله لا إغراء بالغائب، والصواب: فيه [لا يجوز] إغراء
الغائب، فأما الإِغراء بالغائب فجائز، ونص سيبويه أنه لا يجوز دونه زيداً،
ولا يجوز: عليه زيداً عند إرادة غير المخاطب، وإنما جاز للحاضر لما فيه
من دلالة الحال، بخلاف الغائب فلا يجوز لعدم حضوره ومعرفته بالحالة
الدالة على المراد، وأما ثانياً فإن المثال ما فيه حقيقة الإغراء وإن كانت
صورته، فلم يرد القائل تبليغ الغائب وإنما أراد الإخبار عن نفسه بأنه قليل
المبالاة بالغائب، ومثله قولهم: إليك عني، أي اجعل شغلك بنفسك، ولم
يرد أن يغريه به وإنما مراده دعني وكن كمن شغل عني، وأما ثالثاً فليس في
الحديث إغراء الغائب بل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أولاً بقوله:
(من استطاع منكم))، فالهاء في قوله: ((فعليه))، ليست لغائب وإنما هي
للحاضر المبهم، إذ لا يصح خطابه بالكاف، ونظير هذا قوله: (كتب =
١١٣

ليس إغراء الغائب، لأن الهاء في ((عليه)) لمن خصه من الحاضرين
بعدم الاستطاعة، لتعذر خطابه بكاف الخطاب، كما نبّه عليه القاضي
عياض وأوضحه، ورد به على من قال: إن في الحديث دلالة على
الإِغراء بالغائب، وأن النحاة منعوه.
الوجه الثالث: من الكلام على الحديث في أحكامه .
الحث على
النكاح
الأول: الأمر بالنكاح لمن استطاع وتاقت نفسه وهو إجماع،
لكنه عند الجمهور أمر ندب لا إيجاب فلا يلزم التزوج ولا التسري
سواء خاف العنت أم لا؟
وقال داود ومن وافقه من أهل الظاهر: يجب أحدهما على
الخلاف في
حكم النكاح
الخائف من العنت مرة واحدة في العمر. وهي رواية عن أحمد، ولم
عليكم القصاص في القتلى، إلى أن قال: فمن عفى له من أخيه شيء)،
=
ومثله لو قلت لاثنین من قام منکما فله درهم، فالهاء للمبهم من المخاطبين
لا لغائب. اهـ. ملخصاً، وقد استحسنه القرطبي، وهو حسن بالغ، وقد
تفطّن له الطيبي فقال: قال أبو عبيد: قوله: فعليه بالصوم إغراء غائب،
ولا تكاد العرب تغري إلاَّ الشاهد، تقول: عليك زيداً، ولا تقول عليه زيداً
إلاّ في هذا الحديث، قال: وجوابه أنه لما كان الضمير الغائب راجعاً إلى
لفظة ((من))، وهي عبارة عن المخاطبين في قوله: ((يا معشر الشباب)) وبيان
لقوله: ((منكم)) جاز قوله: ((عليه))، لأنه بمنزلة الخطاب، وقد أجاب
بعضهم بأن إيراد هذا اللفظ في مثال إغراء الغائب هو باعتبار اللفظ،
وجواب عياض باعتبار المعنى، وأكثر كلام العرب اعتبار اللفظ، كذا قال،
. والحق مع عياض، فإن الألفاظ توابع للمعاني، ولا معنى لاعتبار اللفظ
مجرداً هنا. اهـ.
وانظر: المفهم (٢٣٢٨/٥)، وشرح الأبي على مسلم (٥/٤) . :
١١٤

يحكِ ابن هبيرة عن أحمد [سواها](١)، وهو مذهب مالك أيضاً، كما
حكاه [المازري] (٢) ووجه عندنا ولم يشترط [ذلك](٣) بعضهم خوف
العنت والواجب عندهم العقد لا الدخول لمجرد الأمر بالتزويج في
هذا الحديث وغيره، فإنه ظاهر في الوجوب مع قوله - تعالى -:
﴿ فَأَنْكِحُوْمَا طَابَ لَكُم مِّنَ اَلْنِسَآِ﴾(٤)، وغير ذلك من الآيات.
وقال المازري(٥): هذه الآية حجة للجمهور لأنه - سبحانه
وتعالى - خيره في آخر الآية بين النكاح والتسري، [قال: ولا يجب
التسري بالاتفاق، فلو كان النكاح واجباً لما خيره بينه وبين
التسري](٦)، لأنه لا يصح عند الأصوليين التخيير بين [واجب](٧)
وغيره، لأنه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب، وأن / تاركه لا يكون (١٠٦//ب]
ائماً، كذا قرره وفيه نظر، لأنهم يقولون بوجوب النكاح أو التسري،
فدعواه الاتفاق على عدم وجوب التسري ليس بجيِّد، وقرره صاحب
((البيان)) وغيره من أصحابنا بوجه آخر، وهو أنه - تعالى - علقه
بالاستطاعة، والواجب ليس كذلك، وفيه نظر أيضاً.
واستدل بعضهم على عدم الوجوب: بقوله - تعالى -
(١) في الأصل (سواهما)، وما أثبت من هـ.
(٢) في هـ (الماوردي)، المعلم بفوائد مسلم (١٢٨/٢).
(٣) في هـ ساقطة.
(٤) سورة النساء: آية ٣.
(٥) المعلم بفوائد مسلم (١٢٨/٢).
(٦) في هـ ساقطة.
(٧) في هـ (الواجب).
١١٥

جً﴾ (١)، فإنه لا يقال
﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
في الواجب أنت غير ملوم إن فعلته.
:
وإيجاب الظاهرية: العقد دون الوطء، لا يحصل معه ما ذكر
في الحديث من تحصين الفرج وغض البصر(٢).
أقسام الناس
في النكاح
وقسم أصحابنا الناس في [النكاح](٣) أربعة أقسام:
أحدها: تائق إليه وآخذ أهبته فهو مستحب في حقه .
ثانيها : عکسه فهو مكروه في حقه .
ثالثها: لا يتوق ويجد الأهبة فترك النكاح والتخلي للعبادة
أفضل على الأصح؛ ولا يقال فعله مكروه.
وقال أبو حنيفة وبعض الشافعية والمالكية: النكاح له أفضل.
رابعها : عکسه فیکره له ويؤمر بالصوم لتوقانه إليه .
وعند المالكية: أن النكاح يختلف باختلاف حال الشخص؛
فيجب في حق من لا ينكف عن الزنا إلَّ به، ويحرم إذا كان يخلُ
بحق الزوجة في وطء أو إنفاق، ويكره في حق من لا يكون مشتهياً
له، وينقطع بسببه عن فعل الخير.
وقيل: يكره إذا كان حاله في العزبة أجمع منه في التزويج،
وهو يرجع إلى الأول.
(١) سورة المعارج: آية ٣٠.
(٢). المعلم بفوائد مسلم (١٢٨/٢).
(٣) في الأصل (الناس)، وما أثبت من ن هـ.
١١٦

وأما من لا يشتهيه ولا ينقطع بسببه عن فعل الخير: فقد
يختلف فيه، فيقال: بالندب للظواهر الواردة في الترغيب فيه، وقد
یکون في حقه مباحاً.
قال القاضي: وهو مندوب في [حق](١) كل من يُرجى منه النسل
ممن لا يخشى العنت وإن لم يكن له في الوطء شهوة، لقوله - عليه
الصلاة والسلام -: ((فإني مكاثر بكم)) (٢)، ولظواهر الحض على
النكاح والأمر به، قال: وكذلك في حق من له رغبة في نوع الاستمتاع
بالنساء، وإن كان ممنوعاً عن الوطء، لكن النكاح يغض بصره.
وأما في حق من لم ينسل ولا أرب له في النساء جملة ولا
مذهب له في الاستمتاع بشيء منهن، فهذا الذي يقال في حقه إنه
مباح إذا علمت المرأة بحاله، وقد يقال حتى الآن إنه مندوب لعموم
الأوامر بالتزويج، ولقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لا رهبانية في
الإِسلام»(٣).
(١) في ن هـ ساقطة .
(٢) أبو داود في النكاح (٢٠٥٠)، باب: النهي عن تزويج من لم يلد من
النساء، والحاكم (١٦٢/٢)، والنسائي (٦٥/٦، ٦٦)، والبيهقي
(٨١/٧)، والطبراني في الكبير (٥٠٨/٢٠)، وجاء من رواية عبد الله بن
عمرو عند أحمد (١٧١/٢، ١٧٢)، وأنس بن مالك عند أحمد (١٥٨/٣،
٢٤٥)، والبيهقي (٨١/٧، ٨٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٢٥٢/٤،
٢٥٨): إسناده حسن.
(٣) ضعفه في كشف الخفاء (٥٢٨/٢)، وتذكرة الموضوعات لابن القيسراني
(٩٨٩).
١١٧

وقسم بعض الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة: وجعل
[١١٣/هـ/أ] الوجوب فيما إذا خاف العنت وقدر على النكاح إلاّ أنه لا / يتعين
[١٨/١٠٧ واجباً، بل إما هو، وإما / التسري، فإن تعذر التسري تعين النكاح
حينئذٍ للوجود، لا لأصل الشرعية ..
قلت: ويجب أيضاً في صورة ثانية على أحد الوجهين، وهي
ما إذا نذره حيث كان مستحبّاً، كذا ذكرها ابن الرفعة في ((مطلبه)» في
أثناء باب القسم قبيل الفصل الخامس في المسافرة، ثم قال بعضهم:
استثنى حالة خوف العنت إذا لم يقدر على التسري، ولم يذكر زيادة
على ذلك.
تنبيه: [(١)] وقع في كلام النووي في ((شرح مسلم))(٢) عن
العلماء كافة عدم وجوب النكاح أو التسري وإن خشي العنت غير
الظاهرية ورواية عن أحمد، وقد علمت أنه مذهب مالك أيضاً ووقع
في كلام القاضي أنه إن صح ذلك عن الظاهرية فهو غير مخالف
للكافة. انتهى، وهو غير جيد فإن الكافة لا يوجبونه كما سلف
الحكم.
الحث على
الصوم لكسر
الثاني: الأمر بالصوم للعاجز عن القيام بمأمورات النكاح وإنما
الشهوة أحاله على الصوم لما فيه من كسر الشهوة، فإن شهوة النكاح تابعة
لشهوة الأكل، تقوى بقوتها، وتضعف لضعفها.
(١) في هـ زیادة (واو).
(٢) شرح مسلم (١٠/ ١٧٣).
١١٨

الثالث: تنصيصه على الصوم ومخرج للكافور ونحوه فإنه نوع
من الخصي في ((شرح السنة)) (١) للبغوي أن هذا الحديث فيه دلالة
على أن من لا يجد أهبة النكاح يجوز له المعالجة لقطع الباءة
بالأدوية، فإن لم ينقطع شدة توقانه بالصوم لشدة غلمته. وحكاه
القاضي (٢) عن الخطابي(٣) أيضاً، حيث قال: حكاية عنه فيه دلالة
على جواز معاناة قطع الباءة بالأدوية، وينبغي أن يحمل على دواء
يسكن الشهوة دون ما يقطعها أصالة: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُمْرِ بُتْرًا (٥)﴾ (٤).
الرابع: يؤخذ منه أن مقصود النكاح الوطء، ووجوب الخيار
في العنت، وبه صرح الخطابي(٥) أيضاً.
الخامس: قد يؤخذ منه أيضاً أن النكاح أفضل من التخلي
لنوافل العبادات، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
السادس: يؤخذ منه أيضاً الحث على غض البصر، وقد أمر الله
- تعالى - به ورسوله.
السابع: يؤخذ منه أيضاً الحث على تحصين الفرج بكل طريق
أمر الشرع به.
الثامن: يؤخذ منه أيضاً عدم التكليف بغير المستطاع.
(١) شرح السنة للبغوي (٦/٩).
(٢) ساقه الأبي في شرح مسلم عنه (٧/٤).
(٣) انظر: معالم السنن (٣/٣).
(٤) سورة الانشراح: آية ٥.
(٥) انظر: معالم السنن (٣/٣).
١١٩

التاسع: يؤخذ منه أيضاً مراعاة الشهوات وحظوظ النفوس
بحيث لا تقدم على أحكام الشرع، بل دائرة معه.
العاشر: يؤخذ منه أيضاً شرعية تعليل الحكم، فإنه - عليه
الصلاة والسلام - علل الحكمة في الأمر بالصوم له بقوله - عليه
الصلاة والسلام -: ((فإنه له وجاء))، أي قاطع لمشقة المكابدة الشهوة
النكاح.
[٨/١٠٧ب]
جواز التشريك
الحادي عشر: استنبط القرافي من قوله / «ومن لم يستطع
في العبادات فعليه بالصوم)) أن التشريك في العبادات لا يقدح بخلاف الرياء، فإنه
[عليه الصلاة والسلام أمر] (١) بالصوم الذي هو طاعة وقربة
[يحصل](٢) به غض البصر وكف الفرج عن الوقوع في المحرم،
وليس ذلك بقادح، وفيما ذكره من كونه تشريكاً نظر ..
الثاني عشر: يؤخذ من تنصيصه - عليه الصلاة والسلام -
تحریم الاستمناء، وهو المشهور.
تحریم الاستمناء
للمرأة والرجل
وسئل(٣) مالك عنه [و](٤) عن المرأة تجعل في نفسها تستعف
به، فتلا قوله - تعالى - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ (٤)﴾(٥) إلى قوله:
﴾، حكاه الزناتي عنه في ((شرح الرسالة)).
﴿ فَأُوْلَكَ هُمُ الْعَادُونَ (
(١) في ن هـ ساقطة.
(٢) في ن هـ (ليحصل).
(٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١٣١٠/٣)، وتفسير القرطبي
(١٢/ ١٠٥).
(٤) زيادة من هـ.
(٥) سورة المعارج: آية ٢٩.
١٢٠