Indexed OCR Text

Pages 381-400

الحادي عشر: فيه دلالة لمسألة أصولية، وهي أن تعليق
الحكم بصفة من صفات الذات يدل على نفي الحكم عن
الذات عند انتفاء تلك الصفة. ووجهه أن المتبادر إلى
الفهم عرفاً ولغة من قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مطل
الغني عندهم ظلم))، أن مطل الفقير ليس بظلم، وهذا
مذهب الشافعي والأشعري. اللهم إلا أن يظهر أن
للتخصيص بتلك الصفة، فائدة أخرى، فلا تدل على
شرط البراءة بيد المحيل إذا أحاله على مليء، وإن أحاله على مفلس،
=
ولم يقل إنه مفلس فإنه يرجع عليه، وإن أبرأه، وإن أعلمه أنه مفلس
وأبرأه لم يرجع على المحيل.
وروى ابن المبارك، عن الثوري إذا أحاله على رجل فأفلس، فليس له أن
يرجع على الآخر إلاَّ بمحضرهما، وإن مات وله ورثة، ولم يترك شيئاً
رجع حضروا، أو لم يحضروا.
وروى المعافي، عن الثوري: إذا كفل لمدين رجل بمال وأبرأه برىء، ولا
يرجع إلاَّ أن يفلس الكبير أو يموت، فيرجع على صاحبه حينئذٍ.
وقال الليث في الحوالة: لا يرجع إذا أفلس المحال عليه.
وقال زفر، والقاسم بن معن في الحوالة: له أن يأخذ كل واحد منهما
بمنزلة الكفالة .
وقال ابن أبي ليلى: يبرأ صاحب الأصل بالحوالة.
قال أبو عمر: هذا اختلافهم في الحوالة، وأما الكفالة والحمالة، وهما
لفظتان معناهما الضمان، فاختلاف العلماء في الضمان على ما أورده
بحول الله لا شريك له. اهـ. انظر: الأم (٢٢٨/٣)، وفقه الإمام أبي ثور
(٦٢٤).
٣٨١

نفيه، وخالف أبو حنيفة وابن سريج(١) والغزالي (٢) وغيرهم، فقالوا:
إنه ليس بحجة.
واختاره الآمدي(٣)، والإِمام(٤) في ((محصوله))(٥) و ((منتخبه))،
وقال في «معالمه»: إنه يدل عرفاً لا لغة.
(١) ابن سريج هو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج توفي سنة (٣٠٦)، من
أعلام الشافعية، انظر: طبقات الأسنوي (٢٠/٢، ٢١)، وابن هداية
(٤١).
:
(٢) محمد بن محمد بن أحمد أبو حامد الغزالي ولد بطرس سنة خمسين
وأربعمائة، وتوفي في جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة. انظر:
طبقات الشافعية للسيكي (١١٠/٤)، طبقات الشافعية ابن قاضي شهبة.
(٣) هو علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي، سيف الدين الآ مدي.
ولد بآمد بعد الخمسين وخمسمائة بيسير. وتوفي في صفر سنة إحدى
وثلاثين وستمائة. طبقات الشافعية للسبكي (١٢٩/٥)، وابن قاضي شهبة
(٧٩/٢).
(٤) هو محمد بن عمر بن الحسين فخر الدين الرازي ولد في رمضان سنة أربع
وأربعين وخمسمائة وتوفي بهراة يوم عيد الفطر سنة ست وستمائة. انظر:
النجوم الزاهرة (١٩٧/٦)، وفيات الأعيان (٣٨١/٣)، وابن قاضي شهبة
(٦٥/٢).
(٥) المحصول في علم الأصول للرازي .. انظر: الجزء الأول القسم الثاني
(٢٢٨، ٢٤٥).
٣٨٢

الحديث الثالث
٥٨/٣/٣٠٠ - وعنه قال: قال رسول الله وَل﴾له - أو قال:
سمعت النبيِ زَّو يقول -: (مَنْ أدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدِ رَجُلِ أَوْ إنْسانٍ
قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ)(١).
الکلام علیه من وجوه :
الأول: هذا الحديث أخرجه البخاري كذلك إلاّ أنه قال: بدل لفظ الحديث
(سمعت النبي))، (سمعت الرسول ◌َّ))، وترجم عليه باب(٢): إذا
عند البخاري
وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحق به.
وأخرجه مسلم كذلك، وقال: ((سمعت النبي ◌َ(38)) بعد قوله: ألفاظ الحديث
عند مسلـم
((عند رجل قد أفلس)).
(١) البخاري (٢٤٠٤)، ومسلم (١٥٥٩)، وأبو داود في البيوع، باب: في
الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده (٣٥١٩، ٣٥٢٠، ٣٥٢٢)،
ورواه برقم (٣٥٢١) مرسلاً. الترمذي (١٢٦٢)، والنسائي (٣١١/٧)،
والبيهقي (٤٥/٦، ٤٧)، ومالك (١٣٤٥)، وابن ماجه (٢٣٥٨،
٢٣٥٩)، معرفة السنن والآثار (١١٨١٠/٨).
(٢) الفتح (٦٢/٥)، ح (٢٤٠٢).
٣٨٣

وفي رواية له: ((أيما امرىء فُلِّسَ)).
وفي رواية عن النبي ◌َّرَ: ((في الرجل الذي يُعَدِمُ إذا وُجدَ
عنده المتاع ولم يفرقه أنه لصاحبه الذي باعه)».
وفي رواية له: ((عن النبي ◌َ﴿ إذا أفلس الرجل فوجد الرجل
متاعه بعينه فهو أحق به)).
وفي رواية له: ((فهو أحق به من الغرماء)).
وفي رواية له: ((أن رسول الله وَلّ قال إذا أفلس الرجلُ فوجد
الرجلُ عنده سلعته بعينها فهو أحق بها».
الوجه الثاني: هذا التردد في قوله: ((قال رسول الله وَل أو
[٧٣ / أ/ ب]
سبب التردد
في الحديث قال: سمعت النبي 18َّ وهو من الراوي عن أبي هريرة / وهو
من الراوي
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام(١) وقد قال: مرة أخرى
عن أبي هريرة
رضي الله عنه عنه عن النبي و # كما قدمناه عن رواية مسلم.
ورواية عراك بن مالك عن أبي هريرة بلفظ: ((أن
رسول الله ( * قال)) كما أسلفنا عن رواية مسلم أيضاً.
ورواه بشير بن نهيك عن أبي هريرة بلفظ: ((عن النبي
كما أسلفناه أيضاً، وقد قدمت لك أن رواية مسلم الأولى كرواية
(١) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٦٣/٥)، على قوله: قال
رسول الله *، أو قال سمعت رسول الله مَ ل# هو شك من أحد رواته وأظنه
من زهير، فإني لم أر في رواية أحد ممن رواه عن يحيى مع كثرتهم فيه
التصريح بالسماع، وهذا مشعر بأنه كان لا يرى الرواية بالمعنى
أصلاً. اهـ.
٣٨٤

المصنف: ((قال رسول الله (وَ لتر))، أو ((قال: سمعت النبي))، وأن
رواية البخاري ((قال رسول الله))، أو قال: ((سمعت رسول الله ◌َالغر)"
ويتعلق برواية مسلم المسألة السالفة في الكلام على حديث: ((إنما
الأعمال بالنيات)) من كتاب الطهارة (١) أنه هل يجوز تغيير قال
النبي ◌َّلول إلى قال الرسول أو عكسه؟ وقد ذكرت هناك ما فيها من
الخلاف وهو الوجه الرابع عشر من الكلام على ذلك الحديث فلما
وقع الخلاف في ذلك ساغ للراوي التحري في أي اللفظين سمع
ليرويه به وقد أسلفت هناك في الوجه الثالث عشر عن الخطيب
البغدادي أن أرفع العبارات ((سمعت)) ثم ((حدثنا وحدثني)) فلما
اختلفت رتبتهما تحرّي الراوي هل قال: قال، أو سمعت؟
الثالث: قوله: ((عند رجل)) أو ((إنسان)) الظاهر أنه شك من
الراوي أيضاً.
الرابع: معنى ((أفلس)) (٢): صار مفلساً، أي: صارت دراهمه معنى (أفلس)
(١) (١٦٨/١) .
(٢) تعريف المفلس لغة: من لا مال له، وهو المعدم.
شرعاً: من دينه أكثر من ماله أو من لا يفي ماله بدينه، أو الذي أحاط
الدين بماله، أو من لزمه من الدين أكثر من ماله الموجود.
التفليس لغة: النداء على المفلس وشهره بين الناس بصفة الإِفلاس
المأخوذ من الفلوس التي هي أخس الأموال.
وشرعاً: جعل الحاكم المديون مفلساً بمنعه من التصرف في ماله أو خلع
الرجل عن ماله للغرماء.
سبب التسمية: سمي مفلساً وإن كان ذا مال لأن ماله مستحق الصرف في =
٣٨٥

-٠
فلوساً كما وصف الرجل صارت دابته قَطُوفاً، ويجوز كما قال
الجوهري(١): أن يراد به أنه صار إلى حال، يقال فيها: ليس معه
فلس.
۔۔۔
كما يقال: أقهر الرجل إذا صار في حالة يذل فيها .
وهو في الشرع: حجر الحاكم على المدیون.
والمفلس: المحجور عليه بالديون.
الخامس: في الحديث أحكام.
أولها: رجوع البائع إلى عين، ما له عند تعذر الثمن بالفلس،
الخلاف في
عين ماله عن وهو مذهب الشافعي ومالك والأكثرون، وألحقوا الموت به.
رجوع البائع إلى
المفلس
وخالف مالك: فقال: يكون فيه أسوة الغرماء.
وخالف أبو حنيفة فقال: لا يرجع فيهما، بل يضارب مع
الغرماء.
:
حجة الأكثرين في الفلس: هذا الحديث ودلالته ظاهرة.
قال الاصطخري(٢): لو حكم الحاكم بخلافه نقض حكمه.
:
جهة دينه، فكأنه معدوم، أو باعتبار ما يؤول من عدم ماله بعد وفاء دينه،
أو لأنه يمنع من التصرف في ماله إلاَّ الشيء التافه الذي لا يعيش إلاَّ به
کالفلوس ونحوها.
(١) انظر: مختار الصحاح (٢١٥).
(٢) الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى أبو سعيد الأصطخري ولد سنة أربع
وأربعين قبل ابن سريج وتوفي في ربيع الآخر وقيل في جمادى الآخرة سبة
ثمان وعشرين وثلاثمائة وقد جاوز الثمانين. طبقات الشافعية للسبكي =
٣٨٦

وفي ((الموت)) حديث في ((سنن أبي داود)) و ((ابن ماجه))(١)
من حديث أبي هريرة أيضاً وقال الحاكم(٢): إنه صحيح الإسناد
ولفظه: (أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا
وجده بعينه).
وحمل أبو حنيفة(٣) الحديث على الغصب والوديعة. / لأنه لم [٧٤ / ١/ أ]
(١٩٣/٢)؛ وطبقات ابن قاضي شهبة (١٠٩/١).
=
والآخر: هو عبد الله بن سعيد أبو محمد الإصطخري ولد سنة إحدى
وتسعين ومائتين ومات سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. تاريخ بغداد
(١٣٣/١٠)، طبقات ابن قاضي شهبة (١٥٨/١).
(١) انظر: ت (١)، ص ٣٨٣.
(٢) المستدرك (٥٠/٢)، والبيهقي (٤٦/٦)، والشافعي (١٦٣/٢)،
والدار قطني (٢٩/٣)، والبغوي (٢١٣٤)، من طرق عن ابن أبي ذئب،
عن أبي المعتمر بن عمرو بن رافع عن عمر بن خلدة الزرقي، عن
أبي هريرة مرفوعاً.
وفيه أبو المعتمر وهو مجهول كما قال أبو داود، انظر: مختصر أبي داود
(١٧٧/٥)، وابن عبد البر في الاستذكار (٣٥/٢١)، والتمهيد
(٤١٦/٨)، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٦٤/٥).
(٣) قال ابن حجر في الفتح (٦٣/٥)، وخالف الحنفية فتأولوه لكونه خبر
واحد خالف الأصول، لأن السلعة صارت بالبيع ملكاً للمشتري ومن
ضمانة واستحقاق البائع أخذها منه نقض لملكه، وحملوا الحديث على
صورة وهي ما إذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة، وتعقب بأنه لو كان
كذلك لم يقيد بالفلس ولا جعل أحق بها لما يقتضيه صيغة أفعل من
الاشتراك، وأيضاً فما ذكروه ينتقض بالشفلعة، وأيضاً فقد ورد التنصيص
في حديث الباب على أنه في صورة المبيع، وذلك فيما رواه سفيان =
٣٨٧

الثوري في جامعه، وأخرجه من طريقه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما عن
=
يحيى بن سعيد بهذا الإسناد بلفظ: ((إذا ابتاعت الرجل سلعة ثم أفلس
وهي عنده بعينها فهو أحق بها من الغرماء)) ولابن حبان من طريق هشام بن
يحيى المخزومي عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا أفلس الرجل فوجد البائع
سلعته)) والباقي مثله، ولمسلم في رواية ابن أبي حسين المشار إليها
زقيل: ((إذا وجد عنده المتاع أنه لصاحبه الذي باعه)) وفي مرسل ابن
أبي مليكة عند عبد الرزاق ((من باع سلعة من رجل لم ينقده ثم أفلس
الرجل فوجدها بعينها فليأخذها من بين الغرماء)»، وفي مرسل مالك
المشار إليه ((أيما رجل باع متاعاً) وكذا هو عند من قدمنا أنه وصله، فظهر
أن الحديث وارد في صورة البيع، ويلتحق به القرض وسائر ما ذكر من
باب الأولى.
تنبيه: وقع في الرافعي سياق الحديث بلفظ الثوري الذي قدمته، فقال
السبكي في ((شرح المنهاج)) هذا الحديث أخرجه مسلم بهذا اللفظ، وهو
صريح في المقصود، فإن اللفظ المشهور أي الذي في البخاري عام
أو محتمل، بخلاف لفظ البيع فإنه نص لا احتمال فيه، وهو لفظ مسلم،
قال: وجاء بلفظه بسند آخر صحيح انتهى. واللفظ المذكور ما هو في
صحيح مسلم وإنما فيه ما قدمته، والله المستعان، وحمله بعض الجنفية
أيضاً على ما إذا أفلس المشتري قبل أن يقبض السلعة، وتعقب بقوله: في
حديث الباب ((عند رجل)) ولابن حبان من طريق سفيان الثوري عن
يحيى بن سعيد ((ثم أفلس وهي عنده)) وللبيهقي من طريق ابن شهاب عن
يحيى ((إذا أفلس الرجل وعنده متاع)) فلو كان لم يقبضه ما نص في الخبر
على أنه عنده، واعتذارهم بكونه خبر واحد فيه نظر، فإنه مشهور من غير :
هذا الوجه، أخرجه ابن حبان من حديث ابن عمر وإسناده صحيح،
وأخرجه أحمد وأبو داود من حديث سمرة وإسناده حسن، وقضى به =
٣٨٨

=
عثمان وعمر بن عبد العزيز كما مضى، وبدون هذا يخرج الخبر عن كونه
فردا غريباً، قال ابن المنذر: لا نعرف لعثمان في هذا مخالفاً من
الصحابة. وتعقب بما روى ابن أبي شيبة عن لعي أنه أسوة الغرماء،
وأجيب بأنه اختلف على علي في ذلك بخلاف عثمان، وقال القرطبي في
(«الرمفهم»: تعسف بعض الحنفية في تأويله هذا الحديث بتأويلات لا تقوم
على أساس، وقال النووي: تأوله بتأويلات ضعيفة مردودة انتهى،
واختلف القائلون في صورة وهي ما إذا مات ووجدت السلعة فقال
الشافعي: الحكم كذلك وصاحب السلعة أحق بها من غيره، وقال مالك
وأحمد: هو أسوة الغرماء، واحتجا بما في مرسل مالك ((وإن مات الذي
ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء)) وفرقوا بين الفلس والموت بأن
الميت خربت ذمته فليس للغرماء محل يرجعون إليه فاستووا في ذلك،
. بخلاف المفلس. واحتج الشافعي بما رواه من طريق عمر بن خلدة
قاضي المدينة عن أبي هريرة قال: ((قضى رسول الله وَل أيما رجل مات
أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعینه» وهو حديث حسن
يحتج بمثله، أخرجه أيضاً أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم،
وزاد بعضهم في آخره ((إلاّ أن يترك صاحبه وفاء)) ورجحه الشافعي على
المرسل، وقال: يحتمل أن يكون آخره من رأى أبي بكر بن
عبد الرحمن، لأن لاذين وصلوه عنه لم يذكروا قضية الموت، وكذلك
الذين رووا عن أبي هريرة وغيره لم يذكروا ذلك، بل صرح ابن خلدة عن
أبي هريرة بالتسوية بين الإفلاس والموتع، فتعين المصير إليه، لأنها زيادة
من ثقة. وجزم ابن العربي المالكي بأن الزيادة التي في مرسل مالك من
قول الراوي، وجمع الشافعي أيضاً بين الحديثين بحمل حديث ابن خلدة
على ما إذا مات مفلساً، وحديث أبي بكر ابن عبد الرحمن على ما إذا
مات مليئاً. والله أعلم.
=
٣٨٩

يذكر البيع فيه أو على ما قبل القبض وهما ضعيفان كما قال الشيخ
تقي الدين(١) :
والأول: ضعيف جداً لأنه يبطل. فائدة: تعليق الحكم
بالفلس.
قلت: ورواية مسلم السالفة أنه لصاحبه الذي باعه يرده رداً
صريحاً.
والثاني: يضعفه قوله: ((أدرك ماله)) أو ((وجد متاعه))(٢) فإن
ذلك يقتضي إمكان العقد. وذلك بعد خروج السلعة من يده.
قال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (٢٤/٢١) .. حديث
التفليس حديث صحيح من نقل الحجازيين، والبصريين، رواه العدول،
عن النبي ◌َّل، ودفعه طائفة من العراقيين، منهم: أبو حنيفة، وأصحابه،
وسائر الكوفيين، وردوه بالقياس على الأصول المجتمع عليها، وهذا مما
عيبوا به، وعد عليهم من السنن التي ردوها بغير سنة صاروا إليها؛ لأنهم
أدخلوا القياس، والنظر حيث لا مدخل له، وإنما يصح الاعتبار، والنظر
عند عدم الآثار.
وحجتهم أن السلعة من المشتري وثمنها في ذمته، فغرماؤه أحق بها كسائر.
ماله، وهذا لا يجهله عالم، ولكن الانقياد إلى السنَّة أولى بمعارضاتها
بالرأي عند أهل العلم، وعلى ذلك العلماء. اهـ.
(١) إحكام الأحكام (١٢١/٤)، قوله: ((تعليل الحكم بالفلس))، قال
الصنعاني: لما قدمناه قريباً من عدم مشاركة غيره له في ملكه. اهـ.
(٢) قال في المرجع السابق، قوله: ((أو وجد متاعه))، قال: قوله ((عند رجل»
دال على أنه قد قبضه المشتري هنا، فإن ذلك يقتضي إمكان العقد. اهـ.
٣٩٠

ورده القاضي(١) عیاض بآوجه:
أحدها: أنه نص في الحديث على الموت والفلس دون
غيرهما.
ثانيها: رواية مالك في ((الموطأ)) أيما رجل باع مالاً)) وهذا مقيد
بالبيع فحمل المطلق عليه .
ثالثها: أن لفظة ((أحق)) تقتضي الاشتراك ولا اشتراك فيما
ذكره.
رابعها: أن الأحقية هنا منتفية فيما إذا تغيرت الصفة بخلاف
المودع والمغصوب والمقترض، فإنها أموالهم على كل حال.
وأجمل النووي القول في الرد عليه فقال(٢): تأوله أبو حنيفة
بتأويلات ضعيفة مردودة وتعلق بشيء يروي عن علي(٣)، وابن
مسعود ولیس بثابت عنهما.
(١) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤/ ٢٤٢).
(٢) في شرح مسلم (٢٢٢/١٠).
(٣) قال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (٢٥/٢١)، ولا أعلم
لأهل الكوفة سلفاً في هذه المسألة إلَّ ما رواه قتادة عن خِلاس بن عمرو،
عن علي - رضي الله عنه - قال: وفيه أسوة الغرماء إذا وجدها بعينها.
والآثر أخرجه عبد الرزاق (٢٦٦/٨)؛ المحلى (١٨٦/٨).
قال: وأحاديث خِلاس عن علي - رضي الله عنه - ضعيفة عند أهل العلم
بالحديث، لا يرون في شيء منها إذا انفرد بها حجة.
قال: وروى الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: هو والغرماء فيه
شرع، سواء. وليس قول إبراهيم حجة عند الجمهور.
ويشبه قوله في هذه المسألة قوله في المسكر، أي: النبيذ. اهـ.
٣٩١

وكذا القرطبي فقال في ((مفهمه)) (١) تعسف بعض الحنفية في
تأويل أحاديث الإفلاس تأويلات لا تقوم على أساس، ولا تتمشى
على لغة ولا قياس فلنضرب عن ذكرها لوضوح فسادها.
وحجة مالك ما رواه في «موطئه»: عن ابن شهاب عن
أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله ◌َ﴿ قال: (أيما رجل باع متاعاً
فأفلس الذي ابتاعه ولم يقتضي من ثمنه شيئاً فوجده بعينه فهو أحق
به، فإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع أسوة الغرماء)، قال
القرطبي(٢): وهذا مرسل صحيح وقد أسنده أبو داود (٣)
(١) (٤ /٤٣٣).
(٢) المرجع السابق.
(٣) انظر: ت (١)، ص ٣٨٣.
قال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه ـ في الاستذكار (٢٢/٢١)، بعد
سياق الإمام مالك رحمه الله للحديث من طريقين.
١
مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن
هشام؛ أن رسول اللهِ وَ﴾ قال: «أيما رجل باع متاعاً، فأفلس الذي ابتاعه
منه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئاً، فوجده بعينه فهو أحق به، وإن
مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء)).
مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم،
عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن
هشام، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله وَ ل# قال: ((أيما رجل أفلس، فأدرك
(الرجل ماله بعينه، فهو أحق به من غيره)) .
قال أبو عمر: الحديث الأول مرسل في ((الموطأ)) عند جميع زواته عند
مالك .
٣٩٢
:

من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وهو طريق
ورواه عبد الرزاق، عن مالك عن ابن شهاب، عن أبي بكر ابن
عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ بلفظ «الموطأ)) سواء.
واختلف فيه أصحاب ابن شهاب: فمنهم من أسنده، فجعله عن ابن
شهاب، عن أبي بكر، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ُّ®، ومنهم من
جعله، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلاً، عن
النبي ◌َّه وقد ذكرنا الرواة بذلك كله، والأسانيد عنهم في ((التمهيد)).
وأما حديث يحيى بن سعيد فمتصل صحيح مسند إلاّ أن قوله في حديث
ابن شهاب، عن أبي بكر: وإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع إسوة
الغرماء))، ليس في حديث يحيى بن سعيد، وهو موضع اختلف فيه
العلماء على ما نذكره - إن شاء الله عز وجل.
وقد روى هذا الحديث بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي وَلقر،
قال: ((إذا أفلس الرجل، فوجد غريمه متاعه بعينه، فهو أحق به))، لم يذكر
الموت، ولا حكمه .
كذلك رواه قتادة، وغيره، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن
النبي لل#.
وكذلك رواه أيوب، وابن جريج، وابن عيينة، عن عمرو ابن دينار، عن
هشام بن يحيى، عن أبي هريرة أن النبي وسلم قال: ((إذا أفلس الرجل،
فوجد البائع سلعته بعينها، فهو أحق بها دون الغير)» لم يذكر الموت ولا
حکمه.
ورواه ابن أبي ذئب، عن أبي المعتمر بن عمرو بن نافع، عن عمر ابن
خلدة الزرقيّ، قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا أفلس، فقال أبو هريرة:
قضى رسول الله #: ((أيما رجل مات، أو أفلس، فصاحب المتاع أحق
بمتاعه إذا وجده بعينه)» فسوَّى في روايته بين الموت، والفلس. اهـ.
٣٩٣

صحيح، قال: ومذهب مالك أولى لأن حديثه أصح من حديث
الشافعي، لأن في إسناده مجهول على ما ذكره أبو داود. وللفرق بين
المفلس والميت فإن ذمة الميت قد خربت بخلافه هذا كلامه وليته
لما نقل عن أبي داود أنه أسنده عقبه بقوله: ((حديث مالك أصح))
يعني المرسل - فإن أبا داود ذكره عقبه، وكذا نص عليه الحفاظ.
وقال: إمامنا الشافعي(١) حديث أبي هريرة المتقدم أولى من
هذا وحديث ابن شهاب منقطع.
وقال أبو حاتم: إن رواية الوصل خطأ.
وقال البيهقي(٢): لا يصح. فحينئذٍ حديث الشافعي أصح كما
شهد له إمامنا.
(١) انظر: كتاب الأم (٢١٣/٣، ٢١٥)؛ ومختصر المزني (١٠٣)، كتاب
التفليس، الاستذكار (٢٧/٢١)؛ ومعرفة السنن والآثار (٢٤٩/٨)، وما
قبله (٢٤٣، ٢٥٠).
(٢) السنن الكبرى (٤٥/٦)، وقال ابن حجر في الفتح (٦٤/٥)، ورجحه
الشافعي على المراسيل، وقال: يحتمل أن يكون آخره من رأي
أبي بكر بن عبد الرحمن، لأن الذين وصلوه عنه لم يذكروا قضية
الموت، وكذلك الذين رووا عن أبي هريرة وغیرہ لم یذکروا ذلك، بل.
صرح ابن خلدة بالتسوية بين الإفلاس والموت فتعين المصير إليه لأنها
زيادة من ثقة. وجزم ابن العربي المالكي بأن الزيادة التي في مرسل مالك
من قول الراوي، وجمع الشافعي أيضاً بين الحديثين بحمل حديث ابن
خلدة على ما إذا مات مفلساً، وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن علي
ما إذا مات مليئاً. والله أعلم. اهـ.
٣٩٤

وقول القرطبي(١): إن في إسناده مجهول، تبع فيه أبا داود
وقد ثبت في ((تخريجي الأحاديث الرافعي)) (٢) وغيره أنه معروف ثقة،
فظهر رجحان مذهب الشافعي في ذلك، وإذا ثبت النص طاح الفرق
وبالله التوفيق.
وحمل المازري(٣): رواية الشافعي على الوديعة والغصب.
وقد علمت جوابه، وأنه تعسف.
الثاني: رجوعه أيضاً ولو قبض بعض الثمن لإطلاق الحديث، [٧٤ / أ/ب]
وهو الجديد من قولي الشافعي وخالف في / القديم(٤).
الخلاف في
رجوع البائع
على المفلس ولو
أخذ بعض ثمنه
-
(١) المفهم (٤ / ٤٣٣).
(٢) انظر: خلاصة البدر المنير (٨١/٢).
(٣) المعلم بفوائد مسلم (٢٨٢/٢).
(٤) قال البغوي - رحمنا الله وإياه - في السنة (١٨٧/٨): والعمل على هذا
عند بعض أهل العلم قالوا: إذا أفلس المشتري بالثمن، ووجد البائع عين
ماله، فله أن يفسخ البيع، ويأخذ عين ماله. وإن كان قد أخذ بعض
الثمن، وأفلس بالباقي، أخذ من عين ماله بقدر ما بقي من الثمن، وهو
قول أكثر أهل العلم، قضى به عثمان، وروي عن علي ذلك، ولا نعلم
لهما مخالفاً من الصحابة، وإليه ذهب عروة بن الزبير، وبه قال مالك،
والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وذهب قوم إلى أنه ليس له أخذ عين ماله، وهو أسوة الغرماء، وبه قال
النخعي وابن شبرمة، وأصحاب الرأي، ولو مات مفلساً، فهو كما
لو أفلس في حياته على هذا الاختلاف.
وذهب مالك إلى أنه إذا مات مفلساً، أو أفلس في حياته، وقد أخذ البائع =
٣٩٥

فقال: يضارب بباقي الثمن فقط: وعليه اقتصر القرطبي(١) في
حکایته عنه وليس بجید منه.
وفيه حديث في الدار قطني(٢) وهو مرسل ولا يصح مسنداً
فعلى الجديد إذا باعه وتلف أحدهما وقبض نصف الثمن
مثلاً أخذ الباقي، بباقي الثمن، ويكون ما قبضه في مقابلةٍ
التالف، وفي قول: مخرج يأخذ نصفه بنصف باقي الثمن
شيئاً من الثمن، فليس له أخذ عين ماله، بل يضارب الغرماء. اهـ.
قال ابن دقيق العيد في ((إحكام الأحكام)) ٢٠٠/٣: رجوع البائع إلى عين
ماله عند تعذر الثمن بالفلس أو الموت، فيه ثلاثة مذاهب:
الأول: أنه يرجع إليه في الموت والفلس، وهذا مذهب الشافعي.
والثاني: أنه لا يرجع إليه، لا في الموت ولا في الفلس، وهو مذهب
أبي حنيفة.
والثالث: يرجع إليه في الفلس دون الموت، ويكون في الموت أسوة
الغرماء وهو مذهب مالك. اهـ.
إنظر: الاستذكار (٢٦/٢١، ٢٨) وسيأتي نقلاً منه في ت (١) ص ٣٩٧،
وانظر الفقه الإِسلامي وأدلته (٤ /٤٦٨، ٤٩٦).
(١) المفهم (٤/ ٤٣٣).
(٢) ولفظه عن أبي هريرة، عن النبي 3 18 قال: ((أيما رجل باع سلعة فأدرك
سلعته بعينها عند رجل قد أفلس ولم يكن قبض من ثمنها شيئاً، فهي له،
وإن كان قبض من ثمنها شيئاً فهو أسوة الغرباء)).
وقال دعلج: ((فإن كان قضاه من ثمنها شيئاً فما بقي فهو أسوة الغرباء)).
اسماعيل بن عياش مضطرب الحديث ولا يثبت هذا، عن الزهري مسنداً،
وإنما هو مرسل. اهـ. الدارقطني (٣٠/٣)، وانظر: تخريج الأحاديث
الضعاف من الدارقطني (٢٧١).
٣٩٦

ويضارب بنصف الباقي وهو الربع(١).
(١) قال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (٢٦/٢١، ٣٤)،
وانظر: ت (٣)، الوجه الثامن، ص (٤٠٦).
قال مالك، في رجل باع من رجل متاعاً، فأفلس المبتاع، فإن البائع إذا
وجد شيئاً من متاعه بعينه، أخذه، وإن كان المشتري قد باع بعضه،
وفرَّقه، فصاحب المتاع أحق به من الغرماء، لا يمنعه ما فرّق المبتاع منه،
أن يأخذ ما وجد بعينه، فإن اقتضى من ثمن المبتاع شيئاً، فأحب أن يرده
ويقبض ما وجد من متاعه، ويكون فيما لم يجد إسوة الغرماء، فذلك له.
قال أبو عمر: لا أعلم خلافاً بين الفقهاء القائلين بأن البائع أحق بغير ماله
في الفلس أنه أحق أيضاً بما وجد عنه إذا كان المشتري قد باع ذلك
أو فوته بوجوه الفوت؛ لأن الذي وجد من سلعته هو عين ماله، لا شك
فيه؛ لأنه قطعة منه.
قال مالك: فيمن وجد نصف سلعته بعينها عند رجل قد أفلس، قال: أرى
أن يأخذها بنصف الثمن، ويحاص الغرماء في النصف الثاني.
وكذلك قال الشافعي، قال: لو كانت السلعة عبدين بمئة، فقبض نصف
الثمن، وبقي أحد العبدين، وقيمتهما سواء كان له نصف الثمن،
أو النصف الذي قبض، ثمن الهالك كما لو رهنهما بمئة، فقبض تسعين،
فهلك أحدهما كان الآخر رهناً بعشرة.
هكذا روی المزني.
وروى الربيع عنه، قال: لو كانا عبدين، أو ثوبين فباعهما بعشرين قبض
عشرة، وبقي من ثمنهما عشرة كان شريكاً فيها بالنصف، يكون نصفهما
له، والنصف للغرماء يباع في دينه.
وجملة قول الشافعي أنه لو بقي من ثمن السلعة في التفليس درهم لم
يرجع من السلعة إلاّ بقدر الدرهم.
ومعناه أن ما بقي في يد المشتري المفلس عين مال البائع وقيمته بمقدار ما =
٣٩٧

بقي له من الثمن الذي من أجله جعل له أخذه، فله أخذه دون سائر غرماء
المفلس.
وقال أشهب، عن مالك، عن رجل باع من رجل عبدين بمئة دينار وانتقد
من ذلك خمسين، وبقيت على الغريم خمسون، ثم أفلس غريمه، فوجد
عنده أحد عبديه، وفاته الآخر، فأراد أخذه بالخمسين التي بقيت له على
غريمه، وقال: الخمسون التي أخذت ثمن العبد الذاهب، وقال الغرماء:
بل الخمسون التي أخذت ثمن هذا.
فقال مالك: إذا كان العبدان سواء، رد نصف ما قبض، ولك خمسة
وعشرون ديناراً، وأخذ العبد، وذلك أنه إنما اقتضى من ثمن كل عبد
خمسة وعشرين ديناراً.
قال: ولو كان باعه عبداً واحداً بمئة دينار، فاقتضى من ثمنه خمسين رد
الخمسين إن أحب وأخذ العبد.
قال أشهب: وكذلك العمل في روايا الزيت، وغيرها على هذا القياس.
وقال الشافعي في مسألة أشهب عن مالك: العبد أحق به من الغرماء إذا
كان قيمة العبدين سواء؛ لأنه ماله بعينه وجده عند غريمه، وقد أفلس،
والذي قبضه، وثمن ما فات إذا كانت القيمة سواء كما لو باع عبداً واحداً،
وقبض نصف لبه، كان ذلك النصف للغرماء وكان النصف الباقي له، فإنه
لم يقبض ثمنه ولا يرد شيئاً مما أخذ؛ لأنه مستوف لما أخذ.
وأما قول مالك في ((الموطأ»: فإن اقتضى من ثمن المبتاع شيئاً، فأحب أن
يرده إلى آخر قوله. فقد خالفه الشافعي، وغيره في ذلك، فقالوا: ليس له
أن يرده، وإنما له أخذ ما بقي من سلعته، لا غير ذلك؛ لإِجماعهم على
أنه لو قبض ثمنها كله لم يكن له إليها سبيل، فكذلك إذا أخذ ثمن بعضها
لم يكن إلى ذلك البعض سبيلاً، وليس له أن يرد بعض الثمن، كما ليس له
أن یرد جمیعه، لو قبضه.
٣٩٨
:

الثالث: رجوع المقرض إلى عين ماله إذا كان باقياً بعينه
وأفلس بعد قبضه، كما ترجم عليه البخاري فيما سلف، ووجهه أن
لفظ الحديث أعم من أن يكون المال أو المتاع لبائع أو لمقرض
والفقهاء قاسوه عليه بجامع أنه مملوك يقدر [علي](١) تحصيله فأشبه
البيع ولا حاجة إليه لاندراجه تحته وبهذا قال الشافعي وأبو محمد
الأصيلي(٢) من المالكية.
وحجتهم حديث مالك في هذا الباب، قوله: ولم يقبض الذي باعه من
=
ثمنه شيئاً.
وقال جماعة من أهل العلم: إذا قبض من ثمن سلعته شيئاً، لم يكن له
أخذها، ولا شيئاً منها.
وممن قال هذا: داود، وأهل الظاهر أيضاً، وأحمد، وإسحاق.
واختلف مالك، والشافعي أيضاً في المفلس يأبى غرماؤه دفع السلعة إلى
صاحبها، وقد وجدها بعينها، ويريدون دفع الثمن إليه من قبل أنفسهم لما
لهم في قبض السلعة من الفضل:
فقال مالك: ذلك لهم، وليس لصاحب السلعة أخذها إذا دفع إليه الغرماء
ثمنها .
وقال الشافعي: ليس للغرماء هذا مقال: قال: وإذا لم يكن للمفلس، ولا
لورثته أخذ السلعة؛ لأن رسول الله لي جعل صاحبها أحق بها منهم،
فالغرماء أبعد من ذلك، وإنما الخيار لصاحب السلعة إن شاء أخذها، وإن
شاء تركها، وضرب مع الغرماء بثمنها.
وبهذا قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وجماعة. اهـ.
(١) زيادة من المصحح ليستقيم بها المعنى.
(٢) هو عبد الله بن إبراهيم أصله من كورة شذونه ورحل به أبوه إلى أصيلا من
بلاد العدوة فسكنها ونشأ بها أبو محمد. له مصنف على الموطأ سماه =
٣٩٩

وخالفه غيره فقال: لا يكون القرض كالبيع.
الرابع: الحجر على المفلس وخالف فيه أبو حنيفة (١).
الحجر على
المفلسس
والخلاف فيه
بالدليل ذكر فيه خلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة توفي يوم الخميس
لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة
الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون (١٣٨)،
ط دار الكتب العلمية .
(١): قال أبو حنيفة: لا أحجر على المفلس في الدَّين، لأن مال الله غاد
ورائح، فهو لا يرى الحجر على المدين المفلس، كما لا يرى الحجر
على السفيه، لأن في الحجر، إهداراً لحريته وإنسانيته وأهليته، فذلك
أخطر من ضرر خاص يلحق الدائن فتنفذ تصرفاته، ولا يباغ ماله جبراً
عنه، وإنما يؤمر بسداد ديونه، فإن امتثل فلا يتعرض له بشيء، وإن
امتنع عن الأداء، حبس حتى يسدد دينه، أو يبيع ماله بنفسه، وشرع
حبسه دفعاً لظلمه، لأن قضاء الدين واجب عليه، والمماطلة ظلم،
وليس للقاضي أن يبيع ماله جبراً عنه، لأنه نوع حجر عليه، وهو لا يجوز
عنده .
والخلاصة: أن أبا حنيفة قال: ليس للحاكم أن يحجر على المفلس، ولا
يبيع ماله بل يحبسه، حتى يؤدي أو يموت في السجن.
والمفتي به عند الحنيفة هو قول الصاحبين وهو قول جمهور الفقهاء:
وهو جواز الحجر على المدين المفلس في تصرفاته المالية، حفاظاً
على حقوق الدائنين وأموالهم من الضياع بدليل ما روى الدارقطني،
والخلال، وصحح الحاكم إسناده: أن النبي ◌َّر حجر على معاذ وباع
ماله في دين كان عليه، وقسمه بين غرمائه، فأصابهم خمسة أسباع
حقوقهم، فقال لهم النبي ◌َّ: ليس لكم إلاَّ ذلك. اهــ من الفقه
الإِسلامي (٤٥٦/٥).
٤٠٠