Indexed OCR Text

Pages 361-380

الثامن: في الحديث دلالة على جواز قوله سورة كذا، وخالف جواز ذكر اسم
الحجاج بن يوسف في ذلك كما نقله عنه البخاري ومسلم في أن يقال سورة
السورة بدون
صحيحهما(١)، وقال: قال الأعمش: فلقيت إبراهيم فأخبرته بقول
الحجاج فسبَّه ورد عليه بهذا الحديث، وقد تقدم الرد على من قال
بهذا أيضاً في الحديث الثالث من باب وجوب القراءة في الصلاة(٢).
التاسع: إنما خص سورة البقرة لأن معظم أحكام الحج فيها سب تخصيص
مذكور فكأنه قال هذا مقام الذي أنزلت عليه المناسك وأخذت عنه لسورة البقرة
ابن مسعود
الأحكام [فاعتمدوه](٣) أراد بذلك التنبيه/ على أن أفعال الحج (١٣/ ١/١]
توقيفية ليس للاجتهاد فيها مدخل فلا يفعل أحد شيئاً من المناسك
برأيه.
وقيل: خصها بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما تحتويه من
الأحكام، وقد خصها ◌َلر بعجز البطلة عن حفظها (٤)، وقوله للعباس
في يوم حنين: نادي أصحاب السمرة أصحاب البقرة(٥)، يمكن أن
يكون خصها بالذكر حين فرارهم لأن فيها: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ
(١) سبق تخريجه .
(٢) (٢٠٣/٣) من هذا الكتاب المبارك.
(٣) في ن هـ (فاعتمده).
(٤) مسلم (٨٠٤)، وأحمد (٢٤٩/٥، ٢٥٤، ٢٥٥، ٢٥٧)، ولفظه: «اقرأوا
القران فإنه شافع يوم القيامة)) .
(٥) مسلم (١٧٧٥)، وعبد الرزاق (٧٩٤١)، والمسند (٢٠٧/١)، والبغوي
في تفسيره (٢٨٧/٢، ٢٨٨)، والحميدي (٤٥٩)، والسيوطي في الدر
المنثور (٤ /١٦٠).
٣٦١

غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ﴾(١)، وفيها ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ﴾(٢)، أو لأن
فيها ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾(٣)، وفيها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى
نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتٍ اَلَّهُ﴾(٤).
العاشر: في الحديث أيضاً دلالة على مراعاة كل شيء في هيئة
الحج التي وقعت من الرسول وَل#، حيث قال ابن مسعود: هذا مقام
الذي أنزلت عليه سورة البقرة قاصداً بذلك الإِعلام [به](٥) ليفعل.
الحادي عشر: فيه أيضاً التعلم بالرؤية من غير قول (٦).
وتبليغه .
سبب مشروعية
رمي الجمار
خاتمة: قيل إن مشروعية الرمي أن إبراهيم - عليه الصلاة
والسلام - حين هرب منه الكبش المفدى به الذبيح - عليه الصلاة
والسلام - عند الجمرة رماه بسبع حصيات حتى أخذه.
[وروى] (٧) أنه رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند
ذبح ولده.
وروى/ أنه لما ذبحه قال جبريل: الله أكبر الله أكبر، فقال
[١٨١ هـ/ب]
(١) سورة البقرة: آية ٢٤٩.
(٢) سورة البقرة: آية ٢٥١.
(٣) سورة البقرة: آية ٤٠.
(٤) سورة البقرة: آية ٢٠٧.
(٥) في ن هـ ساقطة.
(٦) في ن هـ زيادة (والأخذ به من قول).
(٧) في ن هـ (قيل).
٣٦٢

الذبيح لا إله إلاّ الله والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد،
فبقي ذلك سنة (١).
(١) ذكر ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (٢٢٤/١٣) بإسناده:
ومن أحسن ما قيل في قلة الجمار بمنى مع كثرة الرمي بها هناك. عن
أبي سعيد الخدري قال: الحصا قربان فما تقبل من الحصا رفع.
وأيضاً عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: رميت الجمار في
الجاهلية، والإِسلام فكيف لا تسد الطريق؟ فقال: ما تقبل منها رفع،
ولولا ذلك لكان أعظم من ثبير. اهـ.
٣٦٣

الحديث السابع
٥٠/٧/٢٦٥ - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -
أن رسول الله وَّر قال: ((اللهم ارحم المحلقين)) [قالوا: يا رسول الله
والمقصرين؟](١) قال: ((اللهم ارحم المحلقين)) [قالوا.
يا رسول الله](٢) والمقصرين؟ قال: ((والمقصرين» (٣).
الكلام علیه من وجوه:
الأول: هذا اللفظ الذي ساقه المصنف هو لفظ رواية
الصحيحين، قال البخاري: وقال الليث حدثني نافع: ((رحم الله
المحلقین مرة أو مرتين)) [قال](٤) وقال: عبيد الله حدثني نافع «وقال
في الرابعة والمقصرين)).
(١) تقدیم وتأخیر بین الأصل و ن هـ.
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) البخاري (١٧٢٧)، ومسلم (١٣٠١)، وأبو داود (١٩٧٩) في المناسك،
باب: الحلق والتقصير، والترمذي (٩١٣)، وابن ماجه (٣٠٤٣)،
والموطأ (٣٩٥/١)، وأحمد (٧٩/٢)، والبغوي. (١٩٦٣)، والبيهقي
(١٠٣/٥)، وابن خزيمة (٢٩٢٩)، وابن الجارود (٤٨٥)، ومالك
(٨٥٦).
(٤) زيادة من البخاري.
٣٦٤

وأخرج مسلم هذه الرواية من هذا الوجه وكذا التي قبلها فعلى
رواية المصنف يكون للمحلقين ثلثا الرحمة والمقصرين الثلث وعلى
رواية عبيد الله يكون لهم ثلاثة أرباع الرحمة والمقصرين الربع.
ونظير هذا ((من أحق الناس بصحبتي؟ قال: ((أمك)) قال: ثم من؟
قال: ((أمك)) قال: ثم من؟ قال: ((أبوك))(١) وفي رواية(٢) أنه قال
ذلك ثلاثاً في الأم، فعلى الرواية الأولى يكون للأم ثلثا البر وعلى
الثانية يكون لها ثلاثة أرباعه.
الثاني: هذا الدعاء كان منه 18 في حجة الوداع على الصحيح زمن هذا الدعاء
المشهور كما قاله النووي في ((شرح مسلم)) (٣).
وقيل: إنه كان يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق [فما](٤) فعله
أحد/ لطمعهم [دخول](٥) مكة في ذلك الوقت.
[١٣ / أ/ ب]
وحكى عن ابن عباس قال حلق رجال يوم الحديبية وقصر
آخرون فقال رسول الله وَق(٦): اللهم ارحم المحلقين ثلاثاً قيل:
(١) مسلم (٢٥٤٨)، وابن ماجه (٣٦٥٨، ٢٧٠٦)، والبغوي (٣٤١٦)،
والبيهقي في السنن (٢/٨)، وابن أبي شيبة (٥٤١/٨)، وأحمد
(٣٩١/٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٦،٥).
(٢) البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨).
(٣) شرح مسلم (٩/ ٥٠).
(٤) في ن ب (كما).
(٥) في ن هـ (بدخول).
(٦) في الأصل زيادة (قال)، وساقطة من ن هـ.
٣٦٥

يا رسول الله ما بال المقصرين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: لأنهم لم
يشكو))(١).
قال القرطبي(٢): وحاصله أنه أمرهم يوم الحديبية بالحلاق؛
فما قام منهم أحد، لما وقع في أنفسهم من أمر الصلح، فلما
حلق و ﴿ ودعا للمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين واحدة، تبادروا إلى
ذلك .
قال ابن عبد البر(٣): وكونه في الحديبية [هو](٤) المحفوظ.
قلتُ: وبه جزم من العلماء إمام الحرمين فذكره كذلك في
«نهايته)»، ونازع القاضي(٥) ابن عبد البر في ذلك فقال: قد ذكر مسلم
في الباب خلاف ما قالوه وإن كانت أحاديثه مجملة غير مفسرة
موطن، ذلك لأنه ذكر من رواية أم الحصين أنها سمعت النبي وكل#
في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة. وروى.
مسلم(٦) قبل هذا عنها أنها قالت حججنا مع رسول الله مَلو حجة
الوداع وقد جاء الأمر في حديثها مفسراً أنه في حجة الوداع فلا يبعد
أنه - عليه الصلاة والسلام - قاله في الموضعين.
(١) أحمد (٣٥٣/١)، والطحاوي (١٤٦/٢)، وابن ماجه (٣٠٤٥). قال.
البوصيري في الزوائد (١٨٥/٢): إسناده صحيح.
(٢) المفهم (٣/ ٤٠٤).
(٣) الاستذكار (١٠٤/١٣).
(٤) زيادة من ن هـ.
(٥) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤٠٢/٣).
(٦) مسلم (١٣٠٣).
: ٠
٣٦٦

قال الشيخ تقي الدين(١): وهو الأقرب وقد كان في كلا
الوقتين توقف من الصحابة في الحلق أما في الحديبية فلأنهم عظم
عليهم الرجوع قبل تمام مقصودهم من الدخول إلى مكة وكمال
نسكهم، وأما في الحج فلأنه شق عليهم فسخ الحج إلى العمرة وكان
من قصر منهم شعره اعتقد أنه أخف من الحلق إذ هو يدل على
الكراهة للشيء أي أو أنه أقرب شبهاً منه و لإر من حيث أنه لم يحل
فكرر - عليه الصلاة والسلام - الدعاء للمحلقين لأنهم بادروا إلى
امتثال الأمر وأتموا فعل ما أمروا من الحلق وقد ورد التصريح بهذه
العلة في الرواية السالفة حيث قال لأنهم لم يشكوا ورواه ابن ماجه (٢)
بسند جيد عن ابن عباس قيل: يا رسول الله لم ظاهرت للمحلقين
ثلاثاً وللمقصرين مرة؟ قال: لأنهم لم یشکوا)).
الثالث: هذا الحديث مصرح بجواز الاقتصار على أحد جواز الاقتصار
الأمرين أما الحلق وإما التقصير ومصرح أيضاً بتفضيل الحلق وقد التقصير
على الحلق أو
أجمع العلماء على أن الحلق أفضل من التقصير في حق الرجال وعلى
أن التقصير يجزي إلاّ ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري: أنه
كان يقول يلزمه الحلق في أول حجة ولا يجزئه التقصير وهذا إن صح
عنه مردود بالنص وإجماع من قبله (٣)، وإنما كان الحلق أفضل
الأمور/ :
[١٤ /١/أ]
(١) إحكام الأحكام (٥٨٧/٣).
(٢) ابن ماجه (٣٠٤٥)، وأحمد (٣٥٣/١)، وأبو يعلى (١٠٦/٥)، وانظر:
هذا المبحث في فتح الباري (٥٦٣/٣).
(٣) انظر: فتح الباري (٥٦٤/٣).
٣٦٧

قال المازري المالكي(١): وقد استقر في الشرع تحريم السلام
في أثناء الصلاة المفروضة، وأمر به في آخرها ولم يكن ذلك على
[وجه](٢) الإِباحة بل حُمِل على الوجوب.
الخامس: يؤخذ من الحديث الدعاء بالرحمة لمن فعل ما شرع
له وتكرار [الدعاء](٣) لمن فعل الراجح من الفعلين الجائزين والتنبيه
بالتكرار على ترجيح الراجح وسؤال الدعاء لمن فعل الجائز
المرجوح.
خاتمة: ثبت في الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة(٤)
الدعاء للمحلقين بالمغفرة ثلاثاً، وللمقصرين مرة، مناسبة ذلك كل
واحد من الحلق أو التقصير إزالة الشعث في الصورة وهما سببان
لغفر الذنب بإزالته أو ستره.
فروع تتعلق بالحلق :
الأول: أقل ما يجزىء من الحلق أو التقصير عند الشافعي أقل ما يجزىء
في الحلق
والتقصير
ثلاث شعرات.
وعند أبي حنيفة: ربع الرأس.
وعند أبي يوسف: نصفها.
وعند مالك وأحمد: أكثرها.
(١) المعلم (٩٨/٢).
(٢) غير موجودة في المرجع السابق.
(٣) زيادة من ن هـ.
(٤) البخاري (١٧٢٨)، ومسلم (١٣٠٢).
٣٦٩

وعن مالك: رواية أنه كلها واقتصر عليها الفاكهي.
وأجمعوا: على أن الأفضل حلق جميعه.
ويستحب ألا ينقص في التقصير عن قدر الأنملة من أطراف
: ٤
الشعر فإن قصر دوتها جاز لحصول اسم التقصير.
ومذهب مالك: أنه يفتقر إلى الأخذ من جميع الشعر كما يأخذ
في الحلق جمیعه.
الثاني: قد يتعين الحلق فيما إذا نذره وكذا فيما إذا لبد رأسه
بالإِحرام على قول قديم للشافعي وهو مذهب مالك والجديد
[١/١٤/ ب] المنع/.
وقال الفاكهي المالكي: إنه يتعين في كل موضع لا يمكن
الإِتیان بالتقصير على وجهه وذلك في صور:
منها: من لبد رأسه.
ومنها: فيمن لا شعر على رأسه فإنه يمر الموسى عليها.
ومنها: فیمن له شعر لطيف لا يمكن تقصيره.
ومنها: ما إذا عقصه أو ظفره.
ونقل القرطبي في ((مفهمه)) (١) عن جمهور العلماء لزوم الحلق
في ذلك أعني فيما إذا عقصه أو ظفره وفيما إذا لبد رأسه وادعى أن
المخالف في ذلك أصحاب الشورى.
(١) المفهم (٤٠٥/٣).
٣٧٠

الثالث: استحب مالك إذا حلق أن يأخذ من لحيته (١) وشاربه
وأظفاره وأن ابن عمر كان يفعله وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر قال:
وثبت أنه - عليه الصلاة والسلام - قلم أظفاره إذ ذاك.
الرابع: المشروع في حق النساء التقصير ويكره لها الحلق وقال
القاضيان حسين وأبو الطيب يحرم عليهن.
قال الشافعي: واجب أن تجمع ضفائرها وتأخذ من أطرافهما حرمة الحلق
على النساء في
الإحرام وغيره
قدر أنملة.
قال الماوردي(٢): إلَّ الذوائب فإنه يشينها.
وقال مالك: تأخذ قدر الأنملة، أو فوقه بقليل، أو دونه بقليل.
وقال: في الرجل ليس تقصيره أن يأخذ من أطراف شعره ولكن
يجز ذلك جزاً وليس مثل المرأة فإن لم يجزء وأخذه فقد أخطأ
ويجزيه .
قال القاضي أبو الوليد(٣): يبلغ به الحد الذي يقرب من أصول
الشعر.
(١) لا يجوز أن يأخذ من لحيته شيئاً لعموم الأدلة الدالة على تحريم حلق
اللحى أو أخذ شيء منها وكل من فعل شيء من ذلك فله نصيب من
مخالفة هدي النبي ◌َ* والأنبياء قبله وخلفائه الراشدون وسائر أصحابه
أجمعين - رضوان الله عليهم - أما الأظفار فتقليمها من سنن الفطرة
ويتأكد تقلیمها عند الحاجة إليها.
(٢) الحاوي الكبير (٢١٨/٥).
(٣) المنتقى (٢٩/٣).
٣٧١

.الخامس: يقوم مقام الحلق والتقصير النتف والإِحراق والقص
وغير ذلك من أنواع إزالة الشعر.
وقت الحلق أو
التقصير
السادس: اتفق العلماء على أن الأفضل في الحلق والتقصير أن
یکون بعد رمي جمرة العقبة، وبعد ذبح الهدى إن كان معه، وقبل
طواف الإفاضة وسواء كان قارناً أو مفرداً وخالف ابن الجهم في
القارن وقد تقدم الرد عليه في الباب في الحديث الخامس(١) ..
السابع: استحب بعض أصحابنا أن يمسك المحلوق ناصيته
بيده ويكبر ثلاثاً ثم يقول: اللهم هذه ناصيتي فتقبل مني واغفر لي
ذنوبي، اللهم اكتب لي بكل شعرة حسنة وامح عني بها سيئة وارفع
لي بها درجة واغفر لي وللمحلقين والمقصرين يا واسع المغفرة أمين .
واستحب بعض الحنفية أن يقول عند الحلق: اللهم هذه
ناصيتي بيدك فاجعل لي بكل شعرة نوراً يوم القيامة اللهم بارك لي في
نفسي واغفر آلي)](٢) ذنبي وتقبل مني عملي برحمتك يا أرحم
الراحمين.
واستحب بعض العلماء: إذا فرغ من الحلق أن يكبر ويقول
الحمد لله الذي أعاننا على قضاء نسكنا، اللهم زدنا إيماناً، ويقيناً،
[١٥/ أ/أ] وتوفيقاً، وعوناً، واغفر لنا، ولآبائنا، وأمهاتنا/، والمسلمين
أجمعین(٣). [في حاشية الأصل. قد يتمسك بدعائه للمحلقين ثلاثاً،
(١) ص ٣٤٤.
(٢) في ن هـ ساقطة ..
(٣) من هنا بداية سقط في ن هـ.
٣٧٢

وللمقصرين مرة بقول إيثار أهل الصلاح على غيرهم في إعطاء المال
وهو رأي الفاروق منهم. وقال: لا اجعل من قاتل رسول الله اله
كمن قاتل معه ورأى الصديق التسوية بينهم ويقول إنما عملوا لله
فاجرهم على الله وهذا المال عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر
وليس ثمناً لأعماله](١).
وقد ذكرت في ((شرح المنهاج)) فروعاً أُخر تتعلق بكيفية الحلق
وآدابه فراجعها منه.
الثامن: المحصر في الحلق والتقصير كغيره في كون ذلك
نسكاً له.
وقال أبو حنيفة(٢) وصاحباه: ليس على المحصر شيء من ذلك
ويرده فعله - عليه الصلاة والسلام - ذلك يوم الحديبية.
(١) زيادة من حاشية الأصل.
(٢) الاستذكار (١٠٨/١٣).
٣٧٣

الحديث الثامن
٥٠/٨/٢٦٦ - عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت:
حججنا مع رسول الله ◌َسير فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد
النبي ◌َلّ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله إنها
حائض، فقال: ((أحابستنا هي))؟ قالوا: يا رسول الله، [إنها قد](١).
فاضت يوم النحر، قال: ((أخرجوا)).
وفي لفظ قال النبي ◌َّل: ((عقرى، حلقى، [أفاضت] (٢) يوم
النحر؟ قيل: نعم. قال: ((فانفري) (٣).
(١) في الأصل ساقطة.
(٢) في متن العمدة (أطافت).
(٣) البخاري في أطرافه (٢٩٤)، ومسلم (١٢١١)، والنسائي
(١٩٤/١)، والترمذي (٩٤٣)، وأبو داود (٢٠٠٣) في المناسك،.
باب: الحائض تخرج بعد الإفاضة، وابن ماجه (٣٠٧٣)، والدارمي.
(٥٦٨/٢)، والبيهقي (١٦٢/٥، ١٦٣)، والبغوي (١٩٧٤،
١٩٧٥)، وأحمد (٩٩/٦، ١٢٢، ١٧٥، ١٩٢، ٢١٣، ٢٢٤، ٢٥٣،
٢٠٧)، والموطأ (٤١٢/١)، وابن خزيمة (٣٠٠٢)، وابن الجارود
(٤٩٦).
٣٧٤

الكلام عليه من وجوه والتعريف براويه سلف: في الطهارة
وممن وقع في الاعتكاف.
الأول: كان حيض صفية - رضي الله عنها - ليلة النفر كما وقت حيض
صفية رضي اله
عنها
ثبت في بعض طرق البخاري.
وقوله: ((فأفضنا يوم النحر)) أي طفنا طواف الإفاضة وله أسماء
طواف: الإِفاضة، والزيارة، والفرض، والركن، والصدر، والأشهر
أن طواف الصدر طواف الوداع وكره مالك أن يقال للطواف الزيارة
وفي الصحيح ((قالوا: يا رسول الله إنها قد زارت يوم النحر، قال:
فلتنفر معكم))، وهو حجة للشافعي وأبي حنيفة وأهل العراق على
عدم الكراهة .
الثاني: في الحديث دلالة على أن طواف الإفاضة لا بد منه
وهو إجماع.
الثالث: فيه أيضاً دلالة على فعله في يوم النحر وهو السنة كما
أسلفته في الحديث الثاني من باب التمتع ويدخل وقته من نصف ليلة
النحر، ولا آخر لوقته كما هو موضح في كتب الفروع وإذا أخره
لا شيء عليه بالتأخير عند جمهور العلماء.
وقال مالك، وأبو حنيفة: إذا تطاول الزمان لزمه دم.
الرابع: فيه أيضاً إباحة الجماع للأهل بعد الإتيان بأسباب
التحلل في الحج لكن قال الرافعي وغيره: إن المستحب إذا تحلل
٣٧٥

التحلل الثاني أن لا يطأ حتى يرمي أيام التشريق، وفيه نظر إذ لا معنى
لتركه لاسيما وأيام التشريق ((أيام أكل وشرب وبعال))(١)، كما ورد
في الحديث وقد بعث ◌َّيقول أم سلمة لتطوف قبل النجر، وكان يومها
فأحب الله أن توافيه، وفيه إشعار بمواقعتها فيه، وعليه، بوب
سعيد بن منصور في ((سننه)) فقال، باب: الرجل يزور البيت ثم يواقع
أهله قبل أن يرجع إلى منى))، ثم ذكر الحديث.
الخامس: فيه أيضاً الإخبار بالأعذار المانعة من الإجابة إلى ما
:
[١٥/أ/ ب] يجب المبادرة إلى فعله ممن/ توجه الوجوب إليه ومن غيره.
السادس: فيه أيضاً أن الحائض لا تدخل المسجد ولا تطوف
نعم يجوز لها المرور إن أمنت التلويث.
سقوط طواف
الوداع عن
الحائض
السابع: فيه أيضاً سقوط طواف الوداع عن الحائض لقوله:
((فانفري)) نعم لو طهرت قبل مفارقة محطة مكة لزمها العود
والطواف، وإن طهرت بعد بلوغها مسافة القصر، فلا وإن لم تبلغ
فالصحيح من مذهب الشافعي أنه لا يلزمها العود.
فرع: النفساء في هذا كالحائض.
الثامن: فيه أيضاً عدم سقوط طواف الإفاضة عنها لقوله
- عليه الصلاة والسلام -: ((أحابستنا هي، فقيل: إنها فاضت» إلى
آخره.
التاسع: فيه أيضاً عدم وجوب الدم بترك طواف الوداع من
(١) الدارقطني (٤ /٢٨٣).
٣٧٦

الحائض لأمره - عليه الصلاة والسلام - لها لما ذكر إنها فاضت يوم
النحر بالنفر من غير ذكر دم ولا غيره، وهو قول كافة العلماء وحكى
القاضي عياض عن بعض السلف وجوب دم وهو شاذ مردود.
العاشر(١): أخذ القاضي عياض(٢) من حبسها لأجل الطواف
أن الكَرِيَّ يُحبس لها إذا لم تطف طواف الإفاضة كما قال مالك،
حتى تطهر أو تمضي أيامها بأقصى ما يمسك النساء الدم والاستطهار
على اختلاف قوله في هذا الأصل خلافاً للشافعي فإنه قال لا يُحبس
كَرِيَّ، ولتكر جملها، أو تحمل مكانها غيرها. واستدل أصحاب
الشافعي بقوله ويلي: ((لا ضرر ولا ضرار)) هذا كله في الأمن، ووجود
ذي المحرم. وأما مع الخوف أو عدم ذي المحرم، فلا يُحبس
باتفاق، إذ لا يمكن أن يسيرَ بها وحده، وتفسخ الكراء، ولا تُحبس
عليها الرفقة إلاَّ أن يبقى لطهرها كاليوم(٣). واليومين قاله مالك
- رحمه الله - .
وفي الحبس لأجل النفاس قولان له، ووجه المنع تكرر
الحيض بخلاف الحمل.
الحادي عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام(٤) -.
الثاني عشر: ((عقرى حلقى)) بفتح أولهما وإسكان ثانيها، معنى (العقرى)
(١) انظر: الاستذكار (٢٦٦/١٣).
(٢) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤١٧/٣).
(٣) انظر: المفهم (٤٢٨/٣).
(٤) هكذا في المخطوط. لعل ((الثاني عشر)) تكون زائدة.
٣٧٧

وأخرهما ألف تأنيث مقصور تكتب بالياء من غير تنوين، وهو رواية
المحدثين جميعهم، ونقله جماعة من أئمة اللغة وغيرهم وهو صحيح
فصيح، وبعضهم نونها لأنه يشعر أن الموضع موضع دعاء فأجراهما
مجرى سعياً ورعياً وجدعاً وما أشبه ذلك من المصادر التي يدعى
بها، وهو ظاهر فإن الموضع موضع دعاء كما قلناه حتى صوبه
أبو عبيد(١) قال: لأن معناها عقرها الله عقراً، ومن رواه مقصوراً رأى
أن ألف التأنيث فيها نعت لادعاء، وفي معنى عقرى أقوال:
أحدها: عقرها الله أي جرحها.
ثانيها : عقر يومها.
ثالثها: جعلها عاقراً لا تلد.
وفي معنى حلقي أيضاً أقوال: حلق شعرها.
معنى «حلقى.
ثانيها: أن يصيبها وجع في حلقها.
ثالثها: أن يحلق يومها لشؤمها.
رابعها: أنها كلمة تقولها اليهود للحائض. حكاه
[١٦ / ١/أ] القرطبي(٢) / وعلى كل قول فهي كلمة كان أصلها ما ذكرناه، ثم
اتسعت العرب فيها فصارت تطلقها، ولا تريد حقيقة ما وضعت
أولاً، ونظيره تربت يداه، وقاتله الله ما أشجعه وما أشعره وشبه
ذلك. وقد سلَّى - عليه الصلاة والسلام - عائشة بقوله: ((هذا شيء
(١) غريب الحديث (٩٤/٢).
(٢) المفهم (٣١٥/٣).
٣٧٨

كتبه الله على بنات آدم))، وفيه دلالة على ميله لها وحنوه عليها، قال
القرطبي: وكم بين من يؤنس ويسترضي، ومن يقال له عقرى
حلقى(١).
D
٩٠٠
(١) المفهم (٣٠٥/٣)، قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح
(٥٨٩/٣)، قلت: وليس فيه دليل على اتضاع قدر صفية عنده، لكن
اختلف الكلام باختلاف المقام، فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفاً على
ما فاتها من النسك فسلاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرجل من
أهله فأبدت المانع فناسب كلّ منهما ما خاطبها به في تلك الحالة. اهـ.
٣٧٩

الحديث التاسع
٥٠/٩/٢٦٧ - عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، قال:
أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلاَّ أنه خفف عن المرأة
الحائض(١).
الكلام علیه من وجوه:
الأول: الحديث حكمه حكم المرفوع على الصحيح عند
المحدثين والأصوليين كما بينته في باب الآذان(٢).
وجوب طواف
الوداع
الثاني: الحديث دال على وجوب طواف الوداع لظاهر الأمر،
وهو الصحيح من مذهب الشافعي وخالف في ذلك مالك وابن المنذر
ومجاهد في إحدى الروايتين عنه، ونقله القرطبي(٣) عن الجمهور
(١) البخاري في أطرافه (٣٢٩)، ومسلم (١٣٢٧)، وأبو داود (٢٠٠٢) في
المناسك، باب: الوداع، والنسائي في الكبرى (٤٦٦/٢)، وابن خزيمة
(٢٩٩٩، ٣٠٠٠)، وابن الجارود (٤٩٥)، والبيهقي (١٦١/٥)،
والدارمي (٧٢/٢)، والحميدي (٥٠٢)، وأحمد (٢٢٢/١)، وابن ماجه
(٣٠٧٠)، والأم (٢/ ١٨٠).
(٢) (٤٢٤/٢) من هذا الكتاب المبارك.
(٣) المفهم (٤٢٧/٣) ...
٣٨٠