Indexed OCR Text

Pages 221-240

ومنها: جريان حكمه في حق من [أخره] (١) قضاء رمضان،
حتی دخل رمضان ثان(٢).
ومنها: مناسبة إيجاب الإِطعام لجبر فوات الصوم، الذي هو
إمساك عن الطعام والشراب.
ومنها: شمول نفعه في المساكين.
وهذه الوجوه لا تقاوم ما دل عليه الحديث من البدأة بالعتق، حجة من قال
ثم بالصوم، ثم بالإطعام، فإن هذه البدأة إن لم تقتضٍ وجوب التخييم
الكفارة على
الترتيب فلا أقل من أن تقتضي استحبابه، وقد وافق بعض أصحاب
مالك على / استحباب الترتيب على ما جاء في الحديث، وبعضهم [١/١/١٦١]
قال: إن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات ففي وقت الشدائد یکون
بالإطعام [وبعضهم فرق بين الإفطار بالجماع، والإِفطار بغيره فجعل
الإفطار](٣) بغيره يكفر بالإطعام لا غير، وهذا أقرب / في مخالفة
(١) زيادة من ن ب د.
(٢) قال الصنعاني في الحاشية (٣٥٠/٣): قوله: ((حتى دخل رمضان ثان))،
أقول: وذلك لما أخرجه الدارقطني من طريق عمران بن موسى بن وجيه
- وهو ضعيف جدّاً - عن أبي هريرة - رضي الله عنه ـ مرفوعاً بلفظ:
(من لم يقض رمضان حتى دخل رمضان آخر صام الذي أدركه، ثم يقضي
ما عليه، ثم يطعم عن كل يوم مسكيناً) وفيه راو آخر ضعيف، إلاّ أنه راوه
من طريق أخرى موقوفاً وصححه. انظر: سنن الدارقطني (١٩٧/٢).
وصح عن ابن عباس وابن عمر من قولهما في الجمع بين الفدية والقضاء
خلاف، فابن عمر يقول: إنه لا يقضي، بناء على أن الكفارة بدل عن
القضاء، وقيل: إنه يقضي ويكفر للتراخي. اهـ.
(٣) في ن ب د ساقطة.
٢٢١

النص من الأول.
قلت: والحديث رواه مالك في ((موطئه))(١) من طريقين:
الأول: من حديث أبي هريرة أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره
رسول الله ﴿ أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام
ستين مسكيناً. فقال: لا أجد. ثم ذكر باقي الحديث، فهذه حجة
عليه، حيث لا يعرف غير الإِطعام. قال ابن حبان(٢) في صحيحه بعد
(١) الموطأ (٢٩٦/١)، ورواه عنه أحمد (٢٧٣/٢)، ومسلم (١١١١)،
والطحاوي (٦٠/٢). والسبب أن مالكاً يختار الإطعام، لأنه يشبه البدل
من الصيام، ألا ترى أن الحامل والمرضع والشيخ الكبير والمفرط في
رمضان حتى يدخل عليه رمضان آخر لا يؤمر واحد منهم بعتق ولا صيام
مع القضاء، وإنما يؤمر بالإِطعام، فالإِطعام له مدخل من الصيام ونظائر
من الأصول.
قال ابن عبد البر في الاستذكار (٩٥/١٠): لم يختلف رواة ((الموطأ)) عن
مالك في حديث ابن شهاب في هذا الباب أنه رواه بلفظ التخيير في
العتق، والصوم، والإِطعام ولم يذكر الفطر بأي شيء كان، بجماع
أو بأكل. وقال أيضاً (٩٦/١٠): وذهب مالك في الموطأ، إلى أن المفطر.
في رمضان بأكل أو شرب، أو جماع أن عليه الكفارة المذكورة في هذا
الحديث على ظاهره، لأنه ليس في روايته فطر مخصوص بشيء دون
شيء، فكل ما وقع عليه اسم فطرٍ متعمداً فالكفارة لازمة لفاعله على ظاهر
الحديث. وقال: والصحيح عن مالك ما في الموطأ أي عتق رقبة،
أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكيناً.
(٢) ابن حبان (٢٩٢/٨). قال المحقق: وكذلك رواه بلفظ التخيير فليح بن
سلمان، وعمرو بن عثمان المخزومي، ورواه جماعة من أصحاب الزهري =
٢٢٢
-

أن أخرج الحديث من هذا الوجه: لم يقل أحد في هذا الخبر عن
الزهري ((أو صوم شهرين أو إطعام ستين مسكيناً)) إلاّ مالك وابن
جريح.
الطريق الثاني(١): من حديث عطاء بن عبد الله الخراساني عن
على ترتيب كفارة الظهار: ((هل تستطيع أن تعتق رقبة؟)) قال: لا، قال:
=
((هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟)) قال: لا، قال: ((فهل تجد
إطعام ستين مسكيناً؟)) قال: لا. الحديث، وإليه ذهب أبو حنيفة
والشافعي وأحمد في طائفة، فقالوا: لا ينتقل عن العتق إلاَّ عند العجز
عنه، ولا عن الصوم كذلك، وقال مالك وجماعة: هي على التخيير فظاهر
حديث الباب، وقد رجح الجمهور رواية الترتيب لأنه رواها عن الزهري
تمام ثلاثين نفساً أو أزيد، كما قال الحافظ، ولأن راويها حكى لفظ القصة
على وجهها، فمعه زيادة علم في صورة الواقعة، وراوي التخيير حكى
لفظ راوي الحديث، فدل على أنه من تصرف بعض الرواة إما لقصد
الاختصار، أو لغير ذلك.
وذكر الإمام الطحاوي أن سبب إتيان بعض الرواة بالتخيير أن الزهري
راوي الحديث قال في آخر حديثه: فصارت الكفارة إلى عتق رقبة،
أو صيام شهرين متتابعين، أو الإِطعام، قال: فرواه بعضهم مختصراً،
مقتصراً على ما ذكر الزهري أنه آل إليه الأمر، قال: وقد قص
عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن الزهري القصة على وجهها، ثم ساقه
من طريقه إلى قول ((أطعمه أهلك)) قال: فصارت الكفارة إلى عتق رقبة
أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، قال الحافظ في الفتح
(١٦٨/٤)، وكذلك رواه الدارقطني في العلل. اهـ، من العلل
(٢٢٣/١٠)، وانظر: الاستذكار (٩٥/١٠، ١٠٠).
(١) الموطأ (٢٩٧/١)، ومسند أحمد (١٤٦/١١). قال أحمد شاكر: هو =
٢٢٣

سعيد بن المسيب مرسلاً، وفيه ذكر العتق ((ثم أهد بدنة)). وسيأتي
الكلام على هذه الرواية، نعم.
بإسنادين: أحدهما مرسل ضعيف، والآخر متصل صحيح. قال ابن حجر
=
في الفتح (١٦٧/٤): وجاء عن بعض المتقدمين إهداء البدنة عند تعذر
الرقبة، وربما أيده بعضهم بإلحاق إفساد الصيام بإفساد الحج، وورد ذكر
البدنة في مرسل سعيد بن المسيب عند مالك ((في الموطأ)) عن عطاء
الخرساني عنه، وهو مع إرساله قد رده سعيد بن المسيب وكذب من نقله.
عنه، كما روى سعيد بن منصور عن ابن علية عن خالد الحذاء عن
القاسم بن عاصم ((قلت لسعيد بن المسيب: ما حديث حدثناه عطاء:
الخرساني عنك في الذي وقع على امرأته في رمضان أنه يعتق رقبة
أو يهدي بدنة؟ فقال: كذب)) فذكر الحديث، وهكذا رواه الليث عن
عمرو بن الحارث عن أيوب، عن القاسم بن عاصم، وتابعه همام، عن
قتادة، عن سعيد، وذكر ابن عبد البر: أن عطاء لم ينفرد بذلك فقد ورد
من طريق مجاهد عن أبي هريرة موصولاً ثم ساقه بإسناده لکنه من رواية
ليث بن أبي سليم عن مجاهد، وليث ضعيف وقد اضطرب في روايته
سنداً ومتناً فلا حجة فيه. اهـ.
وقال أيضاً: الموطأ (٢٩٧/١): هكذا هذا الحديث عند جماعة رواة
الموطأ مرسلاً، وهو متصل بمعناه من وجوه صحاح إلاّ قوله ((أن تهدي
بدنه)) تفسير محفوظ .
أقول وبالله التوفيق: قد تابع عطاء داود عن سعيد بن المسيب كما في
العلل للدارقطني (٢٤٥/١٠) وساقه أيضاً مسنداً من حديث أبي هريرة.
(٢٤٧/١٠).
أما رواية عمر بن شعيب عن أبيه عن جده فقد سألت عنها الشيخ
عبد العزيز بن باز فقال: شاذة.
٢٢٤

[قد](١) يستدل له برواية الصحيحين من حديث عائشة (٢): أنه
- عليه الصلاة والسلام - قال له: ((تصدق)) فتصدق ولم يذكر فيه
غير ذلك، ويجاب بأنها رواية مختصرة.
أما ترتيب هذه الخصال والتخيير فيها فقد اختلف فيه مالك
والشافعي.
فقال مالك في المشهور من(٣) مذهبه: هي على التخيير.
وقال الشافعي(٤)، هي على الترتيب، وبه قال أصحاب مالك:
واستدل على الترتيب في الوجوب بالترتيب في السؤال، وقوله أولاً:
((هل تجد رقبة تعتقها؟)) ثم رتب الصوم بعد العتق ثم الإطعام بعده
(١) زيادة من ن ب د.
(٢) مسلم (١١١٢)، والبخاري (١٩٣٥) (٦٨٢٢) تعليقاً، وأبو داود (٢٣٩٤)
في الصوم، باب: كفارة من أتى أهله في رمضان، والنسائي في الكبرى
(٢١٠/٢)، والبخاري في التاريخ الصغير (٢٨٩/١)، وابن خزيمة
(١٩٤٦)، وأحمد (٢٧٦/٦)، وابن حبان (٣٥٢٨)، والبيهقي (٢٢٣/٤،
٢٢٤)، والدارمي (١١/٢)، والطحاوي (٥٩/٢، ٦٠). انظر: فتح
الباري (١٦٢/٤).
قال البيهقي في معرفة السنن والآثار (٢٦٧/٦): وقد روت عائشة زوج
النبي * هذه القصة ذكرت في حديثها أن فطره كان بوطئه امرأته في
رمضان نهاراً، ثم إن بعض الرواة حفظ فيها التصدق فقط، وبعضهم حفظ
العتق، ثم إطعام ستين مسكيناً، ولم يحفظ الصيام، وقد حفظ في حديث
أبي هريرة فهو أولى. اهـ.
(٣) انظر: الاستذكار (٩٥/١٠).
(٤) انظر: الاستذكار (٩٨/١٠)، ومعرفة السنن (٢٦٦/٦).
٢٢٥

[وعطف الجمل بالفاء المرتبة المعقبة] (١).
ونازع القاضي عياض في ظهور دلالة الترتيب في السؤال على
ذلك، وقال: مثل هذا قد يستعمل في التخيير (٢) أي كما في حديث
كعب بن عجرة. وقوله - عليه الصلاة والسلام - له: ((أتجد شاة؟
قال: لا. قال: / فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين))(٣)، ولا
ترتيب بين الشاة والصوم والإِطعام، والتخيير في الفدية ثابت بنص
القرآن قال: فيدل في الأولوية مع التخيير وهو غير مسلم. فإن ذكر
هذه الأشياء الثلاث مرتبة في معرض البيان والسؤال بمنزلة الشرط
للحكم، ومقتضى ذلك الترتيب لا التخيير. ورواية مسلم(٤): ((أنه
- عليه الصلاة والسلام - أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة
أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً)) ((فأو)) هنا
[للتقسيم](٥) لا للتخيير، تقديره يعتق أو يصوم إن عجز عن العنق
(١/١٦١/ب] أو / يطعم إن عجز عنهما، ويبينه باقي الروايات ودعوى القرطبي
(١) زيادة من ن ب د.
(٢) انظر: فتح الباري (١٦٧/٤)، وتقريره على هذه المسألة.
(٣) البخاري أطرافه (١٨١٤)، ومسلم (١٢٠١)، وابن ماجه (٣٠٨٩)،
والطيالسي (١٠٦٢)، والبيهقي (٥٥/٥)، والترمذي (٢٩٧٣)، وابن
حبان (٣٩٨٥)، والطبري في التفسير (٣٣٣٨) وما بعده، وأحمد
(٤/ ٢٤٢، ٢٤٣).
(٤) مسلم (١١١٢): (٨٤). انظر كلام ابن القيم - رحمنا الله وإياه - في
تهذيب السنن (٣/ ٢٧٢).
(٥) في ن ب د (للتفسير).
٢٢٦

أن هذه قضية أخرى بعيدة ثم [حمله](١) ((أو)) على التخيير: ليس
بجید لما قدمناه.
الثالث عشر: قوله: ((هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا)) في إعتاق الرقبة
الكافرة في
الكفارة،
وخلاف أهل
العلم في ذلك
أبي داود (٢) في قصة سلمة البياضي أنه قال: ((والذي بعثك بالحق
ما أملك رقبة غيرها. وضرب صفحة عنقه)) يستدل به على جواز
إعتاق الرقبة الكافرة، في الكفارة، وهو قول أبي حنيفة / وغيره.
وقال الشافعي: لا يجوز إلَّ رقبة مؤمنة، حملاً للمطلق على
المقيد في كفارة القتل. وأبو حنيفة: يحمل المقيد على المطلق،
وهذا مبني على أن السبب إذا اختلف واتحد الحكم، هل يقيد
المطلق أم لا؟ وإذا قيد، فهل هو بالقياس أم لا؟ والمسألة مشهورة
في أصول الفقه.
قال الشيخ تقي الدين: والأقرب أنه إن قيد فبالقياس(٣).
قلت: ويقوي مذهب الشافعي بقوله - عليه الصلاة والسلام -
في حديث السوداء: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) (٤).
(١) في ن ب د ساقطة.
(٢) أبو داود (٢١٢٦) في الطلاق، باب: في الظهار.
(٣) حاشية الصنعاني (٣٥٣/٣)، وفتح الباري (١٦٥/٤). وقوله:
(فبالقياس))، أي على اشتراط الإِيمان كما في كفارة القتل.
(٤) من حديث الشريدبن سويد، أحمد (٢٢٢/٤، ٣٨٨)، والنسائي
(٢٥٢/٦)، والبيهقي (٣٨٨/٧، ٣٨٩)، والطبراني (٧٢٥٧)، وإسناده
حسن وهو غير حديث معاوية بن الحكم، فإنه أخرجه مسلم (٥٣٧)
وغيره .
٢٢٧

فائدة: شرط الرقبة [أيضاً](١) أن تكون سليمة من العيوب،
خلافاً لداود، وضابط العيب في الكفارة ما أضر بالعمل إضراراً بيناً
وبيان ذلك محله كتب الفروع.
هل يجب على
المرأة كفارة؟
الرابع عشر: فيه أيضاً دلالة على أنه لا يجب في الجماع على
الرجل والمرأة إلَّ كفارة واحدة، إذ لم يذكر له ما على المرأة وهو
الأصح عند الشافعي(٢) ومذهب داود وأهل الظاهر.
وذهب مالك(٣) وأبو ثور وأصحاب الرأي(٤) وأحمد في أصح
الروايتين والشافعي في أحد قوليه: إلى وجوبها على المرأة إن
طاوعته / .
(١) زيادة من ن ب.
(٢). قال ابن عبد البر في الاستذكار (١٠٩/١٠): قال الشافعي: الصيام والعتق
والإطعام سواء، ليس عليهما إلاَّ كفارة واحدة، وسواء طاوعته أو أكرهها،
لأن النبي ◌َّه إنما أجاب السائل بكفارة واحدة ولم يسأله طاوعته امرأته
أو أكرهها، ولو كان الحكم مختلفاً لما ترك النبي * تبيين ذلك. وهو
قول داود وأهل الظاهر. اهـ.
(٣) انظر: الاستذكار (١٠٨/١٠)، وقال: إذا طاوعته فعلى كل واحد منهما
كفارة. وإذا أكرهها فعليه كفارتان عنه وعنها، وكذلك إذا وطئء أمته كفر
کفارتین. اهـ.
(٤) قال ابن عبد البر في الاستذكار (١١٠/١٠): قال أبو حنيفة وأصحابه: إن
طاوعته فعلى كل واحد منهما كفارة وإن أكرهها فعليه كفارة واحدة ولا
شيء عليها ومن حجة من رأى الكفارة لازمة عليها إن طاوعته القياس
على قضاء ذلك اليوم، فوجب عليها قضاء ذلك اليوم وجبت عليها
الكفارة. اهـ.
٢٢٨

ويتأولون هذا الحديث: على أن المرأة لعلها كانت مكرهة
أو ناسية لصومها أو ممن يباح لها الفطر ذلك اليوم لعذر السفر
أو المرض أو الطهر عن الحيض.
وسوّى الأوزاعي(١): بين المكرهة والطائعة على مذهبه.
وقال مالك في مشهور مذهبه في المكرهة: إنّ مكرهها يكفِّر
عنها بغير الصوم، لأنه هتك صومين بالنسبة إليها وإليه [فكأنه](٢)
هتك يومين.
وقال سحنون: لا شيء عليه لها ولا عليها. وبهذا قال أبو
ثور، وابن المنذر.
وقال الفاكهي: ولم يختلف مذهب مالك في قضاء المكرهة
والنائمة، إلَّ ما ذكر ابن القصار عن القاضي إسماعيل عن مالك أنه
لا غسل على الموطوءة نائمة، ولا مكرهة، ولا شيء عليها [إلاَّ] (٣)
إن تلتذ.
قال ابن القصار: فتبين من هذا أنها غير مفطرة، فظاهره أنه
لا قضاء على المكرهة إلاَّ أن تلتذ، ولا على النائمة لأنها
كالمحتلمة، وهو قول أبي ثور في النائمة والمكرهة.
(١) قال ابن عبد البر في الاستذكار (١٠٩/١٠): وقال الأوزاعي: سواء
طاوعته امرأته أو أكرهها فليس عليه إلَّ كفارة واحدة إن كفَّر بالعتق
أو الإِطعام، فإن كفَّر بالصيام فعلى كل واحد منهما صيام شهرين
متتابعين. اهـ.
(٢) زيادة من ن ب د.
(٣) زيادة من ن ب.
٢٢٩

واختلف في وجوب الكفارة على [المكرهة] (١) على الوطءِ
لغيره على هذا.
وحكى ابن القصار عن أبي حنيفة: أنه لا يلزم المكرَه كفارة
عن نفسِهِ ولا من أکره.
معنى :
((الاستطاعة))
[١٦٢ /١/ أ]
الخامس عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام - : ((فهل
تستطيع / أن تصوم شهرين متتابعين)) معنى: تستطيع تقدر وتطيق
وتقوى. يقال: استطاع يستطيع، واستناع يستتبع، واسطاع
[يسطيع] (٢). وقد ضمنوا حروف المضارعة من هذا الأخير، وإن كان
زائداً على أربعة أحرف، ومثله: إهراق یھریق.
واعتذر عنهما سيبويه: بأن السين في استطاع والهاء في إهراق
زائدتان للعوض.
واعترض عليه: بأنه لم يحذف منهما شيء فيحتاجا إلى
عوض .
وأجاب السيرافي: عن ذلك بأن قال: العوض إنما هو من نقل
الحركة، إذ الأصل في اسطاع أطوع، وفي إهراق أروق. فلما نقلت
فتحة الواو إلى ما قبلها في الموضعين قلبت ألفاً لتحركها في الأصل
وانفتاح ما قبلها الآن فكانت الزيادة عوضاً من ذلك(٣).
(١) في ن د (المكره).
(٢) في ن ب د (يستطيع).
(٣) انظر: التفصيل في هذه المسألة مبسوطاً في فتح الباري (١٦٩/٤،
١٧٠)، والفتح الرباني (٩٦/١٠)، وحاشية الصنعاني (٣٦١/٣).
٢٣٠

السادس عشر: التتابع التوالي وهو حجة للجمهور على ابن اشتراط التابع
في الصيام
أبي ليلى إذ لم يشترطه(١).
السابع عشر: فيه الانتقال من الصوم إلى الإطعام عند عدم إذا لم يستطع
الصيام انقل
إلى الإطعام
استطاعته وفي بعض الروايات في قصة سلمة في الظهار ((وهل أصبت
الذي / أصبت إلاَّ من الصيام)) ومقتضاها عدم استطاعته لشدة الشبق،
وعدم الصبر في الصوم عن الوقاع، فنشأ لأصحابنا - رحمهم الله -
في أن هذا هل يكون عذراً مرخصاً في الانتقال إلى الإطعام في حق
من هو كذلك - أعني شديد الشبق - فقال به بعضهم(٢): كذا قال
الشيخ تقي الدين؟
قلت: بل هو الأصح عندهم.
(١) قال في الفتح الرباني (٩٨/١٠): وفي أحاديث الباب دلالة على اشتراط
التتابع في صيام كفارة رمضان، وإليه ذهب كافة العلماء إلَّ ابن أبي ليلى
فقد ذهب إلى جواز تفريقه مستدلاً بحديث أبي هريرة الثاني من أحاديث
الباب لأنه لم يذكر فيه تتابعاً، وحجة الجمهور حديث أبي هريرة الأول
من أحاديث الباب، وهو مقيد بالتتابع فيحمل المطلق عليه، واشترط
الجمهور أن لا يكون في الشهرين شهر رمضان، وأن لا يكون فيهما أيام
منهي عن صومهما كيومي الفطر والأضحى وأيام التشريق.
(٢) قال الصنعاني في الحاشية مع إحكام الأحكام (٣٥٤/٣): على قوله:
(وقال بذلك بعضهم)، قال النووي في المنهاج: والأصح أن العدول عن
الصوم إلى الإطعام لشدة العلة وهي الحاجة إلى النكاح، لأن حرارة
الصوم، مع شدة العلة قد تقضيان به إلى الوقاع ولو في واحدة من
الشهرين وذلك حرج، والقول الثاني لا، لأنه قادر فلم يجز له العدول عنه
كصيام رمضان. اهـ. وانظر: فتح الباري (١٦٦/٤).
٢٣١

استیعاب ستین
مسكيناً في
الإطعام
الثامن عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فهل تجد
إطعام ستين مسكيناً)) هو صريح في الدلالة على استيعاب هذا العدد،
وبه قال عامة الفقهاء(١)، خلافاً لما روي عن الحسن: أنه يطعم
أربعين مسكيناً عشرين صاعاً. وصريح أيضاً في الرد على من قال:
يطعم عشرين مسكيناً ثلاثة أيام. وصريح أيضاً في الرد على
أبي حنيفة حيث جوز إطعام ذلك لمسكين واحد، كما نقله القرطبي
عنه حجة الجمهور من وجھین .
أحدهما: أنه أضاف ((الإِطعام)) الذي هو مصدر ((أطعم)) إلى
ستين، ولا يكون ذلك موجوداً في حق من أطعم عشرين مسكيناً ثلاثة
أیام.
الثاني: أن القول بإجزاء ذلك عمل بعلة مستنبطة تعود على
ظاهر النص بالبطلان. وقد علم ما في ذلك في الأصول (٢).
مقدار الإطعام
التاسع عشر: جمهور المشترطين ستين. قالوا: لكل مسكين مد،
وهو ربع صاع. وقال أبو حنيفة(٣) والثوري: لكل مسكين نصف صاع.
العشرون: قوله: «فمکٹ» هو بفتح الکاف وضمها، كما تقدم
واضحاً في الحديث / الثامن من باب صلاة النبي ◌َّ، وجاء في
الصحيح أنه - عليه الصلاة والسلام - قال الأعرابي: ((اجلس))
وسببه انتظار الوحي فيه، أو ليجتهد في خلاصه مما وقع فيه.
(١) انظر: الاستذكار (١٠٥/١٠).
-
(٢) انظر: الحاشية (٣٥٥/٣)، والفتح (١٦٦/٤).
(٣) انظر: الاستذكار (١٠٥/١٠).
٢٣٢

الحادي والعشرون: ((العَرَق)) بفتح العين والراء على المشهور معنى:
في الرواية واللغة، وحكاه القاضي عياض(١) عن الجمهور.
((العرق)
ومقداره
وروي بإسكان الراء والصواب: الأول.
فإن العَرْق(٢): بإسكان الراء العظم الذي [فيه] (٣) اللحم /
والفَرَق : - بتحريك الفاء وتحريك الراء وإسكانها - ستة عشر
رطلاً.
وقد فسر العرق؛ بالمكتل بكسر الميم وفتح المثناة فوق وهو
من الخوص، وفُشِّر مرة أخرى: بأنه المكتل الضخم.
ويقال: للعرق: أيضاً الزبيل بفتح الزاي من غير نون /
كالرغيف والزنبيل بكسر الزاي وزيادة نون كالقنديل، كذا في ((شرح
مسلم»(٤) للنووي.
وقال القرطبي: هو الزنبيل بكسر الزاي على رواية الطبري
ويفتح الزاي لغيره، وهما صحيحان، وسمي بذلك لأنه تحمل فيه
الزبل، ذكره ابن دريد(٥).
وسمي عرقاً: لأنه جمع عَرَقَةً وهي الضفيرة من الخوص ومن
سماه عرق فلأنه منها .
(١) انظر: مشارق الأنوار (٧٦/٢).
(٢) انظر: مشارق الأنوار (٧٦/٢).
(٣) في ن ب د (عليه).
(٤) انظر: شرح مسلم (٢٢٥/٧).
(٥) انظر: شرح مسلم (٢٢٥/٧).
٢٣٣

ويجمع أيضاً: على عرقات.
ومن أسمائه أيضاً: القفة، - والسفيفه - بفتح السين المهملة
وبالفائين.
والعَرَق: عند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعاً، وذلك ستون
مدًّا لكل مسكين مد، لأن الصاع أربعة أمداد، وإذا ضربناها في
خمسة عشر [كانت ستين وجاء في رواية لأبي داود («فأُتي بعرق فيه
عشرون](١) صاعاً)) قال البيهقي وروايته الأخرى: ((أنه أُتي بعرق فيه
تمر قدر خمسة [عشر](٢) صاعاً)) أصح وفي رواية لمسلم ((فجاء،
عرقان فيهما طعام فأمره أن يتصدق به))، ويجاب عنها بأن العرق قد
يُصغر وقد يكبّر، وبذلك يجمع بين الروايات(٣).
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) زيادة من ن ب د.
(٣) قال الحافظ في الفتح (١٦٩/٤): لم يعين في هذه الرواية مقدار المكتل
من التمر بل ولا في شيء من طريق الصحيحين في حديث أبي هريرة
- ثم ساق الروايات - ثم قال: ويجمع بين الروايات، فمن قال إنه كان
عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال خمسة عشراً أراد قدر ما تقع به
الكفارة، ويبين ذلك حديث علي عند الدارقطني: ((تطعم ستين مسكيناً
لكل مسكين مد)) وفيه: ((فأتي بخمسة عشر صاعاً فقال: أطعمه ستين
مسكيناً)) - وقال قبله بأسطر - ووقع في بعض طرق حديث عائشة عند
مسلم: ((فجاءه عرفان فيهما طعام)). اهـ. والمشهور في غيرها عرق
ورجحه البيهقي، وجمع غيره بينهما بتعدد الواقعة، وهو جمع لا نرضاه
لاتحاد مخرج الحديث والأصل عدم التعدد، والذي يظهر أن التمر كان
قدر عرق، لكنه كان في عرقين في حال التحميل على الدابة ليكون أسهل =
٢٣٤

الثاني والعشرون: ((اللابتان)) الجرتان. والمدينة بين معنى:
[الحرتين](١): شرقية وغربية.
((اللابتين)
قال ابن حبيب: ولها حرتان آخرتان: حرة بالقبلة وحرة
بالجرف ويرجع كلتاهما إلى الشرقية والغربية لاتصالهما بهما.
والحرة: أرض تركبها حجارة سود، كما سبق من كلام
المصنف .
وعبارة الشيخ تقي الدين(٢): الحرة: حجارة سود.
وعبارة النووي(٣): الحرة: الأرض الملبسة حجارة سود - زاد
غيره: إذا كانت بين جبلين - .
ويقال: لابه ولوبة ونوبة بالنون، حكاهن أبو عبيد
والجوهري(٤) وخلائق.
ومنه قيل: للأسود لوبى ونوبى باللام والنون / وقالوا:
وجمع اللابة لوب ولاب [ولابات وهي غير مهموزة](٥).
في الحمل، فيحتمل أن الآتي به لما وصل أفرغ أحدهما في الآخر، فمن
=
قال: عرقان أراد ابتداء الحال، ومن قال: عرق أراد ما آل إليه
الأمر. اهـ.
(١) في ن ب د (حرتين).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٣٥٧/٣).
(٣) انظر: شرح مسلم (٢٢٦/٧).
(٤) مختار الصحاح (٢٥٤).
(٥) في ن ب ساقطة، وموجودة في شرح مسلم.
٢٣٥

الثالث والعشرون: قوله: ((على أفقر مني)) أي ومن يتصدق
معنى: اعلى
أنقر مني؟
عليه أفقر مني هكذا وقع في نسخ هذا الكتاب وهو رواية البخاري
[١/١٦٣/أ] وفي إحدى روايتي مسلم / ((على أفقر منا)) كما ذكره القرطبي قال:
وهو محذوف همزة الاستفهام تقديره: أعلى أفقر منا. والمجرور
متعلق بمحذوف تقديره: أنتصدق به على أحد أفقر منا. والرواية
الأخرى: ((أفقر منا)) بحذف ((على)) والرواية فيه / حينئذٍ بالنصب على
إضمار الفعل تقديره: ((أتجد أفقر منا)) وقد يجوز رفعه على خبر
المبتدأ أي «أحداً أفقر منا)) ورواية مالك: «ما أجد أحداً [أفقر] (١)
مني)).
الرابع والعشرون: قوله: ((أهل بيت أفقر من أهل بيتي))
مرفوع / لأهل بيت.
سبب ضحك
النبي ﴾
الخامس والعشرون: قوله: «فضحك النبي ◌َّ حتى بدت
أنيابه)) سبب ضحكه - عليه الصلاة والسلام - يحتمل التعجب من
حال السائل وتباينه حيث كان أولاً محترقاً هالكاً متلهفاً حاكماً على
نفسه بذلك، ثم انتقل إلى طلب الطعام لنفسه وعياله.
ويحتمل أنه من رحمته - عليه الصلاة والسلام - به وشفقته
عليه وإطعامه هذا الطعام بعد أن أمره بإخراجه وإحلاله.
السادس والعشرون: ((الأنياب))(٢) جمع ناب، وهي الأسنان
الملاصقة للثنايا، وهي أربعة أنياب، وأربعة ضواحك، واثني عشر
معنى:
(الأنباب))
(١) في ن ب د (أحوج)، هكذا هنا، والذي في الموطأ (ما أحد أحوج مني) ..
(٢) انظر: المخصص (١٤٦/١).
٢٣٦

[رحا](١) ثلاثة في كل شق، وأربعة نواجذ، وهي أقصاها، ويلي
الثنايا أربع رباعيات، فذلك اثنان وثلاثون، قاله أبو زيد فيما نقله ابن
قتيبة عنه .
وقال الأصمعي: مثله إلاّ أنه قال: الأَزْحا ثمانية فينقص أربعة.
وجاء في رواية: ((حتى بدت نواجذه)) وهي الأنياب هنا جمعاً
بين الروايتين، وجاء في حديث آخر في قصة أخرى: ((فضحك
النبي بلټ حتى بدت نواجذه).
وأجاب بعضهم: أنه حيث ضحك [متبسماً](٢) إنما كان
الأمر يتعلق بالدنيا وحيث ضحك حتى بدت نواجذه إنما كان الأمر
يتعلق بالآخرة، ويعكر على هذا رواية: ((حتى بدت نواجذه))
هنا.
السابع والعشرون: فيه جواز الضحك وهو [غير] (٣) التبسم، جواز الضحك
كما جاء من أنه - عليه الصلاة والسلام - كان ضحكه تبسماً، فيجوز
أن يكون الغالب من ضحكه، لا كله. وأما قوله - تعالى - :
﴿فَنَبَتَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا﴾(٤) فضاحكاً حال مقدرة أي تبسم بقدر
الضحك، لأن الضحك يستغرق التبسم.
قال الفاكهي: هذا هو الصحيح عندي وقد جعله ابن
(١) في ن د (رحي).
(٢) في ن ب د (تبسما).
(٣) زيادة من ن ب د.
(٤) سورة النمل: آية ١٩.
٢٣٧

عصفور (١): حالة مؤكدة، وهو بعيد أو وهم. فقد علمت بذلك أن
التبسم غير الضحك، ويقال منه: ضحِكَ يضحّك ضَحْكاً (٢)
[١/١٦٣/ب] وضِحِكاً(٣) [وضِحِكاً](٤) لغات / والضَّحْكَةُ المرة الواحدة(٥).
الثامن والعشرون: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((اذهب
فأطعمه أهلك)) فيه أقوال(٦).
أحدها: أن هذا خاص بهذا الرجل وحده، قاله الزهري(٧)
يعني أنه يجزيه أن يأكل من صدقة نفسِهِ لسقوط الكفارة عنه، فسوغها
له النبي * وقد روي: ((كله وأطعمه أهلك)) /.
(١) ابن عصفور هو علي بن مؤمن بن محمد بن علي أبو الحسن ولد سنة سبع
وتسعين وخمسمائة وتوفي سنة تسع وستين وستمائة. انظر: فوات
الوفيات (١٨٥/٢)، والأعلام (١٧٩/٥).
(٢) بوزن (فَهْمِ).
(٣) بوزن (عِلْم) من مختار الصحاح (١٦١).
(٤) في ن ب ساقطة.
(٥) قال أبو منصور الجبان في شرح الفصيح (٢١١): واصل الضَّحِكِ:
التفتح، ولهذا يقال: للطّلْع المتفتح: ضَحْكَ وكذلك تفتح الشجر
والنبَات: ضَحْكَ ولهذا قال الشاعر:
تضحك الأرض من بكاء السماء.
كلّ يومٍ بأقحوانٍ جديدٍ
(٦) انظر كلام ابن عبد البر في الاستذكار (١٠٦/١٠): نقلاً عن الشافعي في
معناها .
(٧) رواه عبد الرزاق في المصنف (١٩٤/٤)، والاستذكار (١٠٥/١٠)،
وانظر: تخريج رواية أبي داود، والبغوي في شرح السنة (٢٨٧/٦). قال
الحافظ: وإلى هذا نحا إمام الحرمين، ورد بأن الأصل عدم الخصوصية.
انظر: الفتح (١٧١/٤).
٢٣٨

ثانيها: أنه منسوخ وهما ضعيفان(١).
ثالثها: يحتمل أنه أعطاه إياه لكفارته، وأنه يجزيه عن من
لا تلزمه نفقته من أهله.
رابعها: أنه لما كان عاجزاً عن نفقة أهله جاز له إعطاء الكفارة
عن نفسه لهم وقد جوز ذلك بعض أصحابنا حكاه الشيخ /
تقي الدين.
خامسها: لما ملكها، وهو محتاج جاز له أكلها هو وأهله
لحاجتهم.
قال بعضهم: ولأن في أكله منها إذا كان محتاجاً. إجبار معه،
فجاز له، وفيه نظر.
سادسها: وهو أقربها، كما قال الشيخ تقي الدين: أنه أطعمه
لفقره، وأبقى الكفارة عليه متى أيسر. وهذا هو الصحيح عندنا. وهو
مذهب مالك.
وذهب الأوزاعي(٢) [وأحمد(٣)] (٤) إلى أن حكم من لم يجد
الكفارة ممن(٥) لزمته من سائر الناس سقوطها عنه مثل هذا الرجل
وهو قول عندنا كزكاة الفطر.
(١) انظر: له ولما قبله شرح السنة للبغوي (٢٨٧/٦).
(٢) انظر: الاستذكار (١٠٦/١٠).
(٣) المرجع السابق.
(٤) في ن ب ساقطة.
(٥) في الأصل (لم)، وفي ن ب د غير موجودة.
٢٣٩

ووجه عدم السقوط القياس على سائر الديون والحقوق
والمؤاخذات كجزاء الصيد وغيره، وليس في الحديث سقوطها بل
قوله - عليه الصلاة والسلام - لما أتى بالعرق له: ((خذ هذا فتصدق
به" دليل على بقائها، وإنما أذن له في صرفه لعياله لحاجته كما
سيأتي(١)، فإن الكفارة تجب على التراخي لا على الفور، كما سلف
(١) قال ابن العربي - رحمنا الله وإياه - في القيس (٥٠٠/٢): ((وهم
وتنبيه)»: لما قال النبي ◌َّ﴾ للأعرابي ((كُلْهُ)) ظنَّت طائفة أن الكفارة ساقطة
عنه، وقالوا بأن ذلك مخصوص به - تقدم في القول الأول وتخريجه -
ولم يتنبهوا لفقه عظيم، وهو أن هذا رجل ازدحمت عليه جهة الحاجة
وجهة الكفارة فقدم الأهم، وهو الاقتيات، وبقيت الكفارة في ذمته إلى:
حين القدرة، حسب ما أوجبها عليه رسول الله وَيَّقة، قال علماؤنا: ولم
یذکر القضاء لعلمه به. اهـ.
وهذا اختيار ابن دقيق العيد، كما نقله عنه ابن حجر في الفتح (١٧٢/٤)،
والبغوي في شرح السنَّة (٢٨٧/٦).
قال ابن القاسم - رحمنا الله وإياه - في حاشية الروض (٤٢٠/٣): قال:
ابن الوزير: أجمعوا على أنه إذا عجز عن كفارة الوطء، حين الوجوب
سقطت، إلا الشافعي، في أحد قوليه. اهـ. وانظر: الفتح الرباني
(٩٩/١٠).
قال ابن عبد البر في الاستذكار (١٠٧/١٠): إن احتج محتج في إسقاط
الكفارة عن المعسر بأن رسول الله وسلم قال له: ((كله أنت وعيالك)) ولم
يقل له: تؤديها إذا أيسرت، ولو كانت واجبة عليه لم تسقط عنه حتى يبين
ذلك له قيل له: ولا قال له رسول الله وَل *: إنها ساقطة عنك لعسرتك بعد
أن أخبره بوجوبها عليه، وكل ما وجب أداؤه في اليسار لزم الذمة إلى
الميسرة، والله أعلم. نقله في تلخيص الحبير (٢٠٨/٢). انظر: التحقيق =
٢٤٠
. .