Indexed OCR Text
Pages 321-340
على يمينه على شماله(١). ولا ينكسه. وحكاه القرطبي(٢) عن الجمهور. وقال الشافعي في الجديد: ينكسه فيجعل ما يلي رأسه (٣) أسفل(٣). وسبب هذا الاختلاف اختلافهم في مفهوم رواية الإِمام أحمد من ((حوّل)) و ((قلب)» هل هما بمعنى. أو بينهما فرقان. ولا خلاف في تحويل الإِمام وهو قائم. [والذين قالوا بتحويل الناس قالوا: يفعلونه وهم جلوس. (١) وهذا ما عليه جمهور الفقهاء من تحويل ما على اليمين منه على اليسار مستدلين بما جاء في حديث عبد الله بن زيد عن النبي وَار: ((أنه خرج إلى المصلى يستسقي فاستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين) زاد المسعودي: ((قلت لأبي بكر أجعل الشمال على اليمين أم جعل أعلاه أسفله؟ قال: بل جعل الشمال على اليمين واليمين على الشمال)). أخرجه مالك (١٩٠/١)، والبخاري (١٠٠٥)، ومسلم (٨٩٤)، وابن ماجه (١٢٦٧)، وأحمد (٣٩/٤، ٤١). وهذا يذهب إليه الإمام أحمد وأبو ثور وابن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي وابن راهوية والشافعي في القديم. (٢) المفهم (١٥٠٣/٣). (٣) انظر: الأم (٢٥١/١) للاطلاع على القولين ودليله في جعل أسفل الرداء أعلاه ما روى عن عبد الله بن زيد قال: استقى رسول الله وَله وعليه خميصة له سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه)). أخرجه أحمد في المسند (٤٠/٤، ٤١)، وأبو داود (١١٦٤)، وصححه ابن خزيمة (١٤١٥). وعند ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٤٢٢). ٣٢١ وكذلك نص الشافعي في مختصر البويطي على أن الإِمام يدعو وهو قائم، وأن الناس لا يقومون بل يكونون جلوساً] (١). : والذين قالوا بعدم التحويل: استدل لهم بأن التحويل إنما فعله - عليه الصلاة والسلام - ليكون أثبت على عاتقه عند رفع اليدين في الدعاء، أو عرف بطريق الوحي تغير الحال عند تغير ردائه وهو بعيد. فإن الأصل عدم نزول الوحي بتغيير الحال عند تحويل الرداء، وفعله - عليه الصلاة والسلام - التحويل لمعنى مناسب أولى من حمله على مجرد ثبوت الرداء على عاتقه أو غيره، واتباع الرسول في فعله أولى[(٢)] من تركه لمجرد احتمال الخصوص مع ما عرف / في الشرع من محبته التفاؤل(٣). : وقد روى الدارقطني(٤) / من حديث حفص بن غياث عن (١) في ن ب ساقطة. (٢) في ن ب زيادة (من حمله). : (٣) لحديث أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله پێ: ((لا عدوی ولا طيرة ويعجبني الفأل)» قالوا: وما الفأل؟ قال: ((الكلمة الطيبة)). البخاري (٥٧٥٦)، ومسلم (٢٢٢٤)؛ ومن رواية أبي هريرة عند البخاري (٥٧٥٥)، ومسلم (٢٢٢٣)، ومن رواية عقبة بن عامر عند أبي داود (٣٧١٩)، والبيهقي (١٣٩/٨)، ومن رواية بريدة عند أحمد (٣٤٧/٥، ٣٤٨)، وأبو داود (٣٩٢٠)، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٢١٥/١٠). (٤) الدار قطني (٦٦/٢)، والبيهقي في السنن (٣٥١/٣)، والحاكم (٣٢٦/١). قال الذهبي: غريب عجيب صحيح. ٣٢٢ جعفر بن محمد، عن أبيه أن رسول الله صل# استسقى وحوّل رداءه ليتحول القحط)). فرع: اختلف العلماء في وقت التحويل، فقيل: بين / [١/١/١٠٠] الخطبتين. وقيل: في أثناء الثانية. وقيل: بعد انقضائهما. وكل ذلك واقع في مذهب مالك. وفي بعض الأحاديث أنه كان يحوّل إزاره إذا استقبل القبلة (١). وروي عن مالك أنه يحول قبل الاستقبال. وروى عنه بعده . فائدة: ذكر أهل الآثار أن رداءه - عليه الصلاة والسلام -، كان طوله أربعة أذرع وشبر. في عرض ذراعين وشبر. وكان يلبسه في العيدين والجمعة ثم يطويان(٢). السادس: فيه تقديم الدعاء على الصلاة عملاً. بقوله: ((ثم صلى ركعتين)). وإن كانت ((ثم)) استعملت لغير الترتيب في عطف الجمل بعضها على بعض. وإن كان ما بعدها متقدماً على المذكور في قوله - تعالى -: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ... ﴾(٣) الآية إلى قوله: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ ... ) الآية. وقد قال بتقديم (١) وانظر التعليق (٤) ص (٣١٨)، ولفظه: ((فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة)». (٢) أخلاق النبي ◌َليزر (٩٨، ٩٩). قال ابن حجر في الفتح (٤٩٨/٢): ذكر الواقدي: أن طول ردائه ® كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبرين، ووقع في شرح الأحكام لابن بزيزة ذرع الرداء كالذي ذكره الواقدي في ذرع الإزار، والأول أولى. (٣) سورة الأنعام: آيتان ١٥٣، ١٥٤. ٣٢٣ الخطبة فيها على الصلاة الليث ومالك(١). لكن مالكاً (٢) رجع عنه. وقال: بتقديم الصلاة على الخطبة. وهو مذهب الشافعي(٣) وجمهور العلماء. والأحاديث بعضها يقتضي بتقديم الصلاة على الخطبة. وبعضها يقتضي عكسه. واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة - رضي الله عنهم -. وصرح المتولي وغيره من أصحابنا بجواز ذلك. ونقله الشيخ أبو حامد عن الأصحاب بل أشار ابن المنذر(٤) إلى استحباب ذلك. وصح فيه حديث عائشة في سنن أبي داود(٥) .. فرع: انفرد الإِمام أحمد فقال: لا خطبة في الاستسقاء بل يكثر الاستغفار ويدعو. وقد أخرج هو في مسنده من حديث أبي هريرة أنه - عليه الصلاة والسلام - خطب لها (٦). قال البيهقي: ورواته كلهم ثقات . (١) انظر: الاستذكار (١٣٣/٧). (٢) انظر: المدونة (١٦٦/١)، والموطأ (١٥٢/١). (٣) الأم (٢٥٠/١)، وإليه ذهب محمد بن الحسن. انظر: كتاب الأصل (٤٤٩/١). (٤) الأوسط (٣١٩/٤). ٤ (٥) سنن أبي داود معالم السنن (٣٨/٢)، وقال أبو داود: هذا حديث غريب إسناده جيد، والطحاوي (٣٢٥/١)، والحاكم (٣٢٨/١)، وقال: على شرطهما، ووافقه الذهبي، والبيهقي (٣٤٩/٣)، وابن حبان (٢٨٦٠). (٦) أحمد (٣٢٦/٢)، وابن ماجه (١٢٦٨)، والبيهقي (٣٤٧/٣)، وقال البيهقي في خلافياته: رواته كلهم ثقات. انظر: خلاصة البدر المنير لابن الملقن (٢٥٠/١). ٣٢٤ ووقع في ((شرح الفاكهي)) دعوى الإجماع على أنه يخطب لها. [فرع: ويخطب خطبتين كالعيد كما قاله مالك(١)، والشافعي(٢). وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن(٣) بن مهدي: يخطب واحدة لا جلوس فيها. وخيره الطبري (٤). وقال البندنيجي: من أصحابنا أيضاً يكفي واحدة](٥). السابع: فيه استقبال القبلة عند تحويل الرداء والدعاء في الاستسقاء(٦). الثامن: فيه استقبالها عند الدعاء مطلقاً قياساً عليها. التاسع: / فيه الرد على من أنكر / صلاة الاستسقاء. العاشر: فيه أنها ركعتان وهو كذلك بإجماع المثبتين لها. الحادي عشر: لم يذكر في صلاة الاستسقاء في هذا الحديث التكبيرات الزوائد كما في صلاة العيد. وقد قال به (١) المدونة (١٦٦/١). (٢) الأم (٢٥١/١). (٣) المجموع (٩٣/٥)، والمغني (٤٣٥/٢)، والاستذكار (١٣٥/٧). (٤) انظر: الاستذكار (١٣٥/٧). (٥) في الأصل ساقطة، وما أثبت من ن ب د. (٦) قال البخاري - رحمنا الله وإياه ـ في صحيحه الفتح (٥١٥/٢): باب: استقبال القبلة في الاستسقاء. وساق حديث الباب. وفيه: ((وأنه لما دعا - أو أراد أن يدعو - استقبل القبلة وحول رداءه)). ٣٢٥ الشافعي(١). وابن جرير. وروي عن ابن المسيب(٢). وعمر بن عبد العزيز. ومكحول. وقال الجمهور کما نقله عنهم النووي في «شرحه)»(٣): لا يكبر. · واختلفت الرواية في ذلك عن أحمد. وخيره داود بين التكبير وتركه(٤). واحتج الشافعي ومن وافقه بحديث ابن عباس(٥) أنه - علیه [١/١٠٠/ب] الصلاة والسلام - صلاها / ركعتين، كما يصلي العيد. رواه أصحاب السنن الأربعة. وقال الترمذي: حسن صحيح. (١) كتاب الأم (١/ ٢٥٠). (٢) انظر: مصنف عبد الرزاق (٨٥/٣). (٣) شرح مسلم (١٨٩/٦). (٤) انظر: الاستذكار (١٣٥/٧). (٥) أحمد (٢٣٠/١، ٢٦٩)، والترمذي (٥٥٨، ٥٥٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي (١٥٦/٣، ١٦٣)، وأبو داود (١١٦٥، ١١٧٣)، وابن حبان (٢٨٦٢)، وابن خزيمة (١٤٠٥، ١٤١٩)، والبيهقي (٣٤٤/٣)، والحاكم (٣٢٦/١، ٣٢٧)، وابن ماجه (١٢٦٦)، والدارقطني (٦٨/٢)، ولفظه: ((وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد». فأحكامها کأحكام العيد. قال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (١٣٧/٧): وليس عندي فيه حجة من جهة الإسناد ولا من جهة المعنى، لأنه يمكن أن يكون التشبيه فيه بصلاة العيدين من جهة الخطبة إلاّ أن ابن عباس رواه وعمل بالتکبیر کصلاة العيد، بمعنى ما روي، وقد تابعه من ذکرنا معه. اهـ، وانظر أيضاً: التمهيد (١٧٣/١٧). ٣٢٦ وأما ابن أبي حاتم (١): فرمى راويه عن ابن عباس بالإِرسال عنه . وأجاب الجمهور: عنه بأن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر بالقراءة، وكونها قبل الخطبة. فإن التشبيه بالشيء يصدق من بعض الوجوه. لكن أخرجه الدارقطني (٢) وفيه عدد التكبير في الأولى. والثانية وقراءة سبح في الأولى والغاشية في الثانية. وأعله عبد الحق بمحمد بن عبد العزيز بن عمر بن عوف المذكور في إسناده. وقال: إنه ضعيف. قلت: ووالده مجهول، كما قال ابن القطان. لكن أخرج الحاكم(٣) في ((مستدركه)) هذه الرواية. وقال بدل محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عوف. محمد بن عبد العزيز بن عبد الملك عن أبيه. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، فالله أعلم. فرع: اختلف مذهب مالك هل يكبر الإِمام والناس إذا خرجوا إلى المصلى قياساً على العيدين أم لا لعدم وروده هنا. (١) الجرح والتعديل (٢٢٦/٢). (٢) الدارقطني (٦٦/٢)، والبيهقي (٣٢٦/١)، والحاكم (٣٢٦/١)، وقال الذهبي: صحيح. قلت: ضعف عبد العزيز، والمذكور في الإسناد هو: محمد بن عبد العزيز. وفي تصحيحه نظر؛ لأن محمد بن عبد العزيز هذا، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال ابن القطان: أبوه عبد العزيز مجهول الحال فاعتل الحديث، بهما. اهـ، من التعليق المغني. (٣) الحاكم (٣٢٦/١). ٣٢٧ قال الفاكهي: وهو المشهور، قال: وبالتكبير، قال: ابن المسيب. وعمر بن عبد العزيز. ومكحول. والشافعي. [والطبري](١). قلت: هو غريب عن الشافعي، لا أعلمه في كتبه ولا كتب أصحابه، ولا من حكاه عنهم من المذهبين، ولعله التبس عليه بالتكبير في أول الصلاة فإنه یحکي عن هؤلاء کما قدمته عنهم فابحث عنه (٢). الثاني عشر: فيه الجهر بالقراءة في هذه الصلاة، وهو إجماع، وقوله في الحديث: ((جهر فيهما بالقراءة» هو من أفراد البخاري كما نبه عليه النووي في ((شرحه لمسلم))، فكان ينبغي للمصنف أذن أن ينبه(٣). الثالث عشر: فيه أن السنة في صلاة الاستسقاء أن تكون جماعة . وقال أبو حنيفة: لا تشرع له صلاة فضلاً عن الجماعة. ولكن يستسقى بالدعاء. وقال سائر العلماء من السلف والخلف من الصحابة والتابعين (١) في ن ب (الطبراني)، وما أثبت يوافق ما في الاستذكار (١٣٥/٧). (٢) قلت: وهو الذي يظهر لي من ذلك حسب ما ساقه ابن عبد البر في الاستذكار، فإنه ذكر قول هؤلاء في التكبير في أول الصلاة (١٣٥/٧). (٣) انظر: فتح الباري (٥١٤/٢)، وشرح مسلم (١٨٩/٦). انظر: تصحيح العمدة للزركشي، تحقيق د. الزهراني في مجلة الجامعة الإسلامية، عدد (٧٥، ٧٦) (ص ١٠٠). ٣٢٨ ومن بعدهم / حتى أصحاب أبي حنيفة كلهم: يصلى للاستسقاء ركعتين بجماعة. واستدل لأبي حنيفة باستسقائه مير على المنبر / يوم الجمعة من غير صلاة(١). قالوا: ولو كانت سنة لما تركها. وأجاب الجمهور: عن هذا [بأنه كان في خطبة الجمعة. ويتعقبه الصلاة لها فاكتفى بها بياناً لجواز مثل هذا](٢). وقد أجمع أهل العلم على أن الاستسقاء سنة. لكنه مشروع على ثلاثة أنواع بينّاها مقدمة لهذا الباب. قال أصحابنا: ويتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة، وإقبال على الخير ومجانبة الشر، ونحو ذلك من الطاعات(٣). (١) انظر: أقوال العلماء في هذه المسألة فتح القدير (٤٣٩/١)، وحاشية الدسوقي (٤٠٥/١)، وبدائع الصنائع (٢٨٣/١)، واللباب (٣٣٦/١)، والشرح الصغير (٥٣٩/١)، والمحلى (٩٣/٥)، والقوانين الفقهية (٨٧)، وبداية المجتهد (٢٠٨/١)، والمجموع (٧٥/٥)، ومغني المحتاج (٣٣٤/١)، والشرح الكبير (٤٠٦/١)، وكشاف القناع (٨١/٢). (٢) في ن ب ساقطة. (٣) أقول: كل ما ذكر جاءت الأحاديث الصحيحة بالحث عليه. انظر: الأم (٢٤٨/١)، مختصر المزني (٣٣)، وشرحه (١٤٧/٣). ٣٢٩ الحديث الثاني ٣٠/٢/١٥٣ - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - : أن رجلاً دخل المسجد [يوم الجمعة](١) من باب كان نحو دار القضاء، [١/١٠١/أ) ورسول الله وَ لل قائم يخطب/، فاستقبل رسول الله وَل﴾ل قائماً، ثم قال: يا رسول الله(٢) هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله. يغيثنا، قال: فرفع رسول الله وَّر يديه، ثم قال: ((اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا))، قال أنس: فلا والله، ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، قال: فلا والله، ما رأينا الشمس سبتاً، قال: ثم دخل (١) زيادة من ن د. (٢) البخاري. وانظر: فتح الباري (٤١٣/٢)، حيث ذكر أطراف الحديث في مواضعها، ومسلم (٨٩٧)، والنسائي (١٥٤/٣، ١٥٥، ١٦١، ١٦٣)، وأبو داود (١١٧٥)، ومالك في الموطأ (١٩١/١)، والشافعي (٤٩٠)، وابن حبان (٢٨٥٧، ٢٨٥٨، ٢٨٥٩)، والبغوي (١١٦٦)، والطحاوي في معاني الآثار (٣٢٢/١)، وابن خزيمة (١٤٢٣)، وأبو يعلى (٣٣٣٤)، وأحمد (١٠٤/٣، ١٩٤، ٢٤٥، ٢٦١، ٢٧١). ٣٣٠ رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله وقضية قائم يخطب، فاستقبله قائماً، [فقال](١): يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله والخ يديه، ثم قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر))، قال: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس(٢). قال شريك: فسألت أنس بن مالك، أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري. قال المصنف: ((الضراب)) الجبال الصغار. [((والآكام)) جمع أكمة، وهي أعلى من الرابية، ودون الهضبة. ((ودار القضاء)) دار عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - . سميت بذلك: لأنها بيعت في قضاء دينه](٣). هذا حديث عظيم مشتمل على أعلام نبوة نبينا وَ ل وعلى أحكام مهمة، فيحصر الكلام عليه في ثلاثة أطراف / : الأول: في فن الأسماء: أما راويه: فتقدم التعريف به في باب الاستطابة . وأما شريك: فهو ابن عبد الله بن أبي نمر المدني أبو عبد الله (١) في ن ب (ثم قال). (٢) البخاري (٩٣٣). (٣) زيادة من متن العمدة. ٣٣١ القرشي، روى عن أنس، وابن المسيب وغيرهما، وعنه مالك وغيره. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث. وقال ابن معين: إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته. (١) قال النسائي وغيره: ليس بالقوي. وقال ابن حبان(٢) في («ثقاته)): في التابعين منهم ربما أخطأ. قال: وجده شهد بدراً. مات بعد سنة أربعين ومائة. وأما الرجل الداخل: فرأيت من / ادعى أنه العباس بن عبد المطلب ويبعد أن في بعض طرق البخاري ((فقام أعرابي)) وفي بعض طرقه ((رجل من أهل البدو))(٣)، ويبعد تعدد القصة على أن في بعض طرق البخاري(٤) ((فقام الناس فصاحوا فقالوا: يا رسول الله قحط المطر)) الحديث، وهو ظاهر في التعدد. وقد يمكن الجمع بأن الرجل هو الذي ابتدأ بالسؤال أولاً، ثم تابعوه، فالله أعلم. وقول شريك: ((سألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري)) ثبت في صحيح البخاري(٥) وغيره في بعض طرق هذا الحديث ((أنه الرجل الأول))، من رواية شريك أيضاً، ومن رواية (١) زيادة من ن ب. (٢) الثقات (٤ / ٣٦٠). (٣) البخاري (١٠٢٩). (٤) البخاري (١٠٣١). (٥) البخاري (١٠٢٩). ٣٣٢ يحيى بن سعيد عن أنس، فلعل أنساً تذكره بعد أو نسي بعد ذكره، كما نبه عليه ابن التين / شارح ((البخاري)). [١/١٠١/ب] وروى في صحيحه أيضاً من حديث قتادة عن أنس «فقام ذلك الرجل أو غيره)) وروى من حديث ثابت عن أنس ((فقام ذلك الرجل أو غيره)) وروى من حديث ثابت عن أنس «فقام الناس فصاحوا وقالوا: يا رسول الله! قحط المطر، واحمرت الشجر، وهلكت البهائهم، فادع الله أن يسقنا. فقال: اللهم اسقنا مرتين)) الحديث، وفي آخره ((فلما قام - عليه الصلاة والسلام - يخطب صاحوا إليه: تهدمت البيوت)) الحديث. قال ابن التين: في ((شرح البخاري)) قوله: ((فقام الناس)) إن كان هذا محفوظاً فقد تكلم الرجل ثم صاحوا. ويحتمل أنه يعني بالناس الرجل، لأنه يتكلم عنهم وهم حضور، أو لعلهم صاحوا وتكلم عنهم(١). الطرف الثاني: في ألفاظه ومعانيه، وفيه مواضع: الأول: / ((دار القضاء)) هي دار بيعت في دين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي كتبه على نفسه لبيت مال المسلمين، وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله، فإن عجز ماله استعان ببني عدي ثم بقريش. فباع ابنه داره هذه لمعاوية، وباع ماله بالغابة وقضى دينه، وكان دينه ستّاً وثمانين ألفاً فيما رواه البخاري في صحيحه، وغيره من أهل الحديث والسير والتواريخ وغيرهم. (١) انظر: فتح الباري (٤١٣/٢)، حيث ذكر الأطراف. ٣٣٣ وقال القاضي عياض(١): كان ثمانية وعشرين ألفاً، وهو غلط غريب، كما قاله النووي(٢) . قلت: وأَغْرَبُ منه قول القرطبي(٣): كان عشرين ألفاً [فكان] (٤) يقال لها دار قضاء دين عمر. ثم اختصروا، فقالوا: دار القضاء، وهي دار مروان. وقال بعضهم: هي دار الإِمارة. وغلط لأنه بلغه أنها دار مروان، فظن أن المراد بالقضاء الإمارة، والصواب ما ذكرنا(٥). (١) إكمال إكمال المعلم (٤٦/٣). (٢) شرح مسلم (١٨٩/٦). (٣) المفهم (١٥٠٦/٣). (٤) في ن ب (وكان). (٥) قال ابن حجر في الفتح (٥٠٢/٢): ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر: (من باب كان نحو دار القضاء)) وفسر بعضهم دار القضاء بأنها دار الإمارة، وليس كذلك وإنما هي دار عمر بن الخطاب، وسميت دار القضاء لأنها بيعت في قضاء دينه فكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم طال ذلك الأمر فقيل لها :: دار القضاء. ذكره الزبير بن بكار بسنده إلى ابن عمر، وذكر عمر بن شبة في ((أخبار المدينة)) عن أبي غسان المدني: سمعت ابن أبي فديك عن عمه: كانت دار القضاء لعمر بن الخطاب، فأمر عبد الله وحفصة أن يبيعاها عند وفاته في دين كان عليه، فباعوها من معاوية، وكانت تسمى دار القضاء، قال ابن أبي فديك: سمعت عمي، يقول: إن كانت لتسمى دار قضاء الدين. قال: وأخبرني عمي أن الخوخة الشارعة. في دار القضاء غربي المسجد هي خوخة أبي بكر الصديق، التي قال رسول الله ◌َلير: ((لا يبقى في المسجد خوخة إلَّ خوخة أبي بكر)) وقد = ٣٣٤ الثاني: في كلام هذا الداخل للنبي ◌َّ# دلالة على جواز كلام الداخل مع الخطيب في حال خطبته، ويحتمل أن يكون إنما كلمه في حال سكتة كانت من النبي ◌َليّة، إما لاستراحة في النطق، وإما في حال الجلوس . الثالث: ((الأموال)) / جمع مال، وألفه منقلبة عن واو بدليل ظهورها في الجمع، وليس [له] (١) جمع كثرة، وجُمع وإن كان جنساً لاختلاف أنواعه . وهو كل ما يتملك وينتفع به . والمراد هنا: مال مخصوص، وهو الأموال الحيوانية والنباتية [لأنها](٢) التي يؤثر فيها انقطاع الغيث من المطر وغيره، بخلاف الأموال الصامتة . صارت بعد ذلك إلى مروان وهو أمير المدينة، فلعلها شبهة من قال إنها = دار الإِمارة، فلا يكون غلطاً، كما قال صاحب المطالع وغيره. وجاء في تسميتها دار القضاء قول آخر، رواه عمر بن شبة في «أخبار المدينة)) عن أبي غسان المدني أيضاً عن عبد العزيز بن عمران عن راشد بن حفص عن أم الحكم بنت عبد الله عن عمتها سهلة بنت عاصم قالت: كانت دار القضاء، لعبد الرحمن بن عوف، وإنما سميت دار القضاء لأن عبد الرحمن بن عوف اعتزل فيها ليالي الشورى حتى قضي الأمر فيها فباعها بنو عبد الرحمن من معاوية بن أبي سفيان. اهـ. محل المقصود منه، انظر: تاريخ ابن شبة (٢٢٤/١). (١) في ن ب ساقطة. (٢) زيادة من ن ب د. ٣٣٥ والسبل: جمع سبيل وهو هنا الطريق، يذكّر ويؤنّث، فمن التذكير قوله - تعالى -: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَ إِن يَرَوْأ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾(١)، ومن التأنيث قوله - تعالى - : ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ﴾(٢)، وانقطاعها إما بعدم المياه التي يعتاد. [١٠٢/أ/أ] المسافرون ورودها، وإما باشتغال الناس بشدة القحط عن الضرب / في الأرض. وقوله: ((وانقطعت))، روي بدله: ((وتقطعت))، قال ابن التين شارح ((البخاري)): والأول أشبه. الرابع: قوله: ((فادع الله يغيئنا»، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((اللهم أغثنا»، كذا هو في الصحيح يغيثنا بضم الياء، وأغثنا بالألف من أغاث يغيث رباعي. والمشهور في اللغة: أنه يقال [في المطر](٣) غاث الله الناس. والأرض يغيئهم بفتح الياء ثلاثي أي أنزل المطر والذي في هذا الحديث وغيره من روايته «أغثنا» بالألف و ((يغيثنا)) بضم الياء من ((أغاث)) ((يغيث)) رباعي كما قدمته، لكن الهمزة فيه للتعدية، ومعناه: هب لنا غيئاً. وقال بعضهم: المذكور في الحديث من الإِغاثة بمعنى: المغوثة، وليس من طلب / الغيث إنما يقال في طلب الغيث: ((اللهم غثنا وارزقنا غيئاً». (١) سورة الأعراف: آية ١٤٦ . (٢) سورة يوسف: آية ١٠٨. (٣) زيادة من ن ب. ٣٣٦ قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون من طلب الغيث أي هب لنا غيئاً أو ارزقنا غيثاً [كما](١) يقال: سقاه الله وأسقاه أي جعل له سقياً على لغة من فرق بينهما(٢). والصواب: أن الهمزة فيه للتعدية كما ذكرنا. فائدة: يجوز في ((يغيثنا)» الرفع والجزم والرفع على الاستئناف . الخامس: قوله: ((فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة)). المراد بالسماء: هنا الفضاء المرتفع بين السماء والأرض. والسحاب: معروف وهو جنس واحده سحابة وهي الغيم. ويجمع: أيضاً على سُحُبٍ وسحائب. والقزعة (٣): بفتح القاف والزاي وهي القطعة من السحاب وجماعتها قزع كقصبة وقُصب. قال أبو عبيد(٤): وأكثر ما يكون في الخريف، ومنه أُخذ القزع في الرأس وهو حلق بعض الرأس وترك بعضه . السادس: قوله: ((وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار)) هو تأكيد لقوله: ((ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة)) لأنه أخبر أن (١) زيادة من ن ب. وإكمال إكمال المعلم (٤٦/٣). (٢) ذكره في شرح مسلم (١٩١/٦). (٣) قال ابن سيده: القزع: قطع من السحاب رقاق. (٤) غريب الحديث (١٨٤/١). ٣٣٧ السحابة طلعت من وراء سلع، فلو كان [بينهم](١) / وبينه دار لأمكن أن تكون السحابة والقزعة موجودة، حال بينهم وبينها ما بينهم وبين سلع من دار لو كانت. وقال القاضي(٢): يحتمل والله أعلم، أن ذلك لِحمل الناس عن تلك الجهة لشدة الجدب وحزونة الموضع وطلب الكلأ والخصب. وقوله: ((بيت كذا)) هو في الصحيحين ووقع في مسند السراج، بدله: «نقب)» . وسلع : - بفتح السين المهملة وسكون اللام - وهو جبل بقرب المدينة من غربها، وقال البخاري: هو الجبل الذي بالسوق. قال ابن قرقول: وقع عند ابن سهل : - بفتح اللام وسکونھا ۔ وذكر أن بعضهم رواه بغين معجمة وكله خطأ. وقال صاحب ((المحكم)): سلع موضع. وقيل: جبل(٣). وزعم الهروي: أن سلعاً معرفة لا يجوز / إدخال الألف واللام عليه، وليس كما ذكر، ففي ((دلائل النبوة للبيهقي)) وكتاب أبي نعيم الأصبهاني ((فطلعت سحابة من وراء السلع))(٤). [١/١٠٢/ب] (١) في الأصل (بينة)، والتصحيح من ن ب. (٢) إكمال إكمال المعلم (٤٦/٣). (٣) انظر: معجم البلدان (٢٣٦/٣). (٤) بعد الاطلاع على الكتابين لم أجد ما ذكره المؤلف. ٣٣٨ قلت: والمقصود بقوله: ((وما بيننا وبين سلع)) إلى آخره الإِخبار عن معجزة رسول الله وَّية وعظيم كرامته على الله - تعالى - بإنزال المطر سبعة أيام متوالية من غير تقدم سحاب ولا قزع ولا سبب آخر، لا ظاهر ولا باطن، سوى سؤال رسول الله القر أي نحن مشاهدون له * ولسَلْع والسماء، وليس هناك سبب للمطر أصلاً. السابع: قوله: ((مثل الترس))، قال القاضي عياض: قال ثابت: ولم يرد - والله أعلم - / في قدره، ولكن في استدارته، وهو أحمد السحاب عند العرب، وقوله: ((ثم أمطرت)) يقال: مطرت وأمطرت في المطر. وهذا الحديث دليل لجواز أُمطر بالألف وهو المختار عند المحققين والأكثرين من أهل اللغة . وقال بعضهم: لا يقال أمطرت بالألف إلاَّ في العذاب. لقوله - تعالى -: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾(١)، والمشهور الأول ولفطه أمطرت يطلق [على] (٢) الخير والشر ويعرف بالقرينة قال - تعالى -: ﴿هَذَا عَارِضٌ تُمْطِرُنَا﴾ وهذا من أمطر، والمراد به المطر في الخير لأنهم ظنوه خيراً فقال - تعالى - (٣): ﴿بَلَّ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُمْ بِهٍ﴾(٤). (١) سورة الحجر: آية ٧٤. (٢) في ن ب د (في). (٣) انظر: شرح مسلم (٦/ ١٩٢). (٤) سورة الأحقاف: آية ٢٤. ٣٣٩ الثامن: قوله: ((ما رأينا الشمس سبتاً» هو بسين ثم باء موحدة ثم مثناة فوق، أي جمعة، وقد بيَّن في رواية أخرى المراد به سبعة أيام: أولها بعض يوم الجمعة ويوم السبت، وآخرها يوم الخميس وبعض يوم الجمعة. وهو في اللغة القطع، وبه سمي يوم السبت. وقال ثابت: في تفسير قوله: ((سبتا)) أي قطعة من الزمان يقال: سبت من / الدهر أي قطعة منه، وسبّته قطعته، وقد رواه الداوودي(١) ((ستّا) وفسره ستة أيام من الدهر. وهو تصحيف، كما قال القرطبي(٢). والصحيح من حيث الرواية الأول، وإن كان الثاني يصح من حيث المعنى، فإنهم ما رأوها سبعة أيام كوامل، بل سنًّا كوامل، وبعض يوميّ جمعة، وذلك لا یطلق علیه يوم كامل. فائدة: ((السبت)) من الألفاظ المشتركة(٣). فالسبت: الدهر، والراحة، وحلق الرأس، وإرسال الشعر عن العقص، وضرب من سير الإِبل. قال أبو عمرو: وهو العنق. (١) أي أحد رواة البخاري وقد جاء في سنن الدارقطني ((ستاً)). (٢) في المفهم (١٥٠٨/٣)، وقد تعقبه ابن حجر في الفتح (٥٠٤/٢). (٣) في اتفاق المباني (١٩٨، ١٩٩)، هذه المعاني المذكورة وزيادة: وهذا غلام سبت: إذا كان جريئاً عازماً، وقال أبو عمرو: هذا يومٌ سبتٌ: طويل، وسبت القدر مسبتاً إذا نشر مدادها ومنه: عرق الهجير بها سُبَاتُ المرجل. ٣٤٠