Indexed OCR Text

Pages 441-460

ولمَّا تُحُدِّث في الإِفك وقالت له أم أيوب: ألم تسمع
ما يتحدث به الناس؟ [وأخبرته](١)، فقال رضي الله عنه: ما يكون لنا
أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، فأنزل الله الآية: ﴿لَّوَلاَ إِذْ
سَمِعْتُمُوهُ﴾(٢) إلى آخرها.
روى عنه البراء بن عازب وخلق، وكان من نجباء الصحابة،
وأمه [هند](٣) بنت قيس بن عمرو بن امرىء القيس، قاله ابن حبان
في ثقاته. روي له عن النبي وَلّر مائة وخمسون حديثاً، اتفقا منها عدد ما روى
على سبعة وانفرد البخاري بحديث ومسلم بخمسة، وقال البرقي:
حُفظ عنه نحو من خمسين حديثاً.
شهد مع علي حروبه كلها ثم سكن دمشق.
ولم يزل يغزو الروم حتى قبض في غزوة غزاها يزيد بن معاوية
في خلافة معاوية بالقسطنطينية سنة خمسين، وقال أبو زرعة: سنة
خمس وخمسين، وقال الواقدي وجماعة: سنة اثنين وخمسين،
وقيل: إنه المشهور، وقيل: سنة إحدى، وكان يقول: قال الله
عز وجل: ﴿أَنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾(٤) فلا أجدني إلاّ خفيفاً أو ثقيلاً،
وكذلك كان المقداد بن الأسود وأبو طلحة يتأولان هذه الآية،
[وروى ابن سيرين أنه غزا زمن معاوية فمرض فقال لهم: قدموني في
مناقبه وزمن
موته رضي الله
عنه
(١) في ن ب (وأخبر به).
(٢) سورة النور: آية ١٢ .
(٣) زيادة من ن ب.
(٤) سورة التوبة: آية ٤١.
٤٤١

أرض الروم ما استطعتم](١).
وروى المدائني أنه دخل عليه يزيد بن معاوية فقال:
ما حاجتك؟ قال: تعمق قبري وتوسعه، وقال ابن حبان في ثقاته: إن
أبا أيوب قال لهم: إذا أنا مت فقدموني في بلاد الروم ما استطعتم ثم
ادفنوني فمات، وكان المسلمون على حصار القسطنطينية فقدموه
حتى دفن إلى جانب حائطها، وروى غيره عنه أنه قال: إذا قبضت
[١/١/٥٨] فلتركب الخيل [ثم القوا](٢) / العدو [فيردنكم](٣) حتى لا تجدوا
متقدماً فاحفروا حينئذ لي قبراً ثم سووه وليطأ الخيل والرجال عليه
حتى لا يعرف. وروى أنهم لما أصبحوا أشرف عليهم الروم فقالوا:
يا معشر العرب قد كان لكم الليلة شأن، فقالوا: مات رجل من أکابر
أصحاب نبينا ور والله لئن نيش لأضربن بناقوس في بلاد العرب،
فكانوا إذا قحطوا كشفوا عن قبره فأمطروا، وبنى الروم على قبره بناء
وعلقوا عليه أربعة قناديل بسرج(٤)، قال [الواقدي] (٥): وصلى عليه
يزيد. وكان قد أتى ابن عباس بالبصرة وقد وليها لعلي، فقال: يا
أبا أيوب إني أخرج عن [مسكني](٦) كما خرجت عنه لرسول الله ێ ،"
فأمر أهله فخرجوا وأعطاه كل شيء أغلق عليه الدار فلما كان انطلاقه
قال: حاجتك، قال: حاجتي عطائي وثمانية أعبد يعملون في:
(١) زيادة من ن ب ج.
(٢) في ن ب ساقطة ..
(٣) في ن (فليرونكم).
(٤) هذا لا يجوز لأن النبي 88* لعن المتخذين عليها المساجد والسرج.
(٥) الأصل (الواحدي)، والتصحيح من ن ب ج.
(٦) في ن ب (مسکن).
٤٤٢

أرضي، وكان عطاؤه أربعة آلاف فأضعفها له مرات فأعطاه عشرين ألفاً
وأربعين عبداً. وقدم على معاوية / فأجلسه معه على السرير، فجعل [٤٥/ب/ب]
معاوية يتحدث ويقول: فعلنا وفعلنا، وأهل الشام حوله، فقال: يا
أبا أيوب من قتل صاحب الفرس البلقاء يوم كذا؟ فقال أبو أيوب: أنا
قتلته إذا أنت وأبوك على الجمل الأحمر معكما لواء الكفر، فنكّس
معاوية وتنمر أهل الشام، فرفع معاوية رأسه وقال: مه مه وإلاّ فلعمري
ما عن هذا سألتك ولا هذا أردنا منك.
الثاني: أبو أيوب رضي الله عنه أنصاري كما نسبه المصنف، نسب أبي
وهو نسبة إلى الأنصار، واحدهم نصير كشريف وأشراف،
أيوب
وقيل: ناصر كصاحب وأصحاب، قبيلتان: الأوس، والخزرج،
والخزرج أشرفهما لكون أخوال النبي وَّر منهم وهو وصف لهم
[إسلامي](١).
وقيل لهم ذلك: لنصرتهم رسول الله وَل، روى البخاري في
صحيحه عن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس بن مالك رضي الله عنه
((أرأیت اسم الأنصار أکنتم تسمون به، أم سماکم الله به، قال: بل
سمانا الله تعالى)). وقد ذكرت جملة من فضائلهم في ((الإشارات لغات
المنهاج))(٢)، واعلم أن الأوس والخزرج هما أبناء حارثة بن ثعلبة
العنقاء(٣) بن عمرو مُزَيْقَيَاءَ بن عامر ماء السماء بن حارثة الغِطْريف بن
(١) في ن ب (إسلام).
(٢) الإشارات إلى ما وقع في المنهاج من الأسماء والمعاني واللغات.
(٣) العنقاء، ومزيقياء، وماء السماء، والغطريف: هي ألقاب أتت بعد الأسماء.
٤٤٣

[قيس](١) ابن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن
نَبْت بن مالك بن زيد بن [كهلان](٢) بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن
قحطان بن عامر بن شالخ(٣) بن أَرفَخْشَدَ بن سام بن نوح عليه
السلام، وقحطان أصل عرب اليمن وهو يقطن، وقيل: يقطان،
وسمي قحطان؛ لأنه كان أول من تجبر وظلم وقحط أموال الناس من
ملوك العرب، قال ابن ماكولا : اسمه مهرم.
وأما عرب الحجاز: وهم العرب المستعربة: فمن ذرية
إسماعيل، وأما العرب العاربة: [فهم] (٤) عاد وثمود وجرهم
والعماليق [وأميم](٥)، وقيل: إن جميع العرب ينتسبون إلى
[١/٥٨/ب] إسماعيل، والمشهور / ما ذكرنا.
فائدة: أيوب في الرواة يشتبه بأثوب بالمثلثة بدل المثناة تحت،
وهو [أثوب](٦) بن عتبة(٧)، ذكره ابن قانع في الصحابة؛
المشتبه في
أيوب
(١) لم يرد في جمهرة أنساب قبائل العرب (٣٣٢ - ٤٨٤) ابن حزم.
(٢) في الأصل (كهان)، والتصحيح من جمهرة أنساب العرب لابن حزم، وفي
ن ب (کھلان).
(٣) في الأصل (عابر بن شامخ)، وفي التعليق على جمهرة العرب: عابر بن
شالح، وما أثبت من الجمهرة (ص ٨).
(٤) في ن ب (فهو).
(٥) في الأصل (أمم)، وفي ن ب (واهم)، والتصحيح من جمهرة أنساب
العرب لابن حزم رحمه الله (ص ٩).
(٦) في ن ب (أيوب).
(٧) قال في مشتبه النسبة للذهبي (٣٦): ورد ذكره في الديك الأبيض، ولا
يصح.
٤٤٤

والحارث بن [أَثْوَبَ(١)](٢)، تابعي، كذا قاله عبد الغني، والصواب:
ثوب بوزن صوغ [وأثوب بن أزهر](٣)(٤).
الثالث: قوله عليه السلام: ((إذا أتيتم الغائط)). استعمل في تعريف الغائط
قضاء الحاجة كيف كان؛ لأن [هذا](٥) الحكم عام في جميع صور
قضاء الحاجة وهو إشارة إلى استعمال هذه اللفظة مجازاً، وقد
[سبق](٦) كلام المصنف في تفسير الغائط.
المراد بالغائط
وفي (المحكم) الغائط والغوط: المتسع من الأرض مع طمأنينة،
وجمعه أغواط وغياط وغيطان، وكل ما انحدر من الأرض فقد غاط،
ومن بواطن الأرض الميتة: الغيطان، الواحد منها غائط، وزعموا أن
الغائط ربما كان فرسخاً. والغائط: اسم العذرة نفسها؛ لأنهم كانوا
يلقونها بالغيطان، وقيل: لأنهم كانوا إذا أرادوا ذلك أتوا الغائط، وتغوط
الرجل: كناية عن الخرأة، والغوط أغمض من الغائط وأبعده.
وفي (الصحاح) جمع الغائط: غوط، وفي (المخصص)(٧) أن
(١) في ن ب (أيوب).
(٢) قال في مشتبه النسبة للذهبي: وصوابه (بن ثوب) بلا ريب، وهم فيه
عبد الغني، وشفی فیه الأمير.
(٣) في ن ب (أتوب بن الدهر)، وفي ن ج (أيوب بن أزهر).
(٤) التصحيح من المؤتلف والمختلف لعبد الغني (ص ٥)، قال في حديث
قيلة: وهو زوج قيلة بنت مخرمة.
(٥)
في ن ب ساقطة .
(٦) في ن ب (سلف).
(٧) (٥٩/٥).
٤٤٥

قراءة الزهري: (أو جاء أحد منكم من [الغيط](١))(٢): مخففة
الياء وأصله الغوط. وقال الشيخ تقي الدين (٣): الغائط في
الأصل: [المطمئن] (٤) من الأرض، كانوا يقصدون لقضاء
الحاجة، ثم استعمل في الخارج وغلب على الحقيقة الوضعية
فصار حقيقة عرفية، لكن لا يقصد به إلاَّ الخارج من الدبر.
فقط لتفرقته بينهما، وقد تكلموا في أن قوله تعالى: ﴿أَوْ
جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ ﴾(٥) لما كانت العادة أن يقصد لأجله
وهو الخارج من الدبر(٦)، ولم يكونوا يقصدون الغائط
للريح مثلاً، أو يقال: إنه يقصد به الخارج من القبل والدبر كيف
كان.
[٤٦ / ب/ ١]
مذاهب الفقهاء
الرابع: الحديث دال عل المنع من استقبال القبلة /
واستدبارها، وللفقهاء في ذلك أربعة مذاهب:
في استقبال
القبلة
واستدبارها
حال قضاء
الحاجة
أحدها: المنع المطلق في البنيان والصحراء، وهو قول أبي أيوب
الأنصاري راوي هذا الحديث، ومجاهد(٧) وإبراهيم النخعي(٨)
(١) زيادة من ن ب ج.
(٢) في الأصل (الغائط)، والتصحيح من ن ب ج.
(٣) إحكام الأحكام مع الحاشية (٢٣٨/١).
(٤) في ن ب (المطهر).
(٥) سورة المائدة: آية ٦ .
(٦) في ن ج زيادة (فقط).
(٧) ابن أبي شيبة (١٥٠/١)، والأوسط (٣٢٥/١).
(٨) المرجع السابق.
٤٤٦

التابعيين، وسفيان الثوري(١)، وأبو ثور (٢) وأحمد في رواية (٣)،
وهؤلاء حملوا النهي على العموم وجعلوا العلة فيه التعظيم والاحترام
للقبلة؛ لأنه معنى مناسب ورد النهي [على] (٤) وفقه فيكون علة له،
وقد روي من حديث سلمة بن وهرام عن سراقة مرفوعاً: ((إذا أتى
أحدكم البراز فليكرم قبلة الله عز وجل))(٥). وهذا ظاهر قوي في هذا
التعليل فلا فرق فيه بين الصحراء والبنيان، ولو كان الحائل كافياً في
جوازه في البنيان لكان في الصحراء من الجبال والأودية ما هو أكفى.
وفي الدارقطني عن الشعبي من قوله بإسناد ضعيف أنه علل
ذلك: ((إن الله تعالى خلقاً من عباده يصلون في الصحراء فلا
تستقبلوهم ولا تستدبروهم)). [وأما بيوتكم هذه التي تتخذونها للنتن
فإنه لا قبلة لها، عيسى بن أبي الخياط وهو عيسى بن ميسرة وهو
ضعيف](٦).
(١) التمهيد (٣٠٩/١)، وشرح السنة للبغوي (٣٥٨/١)، والأوسط لابن
المنذر (٣٢٥/١).
(٢) التمهيد (٣٠٩/١)، والأوسط (٣٢٧/١).
(٣) انظر: التمهيد (٣٠٩/١)، والأوسط (٣٢٥/١).
(٤) في ن ج (عن).
(٥) أخرجه الدارقطني (٥٧/١)، وقال الدارقطني: لم يروه غير مبشر بن عبيد
وهو متروك الحديث، وحكم عليه الغساني بالضعف في تخريج الأحاديث
الضعاف من الدارقطني برقم (١٦)، وقال ابن حجر في تلخيص الحبير
(١٠٥/١): أخرجه الدارمي وغيره، وإسناده ضعيف.
(٦) زيادة من سنن الدارقطني (٦١/١)، فقد ظهر بهذه الزيادة الحكم على
الحديث. سنن البيهقي (٩٣/١)، ورواه ابن ماجه مختصراً (١١٧/١) . =
٤٤٧

وينبني على هذا الخلاف في التعليل اختلافهم فيما إذا كان
بالصحراء واستتر بشيء فمن علل باحترام القبلة منع الاستقبال.
والاستدبار، ومن علل برؤية المصلين أباح، وضعف صاحب
القبس(١) التعليل بذلك، وقال: لم يتعبدنا [به](٢) الله إلَّ بما نرى.
قلت: ثم هذا / كله مبنيٌّ على أن العلة المستنبطة معتبرة أما
إذا لم [يعتبرها](٣) فلا كلام.
[١/١/٥٩]
المذهب الثاني: أنهما جائزان مطلقاً وهو قول عروة بن
الزبير، وربيعة الرأي شيخ مالك، وداود الظاهري (٤) ورأى
هؤلاء حديث أبي أيوب منسوخاً، وزعموا أن ناسخه حديث
مجاهد عن جابر رضي الله عنه قال: ((نهانا رسول الله صل8* أن
نستقبل القبلة أو نستدبرها ببول ثم رأيته قبل أن يقبض بعام
يستقبلها)). حسنه الترمذي مع الغرابة(٥)، ونقل عن البخاري
تصحيحه كما نقله البيهقي في (خلافياته) عنه(٦)، وصححه أيضاً
انظر: تهذيب التهذيب (٢٢٤/٨، ٢٢٥)، والمجروحين (١١٧/٢)
للاطلاع على ترجمة عيسى بن ميسرة.
(١) القبس (٣٩٤/١) وذكر معناه في عارضة الأحوذي (٢٤/١).
(٢) زيادة من ن ب.
(٣) في ن ب (تعتبرها).
(٤) في الأصل زيادة (وهو). انظر: الأوسط لابن المنذر (٣٢٦/١)، وابن
عبد البر في التمهيد (٣١١/١)، والحازمي في الاعتبار (٣٨).
(٥) الترمذي برقم (١٣).
(٦) تحفة الأحوذي (٦٤/١) برقم (١٠).
٤٤٨

ابن حبان(١)، وشيخه ابن خزيمة (٢)، والحاكم وصححه على شرط
مسلم(٣)، واستدلالهم بالنسخ ضعيف لأنه لا يصار إليه إلاّ بعد تعذر
الجمع وهو ممکن كما ستعلمه.
المذهب الثالث: أنه لا يجوز الاستقبال فيهما ويجوز
الاستدبار فيهما، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وهو ضعيف
جداً، ويكفي في الرد عليه حديث أبي أيوب هذا.
المذهب الرابع: وهو قول الجمهور وبه قال مالك (٤)
والشافعي(٥) وإسحاق(٦)، وأحمد في إحدى الروايتين، أنه يحرم
الاستقبال في الصحراء دون البنيان، وهو مروي عن العباس وابن
عمر، ورأى هؤلاء الجمع بين الأحاديث وأنه لا يصار إلى النسخ إلاَّ
بالتصريح به أو بمعرفة تاريخه، وأن الجمع أولى من إلغاء بعض
الأحاديث، واستدلوا بحديث ابن عمر الآتي وبأحاديث أخر، ولما
(١) ابن حبان برقم (١٤١٧).
(٢) ابن خزيمة برقم (٥٨).
(٣) المستدرك (١٥٤)، ووافقه الذهبي، وأبو داود (١٣) في كتاب الطهارة،
باب: الرخصة في ذلك، وابن ماجه (٣٢٥)، والدارقطني (٥٨/٢)،
والبيهقي (٩٢/١)، وقال النووي في شرح مسلم (١٥٥/٣): إسناده
حسن .
(٤) المدونة الكبرى (٧/١).
(٥) روضة الطالبين (٦٥/١).
(٦) البغوي في شرح السنة (٣٥٩/١)، والحازمي في الاعتبار (٤٠)،
والتمهيد (٣٠٩/١).
٤٤٩

في المنع [في](١) البنيان من المشقة والتكلف لترك القبلة بخلاف
الصحراء، [ويتعلق](٢) بذلك فروع يأتي بعضها في الحديث الآتي
مختصره، ومحل بسطها كتب الفروع وقد بسطتها فيها ولله
الحمد .
الجماع
مستقبل القبلة
فرع: هل الجماع كقضاء الحاجة أم لا؟ ينبني على محل
[العلة](٣) أيضاً، هل هو الخارج؟ فيجوز الجماع إذ لا خارج،
أو كشف العورة؟ فيمتنع إذا كشف. وقد حكى الخلاف الشيخ
تقي الدين (٤) أيضاً، وتبعه الفاكهي. ونقل النووي(٥) عن ابن القاسم
الجواز. وعن [ابن](٦) حبيب الكراهة. وبعض المالكية منعه على
العلتين جميعاً لأجل الكشف وخروج المني فإنه نجس عندهم،
وصرَّح أصحابنا بأنه لا يكره فضلاً عن الجواز، وبجوازه قال
أبو حنيفة وأحمد وداود، وهو الصواب؛ لأن التحريم إنما [ثبت] (٧)
بالشرع ولم يرد فيه نھي.
الخامس: قوله عليه السلام: ((ولكن شرقوا أو غربوا)). هذا
الخطاب لأهل المدينة ومن في معناهم كأهل الشام / واليمن وغيرهم
قوله: «شرقوا
أو غربوا"
[٤٦/ب/ب]
(١) في ن ب (من).
(٢) في ن ب (وما يتعلق).
(٣) في ن ب (العلتين).
(٤) إحكام الأحكام مع الحاشية (٢٣٧/١).
(٥) شرح مسلم (١٥٦/٣).
(٦) في ن ج أبي.
(٧) في ن ب (یثبت).
٤٥٠

ممن قبلته على هذا السمت، فأما من كانت قبلته من جهة المشرق
أو المغرب فإنه يتيامن أو يتشأم.
السادس: الشأم: مهموز ويجوز تسهيله، ويقال: الشام بالمد
ضبط كلمة
((الشام؟
وسبب تسميته
وفتح الشين في لغة قليلة، وهو يُذكّر وقد يؤنث فيقال: الشام مبارك
ومباركة، وسمي به لأن سام بن نوح سكنه أولاً فعرف بالسين.
وقيل: لكثرة قراه ودنو بعضها من بعض كالشامات. وقيل: لأن باب
الكعبة مستقبل مطلع الشمس فمن استقبله كان اليمن عن يمينه والشام
عن شماله، وهي السوما(١) فسميا بذلك. وحَدُّهُ في الطول: من
[العريش](٢) إلى الفرات، وقيل: [من](٣) بالسن، وفي العرض قال
السمعاني: / هو بلاد بين الجزيرة و [الغور](٤) إلى الساحل.
[٥٩/ أ/ ب]
وقوله: ((فقدمنا الشام)) وهو منصوب على الظرفية لا على
المفعولية .
السابع: قوله: ((قد بنيت)) يعني في الجاهلية وبناؤها نحو
الكعبة ليس قصداً لها، ولا لقبلة أهل الشام إذ ذاك وهي بيت
المقدس، وإنما هو مجرد جهل ومصادفة.
الثامن: الكعبة: سميت بذلك لاستدارتها، من التكعب وهو
الاستدارة، وهذا مما يدل على أن القبلة التي روي النهي عنها هي الاسم
سبب تسمية
الكعبة بهذا
(١) في معجم البلدان (٣١٢/٣): وكان اسم الشام الأول ((سُوري)).
(٢) في ن ب (العراش).
(٣) في ن ب (إلى).
(٤) في الأصل (الغول)، والتصحيح من ن ب ج.
٤٥١

الكعبة، وفي حديث مالك(١): ((فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل
القبلة)) فالألف واللام فيها للعهد ولا يجوز أن تكون للجنس.
الاستقبال
والاستديار
وإن كان ورد النهي عن استقبال بيت المقدس في مسند أحمد
وسنن أبي داود وابن ماجه (٢) من حديث معقل بن أبي [معقل](٣).
الأسدي، وزعم ابن حزم أنه لا يصح (٤)، ولأن القبلة عند الإطلاق
تصرف إلى الكعبة في شرعنا لا على القبلة المنسوخة، ولأن النهي
في الكعبة عن الاستقبال والاستدبار، وذلك إنما ورد في الاستقبال
فقط، على أن مذهبنا أنه يكره الاستقبال والاستدبار وفي بيت
المقدس أيضاً، وأغرب ابن أبي الدم فحكى وجهاً أنه يحرم، وهو
قول ابن سيرين والحسن والنخعي(٥).
للعموم صيغة
التاسع: قول أبي أيوب ((فقدمنا الشام)) إلى آخره ففيه دلالة
على أن للعموم صيغة عند العرب وأهل الشرع على خلاف ما ذهب
إليه بعض الأصوليين، والمعنى به استعمال صيغة العموم في بعض
أفراده کما فعله الجمهور في حديث أبي أيوب هذا.
قال الشيخ تقي الدين: وأولع بعض أهل العصر، وما يقرب
(١) البخاري (١٤٤)، والحميدي (٣٧٨)، ومسلم (٥٩/ ٢٦٤).
(٢) أحمد (٢١٠/٤)، وسنن ابن ماجه رقم (٣١٩)، قيل: أبو زيد مجهول
الحال فالحديث ضعيف به. ولفظه (نهى النبي صل# أن نستقبل
القبلتين ... )) الحديث، القبلة الأولى بيت المقدس.
(٣) في ن ب (مغفل).
(٤) المحلى (١٩٤/١).
(٥) الذي في الاستذكار عنهم الكراهة (١٧٧/٧).
٤٥٢

به، [بأن](١) قالوا: صيغة العموم إذا وردت على الذوات مثلاً
أو على الأفعال كانت عامة في ذلك مطلقة في الزمان والمكان،
والأحوال والمتعلقات. ثم [يقال](٢): المطلق يكفي في العمل
[به](٣) صورة واحدة فلا يكون حجة فيما عداه.
وأكثروا من هذا السؤال [فيما لا](٤) يحصى من ألفاظ الكتاب
والسنة وصار ذلك ديدناً لهم في الجدال، وهذا عندي باطل، بل
الواجب أن ما دل على العموم في الذوات مثلاً يكون، وإلاَّ على
ثبوت الحكم في كل ذات تناولها اللفظ، ولا يخرج عنها ذات إلاَّ
بدليل يخصه، فمن أخرج شيئاً من تلك الذوات فقد خالف مقتضى
العموم، نعم يكفي في العمل بالمطلق مرة كما قالوه، ونحن لا نقول
بالعموم في هذه المواضع من حيث الإطلاق، وإنما قلنا به من حيث
المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كل ذات، فإن كان المطلق
لا يقتضي العمل به مرة مخالفة لمقتضى صيغة العموم اكتفينا [في
العمل](٥) به بمرة واحدة، [وإن](٦) كان العمل به مرة واحدة مما
يخالف مقتضى صيغة العموم قلنا بالعموم محافظة على مقتضى
صيغته لا من حيث أن المطلق يعم، مثال ذلك: إذا قال: من دخل
(١) في الأصل (فإن)، وما أثبت من ن ب ج وإحكام الأحكام (١/ ٢٤٠).
(٢) في ن ب (قالوا).
(٣) زيادة من ن ب ج، وموجودة في إحكام الأحكام.
(٤) في الأصل (فلا)، والتصحيح من ن ب ج.
(٥) في ن ب (بالعمل).
(٦) في ن ب (فإن).
٤٥٣

داري فأعطه درهماً، فمقتضى الصيغة العموم في كل [ذات](١) صدق
[٤٧/ ب/أ] عليها أنها الداخلة /.
فإذا قال قائل: هو مطلق في الأزمان فأعمل به في الذوات
الداخلة في أول النهار مثلاً، ولا أعمل به في غير ذلك الوقت؛ لأنه
مطلق في الزمان وقد عملت به مرة فلا يلزم أن أعمل به أخرى.
[١/١/٦٠] لعدم / عموم المطلق.
قلنا له: لما دلت الصيغة على العموم في كل ذات، دخلت
الدار ومن جملتها الذوات الداخلة في آخر النهار، فإذا أخرجت تلك
الذوات فقد أخرجت ما دلت الصيغة على دخوله وهي كل ذات.
وهذا الحديث أحد ما يستدل به على ما قلناه فإن أبا أيوب من أهل
اللسان والشرع، وقد استعمل قوله: ((لا تستقبلوا القبلة ولا
تستدبروها)) عاماً في الأماكن وهو مطلق فيها، وعلى ما قاله هؤلاء
المتأخرون لا يلزم العموم، وعلى ما قلناه يعم؛ لأنه إذا خرج عنه
بعض الأماكن خالف صيغة العموم في النهي عن الاستقبال
والاستدبار، هذا آخر كلامه، وهو نفیس .
وكأن كلامه مع القرافي، فإنه كان يناظره وهو المكثر من ذلك ..
وقوى بعضهم كلام القرافي من أوجه:
أحدها: من القرآن: قوله تعالى: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾(٢) فلو كان العام في المشركين عاماً في المكان لكان
(١) في الأصل (دار)، والتصحيح من ن ب ج.
(٢) سورة التوبة: آية ٥.
٤٥٤

قوله (حيث وجدتموهم) تكراراً، و (حيث) من صيغ العموم في
المكان، قاله القاضي عبد الوهاب.
[و](١) ثانيها: من هذا الحديث نفسه، [فإن] (٢) المكان هو
الغائط معرف بالألف واللام، فعم جميع الأماكن، ونزاع القرافي إنما
هو فيما إذا لم يكن العموم إلَّ في الأشخاص أو [في](٣) الأفعال،
وأما إذا كان في اللفظ ما يدل على العموم في المكان والزمان مثلاً
فإنه ليس محل النزاع، وكذا نص عليه في تصانيفه، فالحديث حجة
له؛ لأنه لو كان عموم الفعل في سياق النهي يقتضي العموم في
المكان لما كان لتعريف المكان بالألف واللام فائدة.
ثالثها: أن الشيخ تقي الدين قال في حديث بيع الخيار: إن
الخيار عام [ومتعلقه] (٤) - وهو ما يكون فيه الخيار - مطلق، فيحمل
على خيار [الفسخ](٥) وهذا اعتراف.
[و](٦) رابعها: أن أبا حنيفة في مسألة الفعل في سياق النفي
يقول بعدم العموم في المفعول في الزمان والمكان، ووافقه الشافعي
على عدم العموم في الزمان والمكان، وخالفه في المفعول به،
واحتج عليه أبو حنيفة بقياس المفعول به على الزمان والمكان الذي
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) في ن ب (فكان).
(٣) في ن ب ساقطة.
في ن ب (ومنطقه).
(٤)
(٥) في ن ب (النسخ).
(٦) زيادة من ن ب.
٤٥٥

قوله:
((ونستغفر الله)
[سلّم](١) الشافعي عدم العموم فيهما، وهذا مثل مقالة القرافي.
العاشر: قوله: ((ونستغفر الله عز وجل)). قال صاحب
المفهم(٢): هذا دليل على أنه لم يبلغه حديث ابن عمر - يعني
الآتي - أولم يره مخصصاً، وحمل ما رواه على العموم. انتهى، فإن
صح هذا الثاني فهو يضعف المقالة السالفة إن العموم في الذوات
مطلق في الزمان والمكان والأحوال والمتعلقات.
قال الفاكهي: وهو قول بعض الأصوليين، والراجح عند
جماعة من المحققین خلافه .
قال الشيخ تقي الدين: وهذا الاستغفار قيل: لباني الكنيف
على الصفة الممنوعة [عنده](٣)، وحملهم على هذا التأويل أنه إذا
انحرف عنها لم يفعل ممنوعاً فلا يحتاج إلى الاستغفار، والأقرب
أنه استغفار لنفسه أي [فالذنب](٤) يذكر بالذنب؛ ولعل ذلك لأنه
بسبب موافقته لمقتضى البناء سهواً أو غلطاً فيتذكر وينحرف ويستغفر
الله .
لمن الاستغفار
فإن قلت: فالغالط والساهي لم يفعل إثماً فلا حاجة
[١/٦٠/ب] للاستغفار /.
فالجواب: أن أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد
(١) في ن ب (سلمة).
(٢) (٦٠٨/٢).
(٣) في ن ب (عندهم). انظر: إحكام الأحكام مع الحاشية (٢٤٧/١).
(٤) في ن ج (فالذي).
٤٥٦

يفعلون مثل هذا بناء على نسبتهم [التقصير](١) إلى أنفسهم في
التحفظ ابتداءً.
وقال غيره: استغفار أبي أيوب؛ لأن مذهبه تحريم الاستقبال
في البنيان كما سلف، ولا يتأتى له الانحراف / الكامل في قعوده إلّ [٤٧/ ب/ب]
بحسب إمكانه، فاستغفر احتياطاً، ولا يظن به أنه كان يفعل ما يعتقد
تحريمه .
ومن قال: إن استغفاره لبانيها، ففيه بُعد لوجهین:
أحدهما: أن تعقيب الوصف بالفاء والعطف عليه يشعر
[بالعلة] (٢) فالحكم المنع من الجلوس إلى القبلة، والوصف
الانحراف المتعقب بالفاء، والعطف عليه الاستغفار.
ثانيهما: [أنِ الظاهر] (٣) أن المراحيض بناء الكفار في الجاهلية
فکیف یجوز الاستغفار لهم؟
ويحتمل أن استغفاره لمن بناها من المسلمين جاهلاً على
اعتقاده .
الحادي عشر: [في الحديث](٤): ما كان عليه ◌َله من القيام
بالبيان والإِیضاح لأمته .
(١) في ذ ج ساقطة.
(٢) في الأصل (العلية)، والتصحيح من ن ب.
(٣) في ن ج ساقطة.
(٤) في ن ب ساقطة.
٤٥٧

ابتداء العالم
أصحابه بالعلم
الثاني عشر: فيه أيضاً ابتداء العالم أصحابه بالعلم خصوصاً إذا
علم أنه بهم حاجة إلى العمل به.
الثالث عشر: فيه أيضاً أنه ينبغي للعالم التنبيه على الوقائع
المخالفة للعلم والرجوع عنها، أو الاستغفار والتوبة منها. [إن كان
تلبس بها ملتبس)(١) .
الرابع عشر: فيه الكناية عن المستقذرات بألفاظ غير [شنعة
النطق بها](٢).
الكتابة عن
المستقذرات
الخامس عشر: فيه أيضاً تعظيم جهة القبلة وتكريمها والنهي
عما يلزم منه عدم ذلك كما في الاستدبار.
تعظيم جهة
القبلة
(١) ساقط من ن ج.
(٢) في ن ب (شعة المنطق بها).
٤٥٨

الحديث الثالث
٢/٣/١٦ - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله
عنهما قال: ((رقيت يوماً على بيت حفصة فرأيت النبي ◌َّ يقضي
حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة» (١).
الكلام عليه من ثلاثة عشر وجهاً:
الأول: في التعريف براويه [هو](٢): أبو عبد الرحمن ترجمة ابن عمر
عبد الله بن عمر بن الخطاب، وبقية نسبه تقدم في ترجمة والده في
رضي الله عنهما
أول الكتاب، وهو معدود [من](٣) المكيين المدنيين، وكان فقيهاً
عالماً زاهداً ورعاً، أحد الأعلام، قال ابن الحنفية: كان خير هذه
الأمة، شهد الخندق وما بعدها من المشاهد، وهو من أهل بيعة
الرضوان، وقيل: إنه أول من بايع بها، ولا يصح، واستصغره يوم
(١) رواه البخاري برقم (١٤٥، ١٤٨، ١٤٩، ٣١٠٢)، ومسلم برقم (٢٦٦)
في الطهارة، والترمذي برقم (١١)، وابن خزيمة (٦٠)، وابن ماجه
(٣٢٢)، وابن حبان (١٤١٥)، والدار قطني (٦١/١).
(٢) في ن ب (وهو).
(٣) في ن ب ج (في المكيين والمدنيين)، وفي الأصل (الملكيين).
٤٥٩

أحد؛ لأن سنه كان ثلاث عشرة فمولده قبل الوحي بسنة، قاله ابن
حبان، وفي الصحيح أن سنه يوم أحد أربع عشرة، وقال الواقدي:
استصغر عام بدر وأجازه عام أحد، والأول أصح، قال الموفق
الحافظ: ولم يشهد بدراً لصغره، أسلم قديماً مع أبيه وهو صغير لم
يبلغ الحلم، وبايع قبل أبيه وبعده [أدباً](١)، وكان ينكر على من
يقول إنه أسلم قبل أبيه، وهاجر معه ومع أمه زینب، وقيل: بل هاجر
قبل أبيه، وصححوه، وهو شقيق حفصة أم المؤمنين، وأمهما زينب
بنت مظعون، وقال ابن حبان: أمه ريطة بنت مظعون.
عين للخلافة يوم الحكمين مع وجود مثل الإِمام علي وسعد
[١/١/٦١] وغيرهما، وروى نافع قال: دخل ابن عمر الكعبة فسمعته يقول في /
سجوده: ما يمنعني من مزاحمة قريش في هذا الأمر إلاَّ خوفك،
وقال ابن المسيب: أتوا ابن عمر فقالوا: أنت سيد الناس [وابن سيد
الناس](٢) والناس بك راضون، اخرج فنبايعك، فقال: لا والله
ما يراق [فيّ](٣) محجمة دم، ثم زوى عمرو بن العاص الأمر عنه لما
رأى أنه لا يوليه شيئاً إن استخلف، ولما قتل عثمان دخل مروان بن
الحكم عليه في نفر فعرضوا عليه أن يبايعوه فقال: كيف لي بالناس؟
قال: تقاتلهم، فقال: والله لو اجتمع الناس أهل الأرض إلاَّ أهل فدك
ما قاتلتهم، فخرج مروان وهو يقول: ((والملك بعد أبي ليلى لمن
غلبا)) .
(١) في ن ج ساقطة.
(٢) زيادة من ن ب ج.
(٣) في ن ب (في).
٤٦٠