Indexed OCR Text

Pages 261-280

الثامن عشر: فيه دليل على كراهة غمس اليدين في الإِناء قبل غمس اليدين
في الإناء قبلٍ
غسلهما ثلاثاً
غسلهما ثلاثاً سواءً كان في الإِناء ماء قليل أو طعام أو غيره من
الأشياء الرطبة، لكن جاء في رواية ابن حبان: ((قبل أن [يدخلهما] (١) لو كان في
في وضوئه))(٢)، وهو يشعر بأن السياق له، نعم الحكم لا يختلف.
الإناء طعام
التاسع عشر: فيه دليل على استحباب التثليث في غسل
النجاسة؛ لأنه أمر به في المتوهمة ففي المتحققة أولى.
العشرون: [فيه دليل أيضاً على رد ما يقوله أحمد أن الغسل
سبعاً عام في جميع النجاسات؛ لتنصيصه عليه السلام في التثليث،
والتسبيع خاص في ولوغ الكلب.
التثليث في
غسل النجاسة
الحادي والعشرون](٣) فيه دليل أيضاً على أن النجاسة
المتوهمة / يستحب الغسل فيها دون الرش؛ للأمر بالغسل دون
الرش، فإنه في بول الرضيع الذي لم يطعم غير اللبن، وفي اللباس
ونحوه إذا توسوس فيه .
النجاسة
المتوهمة
يشرع غسلها
[١/١/٣٢]
الثاني والعشرون: فيه دليل أيضاً على العفو عن أثر النجاسة في
محلها وإذا انتقل منه لم یعف عنه.
العفوعن
أثر النجاسة
في محلها
الثالث والعشرون: فيه أيضاً دلالة على استحباب الأخذ الأخذ
بالاحتياط
(١). في الأصل (يدخلها)، وما أثبت من ن ب ج، وصحيح ابن حبان.
(٢) البخاري (١٦٢)، والموطأ (٢١/١)، والشافعي (٢٧/١)، وأحمد
(٤٦٥/٢)، والبيهقي في السنن (٤٥/١)، وفي المعرفة (١٩٤/١)،
والبغوي (٢٠٧)، وابن حبان (١٠٦٣).
(٣) في ن ب ساقط.
٢٦١

بالاحتياط في العبادات [وغيرها](١) عند الاشتباه والشك ما لم يخرج
إلى حد الوسوسة.
وجوب
الاستثـاق
الرابع والعشرون: قوله عليه السلام: ((فليستنشق بمنخريه من
الماء)». تمسك به من قال بوجوب الاستنشاق وهو رواية عن أحمد،
وقال مالك والشافعي وغيرهما بعدم الوجوب، وحملوا الأمر على
الاستحباب؛ بدليل حديث الأعرابي السالف فإنه أحاله على الآية
وليس مذكوراً فيها، ولأن المأمور به حقيقة إنما هو الانتثار وليس
بواجب اتفاقاً(٢).
(١) في ن ب (وغيرهما).
(٢) استدلوا على أن الأمر في قوله: (فليستنثر) للندب بما حسنه الترمذي
وصححه الحاكم من قوله الأعرابي: ((توضأ كما أمرك الله)) فأحاله على.
الآية، وليس فيها ذكر الاستنثار.
قال الحافظ: (وأجيب بأنه يحتمل أن يراد بالأمر ما هو أعم من آية
الوضوء فقد أمر الله سبحانه بطاعة نبيه، وهو المبين عن الله أمره. ولم
يحك أحد ممن وصف وضوءه عليه الصلاة والسلام على الاستقصاء أنه
ترك الاستنشاق بل ولا المضمضة، وهو يرد على من لم يوجب المضمضة.
أيضاً، وقد ثبت الأمر بها في سنن أبي داود بإسناد صحيح [ (١٤٣) في
الطهارة باب في الاستنثار). اهـ من فتح الباري (١/ ٢٦٢).
وعلى هذا فالراجح في المضمضة والاستنشاق الوجوب في الوضوء
والغسل؛ لأنهما من جملة الوجه الذي أمر القرآن بغسله، وقد بين
الرسول * ما في القرآن بوضوئه المنقول إلينا قولاً وفعلاً وفعلهما على
المواظبة وداوم عليهما، ولم يحفظ أنه أخل بهما مرة واحدة، كما حكى
ذلك عنه اثنان وعشرون نفراً من أصحابه. وقد ورد الأمر بذلك كما =
٢٦٢

الخامس والعشرون: الاستنشاق(١) تقدم بيانه في الانتشار.
قال القاضي عياض: وهما عندنا سنتان، وقيل: واحدة (أي)
لأنهما وسيلتان / إلى تطهير عضو واحد.
[٢٥/ ب/ ١]
السادس والعشرون: ذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور إلى
وجوب الاستنشاق في الوضوء والغسل [دون المضمضة، بدليل هذا
الحديث، وأكثر العلماء على الندب فيهما، وملخص ما في
المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل](٢) مذاهب أربعة:
أحدها: السنية فيهما، وإليه ذهب مالك والأوزاعي وربيعة
والشافعي والجمهور.
مذاهب
العلماء في
المضمضة
والاستشاق
ثانيها: الوجوب فيهما، وإليه ذهب ابن أبي ليلى وغيره وهو
المشهور عن أحمد .
أخرجه الدارقطي رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أمر
=
رسول الله صل بالمضمضة والاستنشاق. انظر أيضاً: الاستذكار (١١/٢،
١٢ - ٤١).
(فائدة): المراد بالاستنثار في الوضوء: التنظف؛ لما فيه من المعونة على
القراءة، لأن بتنقيته مجرى النفس تصحيح مخارج الحروف، ويزاد
للمستيقظ بأن ذلك لطرد الشيطان كما ثبت في الحديث الصحيح.
(١) الاستنثار: دفع الماء من الأنف، والاستنشاق أخذه بريح الأنف. اهـ.
الاستذكار (١١/٢).
(٢) زيادة من ب ج. انظر: الاستذكار للاطلاع على أقوال أهل العلم في ذلك
(١٢/٢، ١٣).
٢٦٣

ثالثها: وجوبهما في الغسل دون الوضوء، وإليه ذهب
الكوفيون.
رابعها: وجوب الاستنشاق فيهما دون المضمضة، وهو رواية
عن أحمد [كما أسلفناه](١)، قال ابن المنذر(٢): وبه أقول.
قال ابن حزم(٣): وهو الحق؛ لأنه لم يصح عن النبي ◌َّ في
المضمضة أمر، وإنما هي فعل فعله، وأفعاله ليست فرضاً وإنما
[هي](٤) فيها التأسي به. وفيما قاله نظر؛ فقد صحَّ الأمر بها على
شرطه من حديث لقيط بن صبرة مرفوعاً: ((إذا توضأت فمضمض))
رواه أبو داود(٥) .
السابع والعشرون: قوله عليه السلام: (بمنخريه) هو بفتح
الميم وكسر الخاء المعجمة وبكسرهما جميعاً لغتان معروفتان، وهو
نقب الأنف، والكسر على الاتباع، لكسرة الخاء كما قالوا مِنْتِنٌ،
وهما نادران كما قال الجوهري؛ لأن مفعلاً ليس من الأبنية،
تعريف المنخر
(١) في ب ج ساقطة.
(٢) انظر: الأوسط (٣٧٩/١) وقد ذكر هذه الأقوال مفصلة.
(٣) المحلى (٤٩/٢).
(٤) في ن ب ساقطة، وموجودة في المحلى (٤٩/٢، ٥٠).
(٥) في السنن (١٠٠/١)، وقد صحح حديث لقيط: الترمذي والنووي
وغيرهما، ولم يأت من أعله بما يقدح فيه. قال ابن حجر رحمنا الله وإياه
في الفتح (٢٦٢/١) إسناده صحيح، وفي تلخيص الحبير (٨١/١)،
وتحفة الأحوذي (١/ ٤٠).
وانظر: ت (٣) ص (٢٤٣) حديث أبي هريرة رضي الله عنه-أي حديث الباب -.
٢٦٤

والمنخور لغة في المنخر، قال الشاعر(١):
من لد لحییه إلى منخوره
ومثله فيما كسر للاتباع قولهم: المغيرة(٢) ورغيف، بكسر
أولهما.
تنبيه: الاستنشاق لا يكون إلاَّ في [المنخرين](٣) فما فائدة
ذكرهما؟ وليس لقائل أن يقول: إن ذلك من باب قوله تعالى: ﴿وَلَا
طَيْرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾(٤)؛ لأن ذلك جاء لدفع المجاز كما قيل، أو كما
يقال: فلان يطير في جناحك ونحو ذلك، وقد استغني عن ذكرهما
[في الرواية](٥) الأخرى وهي: ((من توضأ فليستنشق))(٦).
لا يصير
الماء مستعملاً
بإدخال اليد
في الإناء
قبل غسلها
الثامن والعشرون: أنه لا يصير الماء مستعملاً إذا أدخل يده
وأراد بذلك غسلها، كذا رأيت هذا الوجه / في كتاب ((الخصال))
لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا، فإنه قال: إن حديث
((لا يدخل يده في الإِناء))، فيه ستة دلائل: التفرقة بين إيراد النجاسة [١/٣٢/ب]
(١) هو غيلان بن حريث، البيت كاملاً:
من لد لحييه إلى منخوره»
ایستوعب البوعين من جريره
في الأصل (لدن)، والتصحيح من الصحاح (٨٢٤/٢).
(٢) في الصحاح (٧٧٥/٢).
(٣) في ن ب (الأنف).
(٤) سورة الأنعام: آية ٣٨.
(٥) في ن ب (بالرواية).
(٦) سنن الدارقطني من رواية ابن عباس، وعائشة (١٠٠/١). وسكت عنه
الغساني في تخريج الأحاديث الضعاف.
٢٦٥

على الماء(١) وعكسه، وأن القليل من الماء ينجس، وأنه لا يصير
مستعملاً إذا أدخل يده وأراد بذلك غسلها، وأنه على وجه
الاستحباب؛ لقوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، وأنه إذا دری أین
باتت يده فلا غسل عليه، وأن الأصل إذا لم يكن واجباً فالأعداد
ليست واجبة. هذا ما ذكره ومنه نقلته، وقد منَّ الله وله الحمد بأکثر
من ذلك في الحديث المذكور كما قررته لك، ونسأل الله الزيادة من
فضله العميم، والنظر إلى وجهه الكريم.
(١) في ن ب (الماء على النجاسة).
٢٦٦

الحديث السابع(١)
١/٧/٧ - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل
قال: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل
فيه))(٢).
ولمسلم: ((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب))(٣).
الكلام عليه من خمسة عشر وجهاً:
(١) هكذا في المخطوطة: (السابع) وعدتها خمسة، ولعله عدَّ رواية
عبد الله بن عمرو وعائشة وأبي هريرة ثلاثاً فيكون سبعاً.
(٢) رواه البخاري برقم (٢٣٩) في الوضوء، باب: البول في الماء الدائم،
ومسلم برقم (٢٨٢) في الطهارة، باب: النهي عن البول في الماء الراكد،
ورواه أيضاً أبو داود برقم (٦٩) و (٧٠) في الطهارة، باب: البول في
الماء الراكد، والترمذي برقم (٦٨) في الطهارة، باب: كراهية البول في
الماء الراكد، وفي آخره عنده: (ثم يتوضأ منه) بدلاً من (يغتسل)،
والنسائي (٤٩/١) في الطهارة، باب: الماء الدائم، وأحمد في المسند
(٣٤٦/٢، ٣٦٢).
(٣) رواه مسلم برقم (٢٨٣) في الطهارة، باب: النهي عن الاغتسال في الماء
الراكد، ورواه أيضاً النسائي (١٩٧/١) في الغسل والتيمم.
٢٦٧

الأول: هذا النهي حمله مالك على الكراهة؛ لاعتقاده أن الماء
دلالة النهي
لا ينجس إلاَّ بالتغيير (١)، وحمله غيره على التحريم تارةً، والتنزيه
أخرى، وسيأتي ذلك بعد.
تعريف الدائم
الثاني: الدائم: الراكد الساکن، من دام یدوم دوماً إذا سكن،
وأدمته: سكنته، يقال للطائر إذا صف جناحيه وسكنها ولم يحركها:
قد دوم الطائر يديماً، وجاء في رواية: ((الماء الراكد)» رواها ابن
ماجه(٢)، ورواها أحمد أيضاً بزيادة: ((ثم يتوضأ منه))(٣)، وأصله من
الاستدارة، وذلك أن أصحاب الهندسة يقولون: إن الماء إذا كان في
مكان فإنه يكون مستديراً في الشكل.
قلت: والدائم أيضاً الدائر، قيل: هو من الأضداد(٤)، ويقال
له: دوام بالضم أي دوار وهو من دوران الرأس، قال الجوهري:
وتدويم الطير: تحليقه، وهو دورانه في تحليقه(٥) ليرتفع إلى
السماء، وقال بعضهم: تدويم الكلب: إمعانه في الهرب.
الثالث: قوله عليه السلام: ((الذي لا يجري)) فيه قولان:
أحدهما: أنه تأكيد لمعنى الدوام وتفسير له، وبه جزم الشيخ
معنى: «الذي
لا يجري
:
(١) انظر: الاستذكار (١٩٨/٢) ..
(٢) في السنن (١٢٤/١).
(٣) في المسند (٢٨٨/٢، ٥٣٢)، وابن حبان (١٢٥١).
(٤) انظر: ثلاثة كتب في الأضداد (١٢٩).
(٥) في الصحاح (طيرانه) (١٩٢٢/٥)، وكذا نقل عنه في لسان العرب
(١٠٣٧/١).
٢٦٨

تقي (١) الدين وغيره، وفي رواية الحاكم في تاريخ نيسابور: ((الماء
الراكد الدائم» / .
[٢٥/ب/ب]
الثاني: أنه للاحتراز من المياه التي تجري بعضها دون
بعض كالبرك ونحوها، وأوضح من هذا أن يقال: لا يمتنع أن
يطلق على البحار والأنهار الكبار التي لا ينقطع ماؤها أنها دائمة،
بمعنى أنها غير منقطع ماؤها، والإِجماع [على] (٢) أنها غير مرادة
في هذا الحديث، فيكون قوله: ((لا يجري)) مخرج لها من حيث
كان يطلق عليها أنها دائمة بالمعنى المذكور، وهذا أولى من حمله
على التأكيد [الذي] (٣) الأصل عدمه، ولأن حمل الكلام على
فائدة [جديدة](٤) أولى من التأكيد، لا سيما كلام الشارع(٥)، بل
(١) إحكام الأحكام (١٢١/١).
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) في ن ب ساقطة.
(٤) في الأصل (جيدة)، والتصحيح من ن ب ج.
(٥) قال الشيخ بكر في معجم المناهي اللفظية في لفظة الشارع (ص ١٩٤)،
وفي لفظة المشرع (ص ٣٠٣، ٣٠٤)، نقلاً عن تاج العروس: أن الشارع
في اللغة هو: العالم الرباني المعلم، وقاله ابن الأعرابي، وقال الزبيدي
أيضاً في تاج العروس: (ويطلق عليه و ﴿ لذلك). وقيل لأنه شرع الدين
أي أظهره وبينه، أما في لغة العلم الشرعي فإن هذا المعنى اللغوي لا تجد
إطلاقه في حق النبي ◌َّ هر، ولا في حق عالم من علماء الشريعة المطهرة.
فلا يقال لبشر: شارع، ولا مشرع، وفي نصوص الكتاب والسنة إسناد
التشريع إلى الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الّذِينِ مَا وَضَّى بِهِنُوحًا
وَالَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾. وفي الحديث أن ابن مسعود رضي الله عنه، قال : =
٢٦٩

[لو] (١) لم يأت قوله الذي لا يجري لكان مجملاً بحكم الاشتراك بين
الدائم والدائر، فلا يصح الحمل على التأكيد.
أصل كلمة
الماء
الرابع: أصل الماء: موه، بدليل مُوَيْه وأمواه تصغيراً وتكبيراً،
فحركنا الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، فاجتمع خفتان الألف
[١/٣٣/أ] والهاء، فقلبت الهاء همزة. والماء ممدود، وحكى/ ابن سيده عن(٢)
بعضهم (اسقني ماً) مقصوراً وهو غريب.
الألف واللام
في الماء
الخامس: الألف واللام في الماء لبيان حقيقة الجنس، ويقال
فيهما أيضاً للمح الحقيقة، كما يقال ذلك في نحو: أكلت الخبز،
وشربت الماء، وليست للجنس الشامل، إذ لا ينهى الإِنسان عن
البول في جميع مياه الأرض إذا النهي إنما يتعلق بالممكن دون ..
المستحيل، ويجوز أن تكون للعهد الذهني.
أقسام الألف
والسلام
واعلم أن الألف واللام لها تسعة أقسام:
الأول: للجنس، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٌ﴾(٣).
((إن الله شرع لنبيكم سنن الهدى)) رواه مسلم وغيره، لهذا فإن قصر إسناد
=
ذلك إلى الله سبحانه وتعالى أخذ في كتب علماء الشريعة على اختلاف
فنونهم في صفة التقعيد. فلا نرى إطلاقه على بشر حسب التتبع، ولا يلزم.
من الجواز اللغوي الجواز الاصطلاحي.
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) في المخصص له (٩/ ١٣٠). قال أبو علي: وحكى الفراء عن الكسائي:
اسقني ما - مقصوراً - وقد دفع سيبويه أن يكون اسم على حرفين أحدهما :
تنوین .
(٣) سورة العصر: آية ٢ .
٢٧٠

ثانيها: للعهد، نحو قوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾(١). ثالثها:
لبيان حقيقة الجنس وللمح الحقيقة كما قدمناه. رابعها: للحضور،
نحو ((يا أيها الرجل))، و((خرجت هذا الوقت)). خامسها: للمح
الصفة، كالفضل والحارث. سادسها: بمعنى [الذي] (٢)، نحو
الضارب(٣) والمضروب، أي الذي ضرب والذي ضُرب. سابعها:
للغلبة، كالعقبة. ثامنها: للتزين، في نحو الذي والتي على الصحيح
عند النحاة، لا للتعريف، وهي كذلك عند بعض الأصوليين في
قولهم: دل الدليل على كذا. تاسعها: زائدة، كقولهم، أدخلوا الأول
فالأول، وزيادتها على ضربين: لازمة وغير لازمة، ومحل الخوض
في ذلك كتب العربية.
السادس: قوله عليه السلام: ((ثم يغتسل منه)). كذا أخرجه
مسلم (٤). وللبخاري(٥) (فيه)) بدل ((منه)) ومعناهما مختلف، يفيد كل
منهما حكماً بطريق النص وآخر بطريق الاستنباط، ولو لم يرد
لاستويا لما ستعلمه على الأثر.
السابع: النهي عن الاغتسال لا يخص الغسل بل الوضوء، النهي لا يختص
كذلك كما أسلفناه عن رواية الإِمام أحمد، ورواه ابن خزيمة وابن
بالاغتال
حبان في صحيحيهما بلفظ: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم
(١) سورة المزمل: آية ١٦.
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) في ن ب زيادة (الذي).
(٤) في الصحيح (١٨٧/٣) (نووي).
(٥) في الصحيح (٣٤٦/١) (فتح).
٢٧١

يتوضأ منه أو يشرب)»(١). ولو لم يرد لكان معلوماً قطعاً استواؤها في
هذا [الحكم](٢) لفهم المعنى المقصود وهو التنزه عن التقرب إلى الله
تعالى بالمستقذرات.
ضبط (یغتسل)
الثامن: قوله: ((ثم يغتسل)). الرواية فيه بالرفع كما قاله
النووي .
وقال القرطبي(٣) أيضاً: إنه الرواية الصحيحة أي هو يغتسل
فيه أي شأنه الاغتسال منه، ومعناه النهي عن البول فيه سواء أراد
الاغتسال منه أم لا .
وقال ابن مالك(٤): يجوز جزمه على النهي، ونصبه على
[تقدير](٥) ((أن))، وتكون ((ثم)) بمعنى [الواو للجمع] (٦). كقوله:
((لا تأكل السمك وتشرب اللبن))، أي لا تجمع بينهما.
وقال النووي: الجزم ظاهر، وأما النصب فلا يجوز؛ لأنه
يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما ولم يقله أحد، بل
(١) صحيح ابن خزيمة (٥٠/١)، وابن حبان (١٢٥٦)، وشرح معاني الآثار ..
(١٤/١)، وفي تلخيص الحبير ذكر الروايات بألفاظها (١٠٥/١).
(٢) في ن ب (الفعل).
(٣) المفهم (٦٣٨/٢).
(٤) هو جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك، ولد سنة ستمائة، وكانت
وفاته سنة اثنتين وسبعين وستمائة. اهـ. من ترجمة في شواهد الإيضاح
(١٦٤).
(٥) في الأصل (التقدير)، والتصحيح من ن ب. انظر: فتح الباري (٣٤٧/١).
(٦) في شواهد الإيضاح (١٦٤) (واو الجمع).
٢٧٢

البول(١) منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أو لا(٢). أي والاغتسال
فيه منهي عنه على انفراده وهذا التعليل الذي علل به النصب ضعيف؛ لأنه
ليس فيه أكثر من كون هذا الحديث لا يتناول النهي عن البول في الماء
الراكد بمفرده، وليس [بألزم](٣) أن يدل على الأحكام المتعددة بلفظ
واحد فيؤخذ النهي عن الجميع من هذا الحديث، ويؤخذ النهي عن الإِفراد
من حديث آخر، ومثل هذا الحديث على القول بجواز النصب قوله تعالى :
﴿ وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُواْ أَلْحَقَّ﴾ (٤) على أحد / الوجهين وهو [١/٣٣/ب]
النصب لا الجزم، فإن النهي في الآية أيضاً عن شيئين:
أحدهما: لبس الحق بالباطل وهو زيادتهم في التوراة ما ليس
فيها / .
[٢٦ / ب/ أ]
والثاني: كتمان الحق وهو جحدهم ما فيها من نعوته عليه
السلام وغير ذلك، حتى يقال في الآية أيضاً على وجه النصب: إنه
يؤخذ منها النهي عن الجمع ويؤخذ النهي عن الإِفراد من دليل آخر،
وقد صرح بذلك ابن يعيش(٥) في (شرح المفصل)(٦)، قال: وجرت
(١) في النووي (١٨٧/٣) زيادة (منه).
(٢) إلى هنا ينتهي كلام النووي.
(٣) في ن ب (يلزم).
(٤) سورة البقرة: آية ٤٢.
(٥) يعيش بن علي بن يعيش وكان يعرف بابن الصائغ، ولد سنة ٥٥٣ بحلب،
توفي ٦٤٣هـ من كبار أئمة العربية صنف ((شرح المفصل)) و((شرح تصريف
ابن جني)». «بغية الوعاة» (٣٥١/٢).
(٦). شرح المفصل (٣٣/٧).
٢٧٣

هذه المسألة يوماً في مجلس قاضي القضاة بحلب، فقال أبو الحزم
الموصلي: لا يجوز النصب في الآية؛ لأنه لو كان منصوباً لكان من
قبيل لا تأكل السمك وتشرب اللبن. [وكان مثله في الحكم يجوز
تناول كل واحد منهما كما يجوز ذلك في: لا تأكل السمك وتشرب
اللبن](١) فقلت: يجوز أن يكون منصوباً ويكون النهي عن الجمع
بينهما [و](٢) كون كل واحد منهياً عنه بدليل آخر، ونحن إنما قلنا في
قولهم ((لا تأكل السمك وتشرب اللبن)) إنه يجوز تناول كل واحد
منهما مفرداً؛ لأنه لا دليل إلاَّ هذا، ولو قدرنا دليلاً آخر للنهي عن
كل واحد منهما مفرداً لكان كالآية، فانقطع الكلام عند ذلك.
واعلم أن القرطبي(٣) في (المفهم) (٤) منع رواية النصب أيضاً
في هذا الحديث فقال: لا يجوز النصب، إذ لا ينصب بإضمار ((أن))
بعد (ثم))، وهي الجزم الذي ادَّعى النووي ظهوره، فقال: وبعض
الناس قيّده بالجزم على العطف [على](٥) ((يبولن))، وليس بشيء؛ إذ
لو أراد ذلك لقال: ((ثم لا يغتسلنَّ))، لأنه إذ ذاك عطف فعل [على
(١) ساقطة من ب.
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) أحمد بن عمر بن إبراهيم أبو العباس الأنصاري القرطبي، فقيه مالكي من.
رجال الحديث كان مدرساً بالإسكندرية وتوفي بها، ومولده بقرطبة ٥٧٨،
وفاته ٦٥٦. من كتبه المفهم شرح مختصر مسلم، ومختصر الصحيحين.
الأعلام للزركلى (١٧٩/١).
(٤) المفهم (٦٤٨/٢)، والفتح (٣٤٧/١) مع تعقب ابن حجر له.
(٥) زيادة من ن ب ج.
٢٧٤

فعل](١) لا عطف جملة على جملة، وحينئذٍ يكون الأصل مساواة
الفعلين في النهي عنهما، وتأكيدهما بالنون المشددة، فإن المحل
الذي تواردا عليه هو شيء واحد، [و](٢) هو الماء، [فعدوله](٣) عن
ثم [لا يغتسل] (٤) دليل على أنه لم [يرد](٥) العطف، وإنما جاء لاثم
يغتسل)) على التنبيه على الحال، ومعناه: أنه إذا بال فيه قد يحتاج
إليه، فيمتنع عليه استعماله؛ لما أوقع فيه من البول، وهذا مثل قوله
عليه السلام: ((لا يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها))(٦)
برفع يضاجعها، ولم [يروه](٧) أحد [بالجزم](٨) ولا تخيله [فيه](٩)؛
لأن المفهوم منه إنما نهاه عن ضربها؛ لأنه يحتاج إلى مضاجعتها في
ثاني [حال](١٠) فيمتنع عليه بما أساء من معاشرتها ويتعذر عليه
المقصود لأجل الضرب، وتقدير اللفظ: ثم هو يضاجعها، وثم هو
يغتسل ..
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) في ن ب ساقطة .
(٣) في ن ب (وعدوله).
(٤) في الأصل (يغتسل)، والتصويب من ن ب ج.
(٥) في ن ب (لمجرد).
(٦) متفق عليه، في البخاري (٣٠٢/٩) (فتح)، وفي مسلم (١٨٨/١٧)
(نووي).
(٧) في ن ج (يره).
(٨) في ن ب (بالجمع).
(٩) في ن ب ساقطة.
(١٠) في ن ب (الحال).
٢٧٥

النهي المعلق
بعدد
فائدة أصولية(١): النهي المعلق بعدد تارةً يكون عن الجمع،
أي الهيئة الاجتماعية دون المفردات على سبيل الانفراد، كالنهي عن
نكاح الأختين، وتارةً يكون عن الجميع أي عن كل واحد (٢)، كالزنى
والسرقة، وهذا الحديث يحتمل أن يكون من الأول وأن يكون من
الثاني كما أسلفنا .
ورواية أبي داود (٣) والدارقطني(٤) وابن حبان: ((لا يبولن
أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل [فيه](٥) من الجنابة)) ظاهرة في
الثاني، وهذه الرواية تقتضي عموم النهي في القليل والكثير، لكن في :
الكثير للتنزيه، وأما القليل فستعلم ما فيه، وعبَّر بعضهم عن هذه
القاعدة بعبارة أخرى، فقال: النهي [عن] (٦) شيئين: تارةً يكون
[٣٤ / ١/ أ] على / الجميع وتارةً يكون عن الجمع، فأما الأول: فيقتضي المنع
من كل واحد، وأما الثاني: فمعناه المنع من فعلهما معاً، قال: وهذا
الحديث من الثاني أي لا يجمع بين البول في الماء والاغتسال منه،
يؤيده الرواية المذكورة.
التاسع: هذا النهي في بعض المياه للتحريم وفي بعضها
حكم النهي
(١) انظر: المحصول (٥٠٧/٢).
(٢) في ن ب زيادة (أبي).
(٣) في سنن أبي داود (٥٧/١).
(٤) السنن (٥٢/١)، وقال: إسناده صحيح، ابن حبان (١٢٥٧)، والبغوي
(٢٨٥).
(٥) في ن ب (منه).
(٦) في ن ب ساقطة.
٢٧٦

للتنزيه، ويؤخذ ذلك من حكم المسألة، فإن كان الماء كثيراً جارياً
لم يحرم البول فيه؛ لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتنابه، وإن
كان قليلاً جارياً، فقال جماعة من أصحابنا: [يكره](١)، والمختار
[كما] (٢) نبّه عليه النووي(٣) أنه [يحرم](٤)؛ لأنه [يقذره](٥)
وينجسه (٦)، [و](٧) إن كان قليلاً راكداً [فقد أطلق جماعة من
أصحابنا أنه مكروه](٨)، [والصواب المختار كما نبه عليه النووي
التحريم؛ لأنه ينجسه ويغر غيره باستعماله](٩)، وإن كان كثيراً راكداً
فقال أصحابنا يكره، ولو قيل: يحرم، لم يبعد؛ فإن النهي يقتضي
التحريم على المختار عند المحققين والأكثرين من الأصوليين،
فالمختار في هذه المسألة: التحريم في القليل وإن لم يتغير جارياً
كان أو راكداً، والكراهة في الكثير الجاري إن لم يتغير، فإن تغير
حرم، وفي الكثير الراكد ما أسلفته لك.
فرع: الكراهة / في البول الراكد ليلاً أقوى؛ لأنه قيل: إن (٢٦/ب/ب]
(١) في ن ب (مكروه).
(٢) في ن ب (ما).
(٣) شرح مسلم (١٨٧/٣).
(٤) في ن ب (أنه التحريم).
(٥) في ن ب ساقطة.
(٦) في ن ب زيادة (ويغرّ غيره باستعماله).
(٧) في ن ب ساقطة.
(٨) عبارة ن ب (فقال أصحابنا: يكره).
(٩) كأن في العبارة تكرار وهو غير موجود في ن ب ج.
٢٧٧

الماء بالليل للجِنِّ، فلا ينبغي أن يبال فيه ولا يغتسل خوفاً من أن
(١)
يصاب من جهتهم
التغوط في
الماء
فرع: التغوط في الماء كالبول فيه وأقبح، وكذا إذا بال في إناء
ثم صبه فيه، خلافاً للظاهرية [فيهما](٢) كما ستعلمه بعد(٣).
البول قرب
الماء
فرع: يكره البول والتغوط بقرب الماء وإن لم يصل إليه؛
لعموم النهي عن البراز في الموارد.
انغماس
المتجي
فرع: انغماس المستنجي في القليل حرام لتنجسه، فإن كان
كثيراً جارياً فلا، وكذا إن كان راكداً فلا يكره؛ لأنه ليس في معنى
البول ولا يقاربه، ولو تركه فحسن، قاله النووي في شرح مسلم (٤).
خلاف العلماء
في مقدار
الماء الذي
ينجسه البول
العاشر: يقتضي الحديث تحريم البول في الراكد مطلقاً كما
قررناه، وبه استدلَّ أبو حنيفة على تنجيس الغدير الذي يتحرك طرفه .
بتحرك الآخر [بوقوع](٥) النجاسة فيه، فإن الصيغة عموم، وهو عند
الشافعية وغيرهم مخصوص، والنهي محمول على ما دون القلتين
وعدم تنجيس القلتين، (فما)(٦) زاد إلَّ بالتغير مأخوذ من حديث
القلتین وهو حدیث صحیح کما شهد له بذلك الأئمة کابن معين وابن
(١) لم يورد عليها - رحمنا الله وإياه ـ- دليلاً.
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) انظر: المجموع شرح المهذب (١١٩/١).
(٤) مسلم (١٨٨/٣).
(٥) في الأصل (ووقوع)، والتصويب من ب ج.
(٦) في ن ب (وما).
٢٧٨

خزيمة وابن حبان والحاكم (١) وغيرهم؛ جمعاً بين الحديثين،
فحديث القلتين خاص وهذا الحديث مقتضاه العموم، والخاص مقدم
على العام.
ولأحمد رحمه الله طريقة أخرى وهي الفرق بين بول الآدمي:
[وما في معناه من العذرة المائعة وغير ذلك من النجاسات، فأما بول
الآدمي](٢) وما في معناه فينجس الماء، وإن كان أكثر من قلتين،
ما لم يكثر كالمصانع التي بطريق مكة، وأما غيره من النجاسات
فتعتبر فيه القلتان، وكأنه رأى أن الخبث المذكور في حديث القلتين
عام بالنسبة إلى الأنجاس / وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول [١/٣٤/ب]
الآدمي، فيقدم الخاص على العام بالنسبة إلى النجاسات الواقعة في
الماء الكثير، ويخرج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات
الواقعة في القلتين؛ لخصوصية تنجيس الماء دون غيره من
النجاسات، ويلحق بالبول المنصوص [عليه](٣) ما يعلم أنه في
معناه .
(١) أبو داود في الطهارة (٦٣)، باب: ما ينجس الماء، والنسائي (٤٦/١)،
والمنتقى لابن الجارود (٤٥)، والدارقطني (١٤/١، ١٥)، والبيهقي
(٢٦٠/١، ٢٦١)، والترمذي (٦٧)، وابن ماجه (٥١٧)، وأحمد
(٣/٢)، وصححه ابن خزيمة (٩٢)، والحاكم (١٣٣/١)، وأحمد شاكر
في الترمذي (٩٩١)، وتلخيص الحبير (١٦/١، ٢٠)، ونصب الراية
(١٠٤/١، ١١١).
(٢) في ن ج ساقطة.
(٣) في ن ب ساقطة.
٢٧٩

ومالك رحمه الله حمل النهي على الكراهة للتنزيه مطلقاً؛
لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلاَّ بالتغير بالنجاسة كما هو مذهب بعض
الصحابة والأوزاعي وداود، وقول لأحمد نصره بعض المتأخرين من
أتباعه، واختاره الروياني من أصحابنا، [فخرج](١) الحديث عن
الظاهر عند الكل بالتخصيص أو التقييد؛ للإجماع على أن الماء
الكثير المستبحر [لا تؤثر فيه النجاسة، وأنه إذا غيرته النجاسة ولو"
كان يسيراً امتنع استعماله، ولأصحاب أبي حنيفة أن يقولوا: خرج
عنه المسبحر الكثير](٢) بالإجماع فيبقى فيما عداه على حكم النص،
فيدخل تحته ما زاد على القلتين.
ولأصحاب الشافعي أن يقولوا بقول أبي حنيفة في خروج
المستبحر بالإجماع [ويخرج](٣) القلتان فما زاد بمقتضى حديث
القلتين، فیبقی ما نقص عنهما داخلاً تحت مقتضى الحديث.
ولأصحاب أحمد أن يقولوا: خرج ما ذكرتموه، وما دون
القلتين داخل تحت نص الحديث، وما زاد عليهما عام في الأنجاس
فيخصص ببول الآدمي، ولمخالفهم أن يقول: معلوم جزماً أن النهي
إنما هو [لمعنى](٤) النجاسة وعدم التقرب إلى الله تعالى بما خالطها،
وهذا المعنى يتجه فيه سائر الأنجاس [فلا](٥) يتجه فرق بين بول
(١). في ن ب (وخرج).
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) في ن ب (فيخرج).
(٤) في ن ب (بمعنى).
(٥) في ن ب (ولا).
٢٨٠