Indexed OCR Text

Pages 1081-1100

قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟)) وذكر الحديث. قال البيهقي(١): وروي
من أوجه، كلها ضعيفة. قلت: يتعين تأويله وصرفه عن ظاهره(٢). والله المعين.
٣٠٧ - مسألة: في الوارد عن النهي عن ضحك المرء من
الريح الذي يخرج من جليسه.
فالجواب: هو في تفسير: ﴿والشمس وضحاها) من صحيح
البخاري(٣) في حديث عن عبدالله بن زمعة أنه سمع النبي ◌َّهُ يخطب،
فذكر الناقة والذي عقرها فقال رسول الله وَله: ((إذ انبعث أشقاها، انبعث
لها رجل عزيز، عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة - يعني جد الراوي
واسمه الأسود بن المطلب - وذكر النساء فقال: ((يعمد أحدكم فيجلد امرأته
جلد العبد، ولعله يضاجعها من آخر يومه، ثم وعظهم في ضحكم من
الضرطة وقال: ((لِمَ يَضْحَكُ أحدكم مما يفعل؟)).
وأخرجه أيضاً في باب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر
قوم من قوم﴾(٤) من الأدب من صحيحه(٥) أيضاً بلفظ: نهى النبي وَلّر أن
يضحك الرجل مما يخرج من الأنفس.
وكذا أخرجه مسلم(٦) والترمذي(٧) وقال: حسن صحيح.
(١) انظر: الأسماء والصفات ص(٣٨٠).
(٢) تقدمت هذه المسألة برقم ٨٣، وهذا المنهج سلكه المتأخرون ومنهج السلف على خلاف هذا،
والحديث: صححه الترمذي، وابن رجب (وله في شرحه رسالة مستقلة سماها: مكفرات
الذنوب .... ) والحافظ ابن حجر، والألباني في مواضع من كتبه وخلق سواهم.
(٣) انظر: الصحيح مع الفتح ٧٠٥/٨ رقم (٤٩٤٢).
(٤) آية (١١) من سورة الحجرات.
(٥) انظر: الصحيح مع الفتح ٤٦٣/١٠ رقم (٦٠٤٢).
(٦) في صحيحه في الجنة ونعيمها وأهلها، باب (١٣) ٢١٩١/٤ رقم (٢٨٥٥).
(٧) في سننه، في التفسير سورة الشمس وضحاها ٥/ ٤٤٠ رقم (٣٣٤٣) وانظر أيضاً: مسند أحمد ٤/ ١٧.
١٠٨١

قال النووي رحمه الله(١): فيه النهي عن الضحك من الضرطة يسمعها
من غيره، بل ينبغي أن يتغافل عنها ويستمر على حديثه واشتغاله بما كان
فيه، من غير التفات ولا غيره، بل يُظْهِرُ أنه لم يسمع. والله أعلم.
٣٠٨ - مسألة: في النهي عن سكنى القرى.
فالجواب: أخرجه الطبراني في الأوسط(٢) عن أبي سعيد الخدري
مرفوعاً: ((لا تنزلوا الكفور - يعني القرى - فإنها بمنزلة القبور)).
وللبيهقي في الشعب(٣) عن ابن عباس رفعه: ((من علق الصيد غفل
ومن لزم البادية جفا ومن أتى السلطان افتتن)) وهو عند أبي داود في الصيد
من سننه (٤) من حديث وهب بن منبه عنه بلفظ: ((من سكن البادية جفا ومن
اتبع الصيد غفل ومن أتى السلطان افتتن)).
وأخرجه أيضاً النسائي(٥) والترمذي(٦) وقال: حسن غريب من حديث
ابن عباس. ورواه أحمد (٧) عن أبي هريرة مرفوعاً أيضاً وزاد: ((وما ازداد
عبد من السلطان قرباً إلا ازداد من الله بعداً).
(١) انظر: شرح النووي مع صحيح مسلم ١٨٨/١٧.
(٢) المعجم الأوسط ١٢١/٥ رقم (٤٨٥١).
وانظر أيضاً: مجمع البحرين ٣٠٩/٥ رقم (٣١٢٣) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد
(١٠٥/٨) وقال: وفيه محمد بن جامع العطار وهو ضعيف.
(٣) انظر: شعب الإيمان ٧/ ٤٧ رقم (٩٤٠٢).
(٤)
في سننه، باب في اتباع الصيد ٢٧٨/٢ رقم (٢٨٥٩).
(٥) في سننه، في الصيد والذبائح، باب اتباع الصيد ١٩٥/٧ - ١٩٦.
(٦) في سننه، في الفتن، باب سكنى البادية ٥٢٣/٤ رقم (٢٢٥٦) وأخرجه أيضاً أحمد في
مسنده ٣٥٧/١.
(٧) مسند أحمد ٣٧١/٢، ٤٤٠ - ٤٤١ وأخرجه أيضاً البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٤٧ -
٤٨ رقم (٩٤٠٣، ٩٤٠٤).
١٠٨٢

وفي الباب عن البراء بن عازب(١) وآخرين، منهم: ثوبان كما
للبخاري في الأدب المفرد(٢) من حديث راشد بن سعد سمعت ثوبان
يقول: قال لي رسول الله وَله: ((لا تسكن الكفور، فإن ساكن الكفور
كساكن القبور)) ومحل النهي حيث لم يكن فقيهاً، لغلبة الجهل على أهلها
بحيث تصير كالمقابر التي لا يصلى فيها ولا يتعبد وإن وجدت صورة
للصلاة ونحوها، أما النازل بها لقصد الإِرشاد والتفقيه ونحو ذلك مما هو
من فروض الكفايات، فلا. وكذا قوله: ((من بدا جفا (٣))) أي صار فيه جفاء
الأعراب، هو فيمن نزل البادية واتخذها وطناً. ونحوه: ((إن الجفا والقسوة
في الفدادين(٤)) يعني الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، وإلا
فيروى: أنه وير كان إذا اهتم بشيء بدا أي خرج إلى البدو(٥) وفي لفظ:
(١) حديث البراء بلفظ: ((من بدا جفا)) أخرجه أحمد في مسنده ٢٩٧/٤ وأبو يعلى في
مسنده ٢١٥/٣ رقم (١٦٥٤) والروياني في مسنده ٢٥٨/١ رقم (٣٨٣) وانظر: أطراف
الغرائب (ق١/١٠٠).
(٢) انظر: الأدب المفرد باب ساكن القرى ٣٨/٢ رقم (٥٧٩).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في مسنده ٣٧١/٢، ٤٤٠، وابن عدي في الكامل ٣١٢/١
والبيهقي في السنن الكبرى ١٠١/١٠ وفي الشعب ٤٧/٧_٤٨ رقم (٩٤٠٣-٩٢٠٤)
جميعاً عن أبي هريرة، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣٣٦/١٢ رقم (١٣٠٠٣)
والطبراني في الكبير ٥٦/١١ - ٥٧ رقم (١١٠٣٠) عن ابن عباس.
(٤) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم ٦/ ٣٥٠ رقم (٣٣٠٢) وفي
المناقب، باب قول الله: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم) الآية ٥٢٦/٦ رقم (٣٤٩٨) وفي
المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن ٩٨/٨ رقم (٤٣٨٧) وفي الطلاق، باب
اللعان ٤٣٩/٩ رقم (٥٣٠٣) ومسلم في الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان فيه ١/ ٧١
رقم (٥١) وأحمد في مسنده ١١٨/٤ و٢٧٣/٥ والحميدي في مسنده برقم (٤٥٨) وأبو
عوانة في صحيحه ١/ ٥٩ والطبراني في الكبير ٢٠٨/١٧ - ٢١٠ من رقم (٥٦٧ - إلى ٥٦٩).
(٥) ذكره ابن الأثير في النهاية ١٠٨/١ في مادة (بدا).
١٠٨٣

((كان يبدو إلى هذه التلاع(١). وهو باللفظ الثاني عند البخاري في الأدب
المفرد(٢) من حديث المقدام بن شريح عن أبيه، سألت عائشة عن البدو،
قلت: وهل كان النبي وَل﴿ل يبدو؟ قالت: نعم، كان يبدو إلى هؤلاء التلاع.
ويشبه كما قال ابن الأثير(٣): أن يكون ليبعد عن الناس، ويخلو بنفسه،
ومنه: ((ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره (٤)).
والله المستعان.
(١) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب ما جاء في الهجرة وسكنى البدو ٧/٣ رقم (٢٤٧٨)
وأحمد في مسنده ٦/ ٥٨ وابن أبي شيبة في مصنفه ٣٣٥/١٢ رقم (١٢٩٩٧).
(٢)
انظر: الأدب المفرد ٣٩/٢ رقم (٥٨٠).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير ١/ ١٠٨ مادة (بدا).
(٤) هذا جزء من حديث أبي سعيد الخدري ولفظه: قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول
الله؟ قال: ((مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله)) قال، ثم من؟ قال: ((ثم رجل -
وفي رواية: رجل - معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره)).
أخرجه البخاري في الجهاد، باب أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله
٦/٦ رقم (٢٧٧٦) وفي الرقاق، باب العزلة راحة من خلطاء السوء ٣٣٠/١١ - ٣٣١
رقم (٦٤٩٤) ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والرباط ١٥٠٣/٣ رقم (١٨٨٨)
وأبو داود في الجهاد، باب ثواب الجهاد ١١/٣ رقم (٢٤٨٥) والترمذي في فضائل
الجهاد، باب ما جاء أي الناس أفضل؟ ١٨٦/٤ - ١٨٧ رقم (١٦٦٠) والنسائي في
الجهاد، باب فضل من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله ١١/٦ وابن ماجه في الفتن،
باب العزلة ١٣١٦/٢ رقم (٣٩٧٨) وأحمد في مسنده ١٦/٣، ٣٧، ٥٦، ٨٨ وأبو
عوانة في مسنده ٥/ ٥٥ ٥٦. وابن حبان في صحيحه الإحسان ٣٦٩/٢ رقم (٦٠٦)
و٤٥٩/١٠ - ٤٦٠ رقم (٤٥٩٩) والخطابي في العزلة ص١٠ والبيهقي في السنن
الكبرى ١٥٩/٩. وقد تقدمت هذه المسألة برقم (٩١).
١٠٨٤

٣٠٩ - مسألة: في الموطن الذي استحيت الملائكة فيه من
عثمان رضي الله عنه؟
فالجواب: لم أقف عليه في حديث معتمد ولكن أفاد شيخنا البدر
النسابة في بعض مجامعيه عن الجمال الكازروني أنه وصل ﴿ لما آخى بين
المهاجرين والأنصار بالمدينة في بيت أنس بن مالك وتقدم عثمان لذلك
كان صدره مكشوفاً فتأخرت الملائكة منه فأمره النبي وَليو بتغطية صدره
فعادوا إلى مكانهم فسألهم النبي وَالتّر عن سبب تأخرهم، فقالوا: حياء من
عثمان(١). فالله أعلم.
٣١٠ - مسألة: روى الدار قطني(٢) والبيهقي في سننهما(٣) عن
عائشة مرفوعاً: ((لا اعتكاف إلا بصيام)) وسنده ضعيف.
وله شاهد عند أبي داود في سننه(٤) عنها قالت: ((من السنة على
(١) لم أقف على هذه القصة في موطن استحياء الملائكة من عثمان رضي الله عنه وإنما
ورد حديث عن عائشة رضي الله عنها وفيه قصة :.. بلفظ: ((ألا أستحيي من رجلٍ
تستحيي منه من الملائكة)). أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل عثمان بن
عفان ١٨٦٦/٤ رقم (٢٤٠١) وأبو يعلى في مسنده ٢٤٠/٨-٢٤١ رقم (٤٨١٥) وابن
حبان في صحيحه الإحسان ٣٣٦/١٥ رقم (٦٩٠٧) والبيهقي في السنن الكبرى
٢٣٠/٢-٢٣١ والبغوي في شرح السنة برقم (٣٨٩٩) وقد تكررت هذه المسألة برقم
(٩٤).
(٢) في سننه في الصيام، باب الاعتكاف ١٩٩/٢ - ٢٠٠ رقم (٤) وقال: تفرد به سويد عن
سفیان بن حسین.
(٣) انظر: السنن الكبرى ٣١٧/٤ وقال: هذا وهم من سفيان بن حسين أو من سويد بن
عبدالعزيز وهو ضعيف بمرة لا يقبل منه ما تفرد به.
(٤) أخرجه في الصوم، باب المعتكف يعود المريض ٨٣٦/٢ رقم (٢٤٧٣) من طريق
عبدالرحمن بن القاسم، وقال: غير عبدالرحمن لا يقول فيه: ((قالت: السنة)) ثم قال : =
١٠٨٥

المعتكف أن لايعود مريضاً، ولا يشهد جنازةً، ولا يمس امرأة ولا
يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه ولااعتكاف إلا بصوم)).
وأخرجه البيهقي(١) من أوجه أخر بلفظ: ((والسنة فيمن اعتكف أن
يصوم)» مع قول أبي داود الذي أورده هو منه تفرد به.
وقول الصحابي: ((من السنة) حكمه الرفع على الصحيح(٢)، ولكن
قد أشار البيهقي إلى وهم رفعه (٣)، وصرح غيره بذلك في الصريح
والكناية، وأن الراجح وقفه، فكذلك رواه البيهقي أيضاً عنها أنها قالت:
لا اعتكاف إلا بصوم(٤). وفي لفظ عنده(٥) أيضاً وعند أبي بكر بن أبي
شيبة في مصنفه (٦) عنها: ((من اعتكف فعليه الصيام)) ووافقها على القول به
ابن عباس وابن عمر مما رواه سعيد بن منصور في سننه عنهما وآخرون،
منهم: علي. فعند ابن أبي شيبة(٧) من طريق جعفر عن أبيه عنه قال: لا
اعتكاف إلا بصوم. وقول ابن عباس مروي عنه من أوجه، بلفظ الشرط
وغيره. منها: ما أخرجه البيهقي في سننه(٨) من طريق عطاء عن ابن عباس
وابن عمر أنهما قالا: المعتكف يصوم. وعن أبي فاختة سعيد بن علاقة
=
جعله قول عائشة.
(١) انظر: السنن الكبرى ٣١٥/٤ - ٣١٦، ٣٢٠، ٣٢١.
(٢) انظر في هذه المسألة: علوم الحديث لابن الصلاح ص(٥٠).
(٣)
انظر: السنن الكبرى ٣٢١/٤.
تقدم تخريجه من البيهقي بهذا اللفظ في أول المسألة.
(٤)
انظر: السنن الكبرى ٣١٧/٤.
(٥)
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصيام، باب من قال: لا اعتكاف إلا بصوم انظر:
المصنف ٣/ ٨٧.
(٧) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٨٧.
(٨) السنن الكبرى ٣١٨/٤.
١٠٨٦

سمعت ابن عباس يقول: يصوم المجاور، والمجاور المعتكف(١). ولكن
ثانيهما عند سعيد بن منصور في سننه(٢)، وابن أبي شيبة في مصنفه(٣) من
طريق عمرو عن أبي فاختة بلفظ: ((المعتكف عليه الصوم)) وفي لفظ
لأولهما: لا جوار إلا بصيام(٤). ومن طريق مجاهد قال: أخبرنا صاحب
هذه الخيمة - يعني ابن عباس - قال: إذا أفطر المعتكف أعاد الصيام وعند
ثانيهما(٥) من جهة مقسم عن ابن عباس قال: لا اعتكاف إلا بصوم
وعندهما(٦) معاً من طريق طاوس عن ابن عباس قال: الصوم عليه واجب.
وخطَّأ ابن عيينة من رواه بلفظ: لا اعتكاف إلا بصوم. وكذا قال عمرو بن
دينار حيث قيل له: كيف قول ابن عباس على المجاور الصوم؟ ليس كذا
قاله ابن عباس، إنما قال: المجاور يصوم(٧). وجاء القول بالاشتراط أيضاً
عن جماعة من التابعين فمن بعدهم، فلسعيد بن منصور من طريق هشام بن
عروة عن أبيه أنه كان يقول: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، والمعتكف
عليه الصوم، ولا يكون اعتكاف إلا بصوم. والجملة الأخيرة منه، وهي:
((لا اعتكاف إلا بصوم)) عند ابن أبي شيبة(٨). وعنده
(١) المصدر السابق ٣١٧/٤ - ٣١٨.
أخرجه عبدالرزاق في مصنفه ٣٥٣/٤ رقم (٨٠٣٤، ٨٠٣٥).
(٢)
(٣)
مصنف ابن أبي شيبة ٨٧/٣.
(٤) أخرجه عبدالرزاق في مصنفه ٣٥٣/٤ رقم (٨٠٣٣).
(٥) انظر: مصنف ابن أبي شبة ٨٧/٣ وانظر أيضاً: مصنف عبدالرزاق ٤/ ٥٤
رقم (٨٠٣٦).
(٦) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ٨٧/٣.
انظر تخطئة ابن عيينة من رواه بلفظه لا اعتكاف إلا بصوم، وكذلك قول عمرو بن دينار
(٧)
في السنن الكبرى للبيهقي ٣١٨/٤ .
(٨) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ٨٧/٣ وأخرجه أيضاً عبدالرزاق في مصنفه ٣٥٥/٤ =
١٠٨٧

أيضاً(١) من طريق يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال: ((على المعتكف
الصوم وإن لم يفرضه على نفسه. ومن طريق جابر الجعفي عن عامر
الشعبي قال: لا اعتكاف إلا بصوم(٢) ومن طريق مغيرة الضبي عن إبراهيم
النخعي أنه لم يكن يرى الاعتكاف إلا بصوم(٣). وعند سعيد بن منصور من
طريق ليث أن امرأة جعلت عليها أن تعكف سنة فماتت قبل أن تفعل فسأل
بنون لها أربعة طاوساً فأمرهم أن يعكف كل رجل منهم ثلاثة أشهر
ويصوم(٤)).
=
رقم (٨٠٤١).
(١) المصدر السابق.
(٢) لم أجد رواية الشعبي في مصنف ابن أبي شيبة.
(٣) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ٨٧/٣ ..
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه نحوه انظر المصنف ٩٣/٣ - ٩٤.
١٠٨٨

٣١١ (١) - سُئلت: كيف ساغ مع قوله مَّه: ((كل بدعة ضلالة))
تقسيمها إلى الأحكام الخمسة التي منها الواجب والمندوب والمباح؟
قلت: نحملها على المحدثات المخالفة للكتاب أو السنة، أو الأثر
أو الإجماع دون ضدها، ومن ثم قال عمر رضي الله عنه في قيام رمضان:
نعمت البدعة هي(٢). ولذا جعل إمامنا الشافعي رضي الله عنه المحدثات
على ضربين(٣) ما كان مخالفاً كما تقدم، وقال: فهذه البدعة الضلالة، وما
لم يكن كذلك ونزل عليه قول عمر فإنها لم تكن ولا مخالفة فيها لما مضى
والله الموفق.
وقول بعضهم بشمول البدعة العادات ليس على إطلاقه أيضاً بل
يختص فيما وقع اللائق فيه من المآكل السيئة التي أحدثها العجم وغيرهم
من أهل الدنيا مما فيه مزيد الترفه والتنعم المباين لما كان عليه السلف
(١) من هنا إلى آخر الكتاب مستدرك من نسخة عارف حكمت.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان ٤/ ٢٥٠
رقم (٢٠١٠) ومالك في الموطأ في كتاب الصلاة في رمضان، باب ما جاء في قيام
رمضان ١١٤/١ رقم (٣) وعبدالرزاق في مصنفه برقم (٧٧٢٣) وابن خزيمة في صحيحه
برقم (١١٠٠) والبيهقي في السنن الكبرى ٤٩٣/٢ جميعهم من طريق عبدالرحمن بن
عبد القاري عن عمر رضي الله عنه.
وذكره المتقي الهندي في الكنز ٤٠٨٤٠٧/٨ رقم (٢٣٤٦٦) وعزاه لمالك والبخاري
وعبدالزاق وابن خزيمة والبيهقي وجعفر الفريابي في السنن.
(٣) أخرجه البيهقي في كتابه: ((مناقب الإمام الشافعي)) ٤٦٩/١ وفي المدخل إلى السنن
الكبرى ص٢٠٦ رقم (٢٥٣) وابن رجب في جامع العلوم والحكم ص٢٩١ وذكره أبو
شامة في كتابه الباعث في إنكار البدع والحوادث ص٩٤ و في فتح الباري ٢٥٣/١٣
وذكره السيوطي في الحاوي للفتاوي ١/ ١٩٢-١٩٣.
١٠٨٩

تبايناً كلياً ودون ما ليس فيه إلا مجرد قيام البنية وسد الرمق مما هو مندرج
في طريقة السلف(١). وبالله التوفيق.
٣١٢ - مسألة: الأحاديث الواردة فيمن قعد يذكر الله تعالى بعد صلاة الصبح
حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين التي منها ما للترمذي (٢) عن أنس رفعه: ((من صلى
الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله عز وجل حتى تطلع الشمس ثم صلى
ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة)) وقال عقبه: حسن غريب.
وأخرجه الطبراني(٣) من حديث أبي أمامة الباهلي مثله، لكن قال: ((من
صلى صلاة الغداة)) وقال: ((جلس)) وقال: ((انقلب بأجر حجة وعمرة)) وعنده من
حديث أبي أمامة وعتبة بن عبدالسلمي بلفظ: ((صلاة الصبح ثم لم يثب حتى
يسبح سبحة الضحى كان له كأجر حاج ومعتمر تاماً له حجته وعمرته)) فأفاد
أن الصلاة المذكورة صلاة الصبح فأخرج النفل المطلق وما كان لسبب آخر.
وكذا لأحمد(٤) وأبي داود(٥) من حديث معاذ بن أنس الجهني بلفظ:
((من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يصلي ركعتين
الضحى لايقول إلا خيراً غفرت له خطاياه ولو كانت أكثرمن زبد البحر))
(١) تقسيم البدعة إلى الأحكام الخمسة أمر مخترع وانتشر بين المتأخرين وذهب إليه القرافي في
كتابه ((الفروق)) وقد أخذه عن شيخه عبدالعزيز بن عبدالسلام في كتابه: ((قواعد الأحكام في
مصالح الأنام» (٢/ ١٧٢) وقد ناقش الشاطبي هذا التقسيم وبين فساده في كتابه ((الاعتصام))
(١٨٨/١ -٢٢٠) وانظر للتفصيل في هذا الموضوع: ((البدعة وأثرها .. )) للغامدي
(٢) أخرجه في أبواب الصلاة، باب ذكر ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة
الصبح حتى تطلع الشمس ٤٨١/٢ رقم (٥٨٦).
(٣) أخرجه في المعجم الكبير ٢٠٩/٨ رقم (٧٧٤١) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد
١٠٤/١٠ وقال: إسناده جيد، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ٢٩٦/١ رقم (٦)
وعزاه للطبراني، وكذلك المتقي الهندي في كنز العمال ١٥١/٢ رقم (٣٥٤٢).
(٤) انظر مسند أحمد ٤٣٨/٣-٤٣٩.
(٥) أخرجه في الصلاة، باب صلاة الضحى ٢/ ٦٢ رقم (١٢٨٧).
١٠٩٠

وفي رواية لأبي يعلى(١): ((وجبت له الجنة)) وفي أخرى لابن أبي الدنيا(٢)
من حديث أبي أمامة: ((لم تمس جلده النار)).
ومثله عند البيقهي(٣) من حديث الحسن بن علي. وأفاد بقوله: ((لا
يقول إلا خيراً) دخول من أمر بمعروف أو نهى عن منكرٍ. ويلتحق به من
أجاب سائلاً عن حكم شرعي مثلاً، ومن شفع شفاعة حسنة ونحو ذلك،
ويمكن أن يدخل ذلك كله في ذكر الله، وشرطه أن تقتصر على الحاجة من
ذلك لما لابد منه بلا مزید.
وعند أبي يعلى (٤) من حديث عائشة بلفظ: ((من صلى الفجر فقعد
بمقعده فلم يلغ بشيء من أمر الدنيا ويذكر الله حين يصلي الضحى خرج
كيوم ولدته أمه)) وكذا من الوارد من فعله ◌َّر في ذلك ما للطبراني في
الأوسط(٥) عن ابن عمر قال: كان رسول الله وَلّ إذا صلى الفجر لم يقم
من مجلسه حتى تمكنه الصلاة. وعن جابر بن سمرة: ((كان النبي ◌َّ إذا
صلى الفجر تربَّع(٦) في مجلسه حتى تطلع الشمس)). أخرجه
(١) انظر: مسند أبي يعلى ٦١/٣-٦٢ رقم (١٤٨٧) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد
١٠/ ١٠٥ وقال: وفيه زبان بن فايد ضعفه الجمهور، وقال أبو حاتم: صالح وبقية
رجاله حدیثهم حسن.
(٢) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب ٢٩٦/١ رقم (٤) عن أبي أمامة مرفوعاً بهذا
اللفظ، وقال في الأخير: وأخذ الحسن جلده فمده، وعزاه للبيهقي
(٣) أخرجه في شعب الإيمان ٣/ ٤٢٠ رقم (٣٩٥٧).
(٤) انظر: مسند أبي يعلى ٣٢٩/٧-٣٣٠ رقم (٤٣٦٥) وذكره الحافظ في المطالب العالية
٢٤٥/٣ رقم (٣٣٩٤) وعزاه له.
(٥) انظر: المعجم الأوسط ٣٧٥/٥ رقم (٥٦٠٢) وأورده الهيثمي في مجمع البحرين
٣١/٨-٣٢ رقم (٤٦٥٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠٥/١٠: وفيه الفضل بن
موفق وثقه ابن حبان وضعف حديثه أبو حاتم الرازي وبقية رجاله ثقات.
(٦) تربَّع في جلوسه وجلس الأُرْبَعا وهي ضرب من الجِلَس انظر: لسان العرب ١٠٩/٨ =
١٠٩١

مسلم (١) وأصحاب السنن الثلاثة(٢). وللطبراني في رواية له في المعجم
الكبير(٣): ((جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس)) إلى غيرها من الأحاديث
في هذا المعنى قولاً وفعلاً لا نطيل بها لحصول الغرض بما ذكر، فهل
يحصل هذا الثواب لمن قعد محدثاً أو تخلل زمان بين مقعده ووضوئه؟
وهل يناله من طاف بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وصلى ركعتي
الطواف، وهل إذا كان يطرقه النعاس فقام يتردد في أرجاء المسجد (٤) أو
غيره من مصلاه يحصل له أم القعود في مصلاه شرط في حصوله؟ وهل من
شرطه الخشوع وتدبر ما يقول وعدم الكلام أم لا؟
الجواب: قد وقفت لشيخنا رحمه الله على جواب فأثبته بنصه
باب العين فصل الراء وذكره الحافظ في الفتح عن ابن طاوس أنه كان يكره التربع
=
ويقول: هي جلسة مملكة.
(١) أخرجه في المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل الجلوس في مصلاة بعد الصبح
وفضل المساجد ٤٦٤/١ رقم (٢٨٦، ٢٨٧-٦٧٠).
(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب صلاة الضحى ٦٥/٢ رقم (١٢٩٤) والترمذي في
أبواب الصلاة، باب ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع
الشمس ٤٨٠/٢ رقم (٥٨٥) والنسائي في السهو، باب قعود الإِمام في مصلاه بعد
التسليم ٨٠/٣ وذكره البغوي في شرح السنة ٣٢٤/١٢ والمنذري في الترغيب
والترهيب ٢٩٨/١ والحافظ في الفتح ٧٩/١١. وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده ٩١/٥،
٩٧، ١٠٠، ١٠١، ١٠٥ وعبدالرزاق في مصنفه ٢٣٨/٢ رقم (٣٢٠٢) وابن حبان في
صحيحه، الإِحسان ٣٧٦٣٧٥/٥ رقم (٢٠٢٨-٢٠٢٩) و١٥٣/١٤ رقم (٦٢٥٩) وأبو
الشيخ في أخلاق النبي ◌َّ ر ص٢٥٩ والبيهقي في السنن الكبرى ١٨٦/٢.
(٣) انظر: المعجم الكبير ٢٦٢/٢ رقم (١٩٨٢) وانظر أيضاً رقم (١٨٨٥، ١٨٨٨،
١٩١٣، ١٩٢٧، ١١٩٦٠، ٢٠٠٦، ٢٠١٣، ٢٠١٩، ٢٠٤٥) وأخرجه أيضاً في
المعجم الصغير، انظر: الروض الداني ٢٩٣/٢ رقم (١١٨٩) وأورده الهيثمي في
مجمع البحرين ٣١/٨ رقم (٤٦٥٨).
(٤) هنا كلمة غير واضحة.
١٠٩٢

فقال: أكمل الأحوال أن يستمر قاعداً ذاكراً إلى أن يرتفع وقت الكراهة
فيصلي ركعتين، فإن تخلل بين ذلك قول غير الذكر ويدخل فيه تلاوة
القرآن وفعل ما أو سكوت لم يحصل تمام الموعود، هذا ما يقتضيه ظاهر
العبارة ويلتحق بذلك حكماً اشتراط الخشوع، لأنه أجل ما يشترط في ذلك
لأن المراد بالقعود على الهيئة المذكورة عدم التشاغل بشيء من أمور
الدنيا. ويلتحق بذلك عدم التشاغل بعبادة أخرى كالطواف، والمقصود من
الفراغ من الأقوال والأفعال جزماً، ليس هو القعود لذاته ولا الذكر بلسانه
مجرداً، لكن التوجه التام والإقبال على من يذكره في ذلك الوقت إلى
أن تحرم بالصلاة حين يزول وقت الكراهة فيوجد من هذا المطلوب اشتراط
الخشوع واستمراره في تلك المدة، لكني أقول: إن هذا يحصل كمال
المطلوب في هذه العبادة ولا يلزم منه حرمان من أجل شيء من ذلك
بالتشاغل بعبادة أخرى مقصودة أو وسيلة لمقصود، بل يحصل في الأقوال
كمن أمر بمعروف مثلاً أو نهى عن منكرٍ مثلاً في تلك الحالة الثواب
الجزيل. وفي الأفعال كمن طاف، وكذا من اتفق له حدث فتشاغل
بالوضوء، وكذا من اشتغل عن الخشوع بفكر عرض له فلم يسترسل معه،
وكذا من غلب النعاس فشأنه مع محافظة ما ذكر أن يستمر في مجلس
يعوده، ويمكن بقعدته من الأرض على وضوئه، فإنه إن غلب عليه النوم
فنام لا يعدم الثواب الموعود به لكونه لم يحصل منه تعمد لذلك، وعلى
هذا فيقال: يشترط في هذا الأخير أن بداية النعاس أن يسعى في إذهابه بما
يمكنه ولا يسترسل معه كما ورد في حديث النفس بلفظ: ((لايحدث فيها
نفسه)) لأنه لا يملك أن لاتحدثه نفسه بل يملك أن لا تحدثها فإنه متى حافظ
على أنها إن فتحت له من ذلك باباً سده لا يكون ممن حدثها، بل من إذا
حدثته حدثها فإنها تسترسل في تحديثه فيخرج عن الشرط، فكذا هذا إذا
بدره النعاس حافظ على دفعه بما يقدر عليه كما تقدم والله أعلم.
١٠٩٣

٣١٣ - سئلت عما يقال: إن الأمة لا تؤلف تحت الأرض؟
فأجبت: لعل هذا القائل تمسك بما أخرجه الطبراني في الكبير(١)
وأبو نعيم في المعرفة(٢) وأبو علي بن السكن(٣) وابن قتيبة في غريب
الحديث(٤) والديلمي في مسنده(٥) من حديث سليمان بن عطاء القرشي
الحراني عن مسلمة بن عبدالله الجهني عن عمه أبي مشجعة بن ربعي عن
ابن زمل عن النبي وَلل أنه قال في حديث طويل: ((الدنيا سبعة آلاف سنة
بعثت - أو قال - أنا في آخرها ألفاً)) ولكن ابن عطاء هذا منكر الحديث، بل
قال ابن حبان: إنه يروي الموضوعات(٦)، وكذلك قال(٧): ابن زمل لا
أعتمد على إسناد خبره، هذا مع أنه أثبت صحبته، وقال ابن السكن(٨):
إسناده ضعيف، وأما الذهبي، فإنه ذكر ابن زمل في الميزان(٩) وقال: إنه
لا یکاد یعرف لیس بمعتمد. انتهى.
(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨٣/٧ -١٨٤ وعزاه له وقال: وفيه سليمان بن عطاء
القرشي وهو ضعيف، وكذلك الحافظ في الإصابة ٩٦/٤ في ترجمة عبدالله بن زمل،
والمتقي الهندي في الكنز ١٩١/١٤ رقم (٣٨٣٣٣).
(٢) ذكره ابن الأثير في أسد الغابة ٢٤٦/٣ وعزاه لأبي نعيم أيضاً.
(٣) ذكره الحافظ في الإصابة ٩٦/٤ وكذلك في فتح الباري ٣٥١/١١.
(٤) ذكره عن ابن قتيبة الحافظ في الإصابة ٤/ ٩٧ وفي فتح الباري أيضاً ٣٥١/١١.
(٥)
انظر: مسند الفردوس ٣٥٥/٢ رقم (٢٩٤٠).
(٦) انظر: كتاب المجروحين ٣٢٩/١ وأخرج الحديث أيضاً. وانظر أيضاً: ميزان الاعتدال
للذهبي ٢١٤/٢-٢١٦ وأورد الحديث من طريق ابن حبان.
(٧) انظر: ثقات ابن حبان ٢٣٥/٣ وذكره أيضاً الحافظ في الإصابة ٤/ ٩٧.
(٨) ذكر قول ابن السكن الحافظ في الإصابة ٩٦/٤ وفي فتح الباري ٣٥١/١١.
(٩) انظر: ميزان الاعتدال ٤٢٣/٢ ت (٤٣٢٣).
١٠٩٤

وأورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات(١). ونحوه ما
أخرجه الديلمي في مسنده(٢) من طريق أبي الشيخ ثم من جهة عمرو بن
يحيى بن نافع عن العلاء بن زيدل عن أنس قال: قال رسول الله وَله :
((الدنيا كلها سبعة أيام من أيام الآخرة وذلك قوله تعالى: ﴿وإن يوماً عند
ربك كألف سنة مما تعدون﴾))(٣).
وأورد هناد بن إبراهيم النسفي في جزئه عن أنس بمعناه ولفظه عن
النبي ◌َّر أنه قال: ((من قضى لأخيه المسلم حاجة قضى الله له سبعة آلاف
سنة أيام الدنيا صيام نهارها وقيام ليلها)) ولا يصح أيضاً. وعند أبي جعفر
الطبري في مقدمة تاريخه(٤) من طريق ابن عباس موقوفاً: ((الدنيا جمعة من
جمع الآخرة كل يوم ألف سنة)). ومن طريق كعب الأحبار(٥) قال: ((الدنيا
ستة آلاف سنة)). ومن طريق وهب بن منبه(٦) مثله وزاد: ((والذي مضى
منها خمسة آلاف وستمائة سنة)) ثم زيفهما ورجح ما جاء عن ابن عباس -
يعني عليهما - مع كونه لا يصح أيضاً، لأن في سنده يحيى بن يعقوب أبو
طالب القاص قال فيه البخاري: إنه منكر الحديث(٧)، وجزم العماد ابن
(١) انظر: الموضوعات ٣/ ٢٤٣ وحديث ابن زمل أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢١٣/٢.
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٩٣/٦ وعزاه للديلمي وابن عدي، وكذلك المتقي
الهندي في الكنز ٣٦١/١٤ رقم (٣٨٩٣٩) وعزاه للديلمي عن أنس وأخرجه أيضاً
السهمي في تاريخ جرجان ص(١٤٠).
(٣) آية (٤٧) من سورة الحج.
(٤) انظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري ١/ ١٠ وذكره السيوطي في الدر المنثور ٦٢/٦
وعزاه لابن أبي حاتم.
(٥) المصدر السابق.
(٦) المصدر السابق.
(٧) انظر: التاريخ الكبير ٣١٢/٢-٣١٣ ت (٣١٤١) وانظر أيضاً: ميزان الاعتدال للذهبي =
١٠٩٥

کثیر بأنه لا یصح إسناده، قال: وكذا كل حديث ورد فيه تحدید بوقت يوم
القيامة على التعيين لا يثبت إسناده ..
وقال شيخنا (١): وعلى تقدير صحته - يعني حديث ابن عباس -
فالأخبار الثابتة في الصحيحين تقتضي أن تكون مدة هذه الأمة نحو الربع
أو الخمس من اليوم لما ثبت في حديث ابن عمر: «إنما أجلكم فيما مضى
قبلكم كما بين صلاة العصر وغروب الشمس ... الحديث(٢) بمعناه))،
قال: فإذا ضم هذا إلى قول ابن عباس زاد على الألف زيادة كثيرة. والحق
أن ذلك لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى.
قلت: ومما روي في التحديد مما لا يصح أيضاً ما أورده الديلمي
بلا إسناد عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً قال: ((الدهر عشرة آلاف سنة))
وروى أبو داود في سننه(٣) والطبراني في مسند الشاميين(٤) والحاكم في
٤١٥/٤ ت(٩٦٥٦).
=
(١) انظر: فتح الباري ٣٥١/١١.
(٢) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب
٣٨/٢ رقم (٥٥٧) وفي أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ٤٩٥/٦-٤٩٦
رقم (٣٤٥٩) وفي فضائل القرآن، باب فضل القرآن على سائر الكلام ٦٦/٩ رقم
(٥٠٢١)، وفي التوحيد، باب في المشيئة والإرادة ٤٤٦/١٣ رقم (٧٤٦٧) وباب قول
الله: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾ ٥٠٨/١٣ رقم (٧٥٣٣) وأحمد في مسنده ٦/٢،
١١١ والطيالسي في مسنده رقم (١٨٢٠) والرامهرمزي في الأمثال ص(٥٩) وابن حبان
في صحيحه الإِحسان ١٥/ ١٠ - ١١ رقم (٦٦٣٩) و٢٠٠/١٦ رقم (٧٢١٧) والطبراني
في الكبير مختصراً ٣٣٨/١٢ رقم (١٣٢٨٥) والبغوي في شرح السنة ٢١٨/٣٤-٢١٩
رقم (٤٠١٧) والطبري في تاريخه ١/ ١١.
(٣) أخرجه في الملاحم، باب قيام الساعة ٤/ ٥١٧ رقم (٤٣٤٩).
(٤) انظر: مسند الشاميين ١٧٩/٣ رقم (٢٠٢٩) وأخرجه أيضاً في المعجم الكبير
٢١٥/٢٢-٢١٦ رقم (٥٧٦) وانظر أيضاً رقم (٥٧٢).
١٠٩٦

مستدركه(١) وآخرون من حديث جبير بن نفير عن أبي ثعلبة الخشني رضي
الله عنه قال: قال رسول الله وَ الر: ((لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم)).
وروى أبو واقد أيضاً من حديث شريح بن عبيد عن سعد بن أبي
وقاص رضي الله عنه عن النبي ◌َّر قال: ((إني لأرجو أن لا يعجز الله أمتي
أن يؤخرهم نصف يوم)) قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة
سنة(٢). ومن طريق أبي داود أخرج ثانيهما الضياء في المختارة، ورواه
الحاكم في مستدركه(٣) من حديث أبي بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد
عن سعد ولفظه: ((لن يعجزني عند ربي أن يؤخر أمتي نصف يوم)) قيل:
وما نصف يوم؟ قال: ((خمسمائة سنة)) وقال: إنه صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه.
٣١٤ - سئلت عن حديث: ((رحم الله والداً أعان ولده على
بره)» .
فأجبت: أخرجه أبو الشيخ في الثواب (٤) من حديث علي وابن عمر
(١) انظر: المستدرك للحاكم ٤٢٤/٤.
وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده ٤/ ١٩٣ والطبري في تاريخه ١٦/١ وذكره ابن كثير في
البداية والنهاية ١٢/ ١٦٦ .
(٢) أخرجه أبو داود في الملاحم، باب قيام الساعة ٥١٧/٤ رقم (٤٣٥٠).
(٣) انظر: المستدرك ٤٢٤/٤_٤٢٥ .
وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده ١/ ١٧٠ وأبو نعيم في الحلية ١١٧/٦ وانظر: سلسلة
الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني ٤/ ١٩٧-١٩٨ رقم (١٦٤٣).
(٤) ذكره المؤلف في المقاصد الحسنة ص٣٢٥ رقم (٥١٦) والعجلوني في كشف الخفاء
ومزيل الإلباس ٥١٤/١_٥١٥ رقم (١٣٧٦) وأورده الديلمي في مسند الفردوس
٣٨٧/٢ رقم (٣٠٣٩) بلفظ: ((رحم الله والدين أعان ولدهما على برهما)). والحافظ ابن
حجر في تسديد القوس: رحم الله والداً .. إلخ وعزاه لأبي الشيخ عن علي وقال: وفي =
١٠٩٧

مرفوعاً بسند ضعيف، وهو [عند] النوقاني من رواية الشعبي مرسلاً(١)،
والمعنى أنه لا يحمله على العقوق بسوء أفعاله.
وللبيهقي في الشعب(٢) وغيرها بسند ضعيف عن ابن عباس قال:
قالوا: يا رسول الله قد علمنا حق الوالد فما حق الولد؟ قال: ((أن يحسن
اسمه ويحسن أدبه)). وعن أبي سعيد وابن عباس قالا: قال رسول الله وَلته :
((من ولد له ولد فليحسن اسمه وأدبه فإذا بلغ فيلزوجه فإن بلغ ولم يزوجه
فأصاب إثماً فإنما إثمه على أبيه)) (٣).
وللبخاري في الأدب المفرد(٤) من حيث محارب بن دثار عن ابن
عمر قال: إنما سماهم الله عز وجل أبراراً لأنهم بروا الآباء كما أن لوالدك
عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق. وترجم عليه: بر الأب لولده بل ترجم
قبله سواء(٥): أدب الوالد وبره لولده وأورد فيه من جهة الوليد بن نمير بن
أوس أنه سمع أباه يقول: كانوا يقولون: الصلاح من الله والأدب من
الآباء.
وللبيهقي في الشعب(٦) وغيرها بسند ضعيف عن أبي رافع قلت: يا
رسول الله أللولد علينا حق كحقنا عليهم؟ قال: ((نعم، حق الولد على الوالد
الباب عن ابن عمر، وانظر: فيض القدير ٢٩/٤ رقم (٤٤٤٢).
=
ذكره المؤلف في المقاصد الحسنة ص(٣٢٥).
(١)
(٢)
انظر: شعب الإيمان ٦/ ٤٠٠ رقم (٨٦٥٨).
انظر: شعب الإيمان ٦/ ٤٠١ رقم (٨٦٦٦) وأبو بكر ابن الصيرفي في فضائل من اسمه
(٣)
أحمد ومحمد (٢/٦٠) كما ذكره الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة
١٦٣/٢-١٦٤ رقم (٧٣٧).
انظر: الأدب المفرد ص٣٥ رقم (٩٤).
(٤)
(٥) انظر: المصدر السابق ص ٣٤-٣٥ رقم (٩٢).
(٦) انظر: شعب الإيمان ٤٠١/٦ رقم (٨٦٦٥).
١٠٩٨

أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي وأن يورثه طيباً)) وله طرق بينتها في
((القول التام في فضل الرمي بالسهام)) وقال سفيان الثوري: ينبغي للرجل
أن يكره ولده على طلب الحديث فإنه مسئول عنه. وقال: إن هذا الحديث
عز، من أراد به الدنيا وجدها ومن أراد به الآخرة وجدها(١). وقد ذكر
العلماء رحمهم الله تعالى أن الولي ينبغي له تأمل حال الصبي وما هو
مستعد له .
(١) انظر: قول سفيان الثوري في حلية الأولياء ٣٦٥/٦، ٣٦٦ والشعب للبيهقي ٤٠٠/٦
برقم (٨٦٥٩، ٨٦٦٠).
١٠٩٩

٣١٥ - سئلت عن رؤية النبي وَال يقظة؟
فأجبت: لم يصل إلينا ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم
ولا عن من بعدهم من القرون الماضية ولا أئمة المذاهب الأربعة مع
كونهم أجدر الناس بكل مكرمة، وإنما نقل عن بعض الصالحين مما حكوه
عن أنفسهم حينما حكاه الشرف البارزي رحمه الله في ((توثيق عرى
الإِيمان))(١) وأبو عبدالله بن أبي جمرة في ((بهجة النفوس)) وعبارة أولهما:
أنه سمع عن جماعة من الأولياء في زمانه وقبله أنهم رأوه بَّر في اليقظة
حياً من وفاته، وعقب ذلك بأبيات لأبي البيان نبا بن محمد بن محفوظ
شيخ الطائفة البيانية بدمشق قال فيها:
وتحضر ذکرهم مرَّات طوالا
وتشفع في مسيئهم لي كفالا
وأما الثاني، فإنه قال(٢): وقد ذكر عن السلف والخلف إلى هلم جراً
عن جماعة كانوا يصدقون بهذا الحديث، يعني: ((من رآني في المنام
فسيراني في اليقظة))(٣) وسألوه عن أشياء كانوا فيها متشوشين (متخوفين)
(١) كتاب توثيق عرى الإيمان في تفضيل حبيب الرحمن لشرف الدين أبي القاسم هبة الله بن
عبدالرحمن المعروف بابن البارزي الحموي الشافعي المتوفى سنة ٨٣٨ هـ وهو كتاب
لخصه من الشفاء ورتبه على أربعة أركان: الأول في فضائله عليه الصلاة والسلام،
الثاني في أوصافه. الثالث في إغاثة من استغاث به. الرابع في كراماته. انظر: كشف
الظنون ٥٠٣/١.
(٢) انظر: بهجة النفوس ٢٣٨/٤ .
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التعبير، باب من رأى النبي ◌َّر في المنام ٣٨٣/١٢
رقم (٦٩٩٣) ومسلم في الرؤيا، باب قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((من رآني في
المنام فقد رآني)» ٤/ ١٧٧٥ رقم (٢٢٦٦) وأبو داود في الأدب، باب ما جاء في الرؤيا
٢٨٥/٥ رقم (٥٠٢٣) والبيهقي في دلائل النبوة ٤٥/٧، ٤٦ والبغوي في شرح السنة
٢٢٧/١٢ رقم (٣٢٨٨).
١١٠٠