Indexed OCR Text

Pages 881-900

أبو بكر، ثم عمر رضي الله عنهما. وقد قال ابن عمر رضي الله عنهما:
(كنا نقول ورسول الله اَ لر حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر
وعثمان، فيسمع ذلك رسول الله وَ له فلا ينكره))(١). بل ثبت عن علي رضي
الله عنه أنه قال: خير الناس بعد رسول الله وَ لهو أبو بكر، ثم عمر، ثم رجل
آخر. فقال ابنه محمد بن الحنفية: ثم أنت يا أبه، فكان يقول: «ما أبوك
إلا رجل من المسلمين)) (٢). رضي الله عنهم وعن سائر الصحابة أجمعين.
(١) أخرجه أبو داود في السنة، باب في التفضيل ٢٦/٥ رقم (٤٦٢٨) دون قوله: فسمع
ذلك رسول الله ﴿ فلم ينكره وأبو يعلى في مسنده ١٦١/١٠ رقم (٧٥٨٤) بمعناه
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٥٨/٩ وقال: رجاله وثقوا وفيهم خلاف والطبراني في
الكبير ٢٨٥/١٢ - ٢٨٦ رقم (١٣١٣٢) وفي الأوسط ٣٠٣/٨ رقم (٨٧٠٢) بلفظ: كنا
نفاضل بين أصحاب رسول الله وَ لقر فذكره بمعناه، وانظر: مجمع البحرين ٢٣٩/٦ رقم
(٣٦٥٢).
(٢) أخرجه ابن عدي في كامله ٨١٦/٢ وأبو نعيم في الحلية ١٩٩/٧ من طرق عن علي
وبألفاظ مختلفة ((بمعناه)).
وأما قول ابن الحنفية لأبيه ((ثم أنت يا أبه ... إلخ)).
فقد أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب قول النبي ◌َّير: ((لو كنت متخذاً خليلاً
٧/ ٢٠ رقم (٣٦٧١) وأبو داود في السنة، باب في التفضيل ٢٦/٥ رقم (٤٦٢٩)
كلاهما من طريق محمد بن كثير حدثنا سفيان حدثنا جامع بن أبي راشد حدثنا أبو يعلى
عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله وَ *؟ قال: أبو
بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما
أنا إلا رجل من المسلمين.
٨٨١

٢٣٤ - وسئلت عن حديث: ((من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب
أن يعصي الله)).
فقلت: لم أقف عليه مرفوعاً، ولكن قد وقع كذلك في موضعين من
الإِحياء(١) أولهما: في شفقة التاجر على دينه من البيوع.
وثانيهما: في ما يحل من مخالطة السلاطين، وكذا ذكره الزمخشري
في هود من كشافه(٢) وقال مخرج كل منهما(٣): لم نجده مرفوعاً، وقد
ذكره الغزالي في آفات اللسان من الإِحياء (٤) أيضاً عن الحسن البصري من
قوله وهو الصواب، فهو كذلك عند ابن أبي الدنيا في الصمت(٥) له
والبيهقي في السادس والستين من الشعب(٦) كلاهما من حديث يونس بن
عبيد عنه وكذا رواه أبو نعيم في الحلية(٧) من طريق يوسف بن أسباط قال:
قال سفيان الثوري: من دعا لظالم وذكر مثله، بل عنده عن الثوري أيضاً
أنه قال: النظر إلى وجه الظالم خطيئة (٨). وإني لأعرف الرجل من تسليمه
(١) انظر إحياء علوم الدين ٩٨/٢، ١٥٨/٢.
(٢) انظر: تفسير الكشاف ٢/ ٢٣٧.
انظر تخريج أحاديث الكشاف للحافظ ص٨٧ رقم (١٩٦). وتخريج أحاديث الكشاف
(٣)
للزيلعي ٢/ ١٥١ رقم (٦١٨).
(٤) انظر: تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ٩٨/٢ فإنه قال: وقد ذكره المؤلف هكذا على
الصواب في آفات اللسان.
(٥) انظر: كتاب الصمت وحفظ اللسان ص١٣٠ رقم (٢٣٠).
(٦)
شعب الإيمان ٥٣/٧ - ٥٤ رقم (٩٤٣٢).
(٧) انظر: حلية الأولياء ٤٦/٧. وانظر: المقاصد الحسنة ص٤١٢ رقم (١١٢١) وتمييز
الطيب من الخبيث ص١٦٢ وكشف الخفاء ومزيل الإلباس ٣٢٥/٢ رقم (٢٤٧٤).
(٨) انظر: حلية الأولياء ٤٦/٧.
٨٨٢

على أهل الدنيا(١). وقال أيضاً: قال عيسى بن مريم عليه السلام: تقربوا
إلى الله تعالى ببغض أهل المعاصي، والتمسوا رضوانه بالتباعد منهم،
قالوا: فمن نجالس؟ قال: من يذكّركم بالله رؤيته، ويرغبكم في الآخرة
عمله، ويزيد في فهمكم منطقه(٢). وعن الثوري أيضاً أنه قال: إنه لا خير
في القارئ يعظم أهل الدنيا(٣). وروى ابن أبي الدنيا في الصمت(٤) وابن
عدي في الكامل(٥) وأبو يعلى(٦) والبيهقي في الشعب(٧) وغيرهم بسند
ضعيف، عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: ((إن الله ليغضب إذا مدح
الفاسق)).
وروى ابن عدي(٨) من حديث عائشة، والطبراني في الأوسط(٩)
وأبونعيم في الحلية (١٠) من حديث عبدالله بن بسر بأسانيد ضعيفة، بل قال
ابن الجوزي (١١): كلها موضوعة مرفوعاً: ((من وقَّر صاحب بدعة فقد أعان
(١) انظر: حلية الأولياء ٤٦/٧ .
(٢) المصدر السابق.
(٣)
المصدر السابق.
كتاب الصمت وحفظ اللسان ص١٢٩ رقم (٢٢٩).
(٤)
الكامل لابن عدي ١٣٠٧/٣ .
(٥)
انظر: معجم شيوخ أبي يعلى الموصلي ص٢١٩ - ٢٢٠ رقم (١٧١، ١٧٢ .
(٦)
شعب الإيمان ٤/ ٢٣٠ رقم (٤٨٨٥).
(٧)
وأخرجه أيضاً الخطيب في تاريخ بغداد ٧/ ٢٩٧ - ٢٩٨، ٤٢٨/٨.
(٨) انظر: الكامل لابن عدي ٧٣٦/٢.
(٩) المعجم الأوسط ٣٥/٧ رقم (٦٧٧٢).
(١٠) حلية الأولياء ٢١٨/٥.
(١١) أورد ابن الجوزي في الموضوعات جميع الروايات (رواية ابن عباس وعائشة وعبدالله
بن بسر) من طريق ابن عدي وتكلم عليها. انظر: الموضوعات ٢٧٠/١-٢٧١.
وانظر: اللآليء المصنوعة للسيوطي ٢٥٢/١-٢٥٣ والفوائد المجموعة ص٢١١ رقم =
٨٨٣

على هدم الإسلام)).
وأورده الغزالي(١) بلفظ: ((من أكرم فاسقاً فقد أعان على هدم
الإسلام))، وروى ابن ماجه(٢) بسند ضعيف عن أبي هريرة رفعه: ((شرار
العلماء الذين يأتون الأمراء)» زاد الغزالي: ((وخيار الأمراء الذين يأتون
العلماء)» والله الموفق.
٢٣٥ - وسئلت عن بشارة بحيرا بالنبي وَلا أكانت صادرة عن
إيمانه به أم لا؟ وهل مات قبل البعثة؟
فقلت: القصة المشار إليها كانت حين ظهور النبي بَلّل مع عمه أبي
طالب حين خرج في ركب تاجراً إلى الشام وكان له إذ ذاك اثنتا عشرة
سنة، وليس فيها التصريح بإيمان به، وإنما الذي فيها: ارجع بابن أخيك
إلى بلده، واحذر عليه يهود، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم (٣).
نعم، يروى بسند ضعيف أن أبابكر الصديق رضي الله عنه صحب
النبي 18 وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي ◌ّ ابن عشرين سنة، وهم
(١٧).
(١) انظر: إحياء علوم الدين ١٥٨/٢ وإتحاف السادة المتقين ٥١٥/٥ و٣٥/٦.
وقد أخرج ابن عدي عن ابن عباس نحوه انظر الكامل ٤٩٨/٢، وانظر: تنزيه الشريعة
٣١٤/١ رقم (١٤) وعزاه إلى ابن عدي من رواية عائشة وابن عباس.
(٢) لم أجده بهذا اللفظ وإنما أخرجه في المقدمة ٩٤/١ رقم (٢٥٦) بلفظ ... ((وإن من
أبغض القراء، الذين يزورون الأمراء إلخ. وذكره العراقي في تخريج أحاديث الإحياء
٨٤/١. ولفظ الحديث في الإحياء: ((شرار العلماء الذين يأتون الأمراء وخيار الأمراء
الذين يأتون العلماء)) قال العراقي: أخرجه ابن ماجه بالشطر الأول من حديث أبي
هريرة بسند ضعيف.
(٣) انظر: سيرة ابن هشام ٢٠٧/١ وطبقات ابن سعد ١٥٥/١ وتاريخ الطبري ٢/ ٧٧ -
٢٧٨ ودلائل النبوة لأبي نعيم ١٦٩١٦٨/١ ودلائل النبوة للبيهقي ٢٨/٢-٢٩.
٨٨٤

يريدون الشام في تجارة حتى إذا إذا نزل منزلاً فيه سدرة قعد في ظلها
ومضى أبوبكر إلى بحيرا يسأله عن شيء فقال له: من هذا الرجل الذي في
ظل السدرة؟ فقال: محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب. فقال: هذا والله
نبي، ما استظل تحتها بعد عيسى إلا محمد، ووقع في قلب أبي بكر، فلما
بُعث نبي اللهِوَّ اتبعه(١).
وأصرح من هذا ما في ((شرف المصطفى)) لأبي سعد النيسابوري أنه
وَلّ مَرَّ ببحيرا أيضاً لما خرج في تجارة خديجة رضي الله عنها ومعه ميسرة
وأن بحيرا قال للنبي وَله: قد عرفت العلامات فيك كلها، إلا خاتم النبوة
فاكشف لي عن ظهرك وأنه كشف له عن ظهره فرآه فقال: أشهد أن لا إله
إلا الله وأشهد أنك رسول الله، النبي الأمي الذي بشر به عيسى بن
مريم(٢) .
وبالجملة فقد قال شيخنا رحمه الله(٣): ما أدري أدرك البعثة أم لا،
بل جزم في موضع آخر(٤) بأنه لم يدركها وهو ممن آمن بالنبي وَّ قبل
البعثة، ولكن هل ينطبق عليه تعريف الصحابي؟ فيه احتمال إن قلنا يكفي
كونه مؤمناً به أنه سيبعث فنعم وإن قلنا: إنه لابد من رؤيته له بعد البعثة
والإيمان به، فلا. والله الموفق.
٢٣٦ - سئلت عن حديث ((ما عُزِلَ مَن ولي ابنه))(٥).
(١) أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة ١٨٨/٣ رقم (١٢٥٨) وذكره الحافظ في الإصابة
٣٥٣/١-٣٥٤ في ترجمة بحيرا.
(٢) انظر: الإصابة ٣٥٤/١.
(٣)
انظر: الإصابة ٣٥٢/١.
(٤)
انظر: الإصابة ٦/١ .
(٥) ذكره المؤلف في المقاصد ص٣٦٨ رقم (٩٦٦) وقال: لا أصل له وقد كتبت فيه ببعض
الأجوبة شيئاً، وابن الديبع الشيباني في تمييز الطيب من الخبيث ص١٤٧ وقال: قال =
٨٨٥

فقلت: إنه لا أصل له، ولكن حديث ابن عمر رضي الله عنهما(١)
في سؤال النبي ◌ّيقر أصحابه مختبراً لهم عن تعيين الشجرة التي لا يسقط
ورقها وهي مثل المسلم، وأن ابن عمر وقع في نفسه أنها النخلة، ولكنه
ترك الجواب استحياء ممن هو أكبر منه، ثم تبين مطابقة ذلك الواقع لقول
النبي وَله: ((هي النخلة)). وقول أبيه عمر بن الخطاب لما أعلمه ابنه رضي
الله عنه بذلك: لأن يكون قلتها أحب إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا أحسبه
قال: حمر النعم. فيه دلالة لمحبة ظهور فضيلة الولد في الفهم من صغره،
وحذقه لاسيما وهو بذلك يزداد حظوة من العلم بحيث يرجى شموله
بدعائه له بالبركة، والزيادة في الفهم، والانتفاء بذلك لجريان كل ما يصدر
عنه من خير، في حسناته إذ الولد كما صح من كسب
شيخنا - يعني السخاوي -: لا أصل له وكذلك أورده الملا علي في الأسرار المرفوعة
=
في الأخبار الموضوعة ص٢٩٨ وقال: هو موضوع في معناه وباطل في معناه انظر:
رقم (٤١٢) والعجلوني في كشف الخفاء ٢٤٧/٢ رقم (٢٢٢٣) وذكر كلام السخاوي
والقاري.
(١) أما حديث ابن عمر رضي الله عنه المشار إليه، فقد أخرجه البخاري في العلم، باب
قول المحدث حدثنا أخبرنا أو أنبأنا ١/ ١٤٥ رقم (٦١) وباب طرح الإمام المسألة على
أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم ١/ ١٤٧ رقم (٦٢) وباب الفهم في العلم ١٦٥/١
رقم (٧٢)، في كتاب البيوع، باب بيع الجمار وأكله ٤٠٥/٤ رقم (٢٢٠٩) وفي
الأطعمة، باب أكل الجمار ٩/ ٥٦٩ رقم (٥٤٤٤) وفي الأدب، باب إكرام الكبير ويبدأ
الأكبر بالكلام والسؤال ٥٣٦/١٠ رقم (٦١٤٤) ومسلم في صفات المنافقين
وأحكامهم، باب مثل المؤمن مثل النخلة ٢١٦٤/٤_٢١٦٥ رقم (٢٨١١) والترمذي في
الأمثال، باب ما جاء في مثل المؤمن القارئ للقرآن ١٥١/٥ رقم (٢٨٦٧) وأحمد في
مسنده ٣١/٢، ٦١، ١٢٣، ١٥٧ والحميدي في مسنده ٢٩٨/٢ رقم (٦٧٧) وابن منده
في الإيمان برقم (١٨٨) وابن حبان في صحيحه، الإحسان ٤٧٨/١ رقم (٢٤٣)
و٤٨١/١ رقم (٢٤٦) والبغوي في شرح السنة ٣٠٧/١ رقم (١٤٣).
٨٨٦

أبيه(١). وربما يكون باعثاً لذكره بالخير حياً وميتاً.
وقد روينا عن مالك رحمه الله في قوله عزوجل: ﴿وإنه لذكر لك
ولقومك﴾(٢) قال: هو قول الرجل: حدثني أبي عن جدي.
ومن ثم أثنى شيخ الإسلام التقي السبكي على دروس ولده الشيخ
بهاء الدين أبي حامد أحمد بقوله:
دروس أحمد خير من دروس علي
وذاك عند علي غاية الأملي
بل ودوّن عنه من مباحثه وإنشائه(٣).
(١) الحديث روي عن عائشة رضي الله عنها بلفظ: ((إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه
وولده من كسبه)) وبآخر: ((ولد الرجل من كسبه، من أطيب كسبه فكلوا من أموالهم))
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٤٠٧/١ وأخرجه أبوداود في البيوع والإجارات،
باب في الرجل من مال ولده ٨٠٠/٣ رقم (٣٥٢٨، ٣٥٢٩) والترمذي في الأحكام
باب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده ٦٣٩/٣ رقم (١٣٥٨) والنسائي في سننه
٧/ ٢٤٠-٢٤١ وابن ماجه في التجارات، باب ما للرجل من مال ولده ٧٦٨/٢-٧٦٩
رقم (٢٢٩٠) وأحمد فى مسنده ٣١/٦، ٤١، ١٢٧، ١٦٢، ١٩٣، ٢٠١، ٢٠٢
والحميدي في مسنده ٢١/١ رقم (٢٤٦) والدارمي في سننه ٢٤٧/٢ وعبدالرزاق في
مصنفه رقم (١٦٦٤٣) وابن أبي شيبة في مصنفه ٧/ ١٥٧ والطيالسي في مسنده ص٢٢١
رقم (١٥٨٠) وابن حبان في صحيحه الإحسان ٧٢/١٠-٧٤ رقم (٤٢٥٩، ٤٢٦٠،
٤٢٦١) والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٥-٤٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٤٨٠/٧
والبغوي في شرح السنة ٣٢٩/٩ رقم (٢٣٩٨ كلهم من طريق عمارة بن عمير عن عمته،
عن عائشة رضي الله عنهما من طرق مختلفة. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال
الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وعمة عمارة مجهولة ولكن تابعها الأسود عن
عائشة عند النسائي في سننه ٢٤١/٧ وعند أحمد ٤٢/٦، ٢٢٠ من طريق الأعمش عن
إبراهيم عن الأسود عن عائشة.
(٢) آية ٤٤ من سورة الزخرف.
(٣) انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ١٩١/١ والدرر الكامنة لابن حجر ٢١٢/١ =
٨٨٧

وكذا كان شيخ الإسلام السراج البلقيني ينوه بذكر ولده القاضي
جلال الدين في المجالس، ويستحسن جميع ما يرد منه، ويحرض الطلبة
على الاشتغال عليه، ويكتب تحت خطه في الأجائز والفتاوى وغيرها،
وروى عنه فقال: سمعت ولدي أباالفضل جلال الدين ينشد لما جئنا نعزي
الملك الظاهر بولده محمد مخاطباً له بقوله:
وللمعالي ترقى
أنت المظفر حقاً
تعيش أنت وتبقى(١)
وأجر من مات تلقى
قال الوالي العراقي وهو حاكيها: فقلت للسراج: أروي هذا عنك
عن ولدك؟ فقال: نعم(٢).
والولي هذا ممن أثنى والده شيخ الإسلام الزين العراقي على دروسه
أيضاً فقال مقتفياً من تقدم:
فدروس أحمد خير من دروس أبه
وذاك عند أبيه منتهى إربه(٣)
وروى عنه أيضاً، فقال لنا شيخنا رحمه الله (٤) مما سمعته منه غير
مرة: سمعت من شيخنا الزين العراقي يقول: سمعت ابني أبازرعة يقول:
لا أعلم حديثاً أشمل للثواب أصح من حديث: ((من بكَّر وابتكر، وغَسَل
واغتسل، ودنا وأنصت، كان له بكل خطوة يمشيها كفارة سنة ..
وذكره أيضاً ابن العماد في شذرات الذهب ٦/ ٢٢٧ .
=
(١) انظر: فتح المغيث شرح ألفية الحديث للمؤلف ١٨٢/٤، ١٨٣ والضوء اللامع
١١٠/٤-٠١١١
(٢) انظر: فتح المغيث ١٨٣/٤.
(٣) انظر: الضوء اللامع ٣٣٨/١ وانظر ترجمة أبي زرعة في نفس المصدر من ص٣٣٦ إلى
٣٤٤.
(٤) المصدر السابق ٣٤٢/١.
٨٨٨

الحديث))(١).
وكان قاضي القضاة شمس الدين ابن الدبري يقول: كما سمعته من
الثقة عنه: ابني سعد أفقه مني وذلك من كلهم للوثوق بأبنائهم في عدم
الزهو بذلك، والرغبة في الازدياد من الخير، وأعلى من هذا محبة غير
واحد من الأكابر تلبس أبنائهم بالوظائف الدينية في حياتهم، والولايات في
المعنى إنما هي للآباء لما أمر به المرء من المشاورة التي الأولى فيما الأب
إذا كان تام العقل والخبرة بالأحوال والرجال بالتجارب وغيره وحينئذٍ فقد
اجتمع رأي الولد والوالد ونشأ عن ذلك المصالح، فقال التقي السبكي في
سنة اثنتين وخمسين: خلع علي ابني أحمد تشريف صالحي لكونه مفتي دار
العدل(٢)، ولما ولي القاضي جلال الدين البلقيني القضاء الأكبر، وكان
ذلك في حياة والده سر الأب بذلك كثيراً وقال: إنه ساع له البذل فيه
لكونه تعين عليه، واتفق ولايته قبل ذلك تدريس الشافعي وولاية ابنه بدر
الدين قضاء العسكر(٣) وولاية ابنه الآخر جلال الدين(٤) توقيع الدست في
(١) أخرجه أبوداود في الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة ٢٤٦/١ رقم (٣٤٥) والترمذي
في الصلاة، باب ما جاء في فضل الغسل يوم الجمعة، ٣٦٧/٢ ٣٦٨ رقم (٤٩٦)
والنسائي في الجمعة باب فضل غسل يوم الجمعة ٩٥/٣- ٩٦ وابن ماجه في إقامة
الصلاة، باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة ٣٤٦/١ رقم (١٠٨٧) وأحمد في مسنده
١٠٤/٤ والدارمي في سننه ٣٦٣/١ وابن خزيمة في صحيحه ١٢٨/٣، ١٣٢ رقم
(١٧٥٨، ١٧٦٧) وابن حبان في صحيحه الإِحسان ١٩/٧-٢٠ رقم (٢٧٨١) والحاكم
في المستدرك ٢٨٢/١ والبغوي في شرح السنة ٢٣٦/٤ رقم (١٠٦٤).
(٢) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر ٢١٢/١.
(٣) ذكره المؤلف في الضوء اللامع ١٠٧/٤ في ترجمة عبدالرحمن بن عمر بن رسلان
جلال الدين البلقيني.
(٤) المصدر السابق.
٨٨٩

يومٍ واحد، وسر كل من منهم بالآخر، وعندي في هذا المعنى ما يطول
شرّحه. وبالله التوفيق.
٢٣٧ - مسألة: هل يعدُ رائي النبي بَّر في منامه على غير
صفته راءٍ له أم لا؟ وهل في الرائي شرط أم لا؟
ورد في ذلك حديث سنده ضعيف عن أبي هريرة رفعه: ((من رآني
في المنام فقد رآني فإني أرى في كل صورة)) (١).
وهذه الرواية ليست في شيء من الصحاح، ولذلك كان الإمام ابن
سيرين فيما صح عنه يقول لمن يخبره برؤيته للنبي ◌ّ: صف لي الذي
رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره (٢). بل في مستدرك
الحاكم(٣) من طريق عاصم بن كليب عن أبيه أنه قال لابن عباس رضي الله
عنهما: رأيت النبي ◌َّر في المنام فقال: صفه لي، فذكر شبهه لحسن بن
علي فقال: قد رأيته.
ولكن الذي صححه النووي أنه يراه حقيقة سواء كانت على صفته
المعروفة أو غيرها زاد غيره: إنها فيما إذا كانت على صفته لا يحتاج
الرؤيا إلى تعبير بخلاف التي على غير صفته فهي مما يحتاج إلى
التعبير (٤). وكذا قال شيخنا(٥): الذي يظهر أن المراد من رآني في المنام
(١) ذكره الحافظ في الفتح ٣٨٤/١٢ وعزاه لابن أبي عاصم وقال: فيه صالح مولى التوأمة
وهو ضعيف لاختلاطه وهو رواية من سمع منه بعد الاختلاط والله أعلم.
(٢) ذكره الحافظ في الفتح ٣٨٣/١٢-٣٨٤.
(٣) انظر: المستدرك ٣٩٣/٤ من طريق عبدالواحد بن زياد عن عاصم بن كليب قال:
حدثنا أبي أنه سمع أباهريرة يقول قال رسول الله صله: ((من رآني في المنام فقد رآني
فإن الشيطان ... إلخ)) وقال عاصم: قال أبي: فحدثت به ابن عباس ... فذكره.
(٤) انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي ٢٥/١٥.
(٥) فتح الباري ٣٨٩/١٢.
٨٩٠

على أي صفة كانت فليستبشر ويعلم أنه قد رأى الحق التي هي من الله، لا
الباطل الذي هو الحلم، فإن الشيطان لا يتمثل بي، والإسلام شرط في
الرؤيا المنسوبة إلى أجزاء النبوة، بل قال بعض العلماء: إن رؤية الفاسق
وكذا المخلط لا تعد في أجزاء النبوة، ولو صدقت رؤياهم أحياناً، فذاك
كما يقال: قد يصدق الكذوب، وعلى كل حال فأصدق المسلمين رؤيا
أصدقهم حديثاً، ورؤيا الأضغاث لهم نادر، لقلة تمكن الشيطان منهم
بخلاف عكسهم، فإن الصدق في رؤياهم نادر، لغلبة تسلط الشيطان
عليهم.
٨٩١

٢٣٨ - مسألة أخرى: وأما ما يفعله كثيرون من إهداء الزيت
والشمع ونحو ذلك إلى المساجد والزوايا ونحوها، فالظاهر أنهم إنما
يقصدون بذلك ما يرجع لمصالحها من استصباح وفرش، وكنس وشبهه،
وقد قال الشيخ عزالدين بن عبدالسلام(١): المهدى إلى المساجد من زيت
أو شمع إن صرح المهدي بأنه نذر، وجب صرفه إلى جهة النذر، ولا
يجوز بيعه، وإن أفرط في الكثرة، وإن صرح بأنه تبرع لم يجز التصرف فيه
إلا على وفق إذنه، وهو باقٍ على ملكه، فإن طالت المدة وعُرف أن باذله
مات فقد بطل إذنه، ووجب رده إلى وارثه، فإن لم يعرف له وارث صرف
في مصالح المسلمين وبالله التوفيق.
(١) انظر: فتاوى العز ابن عبدالسلام ص ١١٧ .
٨٩٢

٢٣٩ - الحمد لله وسئلت بماذا يستفتح به الدعاء عقب
الصلاة، أبالتسمية أم بالحمد؟
فقلت: السنة أن يفتتح دعاءه عقب الصلاة وغيرها بحمد الله تعالى
والثناء عليه والصلاة على رسول الله وَله، لما رواه أبوداود في سننه(١) من
حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: سمع النبي ◌َّ رجلاً يدعو في
صلاته، لم يمجد الله ولم يصل على النبي ◌َّ فقال رسول الله ◌َليقول: ((عجل
هذا)) ثم دعاه فقال له أو لغيره: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء
عليه، ثم يصلي على النبي ◌َّر ثم يدعو بعد بما شاء)).
وأخرجه الترمذي وصححه(٢) والنسائي(٣) وكذا ابن خزيمة(٤) وابن
حبان(٥) والحاكم(٦) في صحاحهم، وقال الحاكم: إنه صحيح على شرط
مسلم، وفي موضع آخر على شرطهما، ولا أعرف له علة.
وفي لفظ عند بعضهم: ((بتحميد الله والثناء عليه)). وفي آخر:
«فمجد الله وحمده)).
وفي لفظ للترمذي (٧) وغيره: بينما رسول الله وَّ قاعداً إذ دخل
(١) في كتاب الصلاة، باب الدعاء ١٦٢/٢ رقم (١٤٨١).
(٢)
أخرجه في الدعوات باب (٦٥) ٥١٧/٥ رقم (٣٤٧٧).
(٣) النسائي في السهو، باب التمجيد في الصلاة على النبي ◌َّ في الصلاة ٤٤/٣ .
(٤) ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣٥١ رقم (٧٠٩، ٧١٠).
(٥) انظر: الإحسان ٢٩٠/٥ رقم (١٩٦٠).
(٦) المستدرك ٢٣٠/١، ٢٦٨.
وأخرجه أيضاً الطحاوي في شرح مشكل الآثار رقم (٢٢٤٢) وإسماعيل القاضي في
فضل الصلاة على النبي ◌َّه برقم (١٠٦) والطبراني في الكبير ٣٠٧/١٨-٣٠٨) رقم
(٧٩١-٧٩٣) والبيهقي في السنن الكبرى ١٤٧/٢-١٤٨.
(٧) انظر: سنن الترمذي ٥١٦/٥ رقم (٣٤٧٦) وقال: حديث حسن.
٨٩٣

رجل فصلى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال النبي وَلهو: ((عجلت أيها
المصلي إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله، ثم صل عليه ثم ادعه))
قال: ثم صلى رجل آخر بعد ذلك فحمد الله وصلى على النبي ◌َّ فقال
رسول الله ويلقى: ((أيها المصلي ادع تجب)) وفي رواية: ((سل تعطه)).
وقد أورده النووي(١) في آخر الترجمة التي عقدها للأذكار بعد
الصلاة من أذكاره. ولقوله بَّلفيه: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله،
وفي رواية: ببسم الله فهو أقطع)) (٢) وكأنه أريد بالحمدلة والبسملة ما هو
أعم منهما وهو ذكر الله تعالى، والثناء عليه على الجملة بصيغة الحمد أو
غيرها، وتؤيده رواية ثالثة لفظها: ((بذكر الله)).
وحينئذٍ فالحمد، والذكر، والتسمية سواء، فمن ابتدأ بواحد منها
حصل المقصود من الثناء على الله.
وفي بعض طرق هذا الحديث: بحمد الله والصلاة عليَّ. كما بينت
كل ذلك في جزء مفرد في الكلام على هذا
(١) انظر: الأذكار للنووي ص١٥٨-١٥٩ رقم (٣٥٣).
(٢) أخرجه أبوداود في الأدب، باب الهدي في الكلام ١٧٢/٥ رقم (٤٨٤٠) والنسائي في
عمل اليوم والليلة ص٣٤٥ رقم (٤٩٤، ٤٩٥) وابن ماجه في النكاح، باب خطبة
النكاح ٦١٠/١ (١٨٩٤) وأحمد في مسنده ٣٥٩/٢، وابن حبان في صحيحه الإحسان
١٧٣/١_١٧٥ رقم (١، ٢) والدارقطني في أول كتاب الصلاة ٢٢٩/١. والبيهقي في
السنن الكبرى ٢٠٨/٣-٢٠٩ والسبكي في طبقات الشافعية ٥/١_٢٠ وحسن هذا
الحديث ابن الصلاح والنووي وابن حجر وغير واحد من الحفاظ. وقال ابن علان في
الفتوحات الربانية ٢٨٨/٣: وقال الحافظ بعد تخريجه حديث الباب (يعني هذا
الحديث): حسن، أخرجه ابن ماجه وأبو عوانة في صحيحه، قال السخاوي في جزئه:
وهذا الحديث تبع ابن الصلاح على تحسينه الإمام النووي في أذكاره وشيخ شيوخنا
العراقي وادعى بعضهم صحته اهـ ثم قال: قلت: غفل عن ذكر شيخه الحافظ فيمن
حسنه. انتهى.
٨٩٤

الحديث(١). وبما قررناه في حصول المقصود بواحد مما ذكر، يجاب عن
الأحاديث التي وردت في دعائه وَّر عقب الصلاة، وليس فيها التصريح
بالبداءة بالحمد، ولا بالتسمية، وكذا عن قوله وَل ◌ّ لمعاذ بن جبل رضي الله
عنه: «أوصيك يامعاذ بكلمات لا تدعهن في دبر كل صلاة، أن تقول: رب
أعني على شكرك، وذكرك وحسن عبادتك))(٢) لأن أكثرها مسبوقة بأذكار،
أو يجاب عنها بالاكتفاء بما ابتدأ به الصلاة من التكبير، ودعاء الاستفتاح،
والحمد، أو بأنه لجواز البيان. نعم، يروى أنه ◌َّيقول كان إذا قضى صلاته
مسح جبهته بيده اليمنى ثم يقول: ((بسم الله الذي لا إله إلا هو الرحمن
الرحيم، اللهم أذهب عني الهم والحزن))(٣) وفي لفظ: كان إذا صلى،
وفرغ من صلاته مسح بيمينه على رأسه وقال: ((بسم الله الذي لا إله غيره،
الرحمن الرحيم اللهم وذكره)) (٤).
(١) تقدمت هذه المسألة وتخريج ما فيها من طرق هذا الحديث مفصلاً برقم (٤٨).
(٢) أخرجه أبوداود في الصلاة، باب في الاستغفار ٢/ ١٨٠-١٨١ رقم (١٥٢٢) والنسائي
في السهو، باب نوع آخر من الدعاء ٥٣/٣ وفي عمل اليوم والليلة ص١٨٧ رقم
(١٠٩) وأحمد في مسنده ٢٤٥/٥-٢٤٧ وابن خزيمة في صحيحه ٣٦٩/١ رقم (٧٥١)
وابن حبان في صحيحه الإحسان ٣٦٤/٥-٣٦٦ رقم (٢٠٢٠، ٢٠٢١) وموارد الظمآن
برقم (٤٣٤٥) والطبراني في الكبير ١٢٥،١١١/٢٠ رقم (٢١٨، ٢٥٠) والحاكم في
المستدرك ٢٧٣/١.
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط ٦٦/٣ رقم (٢٤٩٩) و٢٨٩/٣ رقم (٣١٧٨) وانظر:
مجمع البحرين ٣٤/٨ رقم (٤٦٦٣، ٤٦٦٤) وفي كتاب الدعاء ١٠٩٦/٢ رقم (٦٥٩)
وذكره الهيثمي في المجمع (١١٠/١٠) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والبزار
بأسانيد وفيها زيد العمي وقد وثقه غير واحد وضعفه الجمهور وبقية رجال أحد إسنادي
الطبراني ثقات وفي بعضهم خلاف. وابن السني في عمل اليوم والليلة ص٥٩ رقم
(١١٢).
(٤) أخرجه الطبراني في الدعاء ٢/ ١٠٩٥ رقم (٦٥٨).
٨٩٥

وفي حديث لجابر رضي الله عنه قال: علّمني رسول الله وَالقر أن أقول
خلف كل صلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد،
وهو على كل شيء قدير، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وماأسررت
وما أعلنت، وما أبديت وما أخفيت، أنت إلهي لا إله إلا أنت(١)).
ولابن عباس رضي الله عنهما (٢) قال: كان النبي ◌َّو إذا انصرف من الصلاة
قال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي
ويميت وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما
منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)).
وعن عائشة رضي الله عنها(٣) بنحوه.
وفي تخريج هذه الأحاديث، واستيفاء ما يشبهها طول حصل الغرض
بدونه، وبالجملة فالأكمل الابتداء بالحمد، أو ما يقوم مقامه مما فيه
تمجيد وثناء عملاً بحديث فضالة، وإن كان أصل السنة حاصلاً بمجرد
الذكر. وبالله التوفيق.
٢٤٠ - الحمد لله وسئلت: عن ورقة ومن نفى إيمانه أو
صحبته متمسكاً بقول من لم يشتهر بعلم، وصمم على ذلك، أهو
صحيح، وماذا يلزمه؟
(١) أخرجه الطبراني في كتاب الدعاء ١١٠٦/٢ رقم (٦٧٨) من طريق عبدالجبار بن عمر
عن محمد بن المنكدر عن جابر، وعبدالجبار هذا ضعيف.
(٢) حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في الكبير ١٧٣/١٢ رقم (١٢٧٩٦) وفي الدعاء
١١٠٦/٢ رقم (٦٧٩) من طريق يحيى بن عمرو بن مالك النكري عن أبيه عن أبي
الجوزاء عن ابن عباس ويحيى هذا ضعيف وقال في المجمع (١٠٣/١٠) بعد أن عزاه
للطبراني والبزار: وإسنادها حسن.
(٣) حديث عائشة أخرجه أيضاً الطبراني في الدعاء ٢/ ١١٠٧ رقم (٦٨٠).
٨٩٦

فقلت: قد أقر ورقة رضي الله عنه بنبوة النبي وَّ بقوله:
هذا الناموس الذي أنزل على موسى ياليتني فيها جذعاً، ليتني أكون
حياً حين يخرجك قومك، وفي آخر القصة: (( ... ثم لم ينشب ورقة أن
توفي))(١) .
قال شيخنا رحمه الله(٢): وهذا ظاهره أنه أقر بنبوته ولكنه مات قبل
أن يدعو رسول الله ◌َ و الناس إلى الإسلام، فيكون مثل بحيرا، وفي إثبات
الصحبة له نظر. هذا مع أنه قد ذكره في الصحابة الطبري والبغوي، وابن
قانع وابن السكن، وآخرون، وشاهدهم ماتقدم، فإنه آمن به بعد النبوة،
وأصرح منه ما جاء عن عمرو بن شرحبيل وهو من كبار التابعين أن رسول
الله ◌َل قال لخديجة رضي الله عنها: ((إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء
فقد والله خشيت على نفسي)) فقالت: ((معاذ الله ما كان الله ليفعل بك، فوالله
إنك لتؤدي الأمانة ... الحديث)). فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد
أنك الذي بشر به ابن مريم، وإنك على مثل ناموس موسى، وإنك نبي
(١) هذا جزء من حديث عائشة رضي الله عنها أولها ((أول ما بديء برسول الله وَ الهول من
الوحي الرؤيا الصادقة إلخ)). أخرجها البخاري في صحيحه في بدء الوحي برقم (٣)
وفي أحاديث الأنبياء برقم (٣٣٩٢) وفي التفسير برقم (٤٩٥٣، ٤٩٥٥، ٤٩٥٦،
٤٩٥٧) وفي التفسير برقم (٦٩٨٢) ومسلم في صحيحه في الإيمان، باب بدء الوحي
برسول الله برقم (٢٥٣، ٢٥٤-١٦٠) وأحمد في مسنده ٢٣٢/٦-٢٣٣ والزبير بن بكار
في جمهرة نسب قريش ص٤١١ (٧١٦) وذكره أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني
١٢٠/٣ من طريق الزبير بن بكار. وعبدالرزاق في مصنفه برقم (٩٧١٩) والطيالسي في
مسنده برقم (١٤٦٧) وأبو عوانة في مسنده ١/ ١١٠، ١١٣ والآجري في الشريعة
ص٤٣٩-٤٤٠ والطبري في تفسيره ١٦١/٣٠، ١٦٢ وابن حبان في صحيحه الإحسان
٢١٦/١-٢١٩ رقم (٣٣) وأبونعيم في دلائل النبوة ٢٧٥/١-٢٧٧ والبيهقي في دلائل
النبوة ١٣٥/٢-١٣٦ والبغوي في شرح السنة برقم (٣٧٣٥).
(٢) انظر كلام الحافظ ابن حجر في الإصابة ٦/ ٦٠٧ ٦٠٨.
٨٩٧

مرسل، وإنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، وإن يدركني ذلك
لأجاهدن معك، فلما توفي قال رسول الله وَلهو: ((لقد رأيت القس في
الجنة، عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بي وصدقني)).
وهو منقطع(١) ولكن يعتضد بمرسل جيد عن عروة ابن الزبير لفظه:
كان بلال رضي الله عنه الجارية من بني جمح، وكانوا يعذبونه برمضاء
مكة، يلصقون ظهره بالرمضاء لكي يشرك، فيقول: أحد أحد، فيمر به
ورقة وهو على تلك الحال فيقول: أحد أحد، يابلال! والله لئن قتلتموه
لأتخذنه حناناً(٢).
وهو كما قال شيخنا: يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي وَل
إلى الإسلام حتى أسلم بلال.
وحينئذٍ فقوله فيما تقدم: ((ثم لم ينشب)) أي قبل أن يشتهر الإسلام
ويؤمر النبي ◌َّ بالجهاد انتهى(٣). على أن ظاهر صنيع شيخنا في شرح
النخبة (٤)، اختصاص التوقف بمن لم يدرك البعثة فإنه قال: وقد عرف
الصحابي بأنه من لقى النبي وي ليه مؤمناً به إلى آخره، أن قوله به يخرج من
لقيه مؤمناً لكن بغيره من الأنبياء، ولكن هل يخرج من لقيه مؤمناً بأنه
سيبعث ولم يدرك البعثة، فيه نظر، ويتأيد صنيعه هنا بمغايرته بين بحيرا
(١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ١٥٨/٢-١٥٩ وقال: منقطع. وذكره ابن كثير في البداية
والنهاية ٩/٣-١٠ وعزاه لأبي نعيم والبيهقي في دلائل النبوة. والحافظ في الإصابة
٦٠٨/٦ وعزاه إلى زيادات المغازي والبيهقي في الدلائل.
(٢) أخرجه الزبير بن بكار في جمهرة نسب قريش ص٤١٢ رقم (٧١٧) وذكره أبو الفرج
..
الأصبهاني في كتاب الأغاني ٣/ ١٢٠-١٢١ من طريق الزبير بن بكار وزادا: كأنه يقول:
لأتمحسن به)) وذكره ابن حجر في الإصابة ٦٠٨/٦ وعزاه إلى الزبير بن بكار.
(٣)
الإصابة ٦٠٨/٦ إلى هنا انتهى كلام الحافظ.
(٤)
شرح نخبة الفكر ص (١١٥).
٨٩٨

وورقة، فذكر بحيرا في القسم الرابع من كتابه في الصحابة(١)، لكونه كان
قبل البعثة، وذكر ورقة في القسم الأول منه (٢) لكونه إن لم يكن بعد
الدعوة، كان بعد النبوة، وإذا كان كذلك فلا يليق الجزم بنفي صحبته،
وأما نفي كونه مؤمناً فجهل صريح، ويمنع قائله فإن أصر أدب وإن قال ابن
منده: إنهم اختلفوا في إسلامه(٣).
ويروى مما هو ضعيف: أنه مات على نصرانيته فقد قال النووي
رحمه الله (٤): أن ما صدرت به جوابي هذا ظاهر في إسلامه واتباعه، وتصديقه.
قلت: وهو المعتمد ولا يجوز الاعتماد على غير أهل العلم، بل
يخص كل عالم بالسؤال عما عرف به، ومن ادعى ما لم يعلم كذب فيما علم.
وللحديث رجال يعرفون به، وللدواوين كتاب وحساب، والمسألة
محتملة للبسط أكثر ولكن أرجو حصول الغرض بهذا. والله الموفق.
٢٤١ - الحمد لله وسئلت عن إمام لغير محصورين يقول في الرفع
من ركوع ثانية الصبح: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، فيقول
المبلغون: ربنا لك الحمد ويمطوا بها لتبلغ مدى أصواتهم من بعد عنهم،
لسعة المساجد، فإذا فرغوا أتى بقنوت الصبح المعروف وذيله بقوله
الملحن: اللهم لا تهلكنا بغضبك، ولا تقتلنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك،
واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه، فقيل له: إن تلك الزيادة لم ترد في
القنوت، فصمم عناداً، مع أن في المأمومين من يتضرر بذلك، فهل هو
آثم، خارج بذلك عن العدالة أم لا؟
(١) انظر: الإصابة ٣٥٢/١.
(٢) انظر: الإصابة ٦/ ٦٠٧ .
(٣) ذكر قول ابن منده ابن الأثير في أسد الغابة ٥/ ٤٤٧ في ترجمة ورقة.
(٤) انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٤٤١/٢-٤٤٢.
٨٩٩

فقلت: انتظار الإمام للمبلغين والحالة هذه، إما أن يكون فيه ساكتاً،
أو قائلاً: أهل الثناء أو ملء السماوات، وعلى كل حال فهو غير لائق
خصوصاً وهو ركن قصير، وسواء الصبح في ذلك أو غيره، لكنه في
الصبح آكد، لأنه بانضمام ألفاظ القنوت إليه يطول، وهو فيما قاله الشيخ
تاج الدين عبدالرحمن بن إبراهيم بن الفِرْكَاح في ((الإقليد)) (١): إن لم يكن
مبطلاً فلا شك في كراهته قال: وإن كان عمل الأئمة غالباً منهم لا
يستكملون ذكر الاعتدال إلا مع القنوت، فذلك جهل منهم بفقه الصلاة،
بل قال ابنه الشيخ برهان الدين إبراهيم (٢): إنه لا ينبغي أن يؤخر الإمام
الشروع في القنوت عن: ربنا لك الحمد، وإن آثر المأمومون التطويل،
قال: لأني قد تصفحت الأحاديث، فلم أجد ما يقتضي التأخير عنه، ولم
أر نقلاً صريحاً أن الإمام يزيد هنا على ((ربنا لك الحمد)» ولا يعارضه
الحديث الصحيح الذي فيه الزيادة.
(١) عبدالرحمن بن إبراهيم البدري الفزاري المصري الدمشقي الشافعي المعروف بالفركاح
تاج الدين أبو محمد فقيه أصولي أديب ولد سنة ٦٢١هـ وتوفي سنة ٦٩٠ سمع من
جماعة ودرس وناظر وأفتى وكتابه هذا الإقليد لدرء التقليد وهو شرح التنبيه للشيرازي.
انظر ترجمته في: طبقات الشافعية ١٦٣/٨-١٦٤ وفوات الوفيات ٢٦٣/٢_٢٦٥
وطبقات الشافعية للأسنوي ٢٨٧/٢-٢٨٩ شذرات الذهب لابن العماد ٤١٣/٥-٤١٤.
(٢) إبراهيم بن عبدالرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري المصري الأصل ثم الدمشقي
الشافعي المعروف بابن الفركاح المولود سنة ٦٦٠هـ والمتوفى سنة ٧٢٩هـ سمع في
الصغر من ابن عبدالدائم وابن أبي اليسر وبرع في الفقه وقرأ الأصول وبعض المنطق
وتفنن وجود الكتابة ونشأ في صون وخير وإکباب على العلم والإفادة عمره کله درس
واشتغل وتخرج به الأصحاب وأذن في الفتوى لجماعة وانتهى إليه إتقان غوامض
المذهب ومن مؤلفاته: شرح علم التنبيه نحو عشرين مجلداً، تعليق على مختصر ابن
الحاجب في أصول الفقه وغيرها، انظر ترجمته في: الوافي بالوفيات ٤٣/٦-٤٤ والدرر
الكامنة ٣٤/١ وشذرات الذهب ٨٨/٦.
٩٠٠