Indexed OCR Text

Pages 501-520

وقد عزاه الرافعي في تاريخ قزوين(١) لكتاب ((الأطعمة)) للسلمي:
أخبرنا علي بن أبي عمر البلخي حدثنا محمد بن عبدالله المقريء حدثنا
الفضل بن محمد بن إسحاق حدثنا محمد بن قبيصة بن عبدالله حدثنا بشر
بن المبارك الكندي قال: ذهبت إلى وليمة فيها غالب القطان، فوضع
الخوان فقال غالب: كلوا فقالوا حتى يجيء الأدم فقال: حدثتني كريمة ابنة
هشام الطائية أن النبي بَّ قال: «أكرموا الخبز فإن من كرامته أن لا ينتظر
به الأدم» فأکل وأكلنا.
قلت: وكأنه سقط منه عائشة.
تنبيه: قد عزى شيخنا في تلخيصه لمسند الفردوس(٢) حديث:
((أكرموا الخبز فإن الله سخر لكم به بركات السموات والأرض والحديد
والبقر وابن آدم، ولا تسندوا القصعة بالخبز فإنه ما أهانه قوم إلا ابتلاهم الله
بالجوع)). للطبراني عن عبدالله بن أم حرام. وحديث: ((ياعائشة أكرمي
كريمك فإنها ما نفرت عن قوم قط فعادت إليه)) وفي لفظ: ((أحسني جوار
نعم الله)) الحديث لابن ماجه والطبراني والحاكم عن عائشة، وحديث ((لا
تقطعوا الخبز بالسكين أكرموه فإن الله أكرمه))، للطبراني عن أم سلمة(٣).
وقال المروذي: قلت لأحمد: بلغني عن يحيى بن سعيد قال: كان
(١) انظر: التدوين في أخبار قزوين ٩/٤.
(٢) انظر: تسديد القوس مع مسند الفردوس لابن حجر ١١٢/١ تحت رقم (٢٤١).
(٣) انظر: تسديد القوس مع مسند الفردوس لابن حجر ١٨٢/٥ تحت رقم (٧٥٤٩).
وانظر: المقاصد الحسنة للمؤلف ص٧٨، وتنزيه الشريعة ٢٤٤/٢ واللآلي المصنوعة
٢٢٥/٢-٢٢٦. والعجلوني في كشف الخفاء ومزيل الإلباس ١٩٣/١ رقم (٥٠٨).
وسلسلة الأحاديث الضعيفة ٣٧٢/٤ وصحيح الجامع برقم (١٢١٩) وضعيف الجامع
برقم (١٢٢٣، ١٢٢٥).
٥٠١

سفيان يكره أن يكون تحت القصعة الرغيف، لم كرهه سفيان؟ قال: كره
أن يستعمل الطعام، قلت: تكرهه أنت؟ قال: نعم.
وروي عن عقيل قال: حضرت مع ابن شهاب وليمة ففرشوا المائدة
بالخبز فقال: لا تتخذوا الخبز بساطاً .
وروي المؤمل بن إهاب عن أبي داود عن مبارك بن فضالة عن
الحسن البصري أنه كره أن يوزن بالشعير. انتهى. فيحتمل أن يكون تكريماً
له ویحتمل خلافه.
٥٠٢

١٢٢ - مسألة: روى البخاري في صحيحه(١) من حديث ابن
عيينة، سمعت الزهري عن عبيد الله عن أم قيس ابنة محصن رضي الله عنها
قالت: سمعت النبي ◌َّهُ يقول: ((عليكم بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة
أشفية يستعط(٢) من العذرة ويلد به من ذات الجنب)) ودخلت إلى النبي وَطيّة
بابن لي لم يأكل الطعام فبال عليه فدعا بماء فرش عليه.
ومن حديث ابن عيينة(٣) أيضاً به بلفظ: ((دخلت بابن لي على النبي
وَل﴿ وقد أعلقت عليه من العذرة فقال: ((على ما تدغرن أولادكن بهذا
العلاق، عليكن بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية، منها: ذات الجنب
يستعط من العُذرة ويُلد من ذات الجنب)) ولم يبين الزهري الخمسة ا
لباقية.
ومن حديث شعيب عن الزهري(٤) به مثله. وزاد البخاري بعد قوله:
«الهندي» یرید الگُست وهو العود الهندي.
ومن حديث إسحاق(٥) - هو ابن راشد - عن الزهري به مثله، وقال
البخاري: يريد الكست يعني القسط. قال: وهي لغة. ووافقه مسلم(٦)
(١) في الطب، باب السعوط بالقسط الهندي والبحري انظر: الصحيح مع الفتح ١٤٨/١٠
رقم (٥٦٩٢).
(٢) قوله: ((يستعط)) من استعط، يقال: سعطته وأسعطته فاستعط والاسم السَّعوط بالفتح
وهو ما يجعل من الدواء في الألف انظر: النهاية ٣٦٨/٢ وفتح الباري ١٤٩/١٠.
(٣) في الطب، باب اللدود ١٦٦/١٠ رقم (٥٧١٣).
(٤)
في الطب، باب العذرة ١٦٧/١٠ رقم (٥٧١٥).
في الطب، باب ذات الجنب ١٧١/١٠-١٧٢ رقم (٥٧١٨).
(٦) أخرجه في كتاب السلام باب التداوي بالعود الهندي ١٧٣٤/٤ رقم (٢٨٧ -٢٢١٤)
(٥)
والحديث أخرجه أيضاً أبوداود برقم (٣٨٧٧) وأحمد في مسنده ٣٥٥/٦-٣٥٦
والحميدي برقم (٣٤٤) وعبدالرزاق برقم (٢٠١٦٨) وابن أبي شيبة في مصنفه ٩٨/٨ =
٥٠٣

على تخريجه من حديث ابن عيينة، وانفرد به من طريق يونس بن يزيد عن
الزهري وفيه قال يونس: أعلقت غمزت فهي تخاف أن تكون به عذرة.
وفيه أيضاً أن ذلك الولد هو البائل وقال: وفي العود الهندي يعني به
الكست، وأخرجه ابن ماجه (١) من حديث ابن عيينة ويونس وعبدالله بن
زياد بن سمعان جميعاً عن الزهري مثله.
وفي آخره قول يونس: أعلقت يعني غمزت، وأخرجه أبونعيم في
الطب(٢) من حديث معمر عن الزهري به وفيه: أخذ رسول الله وَّ الصبي
فأقعده في حجره.
وفي الباب عن جماعة من الصحابة: فروى البخاري(٣) من حديث
عبدالله هو ابن المبارك عن حميد الطويل عن أنس رضي الله عنه أن النبي
وَلي قال: ((إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري)) وقال: ((لا
تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة وعليكم بالقسط)).
وهو عند أبي نعيم في الطب(٤) من حديث غسان بن الربيع عن حماد
بن سلمة عن حميد به بلفظ: ((خير ما تداويتم به الحجامة ولا تعذبوا
أولادكم بالغمز من العذرة)).
ومن حديث هدبة عن حماد به بلفظ: ((من خير ما تداوى به الناس
وابن أبي الدنيا في كتاب العيال ٨٥٩/٢ - ٨٦٠ رقم (٦٥٥) والطحاوي في شرح
=
معاني الآثار ٣٢٤/٤ والطبراني في الكبير ١٧٧/٢٥ - ١٨٠،١٧٨ رقم (٤٣٥-٤٤٢)
وابن حبان في صحيحه انظر الإحسان ٤٣٣/١٣ - ٤٣٤ برقم (٦٠٧٠) والبيهقي في
السنن الكبرى ٣٤٦/٩ والبغوي في شرح السنة برقم (٣٢٣٨).
(١) في كتاب الطب، باب دواء العذرة والنهي عن الغمز ١١٤٦/٢ رقم (٣٤٦٢).
(٢) انظر: كتاب الطب لأبي نعيم ٦٠/أ.
(٣) في كتاب الطب، باب الحجامة من الداء ١٠ / ١٥٠ رقم (٥٦٩٦).
(٤) انظر: الطب النبوي ٦٠/أ.
٥٠٤

الحجامة والقسط البحري))(١).
ومن حديث زياد بن سعد عن حميد به(٢): «خير ما تداوى به الناس
الحجامة والكست)) وذكر العذرة، ومن حديث المرجا بن رجاء عن حميد
به(٣): ((إن خير ما تداوى به الناس الحجامة، والقسط البحري، ولا تعذبوا
أولادكم بالغمز، عليك بالقسط البحري)) وروى أبونعيم في الطب (٤) أيضاً
من حديث يعلى بن عبيد عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبي
وَ﴾ دخل على عائشة وعندها صبي تسيل منخراه دماً فقال: ما هذا؟
فقالوا: به العذرة فقال: ((ويلكن لا تقتلن أولادكن، أيما امرأة أصاب
ولدها العذرة أو وجع في رأسه، فلتأخذ قسطاً هندياً فلتحكه ثم لتسعطه
به)). قال: فأمرت عائشة فصنعت فبرأ.
ومن حديث جرير (٥) وعیسی بن یونس كلاهما عن الأعمش به مثله،
لكنه قال: ((فلتأخذ قسطاً هندياً فلتحكه بماء ثم لتسعطه إياه)).
ومن حديث حماد بن شعيب(٦) عن أبي الزبير عن جابر: جاءت
امرأة إلى النبي وَلهر فقالت: يارسول الله! ابني هذا به العذرة، فقال: ((لا
تخرقن حلوق أولادکن، علیکن بقسط هندي وورس فاسعطنه إياه)) .
وكذا رواه نصير بن أبي الأشعث وعبدالله بن لهيعة كلاهما عن أبي
الزبير به أن امرأة جاءت بصبي لها إلى النبي ◌ّ في العذرة وأنفه يسيل
(١) المصدر السابق ٦٠/ ب.
(٢) كتاب الطب لأبي نعيم ٦٠/ب.
(٣) كتاب الطب ٥٩/أ.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المصدر السابق وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك ٤٠٦/٤ من طريق عيسى بن يونس
عن الأعمش به نحوه ..
(٦) المصدر السابق ٥٩/ ب وانظر أيضاً: المستدرك ٤ /٤٠٦ .
٥٠٥

منها دماً، ففي حديث نصير فقال النبي وَّلفيه: ((خذي قسطاً هندياً وورساً
فاسعطیهما إياه)) .
وفي حديث ابن لهيعة: ((فلتأخذ قسطاً هندياً فلتحكه بماء ثم لتسعطه
إياه)» فهؤلاء جماعة رووه عن أبي الزبير عن جابر جعلوه من مسنده
وخالفهم موسى بن عقبة فرواه عن أبي الزبير عن جابر فقال عن عائشة أن
النبي ◌َّ رأى صبياً قد أعلق عليه فقال: ((على ما تقتلن أولادكن بهذا
العلاق، عليكن بالقسط الهندي بماء ثم يسعط)).
أخرجه أبونعيم(١) وأشار إليها ابن أبي حاتم في العلل(٢) وقال: قال
أبي: إنه الصحيح، يعني كونه عن جابر عن عائشة.
قلت: ويشهد للأول رواية صفوان بن عمرو قال: حدثني ماعز
التميمي سمعت جابراً يقول: دخلت امرأة بابن لها على بعض أزواج النبي
وَّر تعالجه من العذرة فأدمين فم الصبي فدخل رسول الله وص له فلما رأى
الصبي سال فوه دماً قال: ((ويلكن لا تقتلن أولادكن - ثلاثاً -)) ثم قال: ((إذا
عالجتن مثل هذا وشبهه فلتأخذ كستاً بحتاً ثم تعمد إلى حجر فلتسحقه عليه
ثم لتقطر عليه قطرات من زيت وماء ثم لتعالجه امرأة نجيح العمل ثم
لتوجره إياه فإن فيه شفاء من كل داء)) أخرجه أبونعيم أيضاً(٣) .
وروي من طريق النفيلي عن حاتم بن إسماعيل عن حبيب مولى
الخفاف عن الصلت بن زبيد عن أمه قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله وَلهم
فقالت: إن بابنتي العذرة فقال: ((اذهبي فخذي كستاً ومراً وزيتاً وحبة
سوداء فاسعطيها وتوكلي فلم تقرها نفسي حتى أعلقت عليها فقدرت منيتها
(١) انظر: كتاب الطب ٦٠/أ.
(٢) انظر: العلل ٢/ ٣٤٧ وليس في المطبوع من العلل تصحيح أبي حاتم له.
(٣) انظر: كتاب الطب ٦٠ /أ.
٥٠٦

فيه فزملتها ثم أتت بها رسول الله وَل﴿ فقالت: يارسول الله! معصية الله
ورسوله أشد علي من مصيبتي بها فقال: ((إنك والدة لا جناح عليك))،
ووافق عنده نساء فقال: ((يامعشر النساء لا تعلقن على أولادكن فإنه قتل
السر)) .
وخالف أبوثابت محمد بن عبدالله المديني وإبراهيم بن أبي حمزة إذ
روياه عن حاتم فقالا: عن جدته بدل أمه أشار إليهما ابن أبي حاتم في
العلل(١) وقال: قال أبي: والأول أصح، والنفيلي أحفظ: قال ابن أبي
حاتم: وترجم - يعني والده - في كتاب الوحدان: ما روت جدة الصلت بن
زبيد عن النبي ◌َّر وحكم بالصحة لمن روى عن جدة الصلت.
تتمة: العذرة، قال أبوزرعة(٢) وغيره: هو داء يأخذ الإنسان في
حلقه ونحوه قول آخرين: هو وجع الحلق، وقيل: اللهاة. ومعنى
أعلقت(٣): عالجت رفع اللهاة بأصبعها، والدغر(٤): غمز الحلق، وقد
تقدم في رواية حكه بالماء، وفي أخرى بالماء والزيت، وفي رواية أخرى
(١) انظر: العلل ٣٤٦/٢ -٣٤٧.
(٢) ذكر قول أبي زرعة هذا ابن أبي حاتم في العلل ٣٤٧/٢، وقال ابن الأثير: وجع في
الحلق يهيج من الدم، وقيل: هي قرحة تخرج في الخرم الذي بين الأنف والحلق
تعرض للصبيان عند طلوع العذرة فتعمد المرأة فتفتلها فتلاً شديداً وتدخلها في أنفه
فتطعن ذلك الموضع فيتفجر منه دم أسود، وربما أقرحه وذلك الطعن يسمى الدغر،
يقال: عذرت المرأة الصبي إذا غمزت حلقه من العذرة أو فعلت به ذلك وكانوا بعد
ذلك يعلقون عليه علاقاً كالعوذة انظر: النهاية ١٩٨/٣.
(٣) قوله: ((أعلقت)) قال في النهاية: الإعلاق: معالجة عذرة الصبي، وهو وجع في حلقه
وحقيقة أعلقت عنه: أزلت العلوق عنه وهي الداهية انظر: النهاية ٢٨٨/٣.
(٤) الدغر، قال في النهاية: هو غمز الحلق بالأصبع، وذلك أن الصبي تأخذه العذرة وهي
وجع يهيج في الحلق من الدم فتدخل المرأة فيه أصبعها فترفع بها ذلك الموضع
وتكبسه. انظر: النهاية ٢/ ١٢٣ مادة (دغر).
٥٠٧

قسطاً وورساً، وفي أخرى: قسطاً مُراً وزيتاً وحبة سوداء.
إذا عرف هذا فقد سئل شيخي رحمه الله عن الكيفية في فعله فقال:
يذاب بقليل من الزيت ويقطر في أنف الذي يداوى به أو يسعط به بشيء
فيه. والله أعلم.
١٢٣ - الحمد لله سئلت: عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله
عنه أله عقب أم لا؟ فإن بعض من بلده جراح - القرية التي بالشرقية
من قرى مصر - يدعي انتسابه إليه، وإن قولهم الجراحي نسبة إليه
فهل ذلك صحيح أم لا؟
فأجبت بما كتبته: قد جزم العلامة النسابة أبوعبدالله الزبير بن بكار
بن عبدالله بن مصعب الزبيري في كتابه ((نسب قريش)) (١) وهو في مجلدين
قبيل آخره بثلاثة أوراق بانقراض ولد سيدنا أبي عبيدة وذلك أنه قال: فولد
أبو عبيدة يزيداً وعميراً، وأمهما هند ابنة جابر بن وهب بن ضباب وقد
انقرض ولد أبي عبيدة وولد إخوته جميعاً. انتهى.
وتبعه ابن عساكر في تاريخ دمشق(٢) ثم الذهبي في مختصره له،
وعبارته قال الزبير: وقد انقرض ولد أبي عبيدة وولد إخوته جميعاً، ولما
عقد أبوسعد بن السمعاني في أنسابه (٣) ترجمة الجراحي لم يذكر فيها أحداً
ممن ينتسب إلى أبي عبيدة، بل قال فيها: هذه النسبة إلى الجراح وهو
اسم لبعض أجداد المنتسب إليه، ثم ذكر من هذه النسبة عبدالجبار بن
(١) انظر: نسب قريش ص/ ٤٤٥ للمصعب الزبيري ولم أجده في نسب قريش للزبير بن
بکار.
(٢) تاريخ دمشق ٧٣٤/٨.
(٣) انظر: الأنساب ٢٢٩/٣.
٥٠٨

محمد بن عبدالله بن محمد بن أبي الجراح الجراحي المروزي الذي وقع
لنا جامع الترمذي أحد الكتب الستة من طريقه، وولده أبابكر محمداً،
وتبعه أبوالحسن بن الأثير في مختصره (١) ولم يزد شيئاً، وكذا عقد ابن
نقطة الحافظ في تكملة الإكمال(٢) لابن ماكولا للجراحي، والخراجي
بالمعجمة ثم المهملة الخفيفة آخره جيم ترجمة، ولم يذكر من ينتسب
جراحياً سوى عبد الجبار المذكور، وتبعه الحافظ الذهبي في المشتبه(٣)
لكنه قال في الجراحي عبدالجبار وغيره، وأقر شيخنا رحمه الله في
مختصره (٤). والحاصل أن أحداً لم يذكر في هذه النسبة أحداً ينتسب إلى
أبي عبيدة فهو مشعر باعتماد الزبير وعدم النقض عليه وكفى به في ذلك
عمدة، وإذا كان الأمر كذلك حصل التوقف في دعوى من ينتسب إليه إلا
أن أظهر مستنداً يعتمده أئمة النقل في ذلك، وبالله التوفيق(٥).
(١) انظر: اللباب في تهذيب الأنساب ٢٦٨/١.
(٢) تكملة الإكمال ٢/ ١٣٤ .
(٣) انظر: المشتبه للذهبي ١/ ١٥٧.
(٤) وانظر: تبصير المنتبه بتحرير المشتبه ٣١٣/١.
(٥) ورد في الأصل هنا: قاله وكتبه محمد بن السخاوي ختم له بخير.
٥٠٩

١٢٤ - مسألة: وقع الكلام الآن بين يدي السلطان، حفه الله
بمزيد نصره، ورد كيد عدوه في نحره، فيمن ترك شعر رأسه بدون
حلق حتى يطول ويسترخي من جانبي رأسه هل يتعرض لإزالته، أو
يترك على هيئته وحالته؟
فقلت: أكثر من يفعل ذلك في وقتنا لا يقصد بذلك إلا إقبال الناس
عليه وجر أموالهم وكراماتهم إليه، والنظر إليه بعين الإجلال، واحتقار من
هو أعلى رتبة منه في الكمال، فضلاً عن الأمثال، والإيذان بأنه من الشيوخ
المعتقدين والصلحاء البالغين الغاية في الورع والدين إلى غير ذلك من
المقاصد المختلة، التي لظهورها لا يفتقر لإقامة البراهين والأدلة، مع
اتصافهم بعدم التفقه في الديانات، وبعدهم عن أحوال أولي الزهد
والكرامات، وإذا كان الأمر كما وصف وقُرر وعُرف، كان فعل ذلك
حراماً، كما صرح به من كان في السنة النبوية مقدماً، إماماً. لكن في
مسألة إرخاء العذبة لما انضاف إلى صنيعه من الخلل وصحبه قياساً على
جر القميص ونحوه، حيث خص النهي عن الإسبال بكبره وزهوه، أما من
كان بعيداً من ذلك، واتفق استرخاءه وهو مارٍّ سالك فلا يتناوله النهي على
التحقيق كما وقع لسيدنا أبي بكر الصديق، إذ قال رضي الله عنه: يارسول
الله إن أحد شقي إزاري يسترخي قليلاً إلا أن أتعاهده فقال: ((يا أبابكر
لست منهم))(١) يعني ممن يفعله خيلاء.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في فضائل الصحابة انظر: الصحيح مع الفتح ١٩/٧ رقم
(٣٦٦٥) وفي اللباس، باب من جر إزاره خيلاء الصحيح مع الفتح ٢٥٤/١٠ رقم
(٥٧٨٤) وفي الأدب، باب من أثنى على أخيه المسلم ١٠ /٤٧٨ رقم (٦٠٦٢)
وأبوداود في اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار ٤/ ٣٤٥ رقم (٤٠٨٥)، والنسائي =
٥١٠

فهذا وجه مقتضٍ للأمر بإزالته، وكذا ظهر لي وجه آخر وهو أن أكثر
المرخين شعورهم كما قدمت ممن لافقه عنده، فربما لا يحسن الاغتسال
المجزيء في رفع الجنابة مع وجوده لكون تحت كل شعرة جنابة، وقد
كان سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه - وناهيك به علماً وعملاً
وزهداً واتباعاً - يجز شعره ويقول بعد أن يروي أنه وَ لقر قال: ((من ترك
موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فُعل به كذا وكذا من النار)) ما نصه: فمن
ثمَّ عاديت شعر رأسي ثلاثاً(١).
وكل واحد من هذين الوجهين يكفي في الأمر بإزالته فضلاً عن
اجتماعهما، وذلك لا ينافي أصلية سنيته.
وإذا تقرر هذا فبيان كونه سنة أنه قد ثبت في الصحيحين أنه ◌َلو كان
أولاً يسدل شعره ثم فرقه مخالفة لأهل الكتاب)) (٢).
في الزينة، باب إسبال الإزار ٢٠٨/٨.
(١) أخرجه أبوداود في الطهارة، باب في الغسل من الجنابة ١/ ١٧٣ رقم (٢٤٩) وابن ماجه
في الطهارة، باب تحت كل شعرة جنابة ١٩٦/١ رقم (٥٩٩) وأحمد في مسنده
٩٤/١، ١٠١، ١٣٣ والدارمي في سننه ١/ ١٩٢ وابن أبي شيبة في مصنفه ١٠٠/١
والطبراني في الصغير ١٧٩/٢ رقم (٩٨٧) وقال: لم يروه عن عبدالعزيز - ابن أبي
رواد - إلا ابنه: تفرد به جرير بن مسلم والمشهور من حديث حماد بن سلمة عن عطاء
بن السائب. وابن عدي في كامله ٥/ ٢٠٠٢ والبيهقي في السنن الكبرى ١٧٥/١، ٢٢٧
وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣٣٢/٢ رقم (٩٣٠).
(٢) أخرجه البخاري في المناقب، باب صفة النبي ◌َّ ر ٥٦٦/٦ رقم (٣٥٥٨) وفي مناقب
الأنصار باب إتيان اليهود للنبي 18 حين قدم المدينة ٢٧٤/٧ رقم (٣٩٤٤) وفي
اللباس، باب الفرق ٣٦١/١٠ رقم (٥٩١٧) ومسلم في الفضائل، باب في سدل النبي
* شعره وفرقه ١٨١٧/٤ - ١٨١٨ رقم (٢٣٣٦) وأبوداود في الترجل، باب ما جاء
في الفرق ٤٠٧/٤، ٤٠٨ رقم (٤١٨٨) وابن ماجه في اللباس، باب اتخاذ الجمة
والذوائب ١١٩٩/٢ رقم (٣٦٣٢) وأحمد في مسنده ١/ ٢٨٧، والترمذي في الشمائل =
٥١١

والفرق(١): هو أن يقسم شعر رأسه فرقتين يميناً وشمالاً، كل فرقة
ذؤابة فتظهر جمته من الناحيتين، وذلك لا يكون إلا مع كثرة الشعر
وطوله، قالت عائشة رضي الله عنها (٢): ((كنت إذا أردت أن أفرق رأس
رسول الله ﴾﴾ صدعت الفرق من یافوخه وأرسل ناصیته)).
وحينئذٍ فالفرق سنة كما صرح به الأئمة وهو أولى من السدل الذي
هو جَعلُ جميع الشعر من ورائه، لأنه آخر ما كان عليه رسول الله وَّر وفي
صفته وشي مما اتفق عليه الشيخان(٣): أنه كان له شعر يبلغ شحمة أذنيه.
لكن قد جاء عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: أتيت النبي وَله
ولي شعر طويل فلما رآني قال: ((ذباب ذباب)) قال: فرجعت فجززته ثم
أتيته من الغد فقال: ((إني لم أعنك وهذا أحسن))(٤). انتهى.
رقم (٢٤) وابن أبي شيبة في مصنفه ٤٤٩/٨ رقم (٥١٢٧).
=
(١) انظر: النهاية لابن الأثير ٤٣٨/٣ مادة (فرق).
(٢) حديث عائشة، أخرجه أبوداود في الترجل، باب ما جاء في الفرق ٤٠٨/٤ رقم
(٤١٨٩) وابن ماجه في اللباس، باب اتخاذ الجمة والذوائب ١١٩٩/٢-١٢٠٠ رقم
(٣٦٣٣) وأحمد في مسنده ٦/ ٩٠، ٢٧٥ وابن أبي شيبة في مصنفه ٨/ ٤٥٠ رقم
(٥١٢٨) وأبويعلى في مسنده ٣٨٦/٧ رقم (٤٤١٣) و٥٥/٨_ ٥٦ رقم (٤٥٧٧)
و٢٤١/٨-٢٤٢ رقم (٤٨١٧).
(٣) أخرجه البخاري في المناقب، باب صفة النبي ◌َ ◌ّر انظر: الصحيح مع الفتح ٦/ ٥٦٥
رقم (٣٥٥١) ومسلم في صحيحه في الفضائل، باب صفة النبي ◌ّر وأنه كان أحسن
الناس وجهاً ١٨١٨/٤ رقم (٢٣٣٧) كلاهماعن البراء بن عازب رضي الله عنه.
(٤) أخرجه أبوداود في الترجل، باب في تطويل الجمة ٤٠٨/٤ ٤٠٩ رقم (٤١٩٠)
والنسائي في الزينة، باب الأخذ من الشارب ١٣١/٨، وابن ماجه في اللباس باب
كراهية كثرة الشعر ١٢٠٠/٢ رقم (٣٦٣٦). وقوله في الحديث: ((ذُبَاب ذُبَاب)) الذباب
هو الشؤم، أي هذا شؤم وقيل: الذباب الشر الدائم، يقال: أصابك ذباب من هذا
الأمر. انظر: النهاية ١٥٢/٢ مادة (ذبب).
٥١٢

ونحوه قوله وَّ ر لخريم بن فاتك رضي الله عنه: ((لولا أن فيك اثنتين
كنت أنت)) قال: إن واحدة تكفيني قال: ((تسبل إزارك وتوفر شعرك)) قال:
لا جرم والله لا أفعل(١).
قلت: والوفرة شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن، ولعل ذلك
كان زائداً في الطول، وأما الجُمّة: فهي من شعر الرأس ما سقط على
المنكبين.
قال ابن القيم(٢): لم يحفظ عنه وَّر أنه حلق رأسه إلا في نسك، ثم
إنه يستحب لمن اتخذ ذلك تعاهده بالتسريح والتطييب ونحو ذلك فقد جاء
في حديثٍ حسن أنه مَ لقّ قال: ((من كان له شعر فليكرمه))(٣) وهو بالخيار
فيه بين أن يرسل ما لم يضفره منه أو يسترهقالت أم هانيء رضي الله عنها:
قدم النبي ◌َليل مكة وله أربع غدائر(٤) تعني عقائص، والعقيصة: الشعر
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٣٢١/٤-٣٢٢، ٣٤٥ والطبراني في الكبير ٢٤٧/٤ رقم
(٤١٥٦، ٤١٥٧، ٤١٥٨، ٤١٥٩، ٤١٦٠، ٤١٦١) وفي الأوسط ١٩/٤ رقم
(٣٥٠٦) وفي الصغير ٢٥٤/١ رقم (٤١٥) و٤٢/٢ رقم (٧٤٧) وعبدالرزاق في مصنفه
٨٣/١١ رقم (١٩٩٨٦) ولم يسميه إنما قال عن رجل من بني أسد أن رسول الله، والقول
قال. واللفظ له. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٢٢/٥-١٢٣) وقال: ورواه
الطبراني في الثلاثة ومداره على المسعودي وقد اختلط والراوي عنه لم أعرفه ورواه
أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٢) زاد المعاد ١٧٤/١ .
(٣) أخرجه أبوداود في الترجل، باب في إصلاح الشعر ٣٩٤/٤_٣٩٥ رقم (٤١٦٣)
والطحاوي في مشكل الآثار ٣٣٤/٨ -٣٣٥ رقم (٣٣٦٥) والبيهقي في الشعب ٢٢٤/٥
رقم (٦٤٥٥). كلهم عن أبي هريرة. وانظر كلام الحافظ في الفتح ٣٦٨/١٠، وانظر
أيضاً: سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني رقم (٥٠٠).
(٤) حديث أم هانيء أخرجه أبوداود في الترجل، باب في الرجل يعقص شعره ٤٠٩/٤ رقم
(٤١٩١) والترمذي في اللباس، باب دخول النبي وَّر مكة ٢٤٦/٤ رقم (١٧٨١) =
٥١٣

المعقوص وهو نحو من المضفور(١).
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((الذي يصلي ورأسه
معقوص كالذي يصلي وهو مكتوف)) (٢).
قال ابن الأثير(٣): أراد أنه إذا كان شعره منشوراً سقط على الأرض
عند السجود فيعطى صاحبه ثواب السجود به وإذا كان معقوصاً صار في
معنى ما لم يسجد، وشبهه بالمكتوف وهو المشدود اليدين لأنهما لايقعان
على الأرض في السجود.
ونحوه حديث عمر رضي الله عنه: ((من لبد أو عقص فعليه الحلق)»
يعني في الحج(٤). قال: وإنما يجعل عليه الحلق، لأن هذه الأشياء تقي
الشعر من الشعث، فلما أراد حفظ شعره وصونه ألزمه حلقه بالكلية مبالغة
في عقوبته.
فإن قيل: قد ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله
وَر عن القزع وهو: أن يحلق رأس الصبي ويتخذ له ذؤابة(٥) ووردت
وقال: حسن غريب. وفي الشمائل ص٣٥ رقم (٢٣) وابن ماجه في اللباس، باب
=
اتخاذ الجمة والذوائب ١١٩٩/٢ رقم (٣٦٣١) وأحمد في مسنده ٣٤١/٦، ٤٢٥.
(١) انظر: النهاية لابن الأثير ٢٧٥/٣ مادة (عقص).
أخرجه مسلم في الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر وعقص الرأس
(٢)
في الصلاة ٣٥٥/١ رقم (٤٩٢) وأبوداود في الصلاة، باب الرجل يصلي عاقصاً شعره
٤٢٥/١ رقم (٦٤٧) والدارمي في سننه ٣٢١/١ وأحمد في مسنده ٣٠٤/١، ٣١٦.
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير ٢٧٥/٣-٢٧٦ مادة (عقص).
(٤) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب التكبير ٣٩٨/١ رقم (١٩٢) والبيهقي في
السنن الكبرى ١٣٥/٥.
(٥) أخرجه البخاري في اللباس، باب القزع ٣٦٤/١٠ رقم (٥٩٢١) ومسلم في صحيحه
في اللباس، باب كراهية القزع ١٦٧٥/٣ رقم (٢١٢٠). وأبوداود في الترجل، باب
الذؤابة ٤١٠/٤ رقم (٤١٩٣، ٤١٩٤) وابن ماجه في اللباس باب النهي عن القزع =
٥١٤

أحاديث ثابتة في الذؤابة فما الجمع بينهما؟
فالجواب: أنه كما قال شيخي رحمه الله(١): يمكن الجمع بأن
الذؤابة الجائز اتخاذها ما يفرد من الشعر فيرسل ويجمع ما عداها الضفر
وغيره، والممتنعة أن يحلق الرأس كله ويترك ما في وسطه فيتخذ ذؤابة
وقد صرح الخطابي(٢) بأن هذا مما يدخل في معنى القزع. والله المستعان.
١٢٠١/٢ رقم (٣٦٣٨) وأحمد في مسنده ٣٩/٢، ٦٧، ٨٢، ٨٣، ١١٨،١٠١
=
والبغوي في الجعديات ٩٦٤/٢ رقم (٢٧٧٧) وابن حبان في صحيحه انظر: الإحسان
٣١٨/١٢ رقم (٥٥٠٧) والبيهقي في السنن ٣٠٥/٩ بدون تفسير القزع والبغوي في
شرح السنة ٩٨/١٢ رقم (٣١٨٥) والذؤابة: هي الشعر المضفور من الرأس. انظر:
النهاية لابن الأثير ٢/ ١٥١ مادة (ذأب).
(١) انظر كلام الحافظ في: فتح الباري ٣٦٥/١٠.
(٢) انظر: معالم السنن ١٩٦/٤ رقم (١٥٠٠).
٥١٥

١٢٥ - ثم وقع السؤال بعد مدة: عن رجل يريد فعل السنة
بعدم حلق رأسه إلا في حج أو عمرة، أهل الأفضل في حقه إرسال
الشعر أم الضفر، وإذا قلتم بالضفر فهل ينقضه حال الصلاة أم لا؟
فكتبت: في الشعر طريقتان، سدل، وفرق، فأما السدل، فالمراد به
فيما حكاه القاضي عياض عن العلماء إرساله على الجبين، واتخاذه
كالقصة وهي شعر الصدغين، وخصه بعضهم بالسدل من ورائه، وبه جزم
ابن القيم في ((الهدى)) (١) .
وأما الفرق: فهو أن يقسم شعر رأسه فرقتين يميناً وشمالاً كل فرقة
ذؤابة وأصله من الفرق بين الشيئين، وقد كان يؤ يسلك الطريقة الأولى،
ثم فرق بعد، فصار الفرق سنة، لأنه الذي رجع ◌َل﴿ إليه، ولذا ذهب
بعضهم إلى نسخ السدل به وإن السدل غير جائز، ولكن الصحيح المختار
جوازه.
ويدل لذلك أنه سيّ كانت له لمة فإذا انفرقت فرقها وإلا تركها،
واتخاذ جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم اللمة - وهي: الشعر الذي
يلم بالمنكبين - ولكن الفرق أفضلهما.
وقد قالت عائشة رضي الله عنها: كنت إذا أردت أن أفرق رأس
رسول الله وَلر صدعت الفرق من يافرخه وأرسل ناصيته(٢). وكان شعره
14 في غالب أحواله إلى قرب منكبيه، وربما طال حين اشتغاله بالسفر
ونحوه، وبعد عهده عن تعاهده حتى تصير ذؤابة، وهي: ما يتدلى من
شعر الرأس ويتخذ منه ◌َليل أربع غدائر عبر عنها في بعض الرويات
(١) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد ١٧٥/١ .
(٢) تقدم تخريجه في ص (٥١٢).
٥١٦

بالضفائر التي هي العقائص. ولكن أكثر من يرخي شعره في وقتنا هذا.
ثم كتبت: ما أسلفته في الجواب قديماً إلى انتهاء قول علي رضي
الله عنه فمن ثم عاديت شعر رأسي ثلاثاً(١). ثم قلت: فإن انتشر شعره ولم
يسبله فلينشره عند الصلاة، فقد ورد النهي عن كف الشعر فيها، واتفق
العلماء على النهي عن الصلاة ورأسه معقوص، أو مردود شعره تحت
عمامته .
ثم اختلفوا هل هو حرام أو مكروه؟ والصحيح كراهته كراهة تنزيه،
وإنه لو صلى كذلك فقد أساء وصحت صلاته، وسواء يعمد فعل ذلك
للصلاة، أم كان كذلك قبلها لمعنى آخر على الصحيح المختار، والحكمة
في ذلك أنه إذا رفع شعره عن مباشرة الأرض أشبه المتكبر، وقد رأى ابن
عباس عبدالله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه فقام وراءه
فجعل يحله، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال: مالك ورأسي قال:
إني سمعت رسول الله وَله يقول: ((إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو
مکتوف)»(٢).
ومر أبورافع مولى النبي ◌ُّ بحسن بن علي وهو يصلي قائماً قد غرز
ضفيرتيه في قفاه فحلهما أبورافع فالتفت حسن إليه مغضباً، فقال أبورافع:
أقبل على صلاتك ولا تغضب فإني سمعت رسول الله وَله يقول: ((ذلك
كفل الشيطان)) يقول: مقعد الشيطان يعني مغرز ضفيرتيه (٣). ودخل ابن
(١) تقدم تخريج حديث علي أيضاً في ص (٥١١).
(٢) تقدم تخريج حديث ابن عباس في ص رقم (٥١٤).
أخرجه أبوداود في الصلاة، باب الرجل يصلي عاقصاً شعره ٤٢٤/١-٤٢٥ رقم (٦٤٦)
(٣)
والترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية كف الشعر في الصلاة
٢٢٣/٢-٢٢٤ رقم (٣٨٤) وقال: حسن. وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب كف الشعر =
٥١٧

مسعود المسجد فرأى فيه رجلاً يصلي عاقصاً شعره فلما انصرف قال له:
إذا صليت فلا تعقص شعرك فإن شعرك يسجد معك، ولك بكل شعرة
أجر. فقال الرجل: إني أخاف أن يتترب، فقال: تتربه خير لك(١).
وقال ابن عمر لرجل رآه يصلي معقوصاً شعره: أرسله ليسجد معك.
وقد أبدى شيخ شيوخنا الحافظ الزين العراقي رحمه الله لكون الشيطان
يقعد على الشعر المضفور أو المكفوف وقت الصلاة حكمة وهي: أنه لما
كان عصيانه بامتناعه من السجود أراد امتناع كل شيء من السجود ليكون
مثله عاصياً، فإذا عجز عن ترك المؤمن للسجود أو عن إكماله يسبب في
تخلف شيء من بدنه عن السجود ولو شعرة حتى تكون المساجد كأنه كف
بعض أجزائه عن السجود معه وهو حسن، ثم إن النهي عن عقص الشعر
وكفه في الصلاة لا يشتمل النساء لأن شعورهن عورة يجب ستره في
الصلاة فإذا نقضته ربما استرسل وتعذر ستره فتبطل صلاتها، وأيضاً ففيه
مشقة عليها في نقضه للصلاة وقد رخص لهن النبي و ير في أن لا ينقضن
ضفائرهن في الغسل مع الحاجة إلى بلِّ جميع الشعور، ولذا إن لم يصل
الماء إليه إلا بالنقض لزم، فكان في ذلك دليل على اختصاص الرجال بهذا
الحكم، والله الموفق.
والثوب في الصلاة ٣٣١/١ رقم (١٠٤٢) بمعناه، وأحمد في مسنده ٨/٦، ٣٩١
=
بلفظ: ((نهى النبي ◌َّ﴾ أن يصلي الرجل ورأسه معقوص))، وعبدالرزاق في مصنفه
١٨٣/٢-١٨٤ رقم (٢٩٩١) وابن خزيمة في صحيحه ٥٨/٢ رقم (٩١١) وابن حبان في
صحيحه انظر: الإحسان ٥٦/٦ رقم (٢٢٧٩) والطبراني في الكبير ٣٣٢/١ رقم (٩٣٣)
والحاكم في المستدرك ٢٦١/١-٢٦٢ والبيهقي في السنن الكبرى ١٠٩/٢ وقوله ((ذاك
كفل الشيطان)) الكفل هو المقعد انظر: النهاية ١٩٢/٤ مادة (كفل).
(١) أخرجه عبدالرزاق في مصنفه ١٨٥/٢ رقم (٢٩٩٦) والطبراني في الكبير ٣٠٧/٩-٣٠٨
رقم (٩٣٣١، ٩٣٣٢، ٩٣٣٣) وذكره الهيثمي في المجمع (١٢٦/٢) وقال: رجاله ثقات.
٥١٨

١٢٦ - الحمد لله ثم سئلت: هل كان شعره الشريف مسبلاً
دائماً أو في وقت دون وقت، وهل كان ضفائر ظاهرة أو مستترة
تحت عمامته الشريفة، وهل كان يلصقها بعمامته يميناً وشمالاً أم
لا؟ وكم حلق رأسه الشريفة مرة وهل كان يحلق في حجه أم
بقصر؟
فقلت: كان * أولاً يسدل شعر رأسه أي يرخيه ويرسله على هيئته
يعني إن لم يطل، أو من ورائه يعني إن طال ليستقيم الجمع بين
التفسيرين، ثم صار ◌ّ يقسمه يميناً وشمالاً كاشفاً له عن جبينه، وينتهي
استرساله إما إلى منكبيه أو إلى شحمة أذنيه على اختلاف الروايتين التي
جمع بينهما بأن ما خلفه أو الطويل منه هو الذي يضرب المنكبين وما يلي
أذنيه أو القصير منه هو الذي يبلغ الشحمة وهو الذي ينزل بين الأذن
والعاتق، وذلك هو المسمى بالفرق ولا يكون إلا مع كثرة الشعر وطوله.
وكان * ربما طال شعره عن المنكبين حتى يصير ذؤابة ويتخذ منه عقائص
وضفائر كما في حديث أم هانيء رضي الله عنها (١)، ولكن هذا كما أفاده
شيخنا رحمه الله محمول على الحالة التي يتعهد عهده بتعهد شعره فيها
كالسفر ونحوه، لا أنه كان يلازم الضفائر، ويشير إلى هذا كون أم هانيء
في حديثها المشار إليه قالت: إنها رأته كذلك حين قدم عليهم مكة - تعني
في فتحها - وكذا يستأنس له بقوله: ﴿ لوائل بن حجر رضي الله عنه لما جز
شعره حين فهم أمر النبي ◌َ و له بذلك لما رآه طويلاً ((لم أعنك))(٢). وهذا
أحسن.
(١) تقدم تخريج أم هانيء في ص (٥١٣).
(٢) تقدم تخريج حديث وائل بن حجر في ص (٥١٢).
٥١٩

ولم يثبت لي في ملازمته وَّلو لإبراز شعره ولا في عدمها شيء،
ولكن الظاهر الأول لكثرة من نقل قدر طول شعره بالمشاهدة من الصحابة
رضوان الله عليهم، ولم يحفظ كما قال ابن القيم(١): أنه وَلّ حلق رأسه إلا
في نسك، انتهى، وإذا كان كذلك فحلقه وَّ ر لها أربع مرار، والمباشرون
لذلك خراش بن أمية بن ربيعة الخزاعي ومعمر بن عبدالله بن نضلة،
وأبوهند الحجام مولى بني بياضة، فمعمر في حجة الوداع، وخراش في
الحديبية، وعمرة القضية، وأبوهند في الجعرانة.
وأمر بقسم شعره في بعض المرات بين الناس فكان يخص الواحد
الشعرة فأكثر، وذلك مقتض لاستثناء شعره وهو من استحباب دفن ما يزايل
ابن آدم من الشعور ونحوها.
قال بعض العلماء: وفي مداومته وّل على إبقاء شعره دليل لأنه
أفضل من الحلق لأن ما صنعه في خاصة نفسه أفضل مما اقر الناس عليه
ولم ينههم عنه فإنه في خاصة نفسه مواظب على أفضل الأمور وأكملها
وأرفعها.
ومن ثم نقل عن غير واحد من الصحابة والتابعين أنه كانت لهم
شعور، وقال الإمام أحمد(٢): أحصيت ذلك عن ثلاثة عشر صحابياً وذكر
منهم أباعبيدة بن الجراح، وعمار بن ياسر والحسن والحسين رضي الله
عنهم وكذا كان لابن عمر رضي الله عنهما جمة مفروقة تضرب منكبيه
ولابن الزبير رضي الله عنهما جمة مفروقة إلى العنق، ولكل من جابر وابن
عباس رضي الله عنهما وللقاسم وابن الحنفية وغيرهما من التابعين كعبيد
(١) زاد المعاد ١٧٤/١ .
(٢) انظر: كتاب الترجل لأبي بكر أحمد بن محمد الخلال ص ٨٥ رقم (٢٣) و(٢٧).
٥٢٠