Indexed OCR Text
Pages 461-480
كل سورة بستين درجة))، ولم يأت بها غيره لكن قد روى الدارمي(١) في مسنده من طريق مسدد في مسنده عن معتمر. ورواه الترمذي في جامعه(٢) من طريق فضيل عن ليث عن طاوس قال: تفضلان على كل سورة في القرآن بسبعين حسنة. وهكذا هو مجرد في أصلي ومرجع التثنية لما في الحديث قبله وهو الّم وتبارك، فالله أعلم. ومما ورد في فضائل هاتين السورتين، ما أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن(٣) من طريق عبدلله بن ضمرة عن كعب - هو الأحبار - أنه قال: من قرأ في ليلة الم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك، كتبت له سبعون حسنة، ومحيت عنه سبعون خطيئة ورفعت له سبعون درجة وهو عند الدارمي في مسنده (٤) من هذا الوجه لكن بدون تقييد. ولفظه: من قرأ تنزيل السجدة، وتبارك، كتبت له سبعون حسنة، وحط عنه سبعون سيئة ورفع له بها سبعون درجة، ورواه إسماعيل بن عياش فيما أخرجه ابن الضريس في الفضائل(٥) من حديثه عن إسماعيل بن رافع عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة رفعه بلفظ: ((من قرأ: ﴿الَم تنزيل﴾ و﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ في يوم وليلة فكأنما وافق ليلة القدر)). وهذا معضل مع ضعف سنده أيضاً. وأخرجه الواحدي(٦) من طريق هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله (١) سنن الدارمي ٤٥٥/٢ . (٢) سنن الترمذي ١٦٥/٥ رقم (٢٨٩٢). (٣) فضائل القرآن لابن الضريس ص٩٩ رقم (٢١٣). (٤) سنن الدارمي ٤٥٥/٢ . (٥) انظر: فضائل القرآن ص١٠٠ رقم (٢١٤). (٦) انظر: تفسير الواحدي ٣٢٥/٤. ٤٦١ وَالى: ((من قرأ سورة ﴿تنزيل السجدة﴾ و﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ فكأنما أحيا ليلة القدر)). وكذا رواه الثعلبي وابن مردويه(١) وغيرهما، وهو في الحديث الطويل الموضوع، مما أخرجه العقيلي(٢) وغيره من طريق زيد بن جدعان وعطاء بن أبي ميمونة كلاهما عن زر بن حبيش عن أبي. ورواه الثعلبي(٣) من رواية أبي عصمة عن زيد العمي عن أبي نضرة عن ابن عباس عن أبي. وأبو عصمة منكر الحديث(٤) وقد وضع حديثاً على عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة. وعند ابن مردويه(٥) من طريق نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه داود بن معاذ(٦)، وهو ساقط. وعند أبي الشيخ من طريق طاوس أنه قال: من قرأ سورة ﴿الّم تنزيل السجدة﴾ و﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ فكأنما قرأهما في ليلة القدر. قال هشام: فمر عطاء فسألناه فقال: نعم قد بلغني ذلك وما تركتهما منذ سمعت هذا الحديث، وكذا جاء عن طاوس أنه لم يكن يدعهما. (١) ذكره ابن حجر في تفسير أحاديث الكشاف ص١٣١ رقم (١٩٥) وعزاه لهما وذكره الحافظ الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ٧١/٤ وعزاه لابن مردويه فقط. (٢) الضعفاء الكبير ١٥٦/١ في ترجمة بزيغ بن حسان ت (١٩٨). (٣) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديثه الكشاف ٨٨/٣ وعزاه له. (٤) أبو عصمة هو نوح بن أبي مريم المروزي القرشي مولاهم قال الحافظ: ويعرف بالجامع لجمعه العلوم، لكن كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع. انظر: تهذيب الكمال ٥٦/٣٠ ت(٦٤٩٥) والتقريب ص ١٠١٠ ت(٧٢٥٩). (٥) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ٨٨/٣ وعزاه له. (٦) داود بن معاذ المصيصي قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص١٣١ رقم (١٩٤): وهو ساقط. ٤٦٢ فروى ابن الضريس في الفضائل(١) من طريق يحيى بن أبي كثير قال: كان طاوس لا ينام حتى يقرأ هاتين السورتين ﴿تنزيل﴾ و﴿تبارك﴾. وكان يقول: إن كل آية منهما تشفع ستين آية يعني تعدل ستين آية. ومن فضائلهما ما رواه ابن الضريس(٢) أيضاً عن طريق عاصم بن بهدلة عن المسيب بن رافع أن النبي ◌َّر قال: ((﴿الَم تنزيل﴾ تجيء لها جناحان يوم القيامة، تظل صاحبها وتقول: لا سبيل عليه لا سبيل عليه)). وهذا مرسل، وللدارمي في مسنده(٣) من طريق عبدة عن خالد بن معدان أنه قال: اقرؤا المنجية وهي: ﴿الَم تنزيل﴾ فإنه بلغني أن رجلاً كان يقرؤها، ما يقرأ شيئاً غيرها وكان كثير الخطايا فنشرت بجناحها عليه، وقالت: رب اغفر له فإنه كان يكثر قراءتي فشفعها الرب فيه وقال: اكتبوا له بكل خطيئة حسنة وارفعوا له درجة)). ومن طريق أبي خالد عامر بن جشيت وبحير بن سعد أن خالد بن معدان قال: إن ﴿آلم تنزيل﴾ تجادل عن صاحبها في القبر تقول: اللهم إن كنت من كتابك فشفعني فيه. وإن لم أكن من كتابك فانحني عنه وإنها تكون كالطير تجعل جناحها عليه فتشفع له فتمنعه من عذاب القبر، وفي تبارك مثله. فكان خالد لا يبيت حتى يقرأ بهما (٤). وروى الديلمي في مسنده(٥) من طريق الطبراني من جهة سوار بن (١) فضائل القرآن لابن الضريس ص١٠٦ رقم (٢٣٣). (٢) المصدر السابق ص ١٠٠ رقم (٢١٥). (٣) سنن الدارمي ٤٥٤/٢_٤٥٥ . (٤) المصدر السابق. (٥) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال ٥٨٩/١ رقم (٢٦٨٤) وعزاه لأبي الشيخ والديلمي عن البراء وقال: فيه سوار بن مصعب وهو متروك. ٤٦٣ مصعب عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنهما رفعه: ((من قرأ ﴿الم تنزيل السجدة﴾ و﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ قبل النوم، نجا من عذاب القبر ووقي الفتانین)). وسنده ضعيف. وعند أبي الشيخ من طريق ثابت البناني ورجل آخر أنهما دخلا على مطرف بن عبدالله بن الشخير وهو مغشي عليه فسطعت منه أنوار ثلاثة: نور من رأسه ونور من وسطه ونور من رجليه فأهالنا ذلك فأفاق فقلنا: كيف تجدك يا أبا عبدالله؟ قال: صالحاً فقلنا: لقد رأينا شيئاً هالنا قال: وما هو؟ قلنا: أنوار ثلاث سطعت منك قال: وقد رأيتم ذلك؟ قلنا: نعم، قال: ذلك ﴿الّم تنزيل السجدة﴾ وهي تسع وعشرون آية سطع أولها من رأسي وأوسطها من وسطي وآخرها من قدمي وقد صعدت تشفع لي وهذه تبارك تحرسني قال: فقبض رحمه الله. وعند الديلمي في مسنده(١) من طريق الليث عن إسماعيل بن رافع عن أبي فروة الأشجعي رفعه: ((من قرأ ﴿آلم تنزيل﴾ لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام وقد أورده صاحب الكشاف(٢) وقال شيخنا في تخريجه(٣) تبعاً لأصله لم أجده. وعند أبي الشيخ في الثواب من حديث عائشة مرفوعاً: ((من قرأ في ليلة ﴿الم تنزيل السجدة﴾ و﴿يس﴾ و﴿اقتربت الساعة﴾ و﴿تبارك﴾ كنَّ له حرزاً من الشيطان وبركه، ورفعه الله في الدرجات يوم القيامة)) (٤). وجاء في تبارك بخصوصها غير ما ذكر، والله الموفق. (١) ذكره المتقي الهندي في الكنز ٥٨٩/١ رقم (٢٦٨٣). (٢) تفسير الكشاف سورة السجدة ٢٢٤/٣. (٣) انظر: تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزيلعي ٨٩/٣ رقم (٩٩٨) وقال: غريب جداً. والشافي الكاف في تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص ١٣١ رقم (١٩٦). (٤) أخرج حديث عائشة هذا ابن مردويه كما في الدر المنثور ٣٣٥/٦. ٤٦٤ ١١٦ - الحمد لله وسألني: الفقيه فخر الدين عثمان المقسي نفع الله به عن القرافة وما فيها من كلام. فكتبت ما نصه: الكلام على ذلك، من أوجه، الأول: في السبب في تسميتها بذلك وهو لأن قبيلة من المعافر تسمى كذلك، نزلت بموضعها وكانت محلة فسمي الموضع باسمها. وقد انتسب إليها من العلماء والمحدثين جماعة، منهم: أبودجانة أحمد بن إبراهيم بن الحكم بن صالح يروي عن حرملة وغيره، مات في سنة تسع وتسعين ومائة، والشهاب أحمد بن إدريس بن عبدالرحمن المالكي صاحب ((التنقيح)) وغيره، وأبوشعيرة علقمة بن عاصم المعافري، وأبوالحسين علي بن صالح الوزير شيخ لابن ماكولا، وأحد أئمة المالكية في عصرنا الشمس محمد بن أحمد بن عمر بن شرف، ومحمود بن محمد، وأبوالفضل الجوهري، ومن لا ينحصر(١). وتشتبه هذه النسبة بالقوافي مثلها لكن بواو بدل الراء، وهو عريف القوافي (٢) شاعر مشهور، ومثل الأول ولكن بقاف مضمومة بدل الفاء وقبلها موحدة شخص بلخي ذكره الماليني(٣). وذكر الأمير في ترجمة القرافي العراقي والعرافي، والله أعلم. الثاني: في اشتهار كونها مقبرة للمصريين حتى قال ابن الأثير (٤) وغيره: القرافة مقبرة مصر. فروى ابن عبدالحكم في فتوح (١) انظر معجم البلدان ٤/ ٢١٧ . عويف القوافي، ذكره ابن ماكولا في الإكمال ١٣٩/٧-١٤٠ في باب القرافي والقوافي. (٢) ذكر الحافظ ابن حجر عدة ألقاب نقلاً عن أبي سعد الماليني فانظرها في تبصير المنتبه (٣) بتحرير المشتبه ١١١٣/٣. (٤) انظر: اللباب في تهذيب الأنساب ٢٢/٣ (القرافي). ٤٦٥ مصر(١) من طريق ابن لهيعة أن المقوقس قال لعمرو رضي الله عنه: إنا نجد في كتابنا أنه ما بين هذا الجبل يعني المقطم وحيث نزلتم نبتت فيه شجرة الجنة، فكتب بقوله إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: صدق، فاجعلها مقبرة للمسلمين. ومن طريق الليث(٢) رحمه الله قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه المقطم بسبعين ألف دينار فعجب عمرو من ذلك وقال: اكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر: سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزدرع ولا يستنبط بها ماء ولا ينتفع بها فسأله فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب، إن فيها غراس الجنة، فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا المؤمنين فأقبر فيها من مات قبلك من المسلمين، ولا تبعه بشيء وكان أول من دفن فيها رجل من المعافر يقال له: عامر فقيل: عمرت، فقال المقوقس لعمرو كما رواه ابن عبدالحكم أيضاً من طريق ابن وهب عن عمارة بن عيسى -: ماعاهدتنا على ذلك فقطع لهم الحد الذي بين المقبرة وبينهم، وقال غير عمارة: فقبر فيها من عرف من أصحاب رسول الله وَل﴾ (٣). وروى من طريق ابن لهيعة (٤) عن من حدثه تسمية خمسة نفر دفنوا بها وهم: عمرو بن العاص وعبدالله بن حذافة السهمي، وعبدالله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وأبوبصرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني، زاد غيره: ومسلمة بن مخلد الأنصاري. انتهى. (١) انظر: فتوح مصر ص ١٥٧ . (٢) المصدر السابق، والخطط والآثار للمقريزي ١٢٤/١. (٣) انظر: فتوح مصر ص(١٥٧). (٤) نفس المصدر. ٤٦٦ وفي لفظ عند الكندي في فضائل مصر(١): أن عمراً كان يسيح في سفح الجبل المقطم ومعه المقوقس فقال له عمرو: ما بال جبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات كجبال الشام فلو شققنا في سفحه نهراً وغرسناه نهراً؟ فقال المقوقس: وجدنا في الكتب أنه كان أكثر الجبال أشجاراً ونباتاً وفاكهة وكان ينزله المقطم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام فلما كانت الليلة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام أوحى الله عز وجل إلى الجبال أني مكلم نبياً من أنبيائي على جبل بيت منكم فشمت الجبال كلها وتشامخت إلا جبل بيت المقدس فإنه هبط وتصاغر، فأوحى الله إليه - وهو أعلم به - لم تفعل هذا؟ فقال: إعظاماً وإجلالاً لك يارب فأمر الله الجبال أن يجئه كل جبل بما فيه من النبات فجاد له المقطم بكل ما عليه من النبات حتى بقي كما ترى، فأوحى الله إليه: إني معوضك على فعلك بشجر الجنة أو غراس الجنة، فكتب عمرو بذلك إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر: إني لا أعلم غراس الجنة إلا المؤمنين، فاجعله لهم مقبرة، فغضب المقوقس من ذلك وقال لعمرو: ما على هذا صالحتني، فقطع له قطيعاً نحو الحبش يدفن فيه النصارى. قال: وروي(٢) أن موسى عليه السلام سجد فسجدت معه كل شجرة من المقطم إلى طرا. وروي أنه مكتوب في التوراة وادي سفحة مقدس يريد وادي موسى عليه السلام بالمقطم، عند مقطع الحجارة وأن موسى عليه السلام كان يناجي ربه بذلك الوادي. وروى أسد بن موسى قال: شهدت جنازة مع ابن لهيعة فجلسنا حوله فرفع رأسه إلى الجبل فقال: إن عيسى بن مريم عليه السلام مر بسفح (١) ذكره المقريزي في الخطط والآثار ١٢٤/١ عن الكندي عمر بن أبي عمر. (٢) انظر: الخطط والآثار ١/ ١٢٤ . ٤٦٧ هذا الجبل وعليه جبة صوف وقد شط وسطه بشريط وأمه إلى جانبه فالتفت إليها وقال: يا أمه! هذه مقبرة أم محمد وَله . وروى ابن لهيعة (١) عن عباس بن عباس أن كعب الأحبار سأل رجلً يريد مصر فقال له: أهد لي تربة من سفح مقطمها فأتاه منه بجراب فلما حضرت كعباً الوفاة أمر به فجعل في لحده تحت جنبه. قلت: والمقطم كما قال ابن لهيعة: هو ما بين القصير إلى مقطع الحجارة وما بعد ذلك فمن اليحموم جبلاً آخر(٢). وروي كما أورده ابن عبدالحكم(٣) عن أبي قبيل المعافري: أن رجلاً سأل كعب الأحبار عن جبل مصر فقال: إنه لمقدس ما بين القصير إلى اليحموم(٤). قال ابن لهيعة: وليس هذا بقصير موسى النبي ◌َّل ولكنه موسى الساحر (٥). وروى ابن عبدالحكم من طريق المفضل بن فضالة عن أبيه قال: دخلنا على كعب الأحبار فقال لنا: ممن أنتم؟ قلنا: من أهل مصر، فقال: ما تقولون في القصير؟ قال: قلنا: قصير موسى، فقال: ليس هو بقصير موسى ولكنه قصير عزيز مصر كان إذا جرى النيل ترفع فيه وعلى ذلك إنه لمقدس من الجبل إلى البحر قال: ويقال: إنه كان موقداً يوقد فيه لفرعون إذا هو ركب من ((منف)) إلى عين شمس، وكان على المقطم موقد آخر، (١) انظر: المصدر السابق، ومختصر كتاب البلدان ص(٥٩). (٢) انظر: فتوح مصر ص (١٥٧) (٣) المصدر السابق ص١٥٨ . اليحموم: الأسود المظلم وهي جبال متفرقة مطلة على القاهرة بمصر من جانبها الشرقي (٤) وبها جبانة، وقيل: ماء في غربي المغيثة على ستة أميال من السندية على ضحوة من المغيئة بطريق مكة، انظر: معجم البلدان ٤٣١/٥، ٤٣٢. (٥) انظر: فتوح مصر ص(١٥٧) ٤٦٨ فلما رأوا النار علموا ركوبه فأعدوا له ما يريد، وكذلك إذا ركب منصرفاً من عين شمس، انتهى(١). و((منف)) قيل: إنها كانت دار الملك بمصر في قديم الدهر في غربي النيل على مسافة اثني عشر ميلاً من الفسطاط(٢). الثالث: اختلف نظر الأئمة في ذلك هل هو وقف أو إرصاد، ومال إلى الثاني الشيخ شهاب الدين الأنصاري وهو أبوشامة فيما أظن قال: لأن التحبيس كما هو ظاهر الحال لا يستبد به أمير الجيوش بل لابد من إعلام الإمام وإذنه كما فعل في الإسكندرية فإنها فتحت عنوة فطلب الغانمون قسمتها بينهم فشاور عمرو عمر رضي الله عنهما ووقفها وما هي مشتملة، فاستنزل الغانمين عنها وجعلها وقفاً على المسلمين. وهكذا أرض السواد وما جرى مجراها مما يراد تحبيسه قال: ولم ينقل في هذه الواقعة إنه استشار عمر ولا أن عمر حبسها، فيكون من باب الإرصاد لدفن الموتى لمصالح رآها عمرو، وإذا كان كذلك فكل إرصاد بالاجتهاد يجوز لمن بعده من الأئمة تعبيره في المستقبل دون ما مضى لمصلحة مماثلة أو مقارنة بخلاف ما إذا كانت المصلحة المنتقل إليها دونها، هذا بالنسبة إلى الجواز، وأما لو فعل الإمام فعلاً فالوجه تنفيذه ولو خلا عن المصلحة، وكان الأول مشتملاً عليها . وما ادعاه من عدم استشارة عمر في هذه الكائنة ممنوع بما تقدم، ولكن قد تمسك الشهاب أيضاً لما مال إليه بأن الوقف لايثبت عند الشافعي وغيره بأخبار الآحاد قال: ويشهد لذلك استشكال مذهب الشافعي في الحكم في خراج السواد بأن عمر وقفها بأنه لابد من مشاهدة العاقد وسماع (١) انظر: فتوح مصر ص ١٥٧ - ١٥٨. (٢) منف: بالفتح ثم السكون: اسم مدينة فرعون بمصر. قال القضاعي: أصلها بلفظ القبط فعربت فقيل منف. انظر: معجم البلدان ٢١٣/٥ - ٢١٤. ٤٦٩ كلامه، وإذا لم يكن كذلك لا تسوغ الشهادة بأن فلاناً حبس أو وقف، نعم، يشهد فيه بالاستفاضة قال: ولو لم يعتمد الإرصاد لكان خرقاً الإجماع السلف، لأنهم شاهدوا هذه القرافة الكبرى والصغرى من الزمان المتقدم، وما بني فيها من الترب والدور والمدافن ولم ينكر ذلك أحد من علماء الأعصار لا بقول ولا بفعل بل بنوا قبة الإمام الأعظم الشافعي رضي الله عنه ورحمه، وسائر المزارات، وفي كل هذا دلالة على أنهم رأوا ذلك إرصاداً ولم يروه وقفاً وحبساً على هذه الجهة المعينة وإلا كان يجب هدم كل بناء ولا يعذر ويمنع المرور للتفرج والاستراحة لأنها مستحقة لمنفعة معينة فلا يجوز في غيرها، قال: والمسألة محتملة جداً. وجزم بالثاني أعني كونها وقفاً لا إرصاداً ابن بنت الجميزي والظهير التزمنتي فأفتى كل منهما بهدم ما بني فيها فحكم أبوعبدالله ابن الحاج من المالكية في مدخله(١) عن من يثق به أن الملك الظاهر بيبرس صاحب الظاهرية كان قد عزم على هدم كل ما بالقرافة من بناء ووافقه الوزير على ذلك في الظاهر وصار يفند واحتال عليه بأن قال له: إن فيها مواضع للأمراء وأخاف من وقوع فتنة بسبب ذلك، والرأي أن تستفتي العلماء ليكون ذلك مانعاً لتشويشهم وغيرهم، فاستحسن ذلك وأمر فاستفتي الظهير التزمنتي وابن بنت الجميز ونظراؤهما فاتفقوا على أنه يجب على ولي الأمر هدم ذلك كله وإلزام أصحاب البناء بنقل ترابه إلى الكيمان، ولم يختلف في ذلك أحد منهم، ولم يلبث أن سافر الظاهر إلى الشام فمات هناك، قال ابن الحاج(٢): فهذا إجماع هؤلاء المتأخرين فكيف يجوز البناء فيها، بل كل من فعل فقد خالفهم. (١) المدخل لابن الحاج ١٨٢/١. (٢) نفس المصدر ١٨٣/١. ٤٧٠ قلت: وحكى ابن الرفعة عن شيخه الظهير عن ابن بنت الجميزي قال: جاهدت مع الملك الصالح في هدم ما أحدث بقرافة مصر من البناء فقال: أمر فعله والدي - يعني الملك الكامل - فإنه الذي عمر قبة الإمام الأعظم الشافعي رحمه الله لا أزيله، قال: ودخل الظهير إلى صورة مسجد بناه بعض الناس بقرافة مصر الصغرى فجلس فيه قبل أن يصلي له تحية، فقال له بانيه: هلا صليت التحية، فقال: إنه غير مسجد لأن المسجد هو الأرض، والأرض مسبلة لدفن المسلمين أو كما قال. حكاه البدر الزركشي قال: وهذا أمر قد عمت به البلوى، وطمت، ولقد تضاعف البناء حتى انتقل للمباهاة والتنزه بعد أن كان للاعتبار وسلطت المراحيض على أموات المسلمين من الأشراف والأولياء وغيرهم لا حول ولا قوة إلا بالله. قلت: وظاهر كلام شيخنا رحمه الله التوقف في ثبوت الدليل، ونص قوله جواباً لسائل سأل: قد اشتهر في السفح ما نقل عن عمر رضي الله عنه أنه جعلها مرصدة لدفن المسلمين ولا يلزم من ذلك امتداد السبيل لما لا يطلق عليه اسم السفح بل إذا ثبت ذلك كان ما عدا السفح حكمه حكم الموات، انتھی بحروفه وهو كلام جید. وسبقه الولي العراقي رحمه الله فقال جواباً لمن سأله عن الترب المتخذة بباب النصر كتربة الصوفية وما يحاذيها: هل يجوز لغير من أنشأها أومن أذن له في إنشائها أن يقبر بها ميتاً بغير إذنه أو بغير إذن من هو قائم مقامه كالناظر مثلاً أولا؟ وإذا لم يجز ذلك فتعرض شخص لموضع منها وأساء على القائم بمصالحه بحيث ربما يؤدي لتعطيله فماذا يجب عليه؟ وهل أراضي هذه الترب من الأموات الذي يملك بالإحياء أم لا؟ ما نصه: هذا موات يملك بالإحياء كغيره من الموات ولم يزل الناس على ذلك، يبنون في تلك الموات فيصير الموضع ملكاً للباني فيه، وترفع الأوقاف فيه ٤٧١ إلى القضاة فيحكمون بصحتها أو موجبها، وما يتخيل من وقف عمر رضي الله عنه لذلك، لم يثبت، ولو ثبت فلا يتحقق أن تلك المواضع من جملة الوقف، فلا يجوز لأحد الدفن فيما أحيي من ذلك إلا إن كان مملوكاً أو موقوفاً على الدفن فيه مطلقاً، أو على دفن من طائفة مخصوصة وذلك المدفون منهم. أما الموقوف على جهة غير الدفن أو على دفن طائفة مخصوصة فلا يجوز لغير الموقوف على دفنهم أن يدفنوا فيه فإن فعل فيه ذلك فقد دفن في أرض مغصوبة، فينبش ويخرج منها كالدفن في سائر الأراضي المغصوبة ويزجر المخالف لذلك ويمنع منه، والله أعلم. الرابع سئل: شيخنا رحمه الله أيضاً: هل يجوز لليهود المرور بها - يعني القرافة - أو لا؟ ويكون مانعهم مصيباً؟ فقال ما نصه: أما المرور في الطريق الجواد المشتركة، فلا يمنع منه، وأما المرور بین قبور المسلمين، فيمنع منه اليهود والنصاري لما فيه من الامتهان وقد ورد النهي(١) عن المشي بين القبور بالنعال وذلك في حق المسلم فما الظن بالكفار على الصورة المذكورة؟ فالذي يمنعهم من ذلك مصيب والحالة هذه. قلت: ولذلك أغلظ فقيه المذهب الشرف المناوي رحمه الله على من رآه من نوابه يماشي يهودياً هناك، وسارع بعض من لا يعلم إلى إنكاره جرياً على العادة في تحريفهم الحسنات، والأعمال بالنيات، والله الموفق. (١) حديث النهي عن المشي بين القبور بالنعال مروي عن بشير بن الخصاصية، أخرجه أبوداود في الجنائز باب المشي في النعل بين القبور ٥٥٤/٣ رقم (٣٢٣٠) والنسائي في الجنائز، باب كراهية المشي بين القبور في النعال السبتية ٤/ ٩٦ وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في خلع النعلين في المقابر ٤٩٩/١-٥٠٠ رقم (١٥٦٨) وأحمد في مسنده ٨٣/٥، ٨٤، ٢٢٤ وأبوداود الطيالسي في مسنده برقم (١١٢٤) وابن أبي شيبة في مصنفه ٣٩٦/٣ وابن حبان في صحيحه انظر: الإحسان ٤٤١/٧-٤٤٢ رقم (٣١٧٠) والحاكم في المستدرك ٣٧٣/١ وصححه ووافقه الذهبي. ٤٧٢ ١١٧ - الحمد لله سئلت عن عامي يروي الحديث النبوي في الجنينة ونحوها من الأماكن المعروفة بما لا يليق؟ فأجبت: الأدب أن لا يروي حديث النبي ◌َّ- إلا على طهارة متمكناً في الجلوس مع الوقار والهيبة إجلالاً لرسول الله وَ لّل هذا إذا كان أهلاً(١)، فأما من لم يكن أهلاً لإيراد الحديث كأكثر العوام خصوصاً من يجعل إيراده وسيلة لمقاصده الفاسدة وأموره التي لا يليق ويكون مع هذا كله في غير الأمكنة الشريفة بالألفاظ المحرفة، فهؤلاء يرفع أمرهم إلى الحكام من أهل العلم ويفعل معهم ما يستحقونه من الزجر وشبهه. وربما يتضح له بقرائن الأحوال والمشاهدة ما يكون صاحبه يستوجب أكثر من ذلك، وقد صرح بعض العلماء بأنه يحرم على المرء أن يجزم بنسبة شيء إلى النبي ◌ّ ر إلا أن أخذه عن إمام معتمد من أئمة الحديث صوناً للحديث النبوي عن أن يدخل فيه ما ليس منه، والله الموفق. ١١٨ - الحمد لله وسئلت: عن بوله وَ له قائماً. فأجبت بما نصه: نعم قد ثبت في صحيحي البخاري(٢) ومسلم(٣) (١) انظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٥٤/٢ - ٥٥ وفتح المغيث للمؤلف ٣١٤/٢. (٢) كتاب الوضوء، باب البول قائماً وقاعداً ٣٢٨/١ رقم (٢٢٤، ٢٢٥، ٢٢٦، وفي المظالم، باب الوقوف والبول عند سباطة قوم ١١٧/٥ رقم (٢٤٧١). (٣) في الطهارة، باب المسح على الخفين ٢٨٨/١ رقم (٢٧٣) والحديث أخرجه أيضاً أبوداود برقم (٢٣) والترمذي برقم (١٣) والنسائي في سننه ١٩/١، ٢٥ وابن ماجه برقم (٣٠٥) وأحمد في مسنده ٣٨٢/٥، ٣٩٤، ٤٠٢ والحميدي في مسنده برقم (٤٤٢) وعبدالرزاق في مصنفه برقم (٧٥١) وابن أبي شيبة في مصنفه ١٢٣/١ والدارمي في سننه ١/ ١٧١ وابن الجارود في المنتقى الغوث المكدود برقم (٣٦) وابن = ٤٧٣ من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: ((أتى النبي وَلّو سباطة قوم فبال قائماً» واختلف في السبب في ذلك فروى عن إمامنا الشافعي رحمه الله أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائماً قال: فيرى أنه كان به ◌َّي وجع الصلب إذ ذاك، وروي نحوه عن الإمام أحمد وقيل: إن الوجع كان بركبته لما روي في حديث. ضعفه البيهقي (١) والدار قطني(٢) من حديث أبي هريرة قال: إنما بال رسول الله وَّر قائماً لجرح كان بمأبضه، والمأبض(٣) بهمزة ساكنة بعد الميم ثم باء موحدة هو باطن الركبة، فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود ولو صح لكان قاطعاً للنزاع. وقيل: إنه لم يجد مكاناً للقعود فاضطر إلى القيام لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عالياً مرتفعاً فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله، قاله ابن حبان(٤) وذكر المازري(٥) والقاضي عياض وجهاً رابعاً وهو أنه بال حبان في صحيحه، الإحسان ٤/ ٢٧٢ - ٢٧٧ برقم (١٤٢٤، ١٤٢٥، ١٤٢٧، ١٤٢٨، = ١٤٢٩) وأبونعيم في الحلية ١١١/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠٠/١ والخطيب في تاريخه ١١/٥_١٢ و١٨٠/٨ والبغوي في شرح السنة برقم (١٩٣). (١) انظر: معرفة السنن والآثار ١/ ٣٤١ وأخرجه أيضاً في السنن الكبرى ١/ ١٠١ والحاكم في المستدرك ١٨٢/١ وقال: هذا حديث صحيح تفرد به حماد بن غسان ورواته كلهم ثقات وتعقبه الذهبي بأن حماداً ضعفه الدارقطني وقاله الذهبي في الميزان أيضاً انظر: ميزان الاعتدال ٥٩٩/١ والحافظ في اللسان ٣٥١/٢ - ٣٥٢. (٢) نقل المؤلف تضعيف البيهقي والدارقطني هذا الحديث عن الحافظ في الفتح ٣٣٠/١. (٣) المأبض: قال ابن الأثير: هو باطن الركبة وأصله من الإباض، وهو الحبل الذي يشد به رسغ البعير إلى عضده، والمأبض - بكسر الموحدة - مفعل منه أي موضع الإباض والميم زائدة تقول العرب: إن البول قائماً يشفي من تلك العلة انظر: النهايه ٢٢٨/٤ باب الميم مع الهمزه . (٤) انظر: الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٢٧٤/٤ . (٥) ذكره المازري في المعلم بفوائد المسلم ٢٣٨/١. ٤٧٤ قائماً لكونها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر بخلاف القعود، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ((البول قائماً أحصن للدبر))(١) قال النووي رحمه الله(٢): ((ويجوز وجه خامس وهو: أنه رَّ فعله بياناً للجواز في هذه المرة. وقال المنذري: أو لعله كان فيها نجاسات رطبة وهي رخوة فخشي أن يتطاير عليه كذا قال، ولعل القائم أجدر بهذه الخشية. وقيل: لأن السباطة رخوة يتحللها البول فلا يرتد إلى البائل شيء من بوله(٣). (١) قول عمر، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٠٢/١ وذكره الخطابي في معالم السنن ١٨/١ والنووي في شرح صحيح مسلم ٣٣٠/١. (٢) انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي ١٦٦/٣ . (٣) انظر للتفصيل في هذه المسألة: معالم السنن للخطابي ١٨/١ وشرح النووي لصحيح مسلم ١٦٦/٣. ٤٧٥ ١١٩ - [مسألة في التعمير] الحمد لله: وقع الكلام فيما يتداوله التجار ونحوهم من الإخبار بوجود معمر جاز سنه أربعمائة سنة أو نحوها. فأنكرت ذلك محتجاً بأن أئمة الحديث وحفاظه المرجوع إليهم أوردوا جمعاً من أهل هذا القبيل على سبيل الإنكار وصرح بعضهم بأنه لا يفرح بما يكون من ذلك من له عقل، ونحوه قول شيخنا رحمه الله: كل ذلك يعني المروي من طريقهم مما لا أعتمد عليه ولا أفرح بعلوه ولا أذكره إلا استطراداً إذا احتجت إليه للتعريف بحال بعض الرواة، وذكر في اللسان منهم جماعة وكشف حالهم وكذا بين في القسم الرابع من الإصابة الموضوع لمن ذكر فيهم غلطاً أو على سبيل الوهم من ذكر فيهم منهم. وقال في المشتبه (١) ما نصه: واشتهر بين العوام وغيرهم ممن ليس الحديث صناعته أن في الصحابة رجلاً يقال له المعمر، عاش دهراً طويلاً بدعوة النبي ◌ُّلقر، وهو مفترى لا وجود له في الخارج. وذكر الذهبي في الميزان منهم عدة. ويشهد لذلك قول أبي عبدالله الشقاق من الشافعية بعد حكاية التقدير في مدة المفقود بمائة وعشرين سنة، الذي حدد به بعض الحكماء العمر الطبيعي عن رواية اللؤلؤي والجوزجاني عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ما نصه: وهو فاسد. قلت: وكثيراً ما كنت أسمع شيخنا يطعن فيمن يدعى التعمير أو يدعى له ولا يلزم من كل ذلك استحالة وقوع هذه المدة أو دونها أو أكثر منها عقلاً فإن العقل لا يستحيله، ولكن إنما النزاع في ثبوته بالسند (١) انظر: تبصير المنتبه بتحرير المشتبه ١٣٠٦/٤. ٤٧٦ الصحيح كما اقتضاه صنيع شيخي رحمه الله (١) فإنه عقب حكاية أكثر الأقوال في تعمير سلمان الفارسي رضي الله عنه أزيد من مائتين وخمسين سنة . وقول الذهبي الحافظ: ظهر لي أنه مازاد على الثمانين قال ما نصه: لم يذكر الذهبي مستنده في ذلك. قال: وأظنه أخذه من شهود سلمان الفتوح بعد النبي وَله وتزوجه امرأة من كندة وغير ذلك مما يدل على بقاء بعض النشاط قال: لكن إن ثبت ما ذكروه يكون ذلك من خوارق العادات في حقه وما المانع من ذلك! انتهى. وقد سمع الحافظ الجمال المراكشي ورفيقه شيخنا النور الأبي اليماني رحمهما الله بالإجازة العامة من شخص اسكندري زاد سنه على مائة وعشرين سنة كانت مخايل الصدق عليه ظاهرة باعتبار اشتهار صدقه، ونقل أهل الإسكندرية عن من تقدمهم الاعتراف له بقدم السن وطلوع الشعر الأسود بلحيته ونبات أسنان جدد وغير ذلك(٢). وامتنع الحافظ التقي الفاسي من اعتماد قول شخص كان في بلد الخليل عليه السلام يقال له: إبراهيم بن حجي يزعم بعد العشرين وثمانمائة أن مولده سنة خمس وعشرين وسبعمائة وقال: إنه امتحنه في ذلك فعرف أنه تجاوز الحد في مولده وإنه يمكن أن يكون في حدود (١) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة ١٤١/٣_١٤٢ فإنه ذكر قول الذهبي هذا في ترجمة سلمان الفارسي. (٢) انظر: فتح المغيث للسخاوي ٢٤٢/٢، ٢٤٣ والجمال المراكشي هو محمد بن موسى بن علي بن عبدالصمد المكي جمال الدين المعروف بابن موسى، كان حافظاً ذا مروءة موصوفاً بصدق اللهجة وقلة الكلام، إنباء الغمر ٤٠١/٧ - ٤٠٣ والضوء اللامع ٥٦/١٠ - ٥٨ وشذرات الذهب ١٦١/٧ - ١٦٢ . ٤٧٧ الأربعين أو قبلها، انتهى. وكانت وفاته في مستهل ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة(١). وكذا أنكر أهل النقد على الشهاب بن الناصح المقدسي ما نسب إليه من الرواية عن شخص يقال له: الحمال عبدالله العجمي، قيل: إنه ولد في سنة ست وأربعين وخمسمائة، وأنه مات في سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة عن الشيخ عبدالقادر الكيلاني، واغتر بذلك جماعة من المتصوفة في أجائزهم، ولم يوافق عليه من يعتمد، وبلغني عن شيخ من أئمة الفرائض والقراءات كان يقال له الشهاب الشارمساحي ادعى التعمير(٢)، وأنه زاد سنه على مائة وسبعين وهرع إليه خلق حتى بعض من ينسب إلى الحديث فسمعوا منه وشاع أمره حتى سمعته بالبلاد الشامية في رحلتي إليها فتطلبت أوراق إجازاته فتحرر لي منها أنه نحو الثمانين فإنه عرض محافيظه على ابن المقلن ومن في طبقته كما بينته في غير هذا المحل. ثم وجدت الصلاح الصفدي في تذكرته(٣) تكلم في تقوية وجود رتن الهندي وأنكر على من ينكر وجوده كشيخه الذهبي(٤)، وعول في ذلك على مجرد التجويز العقلي لكن قد تعقبه شيخي بنحو ما قدمته فقال(٥): وليس النزاع في المكان العقلي إنما النزاع في تجويز ذلك من قبل الشرع. وسبق شيخنا إلى ذلك البرهان ابن جماعة فكتب بخطه في حاشية ما (١) انظر: فتح المغيث للمؤلف ٢٤٣/٢ والضوء اللامع له ٣٩/١ - ٤٠. (٢) الشهاب الشارمساحي هو: أحمد بن علي بن أبي بكر القاهري الشافعي المقرئ الفرضي. انظر ترجمته في: الضوء اللامع ١٦/٢ -١٧. (٣) ذكره الحافظ نقلاً عن الصفدي في الإصابة ٥٣٨/٢ في ترجمة (رتن الهندي). (٤) انظر: ميزان الاعتدال ٤٥/٢ ت (٢٧٥٩). (٥) انظر: الإصابة في القسم الرابع من الراء ٥٣٨/٢. ٤٧٨ نصه، تجويز الصفدي الوقوع لا يستلزم الوقوع إذ ليس كل جائز بواقع(١). انتھی . ويساعد إنكار هذا من حيث النقل دعوى القاضي شمس الدين ابن خلكان في ترجمته الحافظ أبي طاهر السلفي من تاريخه (٢) أنه ما علم أن أحداً منذ ثلاثمائة سنة إلى الآن بلغ المائة فضلاً عن أنه زاد عليها سوى القاضي أبي الطيب طاهر بن عبدالله الطبري فإنه عاش مائة سنة وسنتين، لكن دعوى العمر متعقبة فالذين جازوا المائة جمع أفردهم الذهبي بتأليف رتبه على السنين وزاد عليه شيخنا لكن رتبه على الحروف، وأشار الذهبي(٣) إلى أن بعض الناس أنكر أن يكون أحد من هذه الأمة يتعدى المائة محتجاً بحديث ابن عمر رضي الله عنهما رفعه «أرایتکم لیلتكم هذه، فإنه ليس من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة)) وهو متفق عليه (٤) قال (١) ذكره الحافظ في المصدر السابق. (٢) انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ١٠٧ ترجمة أبي الطاهر السلفي. انظر: كتاب أهل المائة فصاعداً للذهبي ضمن مجموع فيه لمصنفاته الحديثية المطبوعة (٣) في الدوريات والمجلات ص١١٤ . (٤) حديث ابن عمر ((أرأيتكم ليلتكم هذه ... إلخ)) أخرجه البخاري في صحيحه (الصحيح مع الفتح) برقم (١١٦، ٥٦٤، ٦٠١) ومسلم في صحيحه برقم (٢٥٣٧) وأبوداود برقم (٤٣٤٨) والترمذي برقم (٢٢٥١) وأحمد في مسنده ٨٨/٢، ١٢١، ١٣١، والطحاوي في مشكل الآثار ٣٤٨/١ رقم (٣٧٣) والطبراني في الكبير ٢٧٨/١٢-٢٧٩ رقم (١٣١١٠). كلهم بلفظ: ((أرأيتكم - أرأيتم - ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد)» أو نحوه عن ابن عمر. وليس فيه: ((فإنه ليس من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة)). وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٥٣٨) وأحمد في مسنده ٣٠٥/٣، ٣١٤ والحاكم في المستدرك ٤٩٩/٤ وابن عساكر في تاريخه انظر: تهذيب تاريخ دمشق ١٦١/٥ كلهم عن جابر بلفظ: ((ما من نفس - أو ليس من نفس - منفوسة اليوم تأتي عليها مائة = ٤٧٩ الذهبي: وهو حق فما أتى على أحد ممن كان حياً وقت مقالته بعد ذلك مائة سنة، وكان آخرهم موتاً أبوالطفيل عامر بن واثلة الليثي وهو آخر من رأى النبي ◌َّير موتاً فقال المخالف: فإذا كان النبي ◌َّ- أخبر أن بعد المائة لا تبقى عين تطرف، فكذلك يكون القرن الذي يليه، قال الذهبي: وهذا لا ينهض فإن الرسول وَلّ لم يقله ولا هو داخل في عموم نصه وقد جزمنا بوجود من جاوز المائة بعد ذلك من أمته(١). انتهى. وممن أنكر أنه يعيش مائة سنة أبو أمامة ابن النقاش (٢) متمسكاً بما ورد في بعض طرق الحديث المشار إليه بلفظ: (((لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف(٣)) وتعقبه الزين العراقي وقال: إنه استدلال عجيب لأنه تمسك بالإطلاق وأعرض عن المعنى الذي ورد فيه والمطلق محمول سنة وهي حية يومئذٍ)) أو نحوه. وليس فيه لفظ: ((أرأيتكم ليلتكم هذه)). والله أعلم. = (١) انظر: كتاب ((أهل المائة فصاعداً)) للذهبي ص(١١٤). (٢) أبو إمامة ابن النقاش هو: محمد بن علي بن عبدالواحد بن يحيى بن عبدالرحيم الدكالي ثم المصري الشافعي شمس الدين محدث فقيه أصولي نحوي مفسر واعظ شاعر، ناثر ولد سنة ٧٢٥ وتوفي سنة ٧٦٣هـ انظر: ترجمته في الدرر الكامنة ٧١/٤-٧٤، شذرات الذهب ١٩٨/٦، ومعجم المؤلفين ٢٥/١١-٢٦. (٣) هذا الحديث ليس على إطلاقه بل هو مقيد كما أخرجه أحمد في مسنده ١/ ٩٣، ١٤٠ من طريق محمد بن سابق، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن منصور، عن المنهال بن عمرو، عن نعيم بن دجاجة أنه قال: دخل أبومسعود عقبة بن عمرو الأنصاري على علي بن أبي طالب فقال له علي: أنت الذي تقول: ((لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف؟)) إنما قال رسول الله وَيقول: ((لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف ممن هو حي اليوم» والله إن رخاء هذه الأمة بعد مائة عام. وكذلك أخرجه أبويعلى في مسنده ٣٦٧/١ رقم (٤٦٧) والطبراني في الكبير ٢٤٨/١٧ -٢٤٩ رقم (٦٩٣) والحاكم في المستدرك ٤٩٨/٤ . ٤٨٠