Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢٠
الأحياء فيافات من تخريج أحاديث الاحياء)). ولابن السبكي كلامٌ على بعض أحاديثه
المتكلثم فيها ، سرّد. على ترتيب الأبواب في آخر ترجمة الغزالي من (طبقاته الكبرى)).
قال عبد الفتاح: قال ابن السبكي رحمه الله تعالى في ترجمة الغزالي (١٤٥/٤):
(((وهذا فصل جمعتُ فيه جميعَ ماوقع في كتاب ((الاحياء)) من الأحاديث التي لم
أجد لها إسناداً)). ثم ساق تلك الأحاديث في صفحات كثيرة بلغت ٣٨ صفحة.
ولقد أحسن الشارحُ الزبيدي سُنعاً في استيفائه كل ماقيل في تلك الأحاديث حتى
أوبى على الغاية فجزاه الله خيراً.
وأما ابن الجوزي: فقد أثّف كتاباً كبيراً حافلاً في ( الموضوعات ) ليتجنبها
العلماء والوعاظ وغيرهم ، ثم هو يورد في كتبه الوعظية وماقاربها أحاديث موضوعة،
وأخباراً تالفة، وقصّصاً باطلة، دون تحرُّج أو مبالاة، بل تراه يستشهدُ بها
كأنها من الصِّحاح أو الحيسان. كما تجد ذلك منتشراً في كتابه الكبير: «ذمّ الهوى»
وكتابه: ((تلبيس إبليس)، و((رؤوس القوارير) و((التبصرة) وغيرها. وقد طُبعَ مختصر
كتاب « التبصرة)) المسمَّى (( قُرُ: العيون المبصرة بتلخيص كتاب التبصرة) للشيخ أبي
بكر الأحسائي في الهند مرتين، ثم طبع في مصر سنة ١٣٨١ في دار الكتاب
العربي ، ثم طبع في دمشق سنة ١٣٨٢ مرّةً رابعة!
وقد قال الشيخ ابن تيمية - كما سبق نقله عنه تعليقاً في (ص ٨٠) - في كتابه:
((الرد على البكري)): (ص ١٩): ((وأبو ثُمَيم يروي في «الحلية)» في فضائل
الصحابة وفي الزهد أحاديثَ غرائب يعلمُ أنها موضوعة. وكذلك الخطيبُ، وابنُ
الجوزي ، وابنُ عساكر، وابنُ ناصر، وأمثالهم!)). وقال الحافظُ السخاوي في
((شرح الألفية)): (ص ١٠٧): ((وقد أكثر ابن الجوزي في تصانيفه الوعظية
وما أشبها من إيراد الموضوع وشيئيه!)).
وأما المنذري: فقد قال شيخنا بالاجازة - مكاتبة" - وشيخ شيوخنا - لقاءً
ومشافهةَ - العلامة" الشيخ محمد عبد الحي الكثَّاني المغربي، المتوفى يوم الثلاثاء ٢٩
٠
١٢١
من جمادى الآخرة سنة ١٣٨٢ رحمه الله تعالى في رسالته: ((الرحمة المرسلة في
شأن حديث البسملة)): (ص ١٥): ((قال الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله
في بعض أجوبته: إذا عَلِمِمُ بالحديث أنه في تصانيف المنذري صاحبٍ ((الترغيب
والترهيب)) فارووه مطمئنين ».
قال عبد الفتاح : يعني بالاطمئنان إلى تصانيف الحافظ المنذري: أنه
لا يروي فيها حديثاً موضوعاً. أما الحديث الضعيف فانه يرويه ويُكثر منه،
ولكنه يُبينُ ضعفه أو يُشيرُ إليه، كما ترى تصريحه بذلك في مقدمة كتابه:
((الترغيب والترهيب)). وإن كان لبعضٍ ماعدَّ. (ضعيفاً) شبّهُ بالموضوع.
ولكنه استساغ سياقتَهُ لأنه في موضوع الترغيب والترهيب.
ومن المؤسف جداً أنّ أغلب الوعاظ والخطباء والمذكّرِين المدرّسِين إذ
يقرأون كتاب ((الترغيب والترهيب)) هذا، أو ينقلون عنه: ينسون أو يغفلون
عن اصطلاح مؤلّفه فيه! فيوردون الحديث الذى في سنده كذّابُ أو وضَّاع
أو مثّهم ... بكل جزمٍ وارتياح واطمئنان كجزمهم بالحديث الذى يقول الامام
المنذري فيه : ( رواه البخاري ومسلم ) سواء بسواء !!
والامام المنذري رحمه الله تعالى سالمٌ من الشّيعة إذ صرَّح باصطلاحه في فاتحة
كتابه ليكون القارىء منه على بصيرة، ولكن أولئك الذين أشرتُ إليهم لم تُقدم
تصريحاتُ المنذري وتفرقتُه بين الحديث الصحيح والضعيف، فساقوا جميع مافيه
مساقاً واحداً !!
وقد رأيتُ أن أنقل هنا نصّ كلامه في مقدمته، ليكون ذلك تبصرةً
وتذكرةً لأولئك الغافلين. قال رحمه الله تعالى: (٣/١-٤): « ... فاذا كان إسناد
الحديث صحيحاً ،أو حسناً، أو ما قاربهما: صدرته بلفظة (عن).
وكذلك إِن كان مرسلاً، أو منقطعاً، أو في إسناده راوٍ مبهمٌ أو ضعيفٌ
وُِّقٍ، أو ثقةُ ضُعْفَ وبقية" رواة الاسناد ثقات، أو فيهم كلامٌ" لا يضر"، أو
١٢٢
٠
رُوي مرفوعاً والصحيحُ وقفه، أو متصلاً والصحيحُ إرساله، أو كان إسناده
ضعيفاً لكن صحَّحه أو حسَّنه بعضُ من خرّجه : أصدره أبضاً بلفظة (هن)،
ثم أشير إلى إرساله وانقطاعه ... وأفردتُ لهؤلاء المختلف فيهم باباً في آخر الكتاب
أذكرهم فيه مرتبًا على حروف المعجم ، وأذكر ما قيل في كلّ منهم من جرحٍ وتعديل
على سبيل الاختصار ...
وإِذا كان في الاسناد من قبل فيه: كذّاب، أو وضَّاع، أو مشَّهم، أو
مُجمَعُ على تركه أو ضعفه، أو ذاهبُ الحديث، أو هالكُ، أو ساقطُ، أو ليس
بشيء، أو ضعيفٌ جداً، أو ضعيفٌ فقط، أو لم أر فيه توثيقاً بحيث لا يتطرق إليه
احتمالُ التحسين: صدّرْتُه بلفظة (رُوي)، ولا أذكرُ ذلك الراوي، ولا ماقيل
فيه البتة. فيكون للاسناد الضعيف دلالتان: تصديره بلفظة ('روي)،
وإهمال الكلام عليه في آخره)).
ثم قال رحمه الله تعالى بعد أن عدّد الكتب التي أخَذَ منها أحاديثَ كتابه:
(( ... واستوعبتُ جميعَ ما في كتاب أبي القاسم الأصبهاني ما لم يكن في الكتب
المذكورة، وهو قليل، وأضربتُ عن ذكر ما قيل فيه من الأحاديث المتحقّقة
الوضع )) .
وأما النووي: فقد قال الحافظ السيوطي أيضاً: ((إذا علمتم بالحديث أنه في
تصانيف الشيخ محي الدين النووي فارووه مطمئنين» . كما نقله شيخنا الكتاني رحمه
الله تعالى أيضاً في ((الرحمة المرسلة)): (ص ١٥).
والاطمئنان الذي يعنيه: أنه لا يروي في كتبه حديثاً موضوعاً . أما
الحديث الضعيف فأغلبُ كتبه سالمةٌ منه. أما كتابه: ((الأذكار)) فانه قد أورد
فيه من الحديث الضعيف الشيء الكثير، واعتذر عن إيراده بقوله في أوله: «قال
العلماء: يجوزُ ويُستحبُ العملُ في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث
الضعيف مالم يكن موضوعاً )).
١٢٣
وقد أثار كلامُه هذا جَدَلاً عنيفاً بينَ العلماء، سَبَق للمؤلف اللكنوي
رحمه الله تعالى ( ص ٣٦ - ٥٩) التحقيق فيه، فانظره.
أما كتابُه النافعُ المِمْطار المشتهرُ باسم ((رياض الصالحين)) فقد التزم فيه
(أن لا يذكر إلا حديثاً صحيحاً)). كما صرّح بذلك في مقدمته. وقد حافظ رحمه
اللّه تعالى - فيما يبدو - على هذا الالتزام، إلا أني وقفتُ - مصادفة" - على ثلاثة
أحاديث هي من الحديث الضعيف على خلافٍ ما التزم .
الأول في آخر (باب المراقبة): (ص ٤٦): حديثُ ((الكيس من دان
نفسته ... )). وهو حديث ضعيف في سنده ( أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم
الغساني الحمصي )، وهو واهٍ وضعيفٌ جداً. انظر ((فيض القدير)) للمناوي
(٦٨/٥)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٢٨/١٢).
الثاني في آخر (باب توقير العلماء والكبار ... ): (ص١٦٩) حديث) ما أكرَمَ شابٌ
شيخاً لسِنْهِ إِلا قيَّضَ الله له من يُكرمه عند كِبتر سينّه)). وهو حديث
ضعيفٌ لاريبَ في ضعفه، فقد جاء في سنده ضعيفان: (يزيد بن بَيَانِ العُقَيلي)
وشيخُهُ ( أبو الرحَّال خالد بن محمد الأنصاري). انظر ((فيض القدير)) للمناوي
(٤٢٥/٥)، و(تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٣١٦/١١) و (٩٥/١٢)، و((تحفة
الأحوذي)» للمباركفوري (١٥٢/٣).
الثالث في ( باب أدب الشرب): (ص ٣١٩): حديثُ ((لا تشربوا واحداً
كشرب البعير ... )). قال الشيخ النووي بعد ذكره: ((رواه الترمذي وقال حديث حسن)).
والذي في غیر نسخة من « سنن الترمذي )» هكذا : « هذا حديث غريب. ويزيد
ابن سنان الجزرى هو أبو قرْوة الر'ھاوی)). انتهى.
و (أبو فروة): ضعيف. كما قاله الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب))
و((التقريب)). وقال الحافظ في ((فتح البارى)): (٨١/١٠) في هذا الحديث:
«سنده ضعيف)).
١٢٤
.
قال الشيخ ابن علان في«دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين»: (٢٥٤/٥)
بعدأن نقل قولَ الترمذي فيه: ((حديث غريب)). وقولَ الحافظ في «الفتح»:
((سنده ضعيف)): ((والنسخة" التي عندي من ((الترمذي)) ليس فيها تعرض*
لتحسينه، ورأيته' كذلك في نسخة أخرى. والذي حسنه الترمذي في ذلك الباب حديثُ
آخر ، فلعلّ بصر المصنفِ انتقَلَ منه إلى حديث الباب؟ ».
فهذه ثلاثة أحاديث ضعيفة وقفت عليها فيه اتفاقاً، وقد يكشف الفحص
والتنبْعُ عن وجود غيرها ، والله تعالى أعلم .
وأما الذهبي: فهو الحافظ الناقد البصير الامام، شمسُ الدين حقًا، ولكن
قد وقع منه تساهل كثير في كتابه: ((الكبائر)) إذ أورد فيه من الحديث الضعيف
والتالف الشيء الكثير" جداً، كما أورد فيه بعض الموضوعات! ولعله استساغ
ذلك في مقام الوعظ والتذكير، كصنيع ستلفِه الامام ابن الجوزي رحمها الله تعالى.
وإليك الاشارة إلى بعض تلك الموضوعات في كتابه المذكور:
١ - في كبيرة ترك الصلاة (ص ٢٢)، فقد أورَدَ فيها حديثاً طويلاً جداً
مكشوفَ البطلان من طريق ( محمدبن علي بن العباس البغدادى العطار ) . وقد
حكم الذهبيُ نفسُه بيطلان هذا الحديث في ترجمة راويه العطار في «ميزان الاعتدال)):
(١٠٦/٣) فقال: ((ركَب على أبي بكر بن زياد النيسابوري حديثاً باطلاً في تارك
الصلاة)). وقال الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)) في ترجمة العطار أيضاً:
(٢٩٥/٥ -٢٩٦) بعد أن ذكر طرفاً من الحديث: ((وهو ظاهر البطلان من
أحاديث الطُرُقِيَّة!)).
٢ - وفي كبيرة عقوق الوالدين (ص ٤٠) من رواية الحسين بن علي مرفوعاً:
((أو عَلَمَ اللهُ شيئاً أدنى من الأقّ لنَهَى عنه ... )). وفي سنده: (أصرم بن حوشب)
الذي قال المؤلّفُ الذهبي عنه في ((الميزان)): (١٢٦/١): «قال يحي فيه: كذاب
خبيث ، وقال ابنُ حِبَّان: كان يضع الحديث على الثقات)).
١٢٠
٠
٣ - وفيها أيضاً (ص ٤٤-٤٦) أورَدَ حكاية علقمة وستختطَ أمّه عليه ،
وشكواها إياه لرسول الله ... !
٤ - وفي كبيرة اللواط أورَدَ ثلاثة أحاديث حكموا عليها بالوضع!
٥ - وفي كبيرة شرب احمر أورد حدیثین موضوعین ، أحدهما من روايةأبي
سعيد الخدري (ص ٨٠)، والآخر من رواية ابن عمر(ص ٨٢) !
وليته كان أخلى كتابه من هذه الموضوعات ؟ فان في الحديث الصحيح ما
يغني عن الضعيف فضلاً عن الموضوع ، ولكن لكل جواد كبوة ، ولكل صارم
نبوة ، ولكل عالم هفوة .
أما كتابه: ((العُلوُّ للعليْ الفَفَّار)) ففيه شيء من التساهل أيضاً، ولكنه
يسوق الأحاديثَ فيه بأسنادها فيهون الخطب.
أما ابنُ حجر: فهو الحافظ حيث أطلق، شيخ الاسلام، وخاتمة الحفاظ
المتأخرين، وعمده المحدثين والباحثين ، ماعُرف عنه تساهل في إيراد الأحاديث
التالفة أو الموضوعة في كتبه ، وإذا أورد منها شيئاً فلبيانه والتنبيه عليه ، وقد
اشترط على نفسه في كتابه العظيم: ((فتح الباري شرح صحيح البخاري )) شرطاً
نافعاً صرَّحَ به في كتابه: ((هدي الساري مقدّمة فتح الباري)): ( ٣/١) فقال
وهو يتحدّث عن طريقته في هذا الشرح: ((فأسوقُ البابَ وحديثَه أولاً، ثم
أستخرج ثانياً ما يتعلق به غرضٌ صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المَثْنِيَّة
والاسنادية ... بشرط الصحة أو الحسن فيا أوردُه من ذلك)).
نعم قد يكون عنده بعضُ فتور في الحكم على الحديث الموضوع: بأنه
موضوع. ولهذا قال شيخنا الحافظ الحدث أحمد بن الصديق الغمارى رحمه الله تعالى
في كتابه: ((الغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير)): (ص ٧) بعد أن
أورد حديثَ ((آفة" الدّين ثلاثة: فقيهفاجر، وإمام جائر، ومجتهد جاهل)) ،رواه
الديلمي في ((مسند الفردوس)): عن ابن عباس، قال: «قال الحافظ في
١٢٦
٠
((زهر الفردوس)): فيه ضعف وانقطاع. قلتُ: بل فيه كذابُ وضْاع، وهو
تَهْشَل بن سعيد، فالحديث موضوع. والحافظُ وشيخُهُ العواقي متساهلان في
الحكم للحديث، ولا يكادان يُصرّحان بوضع حديثٍ إلا إذا كان كالشمس في
رابعة النهار)) .
أما السيوطي : فهو الحافظ المطَّعُ الجَّاعِ المنقطع النظير في ذلك، وهو
أوسع العلماء الأجلة الذين ذكرتهم تساهلاً في إيراد الحديث الضعيف، والتالف
والموضوع، وشبهه في كتبه ورسائله، وإن كان قد عَزَم رحمه الله تعالى أن يصون
كتابه الخيّر: ((الجامع الصغير من حديث البشير النذير)) عن الحديث الموضوع حيث
قال في فاتحته: (( ... وصُنْتُه عما تفرَّد به وضَّاعٌ أو كذابٌ)). فانَّ هذا العزم لم
يتمَّ له الوفاء به، فقد وقع منه في (( الجامعِ الصغير)) نفسهٍ - وفي غيره من كتبه
أيضاً - أحاديثُ كثيرة هي من الحديث الموضوع، كما نيَّه عليها شُرَّاحُه كالشيخ
المناوي في شرحه: ((فيض القدير بشرح الجامع الصغير » .
وقد علَّق الشارحُ المناوي رحمه الله تعالى في ((فيض القدير)) على قول
الحافظ السيوطي: ((وصُنْتُه عما تفرّد به وضَّاع أو كذَّاب)) بقوله: (٢١/١):
((إِن ماذكره من صونه عن ذلك غالبي ، أو ادعائي، وإلا فكثيراً ماوقع له
أنه لم يَصرّف إلى النقد الاهتمامَ! فسَقَط فيما التّزَمَ الصونَ عنه في هذا المقام !
كما ستراه موضّحاً في مواضعه، لكن العصمة ، لغير الأنبياء متعذرة ،
والغفلة على البشر شاملة منتشرة، والكتابُ مع ذلك من أشرف الكتب مَرْتبةً،
وأسماها مَنْقبةً)).
قلت : والأحاديث الموضوعة التي وقعت الحافظ السيوطى رحمه الله تعالى
في (( الجامع الصغير» كثيرة غیر قليلة كما سيأتي بيان عدد ها، وبعضها قد حكم
السيوطيءُ نفسُه بوضعه في كتابه: ((ذيل اللآلىء)) كما أشار إليه الشارح المناوي
وغيره في موضعه من شروح ((الجامع الصغير)).
أما الأحاديث الضعيفة فقد أكثر منها جداً، قال الشارح المناوي عند
١٢٧
ثالث حديث أورده السيوطي في ((الجامع الصغير))، وهو: ((آخِرُ من يدخل
الجنة رجلٌ يقال له : جُهينة، فيقول أهلُ الجنة: عند جبينة الخبرُ اليقين))،
رواه الخطيب البغدادي في كتاب ((رواة مالك)) عن ابن عمر. قال المناوي:
(٤٠/١): ((رواه الخطيب من وجهين: من حديث عبد الله بن الحكم ... ومن
حديث جامع بن سوَّار ... ورواه الدار قطني من هذين الوجهين في ((غرائب مالك))
ثم قال: هذا حديثُ باطل، و (جامعٌ ) ضعيف، وكذا (عبد الملك) ، انتهى.
وأقرّ عليه في ((اللسان)).)).
ثم قال الشارح المناوي: ((وما جرى عليه المؤلّفُ من أن سياق الحديث
هكذا: هو ما وقفتُ عليه مِن خَطّه من تُسَخ هذا الكتاب، والثابتُ في رواية
الخطيب خلافُه، ولفظه: ((آخِرُ من يدخل الجنة رجلٌ من جهينة، يقال له:
جهينة، فيقول أهلُ الجنة: عند جهينة الخبرُ اليقينُ، سَلُوه: هل بقي أحدٌ
من الخلائق يُعذَّبُ؟ فيقول: لا)). انتهى. ومثلُه للدار قطني، وهكذا أورده
عنه المصنّفُ في ((جامعه الكبير))، ثم قال - أي المصنّفُ -: قال الدار قطني:
باطلٌ، وأقرّ عليه !! وقد أكثر المؤلف في هذا ((الجامع الصغير)) من
الأحاديث الضعيفة .
على أنه كان ينبغي للمؤلف السيوطي أن يُعقِب كلَّ حديث بالاشارة
بحاله، بلفظ (صحيح) ، أو (حسن) ، أو ( ضعيف ) في كل حديث. فلو فَعّل
ذلك كان أنفع وأصنع ، ولم يزد الكتابُ به إلا وُرَيْقاتٍ لا يطول بها.
وأمَّا مايوجد في بعض النسخ من الرمز إلى الصحيح، والحسن، والضعيف،
بصورة رأس صادٍ، وحاءٍ، وضادٍ : فلا ينبغي الوثوق به، لغلبة تحريف النشْسَّاخ!
على أنه وقع له ذلك في بعضٍ دون بعضٍ كما رأيتُه بخطّه، فكان المتعيّنُ ذَكتر
كتابةٍ (صحيح)، أو (حسن) ، أو (ضعيف) في كل حديث. قال الحافظ العلائي':
على مَنْ ذَكَرَ حديثاً اشتمل سندُهُ على من فيه ضعفُ أنْ يُوضّح حالَهُ خروجاً
عن عُهدته، وبراءةً من ضعفه)).
١٢٨
قال عبد الفتاح: وقد أفاد كلامُ المُناوي هذا أنّ الرموز التي يراها الناظر*
في ((الجامع الصغير)) عقيبَ بعض الأحاديث رمزاً لصحتها أو حسنها أوضعفها: لا يجوز
الاعتماد عليها بذاتها خاصة، لما بيَّنَه الشارح رحمه الله تعالى من وقوع التحريف
فيها ، ولأن بعضها من المؤلف دون بعض .
هذا، وقد قام بخدمة ((الجامع الصغير )) في هذا العصر شيخنا الحافظ المحدث
أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله تعالى، فأثّف كتاباً خاصاً بما وقع فيه من الحديث
الموضوع، وسمَّه: ((المُغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير)). وقد
أصاب رحمه اللّه تعالى فيه في مواطن كثيرة، وجلَّى فيها خيرَ تجلية، وتمحثّلَ في
مواطن لرأيه وقوله تمثلاً ظاهراً، وتخطَّطَ في مواضع منه على الحنفية وغيرهم من
أصحاب المذاهب الأربعة من غير أدب ولا رعاية! فالله المرجو أن يغفرلنا وله بميّه وكرمه.
قال رحمه الله تعالى في فاتحة كتابه المذكور (ص ٣ - ٥) : (( أما بعد فقد
ذكر الحافظ السيوطي في خطبة كتابه: ((الجامع الصغير)) أنه صانه عما تفرّد به
وضَّاع أو كذاب . ومعناه أنه لم يذكر فيه حديثاً موضوعاً، بل جميعُ أحاديثه
ثابتة ، وليس كذلك ، فقد أورَدَ فيه أحاديث تفرّد بها الكذابون، وأخرى
ظاهرةَ الوضع وإن لم يتفرَّدوا بها، لأنها من رواية الكذابين أمثالهِم، الذين
يسرقون الأحاديث ويركِّون لها أسانيد أخرى لقصد ترويج ذلك الحديث
الموضوع، لغرضٍ الاغراب، أو الاحتجاجٍ ، أو غير ذلك من الأغراض .
بل من الأحاديث التي ذكرها فيه ماجَزَم هو نفسُهُ بوضعه، إماباقراره
حُكْمَ ابن الجوزي بوضعه، وذلك في ((الآلىء المصنوعة))، وإما باستدرا كههو
إياه على ابن الجوزي، وذلك في ((ذيل اللآلىء)) - قال عبد الفتاح: وقد أورد
السيوطي في ((الجامع الصغير)) خمسة عشر حديثاً -كم في كتابه: ((الذيل)) بوضعها كما
أورد أيضاً سبعة أحاديث أقرّ ابنَ الجوزي على حكمه بوضعها في كتابه: ((اللآلى))،
كما أشار إلى كلّ ذلك شيخُنافي مواضعه من كتابه ((المنير)) الذي ننقل منه - ثم
١٢٩
مَعَ ذلك أوردها في هذا الكتاب الذي هو من آخِر ما أثّف ، إمّا سهواً ونسيانا
وهو الغالب على الظن" به، وإمّا لتغيّرُ رأيه ونَظَره.
ومنها أحاديثُ لم يَظُنَّ هو أنها موضوعة، لأنه متساهلُ في ذلك غاية
التساهل ، فلا يكاد يحكم على حديث بالوضع إلا إذا دعته الضرورة إلى ذلك ...
وماعدا ذلك فانه يتساهل في إيراد الحديث الموضوع، بل وفي الاحتجاج
به أيضاً ! بل ويرتكب في ذلك أمراً غريباً يُستعظَمُ صدورُ، من مثله، ويُعدُ
غريباً من نوعه وشكله، وذلك أنه يورد الحديث الموضوع الذي في نفس متْنِه
ما يدل دلالة واضحة على وضعه، كطوله المُفرطِ ، واشتماله على الألفاظ
الركيكة ، والمعاني المنكرة، فيذكر منه قطعة صالحة، أو يقتصر على أوله الذي
ليس فيه فكارة ظاهرة، ويَترُك باقيه الدالّ على وضعيه! مُوهماً أحياناً أن ذلك
هو الحديث بتمامه ، ويشير أحياناً إلى أن له بقية بقوله: الحديث. كما تقل في
حديث جابر: ((أوَّلُ ماخَلَق اللّهُ نورٌ نبيّك ياجابر))، فانه أورد في ((الخصائص
الكبرى)) قطعةً من أوله، وهي المشهورة في كتب من جاء بعده من المؤلفين في
السّيّر والخصائص، كـ ((المواهب اللدنية)) للقسطلاني وغيرها، وقال عقبها:
الحديث !
وهو حديثُ موضوع، أو ◌ُذُكر بتمامه لما شكّ الواقفُ عليه في وضعه،
وبقيتُهُ تقع في نحو ورقتين من القطع الكبير. مشتملةُ على ألفاظ ر كيكة،
ومعاني منكرة .
وكذلك أورد الحافظ السيوطي رحمه الله أحاديث من هذا النوع في
((الجامع الصغير))، وسكت عليها مُوهماً أن ماذكره هو الحديث بتمامه، والواقع
خلافه، كما بينتُه في كتاب ((المُداوي لعلل المُناوي)).
وهذا جزء أفردتُه لذكر الأحاديث الموضوعة فيه ، ما تفرّد به الكذابون
١٣٠
والوضاعون، أو تعدّدت طرقُهُ وهو مع ذلك موضوع، ولم أستقص فيه كلّ
الاستقصاء ، بل اقتصرتُ على ماهو ظاهرٌ الوضع واضحٌ البطلان ، بحيث قديكون
الموضوعُ في الكتاب قَدْرَ ماذكرتُه، ولكن لما كان فيه بعضُ احتمال جعلتُه
من قسم الواعي، فتركته استناداً إلى تفرقتهم بين الواعي والموضوع ، وإن كانذلك
عندنا غيرَ صواب ولا مقبول، وشرْحُ ذلك وبيانُ دليله يطولُ ويحتاجُ إلى
تأسيس وتأصيل ... )).
ثم ساق شيخُنا بعد هذا الأحاديث التي حكم عليها بالوضع، فبلغت ٤٥٦
حديثاً . وقد قسًا على الحافظ السيوطي في مواطن كثيرةٍ قسوةً جامحة ! لا يليق
صدورُها من أهل العلم، كما فسا أيضاً على الشارح المناوي رحمه الله تعالى قسوة"
لا يَسْلَمُ فيها من المسئولية أمام الله تعالى.
والخلاصة: أن الحافظ السيوطي رحمه اللّه تعالى متساهلٌ في كتبه
ورسائله في إيراد الحديث الضعيف والتالف والموضوع فيها ، فلا يسوغ الاعتماد على
مايورده من الأحاديث التي مصادرها تُشعر بضعفها، دون الرجوع إلى ما قاله العلماء
فيها. وقد سمّى السيوطئء في خطبة ((الجامع الصغير)) بعضَ تلك المصادر
فأحسن صنعا.
وقد سبق تعليقاً ( ص ١١٦) كلامٌ للشيخ عبد العزيز الدهلوي يتعلّقُ
بصنيع السيوطي في تآليفه فانظره .
أما ابن القيم: فمع جلالة قدره ، ونباهة ذهنه ، ويقظته البالغة : فان المرء
ليعجب منه رحمه الله تعالى كيف يروي الحديث الضعيف والمفكر في بعض كتبه
كـ((مدارج السالكين)) من غير أن ينبه عليه ؟! بل تراه إذا رَوَى حديثاً جاء
على ( مشربه) المعروف، بالَغّ في تقويته وتمتينه كلّ المبالغة، حتى يُحْبَّل للقارى.
أن ذلك الحديث من قسم المتواتر ، في حين أنه قد يكون حديثاً ضعيفاً أو غرباً
أو منكراً، ولكن لما جاء على (مشربه) جمع له جَرّ اميزه، وهبَّ لتقويته وتفخيم
١٣١
شأنه بكل ما أوتيه من براعة بيان وقوة لسان .
وأكتفي - على سبيل المثال - بالاشارة إلى حديث واحدٍ من هذا
النمط، رواه رحمه الله تعالى في كتابه: ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) أثناء
كلامه عن ( وفد بني المنتفيق): (٥٤/٣-٥٧) ، فقد ساق هناك حديثاً طويلاً
جداً، جاء فيه من قول النبي صَّ له: (( ... ثم تتلمبئون مالبثم، ثم تُبعَث الصائمحة،
فلعَمْروُ إِلهك مانَدَعُ على ظهرها شيئاً إلا مات، تلبئون مالبثتم، ثم يُتوقَّى نيُّكم
والملائكةُ الذين مع ربّك، فأصبح ربُّك عزَّ وجلَّ يطوفُ في الأرض! وخلَّتْ
عليه البلاد ...! )).
وبعد أن ساق الحديث المشار إليه أتبعه بكلامٍ طويل في تقويته استهلمّ
بقوله : (( هذا حديث جليل كبير ، تنادي جلالته وفخامتُه وعظمتُه على أنه قد
خَرَج من مشكاة النبوة، لا يُعرفُ إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة
المدني ... )). ثم استرسلَ في توثيق (عبد الرحمن ) ومن رواه عنه استرسالاً
غريباً! كما أنه سَرَد الكتبَ التي رُوي الحديث فيها، وهي كتب معروفة بشيوع
الحديث الضعيف والمنكر والموضوع فيها، وهو من أعلم الناس بحالها، ولكن
غلّبتهُ عادته ومشربه، فذهب يسردها ويطيل بتفخيم مؤلفيها، تهويلاً بقوة
الحديث وصحته !
مع أن الحديث حينما رواه صاحبه الحافظ ابن كثير في كتابه: ((البداية
والنهاية)): (٨٠/٥-٨٢) أعقبه بقوله: ((هذا حديث غريب جداً، وألفاظه في
بعضها نكارة)). وكذلك قال الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة
(عاصم بن لقيط بن عامر بن المنتفيق المُقتيلي) : (٥٧/٥) بعد أن أشار للحديث
ومن رواه من المؤلفين: (( وهو حديث غريب جداً)).
فحينما يقول الحافظ ابن كثير والحافظ ابن حجر في الحديث المشار إليه:
((حديثٌ غريب جداً، وألفاظُه في بعضها نكارة)، ترى الشيخَ ابن القيم يُسهب
١٣٢
ويُطنب في دعمه وتصحيحه، حتى نقّل مرتضياً قولَ من قال: ((ولا يُنكِرُ
هذا الحديثَ إلا جاحد، أو جاهل، أو مخالف للكتاب والسنة)) !!
فصنيعُ ابن القيم هذا يدعو إلى البحث والفحص عن الأحاديث التي يرويها
من هذا النوع ويُشيدُ بها في تآليفه، وهي من كتبٍ يوجد فيها الحديث الضعيف
والمنكر والموضوع.
ومما يدخل في موضوع هذه التتمة: بعضُ كتب التفسير التي يكثرُ فيها
إيرادُ الحديث من غير سند، كتفسير الزغشري، والبيضاوي، وأبي السعود،
فان مؤلِّفيها - لانصرافهم عن الاشتغال بعلم الحديث - يوردون فيها أثناء كلامهم
أحاديثَ بعضُها صحيح، وبعضُها ضعيف، وبعضُها منكر أو موضوع.
ولذلك نهض العلماء المحدّون النُّقَّاد لبيانٍ حال تلك الأحاديث، وكشفوا
أمرّ الصحيح منها من غيره، وبيَّنوه على خير وجه ، فألّف الحافظ جمال الدين
أبو محمد عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي كتابه الكبير في تخريج أحاديث تفسير
((الكشاف))، ثم اختصره الحافظ ابن حجر وسمَّاه: ((الكافي الشاف في تخريج
الكشاف))، كما صرح بذلك في فاتحته، وهو مطبوع مع تفسير (الكشاف)) في أغلب
طبعاته . وهذا التخريج ينفع في معرفة أكثر ما أورده البيضاوي وأبو السعود في
تفسيريها من الأحاديث.
ويلتحقُ بهذه التفاسير أيضاً تفسيرُ(«روح البيان في تفسير القرآن))
لاسماعيل حقي الواعظ الصوفى المتوفى ١١٣٧، فقد نفقّت عليه في تفسيره هذا
الأحاديث الضعيفةُ والموضوعة" تَفّاقاً كبيراً، إذ كان رحمه الله تعالى لا يَدَ له
بعلم الحديث .
قال شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى في ((المقالات)):(ص٤٨٣ -٤٨٤):
(لوعاظ شغف عظيم بـ ((تفسيره) لما فيه من الحكايات المرفقة للقلوب، وفيه ثقولُ كثيرة
عن كتب فارسية ، وفيه كثيرٌ من إشارات الصوفية، بل يُكثر النقلَ فيه من التأويلات
١٣٣
النجمية لصاحب ((منارات السائرين)) وفيه أيضاًمن وجوه البيان ماتستلذه الأسماع،
إلا أنه لا يتحاشى عن النقل من كل كتاب وعن كل من هبَّ ودبً!)).
قلتُ: ولقد وقفتُ له على كلامٍ لا يُقضَى منه المَجبُ في دفاعه عنإيراده
الأحاديث الموضوعة - فضلاً عن الضعيفة - في تفسيره وتفسير الزمخشرى والبيضاوي
وأبي السعود !!
قال في آخر تفسير سورة التوبة (٩٧٧/١) من الطبعة العثمانية المطبوعة في
اسطنبول سنة ١٣٠٦ ماصورته: ((واعلم أن الأحاديث التي ذكرها صاحبُ
((الكشاف)) في أواخر هذه السورة، وتبعهُ القاضي البيضاوي والمولى أبو السعود
رحمهم الله من أجلّة المفسرين: قد أكثر العلماء القولَ فيها، فمينْ مُثبت، ومِن
نافٍ ، بناءً على زعم وضعها كالامام الصَّاني وغيره .
واللائحُ لهذا العبد الفقير سامحه الله القدير: أن تلك الأحاديث لا تخلو
إما أن تكون : صحيحة قوية ، أو سقيمة ضعيفة ،أو مكذوبة موضوعة.
فان كانت صحيحة قوية فلا كلام فيها . وإِن كانت ضعيفة الأسانيد فقد
اتفق المحدّثون على أن الحديث الضعيف يجوز العمل* به في الترغيب والترهيب فقط،
كما في ((الأذكار)) للنووي، و ((إنسان العيون)» لعلي بن برهان الدين الحلي،
و ((الأسرار المحمدية)) لابن فخر الدين الرومي وغيرها .
وإن كانت موضوعةً فقد ذكر الحاكم وغيره أن رجلاً من الزهاد
انتدب في وضع الأحاديث في فضل القرآن وسُوَره ، فقيل له: لم فعلتَ هذا؟
فقال: رأيتُ الناسَ زهدوا في القرآن، فأحببتُ أن أرغبهم فيه . فقيل له : إن
النبي صَُّ ◌ّه قال: ((من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))، فقال: أنا
ماكذبتُ عليه، إنما كذبتُ له !!! كما في شرح ((الترغيب والترهيب)) المسمَّى بـ
((فتح القريب)).
١٣٤
أراد : أنَّ الكذب عليه يؤدّي إلى هدم قواعد الاسلام، وإفساد الشريعة
والأحكام، وليس كذلك: الكذبُ له! فانه للحث على اتباع شريعته، واقتفاء أثره
في طريقته . قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: الكلامُ وسيلة إلى المقاصد، فكل
مقصودٍ محمودٍ يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً ، فالكذب حرام . فان
أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق : فالكذبُ فيه مباحٌ إن كان تحصيل
ذلك المقصود مباحاً، وواجبٌ إن كان ذلك المقصود واجباً ، فهذا ضابطه. انتهى).
قال عبد الفتاح: هذا غلطُ جسيمٌ جداً، واستدلالٌ باطل نعوذ بالله منه.
وما أدري كيف صدر من الشيخ حقي وهو ممن قيل فيه : الفقيه الأصولي ! ؟
ولعلَّ نزعته الغالية في التصوف هي التي هوَّنتْ عليه مثلَ هذا القول ؟ ! فنسأل
الله السلامة والصون. والقرآنُ الكريمُ غني كل الغنى عن الكذب في فضله وفضل
تلاوته وتالیه .
وكلامُ الشيخ إن عبد السلام غير وارد في هذا الصَّدَد إطلاقاً وجزماً،
وإنما هو في تحصيل حق مغتصب، أودفع ظلم مُدام، أو نحو ذلك . أما أن يستدلّ
به على سواغية الكذب على رسول اللّه وتق لل بدعوى أن ذلك كذب له لا كذب عليه!
وأنّ المحرّم إنما هو الكذبُ عليه فهذه مغالطة مكشوفة ساقطة، نقضها العلماء
من أول يومٍ صدرَتْ فيه بقوله صَّ اله: ((من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده
من النار)). إذ هو شامل للكذب عليه أو له على سواء . ويشهد لذلك أيضاً قوله
تعالى: ((واجتنبوا قول الزور)). فانه يشمل باطلاقه تحريمَ الكذب له وعليه.
والله تعالى قرنه بالشرك حيث قال: ((فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا
قول الزور)).
والمؤمنُ لا يُتصوَّر منه الكذبُ على أقلّ الناس شأناً، فكيف إذا كذب
على رسول اللّه صَ لّه المبلغِ عن الله تعالى؟ !! ثم زَعَمَ ذلك: ثُصرةً منه للشريعة
المطهرة وتأييداً لصاحبها ! ! ولو أبيح مثلُ هذا المبدأ الضالِ المُضل - الكذبِ له
:
١٣٥
٣ - بدعوى الغابة المستحسنة منه لارتفع الأمانُ عن السنة المطهرة! لاحتمال
فيـ
أن يكون كل حديث منها من ذلك السبيل .
والخلاصة : لا يسوغ الاعتماد على الأحاديث التي تورد في التفاسير المذكورة
وأمثالها دون الرجوع إلى معرفة حالها من كتب التخاريج وسواها، وذلك لأن
فيها الحديث الصحيح والضعيف والموضوع.
وهذه التفاسير الأربعة: ((تفسير الزمخشري)) و((تفسير البيضاوي)»
و « تفسير أبي السعود )» و « تفسیر إسماعيل حقي)قد أور دت أيضاً في آخر كل
سورة حديثاً أو أكثر عن النبي صَّ اللّه في فضل تلك السورة ومالقارئها من ثواب
وأجرٍ عند اللّه تعالى. مع العلم أن تلك الأحاديث - سوى أحاديث معدودة -
موضوعة" مكذوبة باتفاق أهل العلم، وقد تابع الزمخشري فيها الواحدي والثعلي،
ثم تابعَ الزمخشريّ فيها البيضاويء، ثم تابعهما أبو السعود، ثم الشيخ حقي في بعض السور.
وقد نبَّه على وضع الأحاديث المذكورة في فضائل السُّوَر غيرُ واحد من
العلماء كابن الصلاح في ((مقدمته)): (ص ١١١-١١٢)، والنووي في «التقريب»:
(ص ١٨٨) بشرح ((التدريب)، والقرطبي المفسّر في تفسيره: ((الجامع لأحكام
القرآن)): (٧٨/١)، وفي كتابه: ((التذكار في أفضل الأذكار)): ( ص ١٥٥)،
والعراقي في ((شرح الألفية)): (٢٦٨/١)، والحافظ ابن حجر في ((تخريج أحاديث
الكشاف)) المطبوع في آخر الجزء الرابع (ص٣)، والسيوطي في ((التدريب)):
(ص ١٨٨)، وكمال الدين الأدهمي الطرابلسي في تعليقه على ((نزهة النظر بشرح
نخبة الفكر)) للحافظ ابن حجر (ص ٥٧)، وشيخنا العلامة محمد راغب الطباخ
رحمه الله تعالى في كتابه: ((الثقافة الاسلامية)): (ص ١٣١)، والأستاذ محمد حسين
الذهبي في كتابه: ((التفسير والمفسرون)): (٢٩٨/١ و ٣٤٩)، وغيرهم من العلماء
جزاه الله تعالى خيراً .
وقد أخرج القرطبي رحمه الله تعالى في كتابه: ((التذكار)): ( ص ١٥٦
١٣٦
و٢٠٣) الأحاديث الواردة في فضل بعض السور، وبين الصحيح منها وغير الصحيح،
كما أثّفَ فيها أيضاً صديقنا الفاضل الشيخ رضوان محمد رضوان رحمه الله تعالى
كتابه: ((فضائل القرآن))، واقتصر فيه على الأحاديث الصحيحة فحسب، جزاه
الله خيراً.
والمفسمر القوطي رحمه اللّه تعالى إذا نبَّه في ((تفسيره)) وفي كتابه:
(((التذكار)) على وضع الأحاديث التي ذكروها في فضائل السور، وحذّر من
الاغترار بها: تساهَلَ هو رحمه الله تعالى في إيراد بعض الأحاديث المنكرة
والموضوعة في مواضعَ من ((تفسيره))، وخالف عادته في إيراد الأحاديث معزوّةً
إلى مصادرها ومخرّجيها في أغلب مايورده، وأنا أذكر بعض الأمثلة على ذلك :
١ - قال عند تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ((فأزلها الشيطان عنها ... )):
(٣١٥/١): (( ... ولذلك قال عَّ له: ((إن الله يحبُّ الشجاعة ولو على قتل حية)).
انتهى. وهو بعضُ حديثٍ رواه ابن عدي في ((الكامل)) عن الزبير مرفوعاً ،
وقد حكم العلماء بوضعه كما في ((اللآلىء المصنوعة)) للسيوطي (٩١/٢)، و((تنزيه
الشريعة)) لابن عراق (١٢٩/٢)، و((الفوائد المجموعة)) للشوكاني ( ص ٧٦).
لكن رأيته في (( كتاب الأربعين في التصوف)) لأبي عبد الرحمن السُّدَمي (ص ٤)
من طريق آخر عن عمران بن حصين ، مرفوعاً أيضاً، بسندٍ لا يحكم عليه بالوضع،
فالله أعلم .
٢ - وقال في تفسير قوله تعالى في سورة النساء: ((والجار ذي القربى والجار
الجنب ... )) (١٨٨/٥): ((المسألة العاشرة: ورَدّ حديث جَمَعَ النبيُّ صَُّّه فيه
مرافقَ الجار، وهو حديث معاذ بن جبل قال: يارسول الله ما حق الجار؟ قال:
إن استقرضك أفرضته ... )، ثم ساق عَشْر جمّل بعد هذه ثم قال: «هذا حديث
جامع ، وهو حديث حسن، في إسناده أبو الفضل عثمان بن مطر الشيباني: غيرُ
مَرْضيّ)). قلت: يقصد بقوله: حديث حسن - والله أعلم - حُسْنَ معناه
لا حسن إسناده، إذ هو حديث ضعيف. وإطلاق لفظ (الحسن ) على المعنى
١٣٧
المستطرف المستحسن: اصطلاحٌ لأهل الأندلس ، فانهم يطلقونه على الحديث
المستطرف ولو كان حديثاً باطلاً ، وذلك أنهم لا يقصدون الحُسن الاصطلاحي ، كما
نبَّه عليه شيخنا أحمد الغماري رحمه الله تعالى في كتابه: ((المُغير)): ( ص ٢٦).
وقد أورد الحافظ المنذري الحديثَ المذكور في (الترغيب والترهيب)): (١٣٦/٤)،
والامامُ الغزالي في ((الاحياء)) في ((كتاب آداب الأخوة والصحبة)» في مبحث
حقوق الجوار (٣٨/٦)، وتكلم عليه الشارح المرتضى الزيدي في ((شرح
الاحياء)): (٣٠٨/٦) بما فيه الكفاية فراجعه.
٣ - وذكر عند تفسير قوله تعالى في سورة الأعراف: «وكلوا واشربوا ولا
تسرفوا ... )): (١٩٢/٧) قصةَ جرت بين علي بن الحسين وطبيبٍ نصراني ، وفي
آخرها يقول علي بن الحسين: ((وَجَمَعَ رسول الله مَّ لّ الطبّ في ألفاظ يسيرة،
قال - أي النصر اني - ماهي؟ قال: ((المعدة بيتُ الأدواء، والحمية رأس كلّدواء،
وأعط كل جسد ماعوّدته)). فقال النصراني : ماترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس
طباً)). قلت: هذا الحديث موضوع، ليس من كلام النبي عَّ له، وإنما هو من
كلام طبيب العرب الحارث بن كلدة، كما نبّه عليه العلماء المحدثون في كتب
( الموضوعات). فكان على المفسر القرطبي رحمه الله تعالى أن يشير الى ذلك إِذ
أورد القصة. وقد نَّه المفسر الآلوسي على وضع هذا الحديث في ((تفسيره))
فأحسن صُنعا.
٤ - وقال عند تفسير قوله تعالى في سورة التوبة (٢٠٩/٨): ((ومنهم من عاهد الله لئن
آتانا من فضله لنصَّدَ قَنَّ ولنكوننّ من الصالحين)): ((رَوَى علي بن يزيد - ووقع
في المطبوعة محرّفاً إلى زيد - عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب
الأنصاري (فسمَّه) قال النبي صَّهِ: ادعُ اللّه أن يرزقني مالاً، فقال عليه السلام:
(((ويحك يا ثعلبة! قليلُ تؤدي شكره خيرٌ من كثير لا تطيقـه)). ثم عاد ثانياً ...
الحديث، وهو مشهور)). قلت: عليّ بن يزيد منكرُ الحديث، قاله البخاري.
وقال أيضاً: كلّ من قلتُ فيه: منكر الحديث فلا تحلُ الرواية عنه، كما في
١٣٨
(ميزان الاعتدال) للذهبي: (٥/١ و٤١٢)، و((الرفع والتكميل)» اللكنوي:
(ص ٨١ و ٩٧). ولهذا قال الحافظ ابن حجر في ((الكافي الشاف في تخريج
أحاديث الكشاف)): (ص ٧٧) بعد أن ساق السنّد المذكور: ((وهذا إسنادُ
ضعيفٌ جداً)). قلتُ: فقولُ المفسّر القرطبي هنا (وهو مشهور) : يعني أنه
مشهور عند القُصَّص والمفسرين الثَّقَلة ، ولا يعني المشهورَ باصطلاح المحدثين ، فان
الحديث ضعيف جداً لا يصحُ الالتفاتُ إليه ولا الاستشهادُ به.
وهكذا تجد المفسر القرطبي يورد في ((تفسيره)) بعض أحاديث غريبة، أو ضعيفة،
أو منكرة، أو موضوعة ، دون أن يُنبه عليها، وكان شيخنا الكوثري رحمه الله
تعالى يعزو إيراده تلك الأحاديث في ((تفسيره)) إلى صلاحه وبالغ ورعه فيقول:
((( ليس نقدُ الحديث من صنيع الرجل الصالح)). أي الصوفي.
والذي يبدو لي من النظر في ((تفسيره)) أنّ عادتَهُ رحمه الله تعالى في
رواية الأحاديث الصحيحة أن ينسبها إلى مصدرها أو مخرّجها فيقول - مثلاً -:
روى البخارى، أو روى مسلم ، أو روى أبو داود ، أو روى الترمذي ، أو في
مصنَّف أبي داود ، أو في سنن ابن ماجه، وهكذا. وأنّ عادتهُ في رواية الأحاديث
التي لا يستوثق من صحتها: أن يُنفِل تسمية مصدرها أو مخرّجها ،
فيقول: قال رسول الله صَّ يّ كذا، وجاء عنه صَّ ليّ كذا. كما صنع في الأمثلة
السابقة ، وكما صَنَع في الخبر الذي ساقه عند تفسير قوله تعالى في سورة يونس:
((قَدَمَ صدقٍ)): (٣٠٦/٨) فقال: ((وقد سُئل النبي صَّ له؟ فقال: هي شفاعتي
توستَّون بي إلى ربكم )) ولم يذكر لهذا الخبر مصدراً ولا محرّجاً. وكما صَنَع في
تفسير (الحمدُ لله)) من سورة الفاتحة (١٣٤/١) فقال: ((ويُذكَرُ الحمدُ بمعنى
الرضا، قال عليه السلام: ((أحمدُ إليكم غَسْلَ الاحليل)) أي أرضاه لكم)). ولم
يذكر أيضاً مصدرَ الخبر ولا مخرّجه. والمعروفُ أنه من كلام ابن عباس.
أما كتابه: ((التذكار)) فقد أورد فيه الحديث الصحيح والضعيف وبعض
الموضوع ! كما نبه عليه شيخنا العلامة أحمد الغماري في تعليقه عليه رحمهالله تعالى،
١٣٩
ومثلُ ذلك كتابُه: ((التذكرة)) الذي اختصره الشيخ الشعراني وسمَّه: ((مختصر
تذكرة القرطبي)) واملَّ عذره فيها أنها في ( الفضائل ) ؟ !
وعلى هذا: نستطيع أن نقول : إن الاحاديث التي يوردها الشيخ القرطبي في
((تفسيره)) غيرَ معزوّةٍ إلى مصدر ولا منسوبةٍ إلى ◌ُخرّجٍ معتمّد، ينبغي
الكشفُ عنها من مظانها لمعرفة حالها من الصحة أو الضعف والبطلان، ولا يسوغُ
الركونُ إليها لمجرَّد روايته لها لما علمتَ أنَّ فيها الضعيف والموضوع، والله أعلم.
خاتمة : قال شيخنا العلامة الفقيه الحدث الأديب الشيخ علوي المالكي
المكي حفظه الله تعالى وأطال بقاءه في عافية وهناءة في آخر جزئه: ((المنهل اللطيف
في أحكام الحديث الضعيف)): (ص ٢٩): ((فائدة: ذكر العلماء كتباً لا ينبغي
للانسان أن ينقل منها حديثاً إلا بعد المراجعة والتنقيب، بل بعضُها يغلبُ فيه ذكرُ
الأحاديث الموضوعة ، وذلك :
مثلُ كتاب (( شمس المعارف)، و((نزهة المجالس)) لعبد الرحمن الصفوري،
فلا ينبغي الاعتماد عليها لكثرة الأحاديث الموضوعة فيها ، حتى إن برهان الدين محدث
دمشق حذّر من قراءتها ، وحرّمها الجلالُ السيوطي .
ومثلُها: ((سيرةُ البكري، صاحب ((فتوح مكة))، ذكر ابن حجر رحمه
الله أنها كذبٌ، وغالبها باطل.
وكذا: ((فتوح الشام)) الواقدي، و((قصص الأنبياء))، و((بدائع
الزهور )، ومؤالثَّفات الواحدي، والكلبي، فقدنصَّ على حُرْمتِها الجلالُ
السيوطيُ ثم قال، فكم من مؤلّفٍ حاطبٍ ليل، وجارفٍ سَيل، وناقدٍ لا يُفرّق
بين الصحيح والضعيف، ويَظُنُّ أنّ كلّ مدوَّر رغيف! ويأتي ببعض الحُجَج
الواهية ، التي تؤديه للهاوية ، والله أعلم)).