Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤٣
بحمد الله. وما نقلتُهُ من ذلك من خَطِّ الحافظ أبي عَمْرِو بنِ الصلاحِ عَزَوْتُه إليه،
أو أعلمتُ علیہ (ع)، وما كان مضبوطاً بوجهین، أو عليه (كذا)، أو من اختلافٍ
رواية (ص) و(خ ر)، فهو كلُّهُ من خَطِّه، وكذلك كلُّ ضَبْطٍ لما يَلْتَبِسُ ويُشكِل
فليس إلاّ من خَطِّه، إلا ما صَرَّحتُ به، وإلا قليلاً أَهَمَلَ ضبطَه، ورَجَعْتُ فيه إلى
قولِ أئمة هذا الشأن في الأسماء.
وما كان عليه من خَطِّ المؤلِّف، أو بخَطِّه، يعني المؤلّف، فهو من خط
الشيخ تقي الدينِ ابنِ رَزِين، أَحَدٍ سامعي الكتاب على الشيخ تقي الدين
ابنِ الصلاح، فإنه ظَفِرَ بنسخةِ المصنِّف، فأثبَتَ ما وجده بخطِّهِ مغايراً لما في أصل
الشيخ تقي الدين، وقد يكونُ شيءٌ من هذا القَبِيل بخَطِّ غيره، وأرجو أنَّ هذا
الأصلَ قد صار عُمْدَةً ووثيقةً لمن اعتَمَد عليه واستَوثَقَ إن شاء الله تعالى.
وأسأله بكَرَمِ وجهِهِ وعِزِّ جَلَالِهِ أن يُصلِّ على نبيِّهِ محمد، وتحجزِيَهُ عن أُمَّتِهِ
أفضَلَ جَزَاءِ المرسلين، وأن يجزيَ خيراً: علماءَنا ومشايخَ دِينِنا الذين نقلوا
السُّنَّن، ومَشَوْا مِن الحقِّ على سَنَن، ويَرحَهم ويَرحَمنا ببركتِهم، ويَنفعَنا بكتابِهِ
وسُنَّةِ نبيه، ويتَقبَّل سَعْيَنا، ولا يُخِيبَ رجاءنا، فهو الجوادُ الكريم، كثيرُ العطاء،
والمبتدىءُ بالنِّعَمِ على غير استحقاق، ربَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رحمةٌ وهَيِّىء لنا مِن
أمرِنا رَشَداً. وتقبَّلْ مِنَّا إنك أنت السميعُ العليم، واغفِرْ لنا فإنك أنت الغفورُ
الرحيم .
الفقيرُ إلى الله تعالى محمدُ بنُ أبي بكر ابنُ الخياط الشافعيُّ، تاب الله عليه،
وغَفَر لوالديه ولمشايخه وإخوانِهِ ولمحبيهِ وشَانِئِيهِ وجميعِ المسلمين، والحمدُ لله رب
العالمين، وصلَّى الله على سيدنا محمدٍ سيدِ المرسَلين، وعلى آله وصحبه أجمعين،
وحسبُنا الله ونعم الوكيل، وصَحَّ ذلك في صبيحةٍ يوم الأحد سادس عَشْرَيْ
رمضان سنة ٨٤٤(١) بتَعِزَّ حَرَسَها الله)).
(١) كذا وقع هنا، وهو تحريف عن (٨٣٤)، لأنه قد توفي سنة ٨٣٩، فلا يعقل أن
يؤرِّخَ بهذا التاريخ، فتحرفت (٣) إلى (٤)، والله تعالى أعلم.

١٤٤
قال عبد الفتاح: انتهى ما أُثبِتَ في آخر المجلَّد العاشر، وإنما أثبتُّهُ هنا لما
جاء فيه من ذكر عنايةِ الحافظِ ابن الصلاح بنسختِهِ ضبطاً وإتقاناً ومُقابلةً، ولذكرِهِ
الأصلينِ اللذين قابَلَ نسخته بهما(١).
كلمة في ختام هذا السماع:
يَلحَظُ الناظرُ في هذا السماعِ الجامعِ لهؤلاء الأفاضل الأعلام المحدِّثين:
أنه قد اجتمع فيه علماءُ ومحدِّثون من مختلف جَنَّبَاتِ أرض الإِسلام، المشرقيُّ
والمغربيُّ والجنوبيُّ والشِّمالِيُّ، فإذا لاحظنا الأسماءَ المنسوبةَ فيه إلى البُلدانِ
والأماكن، رأينا فيها - بالنظر إلى ظاهر النسبة المذكورة - العالمَ الإِشبيليَّ،
والموصلي، والكَرْخِي، والحَمَوي، والمَقْدِسي، والطّوسي، واليَمَني،
والبخاري، والمصري، والمَيُّوْرقي: المغربي، والصِّقِلِيّ، والتّفْلِيسِيَّ: الرُوسيِّ.
ورأينا: الهَمَذانيَّ، والبَعْلَبكي، والعَسْقَلَاني، والبغدادي، والمُخَرِّمي،
والجِيْلِي، والتُونُسِي، والقَزْويني، والمَرَاغِي، واللَّبْلي: المغربي، والأصفهاني،
والآباري، والدمشقي، والإِرْبِلِي، والفُرَاوي، والتِّكْريتي، والأمِدي، والبُوني،
والقَرْقَسِي، والسَّمَرْقَنْدِي، و ... ، و ... ، وغيرهم.
وهذا تَمْعٌ مبارك نادرُ المثال، تقاطَرَ فيه هؤلاء العلماء من مختلف البقاع،
إلى مجلسٍ مُحَدِّثِ زمانِهِ، وإمامِ السُّنَّةِ وعلومِها في أوانِه: الحافظِ ابن الصلاح،
فقد كان - بما آتاه الله من مزايا ومواهبَ نادرة - مَجْمَعَ الفضائل، وموئلَ الأعلام
الأماثل، رحمة الله تعالى عليه وعليهم أجمعين.
إن من ينظرُ في مجالس السماع هذه وأمثالها، لتتملَّكُهُ الدهشة، ويَستولي
عليه العَجَب، مما كانت عليه هذه المجالسُ المباركةُ من دِقَّةٍ ونظامٍ وأمانة، في
(١) ومن قوله في ص ١٤١: (ونقلتُ من خَطِّ العلامة قاضي القضاة تقي الدين
محمد بن الحُسَين بن رَزِين ... ) إلى قولِهِ هنا: ( ... بتَعِزَّ حرسَهَا الله)، لا صلةَ له بالسماع
على الحافظ ابن الصلاح، وإنما أثبتُّهُ للتسجيل فقط، لأنَّ هذا كلامُ الحافظ ابن الخَيَّاط،
المتوفى سنة ٨٣٩ رحمه الله تعالى بَعْدَ وفاةِ الحافظ ابنِ الصلاح بنحوٍ مِئتي سنة.

١٤٥
تسجيلِ الرجالِ الرواة الذين حضروا للاستماع وتلقِّي الحديثِ الشريف، من
بلادٍ متباعدة، وأجناسٍ متعدِّدة، وألوانٍ مختلفة، وألسنةٍ متباينة، في تقييد
أحوالهم وأوضاعهم وهيآتِهم أثناءَ السماع، مع تحديد كل مجلسٍ وتأريخه وذکرِ
مكانِ السماعِ بآخرِ الكتاب.
فهذا يَسمعُ ما يُقرأ على الشيخ ولكن تأخُذُه سِنَةٌ من النوم، وهذا يَسمع
ويَتشاغَلُ أحياناً بالتحدُّث مع زميله وينام، وهذا يَسمع ولا يَنسخ، وهذا يَسمع
ويَنسخ، وهذا نَسَخ ونام، وهذا نَسَخَ ونامَ وتحدَّث، وهذا نَسَخ في جميع مجالس
السماع، وهذا نَسّخ في بعضها.
وهذا حَضَرَ مجالسَ السماع بفَوَاتٍ ما خلا المجلسَ الحاديَ والأربعين بعدَ
◌َخْسِ المئة، وهذا حَضَرَ مجالسَ السماع ما خلا المجلسَ الثامن والعشرين،
والثالثَ والثلاثين بعدَ الخمسِ مِئة، والسابعَ بعدَ سِتُّ المئة. وهذا يُسمع ويُحضيرُ
معه ولَدَهُ لَيَسمعَ الحديثَ من صغره، ويُسجَّلَ اسمُهُ في مَخْضَرِ السماع مع
المحدِّثين.
ويقومُ على ضبطِ هذه المجالس، وإحصاءِ أسماءِ الحاضرين، وتقييد
حركاتهم وسكناتِهِم وأحوالهِم: شيخٌ أمينٌ عَدْلٌ حاذِقٌ نبيه، يُسمَّى (مُثبِتَ
السماع) أو (كاتبَ الغَيْبَة)، ويُقدِّمُ بعدَ انتهاءِ المجلسِ وانتهاءِ الكتابِ ما أَثبتَهُ من
أحوالِ الطلبةِ في السماع إلى الشيخِ المُحدِّث - وهو هنا: الإِمامُ
ابنُ الصلاح -، فيُوقِّعُ عليه الشيخُ بخط يدِهِ وکتابةِ اسمِه بآخره، لیکون هذا
السماعُ بتوقيع الشيخِ المُحدِّثِ المُسْمِعِ وثيقةٌ هامةً في تقويم الرجالِ الرواةِ
الذين سَمِعُوا الكتاب، وإنزالهِم مَنازلهم من قوةِ الضبطِ والإِتقان والرواية .
إنها العنايةُ البالغة، والدِّقَّةُ المتناهية، في ضَبْطِ العلم ونقلِهِ من الأسلافِ
إلى الأخلاف، بالطّرقِ الضابطةِ المُتاحة في ذلك العصر قبل أكثر من ٧٥٠ سنة،
لا سيما نقلَ الحديثِ الشريف، نقلاً دقيقاً كلَّ الدقة، أميناً كلَّ الأمانة، نقياً
لا تَشُوبُهُ شائبةً من شكٍ أو لَبْس. فهل بلغَتْ أُمَّةٌ في تاريخ الإِنسانية هذا الشأوَ
العالي، الذي بلغَتْهُ الأمةُ الإِسلامية، من الدقةِ والأمانةِ والإِخلاصِ والصدق،

١٤٦
في نقل تُراثِها وحفظِهِ وصیانتِهِ وتبلیغِهِ للناس؟ !!
وإنما كان حِرصُهم على السَّمَاعِ كلِّ الحِرصِ، لأنَّ قراءة الكتب - أو سَمَاعَ
الأشرطةِ المسجَّلَةِ اليومَ - من غير مُعلِّم أو مُوقِّف، لا تُعطي المعرفةَ الصحيحةَ
الكاملة، ولا تُفيدُ العلمَ النَّقِيَّ المضبوطَ القويم، فهي مُعِينَةٌ لا مُعَلِّمة، ومذكِّرَةٌ
لا مُقَوِّمَة، ولهذا قالوا: من كان شيخُهُ الكتاب، كان خطؤهُ أكثرَ من الصواب، لأنَّ
التلقِّيِ من الكتب تَسُودُ فيه المتابعة، وقد قال الخليفة المأمون العباسيُّ: العِلمُ
على المُناقشةِ أثبَتُ - وأصَحُ وأجْلَى وأنقَى - منه على المتابعة.
ومن أجل هذا كانوا ينبهون على الكتاب الذي تلقوه بالسماع، والكتاب
الذي ليس لهم به سماع، لكبير المفارقة بين الحالين جداً، فهذا الحاكم أبو عبد الله
النيسابوري يقول في كتابه ((معرفة علوم الحديث)):
((النوع الثاني والعشرون من علوم الحديث: معرفةُ الألفاظ الغريبة في
المتون، وهذا علم قد تكلّم فيه جماعة من أتباع التابعين، ... ، فأوَّلُ من صنف
الغريب في الإسلام النضر بن شُمیل، له فیه کتاب، هو عندنا بلا سماع، ثم
صنف فيه أبو عبيد القاسم بن سَلَّام كتابه الكبير الذي أخبرناه محمد بن محمد بن
الحسن الكارزي ... )).
فانظر کیف ذكر اسم الكتاب، وذکر معه أنه حازه ولکن بدون سماع من
شيوخه إلى المؤلف، وهذا يشعر بأهمية السماع جداً، لأن ثقته بمضمون الكتاب
وضبطه ضعيفة إذ لم يتلقه ولم يسمعه من مؤلفه أو شيخ اتّصل سماعه له بمؤلفه .
هذا إلى جانب حِرمان كسبِ القدوة الحسنةِ الصالحةِ بالمُشَامَّةِ والمُجالسةِ
والمذاكرةِ والمشاهدةِ، التي تُجَسِّمُ الفضائل، وتَغرِسُ التَأسِيَ بها وتُحِبُّهُ: ﴿لقد
كان لكم في رسولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
فشأنُ (السماع) عندهم شأن عظيم، وله لديهم موقعٌ جسيم، فلذا حرصوا
عليه كلَّ الحرص، واعتَنْوْا بحفظِهِ وصيانتِهِ كلِّ العناية، لأنه بمنزلة الشهادة
بسماعِ الكتاب من مؤلِّفه أو ممن تلقَّاه عنه.
ولذا ألزموا مَنْ كان لديه سماعٌ مشترَكٌ بينه وبين زميلِهِ ومُشارِکه في التلقي

١٤٧
عن الشيخ، ألزموه بأنْ يُمكِّنَ مُشاركَهُ من استعارة الكتابِ المسموع لهما، ونقلِ
السماع الذي له فيه، وحَظَرُوا عليه مَنْعَهُ (السماعَ) عن صاحبه، حتی وَصَل هذا
التمسّكُ بالسماع بين بعض المشتركين فيه - إذا منعَهُ صاحبه- إلى ساحة
القضاء، فصَدرَتْ أقضية تُلزِمُ مالكَ الكتاب بإعارة نسختِهِ المسموعةِ لُشارکِهِ في
سماعها، وإليك بعضَ النصوصِ في ذلك:
قال الإمام الحافظ ابنُ الصلاح في ((مقدمته))(١)، في آخِرِ (النوعِ
الخامس والعشرين في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده):
((إنَّ من ثبت سماعُ غيرِهِ في كتابه فقبيحٌ به كتمانُهُ إِياه، ومَنْعُهُ من نقلٍ
سماعِه، ومِن نَسْخِ الكتاب، وإذا أعاره إياه فلا يُبطىء به، رُوِّينا عن الزهري
أنَّه قال: إياك وغُلُّوَلَ الكتب. قيل له: وما غُلُولُ الكتب؟ قال: حَبْسُها عن
أصحابها. ورُوِّينا عن الفُضَيل بن عِيَاض رضي الله عنه أنه قال: ليس من فِعالِ
أهلِ الورع ولا من فِعالِ العلماءِ أن يأخذَ سماعَ رجل فيَحبسَهُ عنه، ومن فعل
ذلك فقد ظَلَّمَ نفسه .
فإِنْ منَعَه إياه فقد رُوِّينا أن رجلاً ادَّعى على رجل بالكوفةِ سماعاً منَعَه إياه،
فتحاكما إلى قاضيها حفص بن غياث، فقال لصاحب الكتاب: أخرج إلينا
كُتُبَكَ، فما كان من سماع هذا الرجل بخطٍّ يدِك ألزمناك، وما كان بخطه أعفيناكَ
منه .
قال ابنُ خَلَّد - هو القاضي الحَسنُ بنُ عبد الرحمن الرَّامَهُرْمُزِيُّ، صاحبُ
كتاب ((المحدِّث الفَاصِل)) فيه(٢): سألتُ أبا عبد الله الزُّبيريَّ عن
هذا، فقال: لا يجيءُ في هذا الباب حكمٌ أحسَنُ من هذا، لأنَّ خطَّ صاحبٍ
الكتاب دالّ على رضاه باستماعِ صاحبِهِ معه. وقال غيرُهُ: لَيْسَ بشيْء.
ورَوَى الخطيب الحافظ أبو بكر، في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي وآداب
(١) ص ١٨٤ .
(٢) ص ٥٨٩ .

١٤٨
السامع)) (١)، قال: حُدِّثْتُ عن القاضي أبي الحسن علي بن الحسن
الجَرَّاحي، قال أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة بن الصَّلْت، قال:
رأيتُ رجلًا قَدَّم رجلاً إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي، فادَّعَى عليه أن له
سماعاً في الحديث في كتابه، وأنه قد أبى أن يُعيرَهُ، فسأل إسماعيلُ الْمُدَّعى عليه،
فصدَّقَهُ فقال: له في كتابي سماعٌ، ولستُ أُعيرُهُ، فَأَطَرَقَ إسماعيلُ مَلِيّاً، ثم رفع
رأسَهُ إلى المدَّعَى عليه، فقال له: عافاك الله، إن كان سماعُهُ في كتابك بخطّك
فيَلزمُك أن تُعيرَه، وإن كان سماعُهُ في كتابك بخط غيرك، فأنت أعلم.
قال: سماعُهُ في كتابي بخطّي، ولكنه يُبطىء بردِّه عليَّ، فقال: أخوك في
الدين أُحبُّ أن تُعيرَه، وأقبَلَ على الرجل فقال: إذا أعارك شيئاً فلا تبطىء به.
قلتُ - القائل الإِمام ابنُ الصلاح - : حفصُ بنِ غِيّاتٍ: معدودٌ في
الطبقة الأولى من أصحاب أبي حنيفة، وأبو عبد الله الزبيريُّ من أئمةِ أصحاب
الشافعي، وإسماعيلُ بنُ إسحاق لسانُ أصحابٍ مالك وإمامُهم، وقد تعاضَدَتْ
أقوالهم في ذلك، ويَرجعُ حاصلُها إلى أنَّ سماعَ غيرِهِ إذا ثَبَت في كتابه برضاه،
فَيَلزَمُه إعارَتُهُ إياه.
وقد كان لا يَبِينُ لي وجهُهُ، ثمَّ وجَّهتُهُ بأنَّ ذلك بمنزلةِ شهادةٍ له عنده،
فعليه أداؤها بما حَوَتْهُ وإن كان فيه بَذْلُ مالِه، كما يَلزَمُ متحمِّلَ الشهادةِ أداؤها وإن
كان فيه بذلُ نفسه بالسعي إلى مجلس الحكم لأدائها، والله تعالى أعلم)). انتهى.
قال القاضي عياض في كتابه ((الإِلماع إلى معرفة أصولِ الرواية وآداب
السماع))(٢)، في (بابٌ جامع لآثارٍ مفيدة، وآدابٍ حميدة)، بعدَ أن ساق
هذين الخبرين: عن حفص بن غياث، وعن إسماعيل بن إسحاق، وبعد أن ذكر
نَقْلَ ابن خلَّدٍ استحسانَ أبي عبد الله الزُّبَيريِّ لهذا الحكم، وقولَ ابن خلّدٍ
بعدَهُ: ((وقال غيره: ليس بشيء)).
(١) ١ : ٢٤١ .
(٢) ص ٢٢٣ .

١٤٩
قال القاضي عياض بعدَ ذلك مُتَعقِّباً هذا الحكمَ من القاضيين به:
((لا فَرْقَ بین کونٍ سماعه من کتابه هذا بخطُّ صاحب الكتاب، أو بخطه، إذا كان
الكَتْبُ فيه بمعرفتِهِ وإذنِهِ، إِذْ جُعِلَ رضاه بذلك دليلاً على إباحيِهِ للانتساخ. فإن
كان العُرفُ عندهم هذا فيهما أو في أحدِهما فَنَعَمْ، وإلَّ فالقولُ ما قال غيرُهما، إذْ
لا يُحكَمُ لكَتْبِ السماع في الكتاب بأكثرَ من شهادتِهِ بصحةِ سماعِهِ، وأمَّا زائدٌ عن
ذلك فلا، إلّا أن يُضافَ إلى ذلك عُرْفُ فَيُحكَمَ به على ما تقدَّم، والله أعلم)).
انتھی .
وقال القاضي ابنُ خَلََّّدِ الرَّامَهُرْمُزِي، في ((المحدِّث الفاصِل))(١)،
في (باب مَنع السماع): «حدَّثنا محمد بن يوسف العسكري، حدثنا
إبراهيم بن حرب قال: كان أبو الوليد الطََّالِسي إذا استُعْدِيَ عنده أنَّ فلاناً حَبَس
عن فلان سماعَه، تقدَّمَ إلى صاحب الرَّبْع فحبسه(٢)، وكان يَبْعَثُ بخاتمِهِ إليه،
وهو العلامةُ بينه وبينه)). انتهى .
ويتجلَّ للقارىء من هذه الوقائع والأقضية قيمةُ (السماعِ ) العلميةُ، فإنَّ
السماع شهادةً صادقة، تُمثِّلُ الكلمةَ العلمية المنقولة: توثيقاً وتحقيقاً، وفَهْماً
وضبطاً، وتحمُّلًا وأداءً. وإذا كانت الأسانيدُ أنسابَ الكتب، فالسماعاتُ هي
البيّناتُ الناطقةُ وشهاداتُ العدولِ الثقاتِ لها، فلذا كان الحرصُ عليها شديداً،
وتدخَّلَ القضاءُ في الحكم فيها كما علمتَ.
ومن هذا الذي قدَّمتُهُ لك أيها القارىء الكريم: تكونُ قد وقفتَ على
نموذجٍ من عنايةِ هذه الأمة المحمدية ومُحدِّثيها، بنقلِ السُّنّةِ المطهرة الشريفة
بالإِسناد، وتُدرِكُ كيف حَفِظَ اللَّهُ تعالى: الذكرَ العظيمَ والسُّنَّةَ المطهرةَ: ﴿إِنَّا
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا له لَخَافِظون﴾. والحمدُ لله رب العالمين.
(١) ص ٥٨٩.
(٢) الرِّبْع بفتح الراء وسكون الباء الموحّدة: المَحَلَّةُ. وكانوا يُطلقون هذا الوصفَ
(صاحبَ الرِّبْع) في زمانهم، على ما نُسمِّيه في زماننا (مديرَ الشرطة).

١٥٠
تَكْمِلَةٌ وإرشادٌ عن الإمام الشاطبي
قرَّر فيه أن أفضلَ طُرُقِ العلم المشافهةُ والسماع
قال الإِمام الشاطبي الأصولي الفقيه المحقق رحمه الله تعالى، في كتابه
العُجَاب (الموافقات))(١)، في (المقدمة الثانية عشرة) وهو يَتحدَّثُ عن
طُرُقٍ تلقِّي العِلمِ وأفضلِها ما مختصرُهُ:
((من أنفعِ طُرُقِ العلمِ الموصلةِ إلى غايةِ التحقيق أخْذُهُ عن أهلِهِ المتحققين
به على الكمال والتمام. وكلامُنا فيما يفتقر إلى نظر وتبصر، فلا بد من معلِّم فيه،
وإن كان الناس قد اختلفوا: هل يمكن حصولُ العلم دونِ معلِّم أم لا؟ فالإِمكانُ
مسلّم، ولكن الواقع في تجاري العادات أنْ لا بُدَّ من المعلِّم، وهو متفقٌ عليه في
الجملة .
وقد قالوا: إنَّ العلم كان في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب،
وصارتْ مَفائِحُهُ بأيدي الرجال. وهذا الكلامُ يَقْضي بأن لا بُدَّ في تحصيله من
الرجال، إذ ليس وراءَ هاتين المرتبتين مَرْمَى عندهم. وأصلُ هذا في الحديث
الصحيح: ((إنَّ الله لا يَقْبِضُ العلمَ انتزاعاً يَنتزِعُهُ من الناسِ، ولكن يَقْبِضُ العلم
بقبضِ العلماء ... )) الحديث(٢). فإذا كان كذلك فالرجالُ هم مَفائُِهُ بلا شك.
(١) ١ : ٩١ - ٩٩.
(٢) رواه عن عبد الله بن عَمْروبن العاص البخاريُّ في (صحيحه) ١٩٤:١ في
كتاب العلم (باب كيف يُقْبَض العلم)، ومسلم في ((صحيحه)) ٢٢٣:١٦ في كتاب العلم
(باب رفع العلم وقبضِهِ)، والترمذي في «جامعه)) ٣١:٥ في كتاب العلم (باب ما جاء في =

١٥١
فإذا تقرر هذا فلا يؤخذ إلا ممن تحقّق به. وهذا أيضاً واضحٌ في نفسه، وهو
أيضاً متفَقٌّ عليه بين العقلاء، إذ من المشهور شروطهم في العالمِ بأيِّ عِلمٍ اتَّفقّ،
أن يكون عارفاً بأصوله وما ينبني عليه ذلك العلمُ، قادراً على التعبير عن مقصودِهِ
فيه، عارفاً بما يَلزمُ عنه، قائماً على دَفْعِ الشَّبَهِ الواردةِ عليه فيه، فإذا نظرنا إلى
ما اشترطوه، وعَرَضْنا أئمةَ السلفِ الصالح في العلوم الشرعية، وجدناهم قد
اتصفوا بها على الكمال.
غيرَ أنه لا يُشْتَرَطُ السلامةُ عن الخطأ آلبتَّةَ، فلا يَقدَحُ وقوعُ الخطأ في كونِهِ
عالمً، ولا يَضُرُّ في كونِهِ إماماً مُقْتَدَى به. وللعالم المتحقق بالعلم أماراتٌ وعلاماتٌ
تتفق مع ما تقدم، وهي ثلاث:
إحداها: العَمَلُ بما عَلِم، حتى يكون قولُهُ مُطابِقاً لفعلِهِ، فإن كان مخالفاً له
فليس بأهل لأن يؤخذ عنه، ولا أن يُقتَدَى به في علم.
والثانية: أن يكون ممن ربّاه الشیوخُ في ذلك العلم، لأخذِهِ عنهم،
وملازمتِهِ لهم، فهو الجديرُ بأن يتصفَ بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا كان شأنُ
السلف الصالح .
فأوَّلُ ذلك: مُلازمَةُ الصحابةِ رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه
وسلم، وأَخْذُهم بأقوالِهِ وأفعالِهِ، واعتمادُهم على ما يَرِدُ منه، كائناً ما كان، وعلى
أيِّ وَجْهٍ صَدَر منه، فَهِمُوا مَغْزَى ما أرادَ به أَوْلا، حتى عَلِمُوا وتيقٌنوا أنه الحقُّ
الذي لا يُعارَض، والحِكمةُ التي لا ينكسِرُ قانونُها، ولا يَحومُ النَّقْصُ حَوْلَ حِى
كمالها، إنما ذلك بكثرةِ الملازمةِ وشدةِ المُثابَرَةِ.
= ذهاب العلم)، واللفظ هنا لمسلم والترمذي، ومعنى (يُنْتَزِعُهُ من الناس) أي يَمْحوه من
صُدورِهم ◌َحْواً، وتمام الحديث ((حتى إذا لم يَتْرُك عالماً امَخذ الناسُ رُؤوساً جُهَّالاً، فسُئلوا
فأفْتَوْا بغيرِ علم، فضَلُّوا وأَضَلُّو)).

١٥٢
وتأمُّلْ قِصَّةَ عمر بن الخطاب في صُلح الحُدَيْبِيَةِ(١)، حيث قال:
يا رسول الله، ألسنا على حق، وهم على باطل؟ قال: بَلَى، قال: أليس قَتْلَانا في
الجنة وقَتْلَاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيمَ نُعطيِ الدُّنِيَّةَ في دِيننا؟ ونَرْجِعُ ولمَّا
يَحْكُمِ اللَّهُ بيننا وبينهم؟ قال: يا ابنَ الخطاب، إني رسولُ الله، ولم يُضيعني اللَّهُ أبداً.
فانطلق عمر ولم يَصبِرِ، مُتَغيِّظاً، فأتى أبا بكر فقال له مِثلَ ذلك، فقال
أبو بكر: إنه رسولُ الله، ولم يُضيعه اللَّهُ أبداً. قال: فَنَزَل القرآنُ على رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالفتح، فأرسَلَ إلى عمر فأقرأَهُ إِيَّاهُ، فقال: يا رسول الله،
أوَ فتحّ هو(٢)؟ قال: نعم، فطابَتْ نَفْسُهُ ورَجَع .
فهذا من فوائدِ الملازمة، والانقيادِ للعلماء، والصَّبْرِ عليهم في مواطن
الإِشكال، حتى لاحَ البُرهانُ للعِيان. وفيه قال سَهْلُ بن حُنَيَفَ يومَ صِفُّين: أيها
الناس، اتَّهِمُوا رأيكم، واللَّهِ لقد رأيتُني يومَ أبي جَنْدَلٍ ولو أني أستطيعُ أن أَرُدَّ أَمْرَ
رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددتُه(٣). وإنما قال ذلك ◌ِمَا عَرَض لهم فيه من الإِشكال.
وإنما نزَلَتْ سُورةُ الفتحِ بعدَما خالطهم الحُزْنُ والكآبَةُ لشدةِ الإِشكالِ
عليهم، والتباسِ الأمر، ولكنهم سَلَّموا وتركوا رأيهم حتى نَزَل القرآنُ، فزال
الإِشكالُ والالتباس. وصار مِثلُ ذلك أصلاً لمن بعدهم، فالتزم التابعون في
الصحابة سِيْرَتَّهم مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى فَقُهُوا، ونالوا ذِرْوَةً الكمالِ
في العلوم الشرعية .
وحَسْبُك من صحةٍ هذه القاعدة أنك لا تجد عالماً اشتهَرَ في النَّاسِ الأَخْذُ
عنه إلاّ وله قُدوةٌ اشتهَرَ فِي قَرْنِه بمثل ذلك، وقلَّما وُجِدَتْ فِرقةٌ زائغةٌ ولا أحَدٌ
مخالِفٌ للسُّنّة، إلا وهو مفارقٌ لهذا الوَصْف. بهذا الوجهِ وَقَع التشنيعُ على
ابن حزم الظاهري، وأنه لم يُلازم الأُخْذَ عن الشيوخ، ولا تأدَّبَ بآدابهم، وبِضدٌ
(١) هي في (صحيح البخاري)) ٥٨٧:٨ في كتاب التفسير في تفسير سورة الفتح
(باب إذ يبايعونك تحت الشجرة).
(٢) أي الصُّلْحُ فَتْحٌ.
(٣) هو في ((صحيح البخاري)) ٧: ٤٥٧ في آخر (باب غزوة الحديبية).

١٥٣
ذلك كان العلماءُ الراسخون كالأئمة الأربعةِ وأشباهِهم.
والثالثة: الاقتداء بمن أَخَذ عنه، والتأدُّبُ بأدبِهِ، كما علمتَ من اقتداءِ الصحابة
بالنبي صلى الله عليه وسلم، واقتداءِ التابعين بالصحابة، وهكذا في كلِّ قَرْن.
فلما تُرِك هذا الوصفُ رَفَعَتْ البِدَعُ رُؤُوسَها، لأنَّ تَرْكَ الاقتداءِ دليلٌ على أمرٍ
حَدَث عند التارك، أصلُهُ اتِباعُ الهوى.
فصل: وإذا ثَبَتَ أنه لا بُدَّ من أَخْذِ العلم عن أهلِه، فلذلك طريقان:
أحدُهما: المُشافَهَةُ، وهي أَنفَعُ الطريقين وأسلَمُهُمَا، لوجهين: الأوَّلُ
خاصيَّةٌ جعلها الله تعالى بين المعلِّمِ والمتعلُّم، يَشهدُها كلُّ من زاوَل العِلمَ
والعلماءَ، فكم من مسألةٍ يَقرِؤها المتعلّمُ في كتاب، ويحفظها ويُردِّدُها على قلبه فلا
يَفْهَمُها، فإذا ألقاها إليه المعلِّمُ فَهِمَها بَغْنَةٌ، وحَصَل له العلمُ بها بالْحَضْرَةِ(١).
وهذا الفهمُ تِحِصُلُ بأمْرٍ عاديٍّ من قرائنِ أحوال، وإيضاحِ مَوْضع إشكالٍ
لم يَخْطُر للمتعلُّم ببال، وقد يَحْصُلُ بأمرٍ غير معتاد، ولكن بأمْرٍ يَهَبُهُ اللَّهُ للمتعلُّم
عند مثولِهِ بین یدَيْ المعلِّم ظاهِرَ الفقرِ، بادِئَّ الحاجة إلى ما يُلقَی إلیه. وهذا ليس
يُنكَرِ، فقد نَبَّه عليه حديثُ حنظلة الأُسَيِّديّ، حين شَكًا إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنهم إذا كانوا عنده وفي مجلسِهِ كانوا على حالة يَرْضَوْنها، فإذا فارقوا
مجلسَهُ زالَ ذلك عنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده
لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكةُ على فُرُشِكم وفي طُرُقِكم»(٢).
(١) زعم الطبيب علي بن رضوان المصري المتوفى سنة ٤٥٣، إذ لم يكن له مُعلِّم أنَّ
أخذ العلم من الكتب أوفَقُ من المعلِّم، ورَدَّ عليه الطبيبُ ابنُ بُطْلان المسيحي (المختارُ بنُ
الحَسَن البغدادي) المتوفى سنة ٤٥٨، - وغيرُهُ ــ بكتاب أَثْبَتَ فيه بالأدلة أن أخذَ العلم من
أفواه العلماء أفضل. وذَكَر طَرَفاً من أدلّتِهِ ابنُ أبي أُصَيْبِعَة في ((عيون الأنباء في طبقات
الأطباء)) ١٦٧:٣ - ١٦٩، في ترجمة ابن رضوان.
(٢) رواه عن حنظلة مسلم ١٧: ٦٦ في كتاب التوبة (باب فضل دوام الذكر)،
والترمذي ٦٦٦:٤ في آخر كتاب صفة القيامة في (بَابٌ)، وابن ماجه ١٤١٦:٢ في كتاب
الزهد (باب المداومة على العمل).

١٥٤
وقد قال عمر بن الخطاب: وَافَقْتُ ربي في ثلاث. وهي من فوائدٍ مُجالسةٍ
العلماء، إذ يُفتَحُ للمتعلّمِ بين أيديهم ما لا يُفْتَحُ لَهُ دونَهُم، ويَبْقَى ذلك النورُ لهم
بمقدارِ ما بَقُوا فِي مُتَابَعَةٍ مُعلِّمهم، وتأدُّبِهِم معه، واقتدائِهم به. فهذا الطريقُ نافعٌ
علی کل تقدير.
الطريقُ الثاني: مُطالعةٌ كتبِ المصنِّفين، ومُدوِّني الدَّوَاوِين، وهو أيضاً نافعٌ
في بابه بشرطین:
الشرطُ الأول: أن يَحصُلَ له مِن فَهْمِ مقاصدٍ ذلك العلم المطلوب،
ومعرفةِ اصطلاحاتِ أهلِه، ما يَتِمُّ له به النظرُ في الكتب. وذلك يَحِصُّلُ بالطريق
الأوَّلِ من مُشافَهَةِ العلماء، أو مما هو راجعٌ إليه، وهو معنى قول من قال: كان
العِلمُ في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، ومَفائُِهُ بأيدي الرجال. والكُتبُ
وحدَها لا تُفيد الطالبَ منها شيئاً، دُونَ فَتْحِ العلماء، وهو مُشاهَدٌ معتاد.
والشرطُ الثاني: أن يَتحرِّى كتبَ المتقدمين من أهل العلمِ الْمُرادِ، فإنهم
أقعَدُ بِه من غيرهم من المتأخرين، وهو أمْرٌ مُشاهَدٌ في أيِّ علمٍ كان، فالمتأخرُ
لا يَبلغُ من الرسوخ في عِلْمٍ مَّا، ما بَلَغَهُ المتقدم. وحَسْبُك من ذلك أهلُ كل علم
عملي أو نظري، فأعمال المتقدمين في إصلاح دُنياهم ودينهم، على خلافٍ أعمالِ
المتأخرين، وعلومُهُم في التحقيق أقعَدُ. فتحقّقُ الصحابةِ بعلوم الشريعة ليس
كتحقّقِ التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن، ومن طالَعَ
سِيَرَهم، وأقوالهم، وحكاياتِهم، أبصَرَ العَجَبَ في هذا المعنى.
فكتُبُ المتقدمين، وكلامُهم، وسِيَرُهم، أنفَعُ لمن أراد الأخذَ بالاحتياط في
العلم، على أي نوعٍ كان، وخصوصاً علمَ الشريعة، الذي هو العُروةُ الوثقى،
والوَزَرُ الْأُخَْى، وبالله تعالى التوفيق)).

١٥٥
(تتمةٌ) لِشَرْحِ بيتٍ من الشعرِ تقدَّمَ ذكرُه
ذكرتُ تعليقاً فيما تقدم ص ١٢٣، بيتاً من الشعر للأعشى أبي بَصِير، وهو:
شَّانَ ما يَوْمِي على كُوْرِها وَيَوْمُ حَيَّان أَخِي جابِرٍ
وأحلتُ القارىء إلى شرح البيت وبيانٍ معناه إلى هذا المكان، ودعاني إلى شرحِهِ
غموضُ معناه - من حيث الاستشهادُ به - على بعضٍ طلبة العلم، فأردتُ إيضاحَهُ هنا،
لُفهَمَ وجهُ الاستشهادِ به.
هذا البيتُ لأعشى بَكْر، ويقال له أيضاً: أعشى قَيْس، وكلاهما من أجدادِه، ويقال
له: الأعشى الكبير والأكبر، وهو أشهَرُ من وُصِفَ بالأعشى، أبو بَصِير ميمونُ بنُ قیس بن
جَنْدَل البَكْرِيُّ النّجْدِيُّ، من قرية منفوحةً التي دَخلَتْ في مدينة الرياض الآن، الشاعرُ
الجاهلي، ولُقِّبَ بصَنَّاجَةِ العَرَب لجودةِ شعرِهِ ولأنه يُتغنى به، وكان أَعشَ العينين فلُقِّب
بالأعشى، وهو الذي لا يُبصرُ ليلاً ويُبصيرُ نهاراً، وكُنِيّ بأبي بصير تفاؤلاً له بشفاء بصره،
وكان له ولد اسمُهُ بصير أيضاً، كان يقوده في سُوقِ عُكَاظ، مات سنة ٧ من الهجرة، ولم
يُسلم.
والبيتُ من بحر السريع، من قصيدة له في ((ديوانه)) ص ٩٢ - ٩٦ من طبعة صادر
ببيروت، في ستين بيتاً، يهجو بها الشاعرَ علقمةَ بنَ عُلاثة، وَيَمدحُ الشاعرَ عامرَ بنَ الطُّفَيل،
في المُنَافَرةِ التِي جَرَتْ بينهما. وهذا البيتُ من شواهد النحو، استَشْهَدَ به الإِمامُ ابنُ هشام
الأنصاري النُّحوي، في كتابه «شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب»، في (باب
الأسماء التي تَعمَلُ عملَ الأفعال)، السادسُ منها: اسمُ الفعل (شَتَّانَ)، اسمُ فعلٍ ماض،
بمعنى افترق وتباعد وتباین.

١٥٦
و (الكُوْرُ) بضم الكاف وسكون الواو، بعدها راءٌ مهملة: الرَّحْلُ الذي يُوضَعُ على
الناقة ليُركَبَ عليه. و(يَوْمِي) و (يَوْمُ حَيَّان) بفتح الياء المثناة من تحت، بعدها واوً ثم ميم.
و (ما) في قوله: (ما يَوْمِي) زائدة، و(يَوْمِي) فاعل.
ووقع في أكثرِ طبعاتِ ((شرح الشذور)) غير طبعاتِ الأستاذ محمد محيي الدين
عبد الحميد رحمه الله تعالى، وفي كثير من الكتب غيرِهِ: (ما نَوْمي) و(نَوْمُ حَيَّان)، بالنون
بدلاً من الياء، من (النَّوْم) ضِدِّ اليَقَظة، وهو تحريف لا ريبَ فيه، وإن أقرَّهُ وجَوّزَه
بعضُهم، كالشيخ عُبَادة في حاشيته على ((شرح شذور الذهب)) ٢: ٢٣١، من طبعة الوَهْيِيّة
سنة ١٢٩٢، وكالشيخ عبد المتعال الصعيدي، في تعليقه على (شرح الشذور)) ص ٣٢٢،
من طبعة صُبَيح سنة ١٣٨٥، وغيرُهما. وهو في طبعاتِ ((شرح الشذور)) بتحقيق الشيخ
محمد محيي الدين عبد الحميد الشاهدُ ٢١٤ .
ومعنى البيت: يَذكُرُ الشاعرُ المُفَارَقَةَ الكبيرةَ بين يومِهِ الذي يقضيه على كُوْرِ الناقة،
تتقلقَلُ به في شمسِ الصحاري في سَفَرٍ وتعب، ويومِ حَيَّن أخي جابر الذي يَقْضِيه في
قَصْرِهِ المنيع الرفيع في شُربٍ ولهوٍ وطرب، فهما يومانِ مختلِفانٍ شتانَ ما هما.
هذا ما فهمتُهُ من معنى البيت، ولكن الشراح جعلوا اليومين كليهما للشاعِرِ نفسِهِ،
يُفاضِلُ بينهما، مع أنَّ اليوم الثاني مضافٌ إلى (حَيَّان أخي جابر)، فجعلوه للأعشى عندَ
حَيَّان. وما أدري لماذا كان هذا منهم؟ وليس في الأبيات ما يَشهَدُ له.
قال الإِمام أبو محمد عبدُ الله بنُ السِّيْد الْبَطَلْيّوْسِي الأندلسي رحمه الله تعالى - ولد
سنة ٤٤٤ ومات سنة ٥٢١ _، في ((الاقتضاب في شرح أدب الكُتَّاب)) ٢٤٣:٣ ((البيتُ
الأعشى بكر، وحَيَّان وجابر - ابنا عُمَيرة - رجلانٍ من بني حنيفة، وكان حَيَّنُ نديماً
للأعشى. يقول: يَوْمِي على رَحْلِ الناقةِ ویَوْمِي مع حَیَّانَ أخي جابٍ مختلفانٍ لا يستويان،
لأنَّ أحدَهما يومُ سَفَرٍ وتعب، والثاني يومُ لهوٍ وطرب، وبعدَهُ:
وأنتَ بين القَرْوِ والعاصرِ». انتھی.
أُرمِي بها البِيْدَ إِذْ هَجَّرَتْ
وقال الإِمامُ أبو منصور موهوبُ بن أحمد الجَوَالِيقي البغدادي رحمه الله تعالى - ولد
سنة ٤٦٦ ومات سنة ٥٤٠ -، في ((شرح أدب الكاتب) ص ٢٩٤، ما يلي:
((وقد أُسَلِى الَمَّ حين اعتّرَى بِجَسْرَةٍ دَوْسَرةٍ عاقِرٍ

١٥٧
شَتَّان ما يَوْمِي على كُوْرِها وَيَوْمُ حَيَّانِ أَخِي جابِ
الجَسْرَةُ: العظيمةُ من النُّوْق، والدَّوْسَرَةُ مِثْلُها. والعاقِرُ: التي لم تَحمِل، وذلك أصلَبُ
لها. يقول: أُسَلِّي الَمِّ برُكُوبٍ ناقةٍ هذه صِفَتُها. ثم قال: شَتَّنَ ما يَوْمِي على كُورِها.
والكُوْرُ: الرَّحْلُ بأداتِهِ. وحَيَّنُ رجلٌ من بني حَنِيفة، كان يُنادِمُ الأعشى، وله أخْ يقال له:
جابر.
يقول: إنَّ يَوْمِي في الرَّحِيلِ والركوبِ على كُوْرِ هذه الناقة، ليس مِثلَ يَوْمِي مع حَيَّنَ
وشُرْبِنا ونعيمِنا، أي هذا مفترِق. وحَيَّنُ كان خليلاً للأعشى، ولم يكن جابرٌ مِثلَه، فَغَضِبَ
- حَيَّانُ - لمَّا ضمُّه الأعشى إليه، ولم يُنادمه، فاعتَذَر إليه بالقافية)). انتهى.
وهذا الذي قاله هذانِ الإِمامانِ في شرح البيت، لا تُساعِدُ عليه الأبياتُ التي قبلَهُ
والتي بعدَهُ في القصيدة، وأنا أُوردُها ليظهر للقارىء أيُّ المعنيين هو الصحيح، وإليك
الأبيات:
بجَسْرَةٍ دَوْسَرَةٍ عَاقِرٍ
وقد أُسَلِي الَمِّ حِينَ اعتَرَى
تُلْوِي بِشَرْخَيْ مَيْسَةٍ قَاتِ
زَيَّافَةٍ بِالرَّحْلِ خَطَّارَةٍ
حَیَّانَ أُخي جابِرٍ
ویَوْمُ
شَتَّانَ ما يَوْمِي على كُوْرِها
بَيْنَ القَرْوِ والعَاصِرِ
وأنت
أَرْمِي بها البِيْدَ إِذْ مَجَّرَتْ
يَزِلُ عَنْهُ ظُفُرُ الطَّائِرِ
في ◌ِجْدَلٍ شُيِّدَ بُنْيَانُهُ
وهذا شَرْحُ مفردات هذه الأبيات: أُسَلِّي الهَمُّ: أدفعُهُ عني إذا اعتراني. والجَسْرَةُ
والدُّوْسَرَةُ: الناقَةُ الضُّخْمَةُ القوية. وعاقِر: لا تَحمِل، فهي أقوى مما تَحمِلُ وَتَلِدُ. وزيَّافَةٍ :
سريعةٍ تتمايَلُ بالرَّحْلِ. خَطَّارَةٍ: تَضْرِبُ بِذَنِّها يميناً وشِمالاً. تُلْوِي بِشَرْخَيْ مَيْسَةٍ : تَذهَبُ
بقادِمَةِ الرَّحْلِ ومُؤخَّرَتِهِ من قُوتِها وسُرعتِها. والمَيْسَةُ: شَجَرَةً تُعمَلُ منها الرِّحال.
والقَائِرُ من الرُّحالِ والسُّرُجِ: الْجِيدُ الوقوعِ على الظهر، أو اللطيفُ منها الذي يَقِي
الظّهْرَ ولا يَعْقِرُه. أَرمِي بها البِيْدَ: أُقْتَحِمُ بها قلبَ الصِّحَارِي المُهْلِكة في وقتِ الهاجرةِ
اللاهِب. والقَرْوُ: قَدَحُ الخمر ومِعْصَرَتُها، والعاصيرُ: عاصيرُها. والِجْدَلُ: القَصْرُ الظاهِرُ
المرتفعِ، يَزِلُّ عنه: يَزْلَقُ عنه ◌ُفُرُ الطائرِ لمَلَسَتِهِ، فقد بُنِيَ من حجارةٍ صَمَاءَ مَلْسَاء،
لا يتمكّنُ الطائرُ من الوقوفِ عليه.

١٥٨
والبيتُ الرابعُ من الأبيات الخمسة هنا: أَوردَهُ ابنُ السِّيد في ((الاقتضاب)) كما تقدّم،
والحافظُ السيوطي في ((شرح شواهد المغني)» ٩٠٦:٢ وعُزي للأعشى أيضاً في (قرو) في
(تهذيب اللغة)) ٢٦٧:٩، و((اللسان)) ١٥: ١٧٤، و((تاج العروس)) ٢٩٢:١٠. وقال
الأستاذ عبد السلام هارون في تحقيقه لتهذيب اللغة و((مقاييس اللغة)) ٧٨:٥ ((البيت
للأعشى في ديوانه ٢٤٥)). انتهى. فكيف لم يقع للأستاذ محمد محمد حسين حين شرح
((الديوان))؟! والسببُ أنه قَصَرَ عملَهُ ونظرَهُ في شرح (الديوان)) على الطبعة التي قام بها
المستشرق الألماني رودولف جاير، فقَصِرٌ عن الغاية، ووقع له مثلُ هذا.
وبهذا البيتِ يزدادُ المعنى الذي ذكرتُهُ وضوحاً، وهو أنَّ اليومين المذكورين، المُغارَقَ
بينهما، أحدُهما يومُ الأعشى على كُورِ الناقة في البِيْدِ مع الرِّمَالِ والشمسِ المُحرِقة، والآخَرُ
يومُ حَيَّانَ في قَصْرِهِ المُنِيف مع لهوِهِ وطربِهِ .
وقد مَشَى العلامة المحقق الأديب الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله تعالى، في
(شرح الديوان)) ص ١٩٦، على أنَّ اليومين أحدُهما (للأعشى)، والآخَرُ (لحيَّان)، ولم
يَذهب فيهما إلى أنهما جميعاً للأعشى، كما ذَهَب إليه الإِمامُ ابنُ السَّيْد والإِمامُ الْجَوَاليقي،
فقال: (وإنَّ لي فوقَ ظَهْرِ تلك الناقةِ ليوماً عسيراً، هو أشدُّ هَوْلاً من يومِ (حَيَّان) أخي
جابر)). انتهى. وقد أصاب في هذه التفرقة.
ولكنه وَهِم في تفسير البيت الخامس الذي هنا، فجعَلَ (حَيَّنَ) في يومِهِ كان محبوساً في
حصنٍ مَشِيد ... ، فقال في شرح قول الأعشى:
في عِجْدَلٍ شُيِّدَ بُنْيَانُهُ يَزِلُ عنه ظُفُرُ الطَائِرِ
((الِجْدَلُ: القصرُ. أي وقد حُبِسَ ـ حَيَّنُ - في حصنٍ عال مَشِيد، بُني من حجارةٍ
صَمَاءَ مَلْسَاءِ، يَزِلُّ عنها ◌ُفُرُ الطائر). انتهى. ولا ذِكرَ للحَبْس في سابقِ الأبيات أو لاحقِها،
وإنما دعاه إلى تفسير (المِجْدَل) بالحَبْسِ بعدَما فسَّرِّه بالقَصْر: غِيَابُ البيتِ الرابع من روايةٍ
الديوان التي أمامَهُ! فاضطُرُ أن يجعلَ (المِجْدَل): (حَبْساً)، لتتم المُفارقَةُ بين اليومين في
شِدَّتِهِما. والبيتُ الرابع فيه ذكرُ المُغَارقةِ بين اليومين واضحةً جليّ. فعدمُ ورودِهِ في روايةِ
الديوان ساقَهُ إلى هذا التفسير.
وغفلةُ الإِمام ابن السِّيْد البَطَلْيَوْسِي عن ملاحظةِ البيتِ الرابع الذي أُورَدَه في

١٥٩
شرحه، دَعَتْهُ إلى أن يَجْعَلَ اليومينِ كليهما للأعشى! وهي غفلةٌ شديدة. ولو أنه هو والإِمامُ
الجواليقيُّ ومَنْ شَرَحَ البيتَ بمثلٍ شَرْجِهِما، استحضروا عند شرحِهِ ما قبلَهُ وما بعدَهُ، لما
أبعدوا عن الصواب في تفسيره. وهذا لازمً عند شرح الأبيات المفردات، كما نبّه إليه الإِمامُ
ابنُ السَّيْد في ((الاقتضاب))، في تقدمتِهِ لشرح أبيات (كتاب أدب الكُتَّاب).
قال في ((الاقتضاب)) ٣: ٥ - ٨ ((وغَرَضِي أن أقرُنَ بكل بيتٍ منها ما يتصل به من
الشعر، من قَبْلِهِ أو من بَعْدِه، فإنَّا رأينا كثيراً من المفسرين للأبياتِ المستشهَدِ بها، قد غَلِطوا
في معانيها، حين لم يَعلموا الأشعارَ التي وقعَتْ فيها، لأن البيت إذا انفرد احتمل تأويلاتٍ
كثيرة، ... وکقول من قال في قولِ الفرزدق:
وإنَّ الذي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتٍ كَسَاعٍ إلى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُها
إنَّ معنى (يَسْتَبِيلُها) يقولُ لها: ما بالُكِ؟)). انتهى. ومعنى (يَستَبِيلُها) أي يأخُذُ بولَهَا
في يده أو يَطْلُبُ منها أن تبولَ في يده !! وهذا الذي حَذَّرَ منه ونبّه إليه الإمامُ ابن السِّيْد، قد
وقع فيه هو والإِمامُ الجَوَالِيقي في شرحهما لبيتِ الأعشى، إذ لم يَستحضيرا البيتَ الرابعَ
المذكورَ كما سَبَق بيانُه، فقالا ما لا يُرتَضى في تفسير معنى البيت، كما رأيت، والله أعلم.
ومعذرةً من سعة هذه التتمة وطولها، فقد جَرِّ الكلامُ بعضُه بعضاً لاستكماله.
يقول عبد الفتاح أبو غدة: فَرغتُ بفضل اللّهِ وتوفيقِهِ
من خدمةِ هذه الرسالة أصيلَ يوم السبت العاشرِ من
جمادى الأولى سنة ١٤١٠ بمدينة الرياض، والحمد لله رب العالمين.

بقيةٌ تُضافُ إلى التعليقة بآخر الصفحة ١٠٦
وأعجَبُ من هذا الذي ذكرته عن السماعات، في بعض الأجزاء وبعض الكتب
المطبوعة الجديرة بالاهتمام والدراسة: السماعات التي وقفت عليها في نسخةٍ من ((سنن
ابن ماجه))، فقد أطلعني الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في صورةٍ نسخةٍ مخطوطةٍ
نفيسة جداً لديه، من كتاب ((سنن ابن ماجه)) رحمه الله تعالى، محفوظةٍ بدار الكتب المصرية
بالقاهرة، برقم ٥٢٢ حديث تيمور، في مجلدين، والجزء الأول منها في ٥٦٤ صَفْحَة،
والثاني في ٤٦٣ صَفْحَة، وهي مجزَّةً إلى سبعةَ عَشَر جزءاً.
وكلُّها بخط الإِمام الفقيه ابنِ قُدَامة المَقْدِسي الحنبلي: موفّق الدين أبي محمد
عبد الله بن أحمد بن محمد بن قُدَامة الجَمَّاعِيْلي المقدسي ثم الدمشقي، صاحبٍ كتاب
((المغني)) وغيره من كتب فقه السادة الحنابلة، المولود سنة ٥٤١، والمتوفى سنة ٦٢٠ رحمه الله
تعالى.
كتبها في حدود سنة ٥٦٠، وقُرئت عليه في سنة ٥٦٩، ثم قرئت على كبار المحدِّثين
الحفاظ في القرن السابع والثامن والتاسع، وطافَتْ بلداناً كثيرة وفي آخر كل جزء منها
سماعاتٌ كثيرة على شيوخ الحديث المتقِنين الضابطين، كالحافظ اليُونِيني والمِّي والذهبي
وهذه الطبقةِ الرفيعة الشأنِ وأمثالها، من المحدِّثين إلى القرن التاسع كالبرهان الحلبي محدِّثٍ
حلب وسواهم.
وتَبلُغُ السماعاتُ في كل جزء منها نحوَ عشر صفحات إلى أكثرَ من اثنتي عشرة صفحة
من المخطوطة، فَيَبلُغُ مجموعُ السماعاتِ في المخطوطة نحوَ ١٧٠ صفحة، وكلُّها بالخط
الناعم الدقيق، مع امتلاء حواشي الصفحات وأطرافها المستديرة بالسماعات، مما يُقدَّرُ أن
تَبلُغَ صفحاتُ سماعاتٍ كل جزءٍ منها نحوَ خمسين صفحة أو أكثر، من صفحات كتبنا
المعهودة اليوم، وأن يؤلَّفَ من مجموع السماعات كلُّها مجلَّدٌ كبيرٌ مستقل بذاته.
وهذه النسخة النفيسة الممتازة جديرةٌ أن تُدْرَس سماعاتُها في قسم الدراسات العليا
١٦٠

الجامعية، وتؤلَّفَ فيها رسالةً جامعية يقوم بها بعضُ الطلبة النابهين، كسائر الرسائل العلمية
التي تكتّبُ تحت إشراف الأساتذة، لإحراز درجة علمية، فهي - أي تلك السماعات -
نموذج نادر، جامع للفرائد والفوائد الغالية التي لا توجد إلا في مثل هذه السماعات.
وهذا الجانب العلمي الحديثي الهام، كانت عناية المحدثين السابقين له في الذروة،
لأنه يُعرَفُ به مقدارُ المستوى العلمي والثقةِ والضبطِ للناقلِ والمنقولِ عنه والمنقول، فالحِفاظُ
عليه وإيلاؤه العنايةَ والدرسَ، من أهم ما تتوجُّهُ إليه الهِمَمُ في النَّشْطَةِ الحديثِيَّةِ المشهودة،
التي تقوم - بحمد الله تعالى - في صفوفٍ الطلبة الجامعيين وغير الجامعيين الدارسين
للحديث الشريف(١)، كَثّر الله سوادَهم، وزيَّن بأهل العلمِ والفهمِ والعملِ والأدبِ منهم
دیارهم وبلادهم.
ومن قراءة سماعات سنن ابن ماجه هذه وأمثالها ودراستها، يتجلّى لنا حِرصُ آبائنا
السابقين: شيوخاً وطلاباً، رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، بنين وبناتٍ، أحراراً ومملوکین،
على تحصيل العلم وحضور مجالس الحديث الشريف، واغتراف كل واحدٍ منهم، من ذلك
العلم والمجلس بقَدْر إنائه.
(١) ومما ينبغي الوقوفُ عليه في دراسة السماعات وما يتصل بها: كتابُ («عنايةُ المحدِّثين
بتوثيق الّرْويَّات وأثّرُ ذلك في تحقيق المخطوطات)) للأخ الفاضل العلامة فضيلة الشيخ الدكتور أحمد
محمد نور سيف، المطبوع بدمشق سنة ١٤٠٧ .
١٦١

بقية تضاف إلى التعليقة بآخر الصفحة ١٣٠ - ١٣١
وهذا سماعٌ لكتابٍ سمعه الشيوخُ المحدثون الكبار على محدِّثةٍ فاضلة، وحَضَرَ معهم
مجلسَ السماع طفلٌ في الثالثة من عمره، وحَصَل له نكدّ وصُراغٌ كما يَعرِضُ للصغير،
فسُجِّلَ في السماع، وهذا من الطرائف التي تدلُّ على تسجيل كلِّ عارضٍ وملابسٍ تقِعُ في
مجلس السماع.
جاء في سماعات كتاب ((مَشْيَخَة النَّعَّال البغداديِّ)) صائنٍ الدين بن الأنجب، المولود
سنة ٥٧٥، والمتوفى سنة ٦٥٩ رحمه الله تعالى، ما نصه:
(سَمِعَ جميعَ هذه المشيخة على الأصيلةِ أمِّ الفضل هاجَرَ بنتِ المحدِّث شرفِ الدين
محمدٍ بن أبي بكر القُدسي، بسماعِها ( ... ) قراءةٌ، بقراءةِ الإِمام جمال الدين يوسف بن
شاهين الكَرَكي سِبطِ الحافظ ابن حجر، الجماعةُ :
الفقيهُ زين الدين عبدُ الرحيم ابنُ العلامة برهان الدين إبراهيم بن حَجَّاجِ الأَبْنَاسي
المصري، وشمسُ الدين محمد بن خليل بن أحمد الحسيني سكناً المصري، وأبو إسحاق
إبراهيمُ ابن أبي بكر محمد المقدسي الحنبلي، والفقيه محب الدين أبو الفضل محمد بن
أحمد بن محمد بن (جناد) الحنبلي أيضاً، وشمس الدين محمد بن علي بن إسماعيل القُدسي،
ومحمدُ بن عمر بن محمد بن عَزْم التميمي نزيلُ مكة والخطُّ له.
وأبو الفضل أحمدُ ابنُ المحدِّثِ شمس الدين محمدٍ بن عبد الرحمن السخاويُّ حَاضِراً
في الثالثة، وحامِلتُهُ عوضُ الله جاريةُ والدتِهِ سَوْدَاء، وحَصَل لأحمَدَ في آخر السماعِ ما يَعرِضُ
للصبيان من النُّكَدِ والبكاءِ والصُّراخ بأعلى صوته، فكانت المذكورةُ معه تُلاهِيه خارج
الموضع الذي به السّماع، بحيثُ يَسمَعانِ - إن شاء الله تعالى - لو سَكَتَ يَعلمُ ذلك،
ومُباركُ فتى المُسَمِّعَة .
وسَمِعَ من أول الشيخ العاشر إلى آخرها الشهاب أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم
الصالحي أخو صاحبنا شمس الدين محمد الكتبي .
وصَحَّ وثَبَتَ في يوم الأربعاء ثامن شهر رمضان سنة سبع وخمسين وثمان مئة، بمنزل
المُسَمِّعةِ بين السُّورَينِ تجاهَ باب جامع المغربي من القاهرة المُعِزِّية)».
١٦٢