Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨٣ بَسْمِ اللهُالرَّحْمِ الرََّّةِ صَفْحَةٌ مُشْرِقَةٌ مِنْتَاسِيجِ سَمَاعِ الحَديث عِندَالُحُدُّثين (١) مَدْخَلٌ للموضوع : الحمدُ للَّهِ رَبِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمد سيدِ الأنبياء والمرسلين، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجمعين، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. وبعدُ، قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(٢). وجاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم - فيما رَوَى أبو داود، والترمذيُّ، وابنُ ماجَهْ، والدارمِيُّ، في ((سُنَتِهم))(٣)، واللفظُ هنا لأبي داود ، عن المقدام بن (١) كان أصلُ هذا الموضوع محاضرة ألقيتُها على طلاب الدراسات العليا، في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، في قاعة المحاضرات الكبرى بكلية الشريعة بالرياض، مساء يوم الاثنين ليلة الثلاثاء ١٣٩٩/٥/١٩. (٢) من سورة الحِجْر، الآية ٩. (٣) أبو داود في كتاب السُّنَّة من («سُنَنه)»، في (بابٌ في لزوم السُّنَّة) ٤: ٢٧٩، وفي كتاب الأطعمة، في (باب النهي عن أكلِ السُّباع) ٣: ٤٨٦. والترمذيُّ في أبواب العلم، في (باب ما نُبِيَ عنه أن يقال عند حديثٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم) ٤: ١٤٥. وابنُ ماجَهْ في مقدمة ((سننه))، في (باب تعظيم حديثٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم = ..-...... ٨٤ مَعْدِيٍ كَرِبَ رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - ((أَلَ إني أُوتِيتُ الكِتابَ ومِثْلَهُ مَعَه. أَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ(١)، على أَرِيكَتِهِ (٢) يقولُ: عليكم بهذا القُرآن، فما وجدتُم فيه من حَلَالٍ فَأَحِلُّوه، وما وجدتُم فيه من حَرَامٍ فحَرِّمُوه. أَلَا لا يَجِلُّ لكم الحِمارُ الْأَهْلِيُّ(٣)، ولا كُلُّ دِي نَابٍ من السَّبُع(٤)، ولا كلُّ = والتغليظِ على مَنْ عارَضَهُ) ٦:١، والدارميُّ في (باب السنةُ قاضِيةٌ على الكتاب) ١١٧:١. قال الترمذي: هذا حديثٌ غريب من هذا الوجه. انتهى. كذا في بعض نُسَخِ الترمذي، وفي بعضها: هذا حديثٌ حسَنٌ غريب. وقال الحافظ المنذري في ((مختصر سنن أبي داود) ٩:٧ ((وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسَنّ غريب من هذا الوجه. وحديثُ أبي داود أتمُّ من حديث الترمذي وابن ماجه)). (١) هذا كناية عن البلادةِ وسوءِ الفَهْمِ الناشىءٍ عن الشِّبَعِ، أو عن الحَمَاقةِ اللازمةِ للتنعُمِ والغُرُورِ بالمالِ والجاهِ عند بعض الناس. (٢) هي: السَّرِيْرُ المزيّنُ بالْحُلَل والأثواب. والمرادُ بهذا: أصحابُ الترقُّهِ والدَّعَةِ، الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلمَ من مَظَانُّه، فَبَقُوا في الجهل، ولهذا تَصدُرُ عنهم هذه المقالةُ الشنيعة. يُحذِّرُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم بهذا من ترك السُّنَنِ التِي سَنَّها، مما ليس له في القرآن ذِكر، وذَكَر لهذا بعضَ الأمثلة مما شَرَعَه الله تعالى وليس مذكوراً في القرآن. (٣) هذا بيانٌ لطَرَفٍ من قِسمِ الأحكام التي ثبَتَتْ بالسنة، وليس لها ذكرٌ في القرآن، على سبيل التمثيل لا التحديد. قال في ((لسان العرب)) في (أهل): ((في الحديث: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن أكلِ لُومِ الحُمُرِ الأهلية. هي الحمرُ التي تألَفُ البيوتَ ولها أصحاب، وهي مِثلُ الإِنسِيَةً ضِدُّ الوَحْشِيَّة. وكلُّ شيء من الدوابِّ وغيرها أَلِفَ المنازلَ: أَهْلِيٌّ، وكذلك قيل لِمَا أَلِفَ الناسَ والقُرَى: أَهْلِيٍّ، ولمَا اسْتَوْحَشَ: بَرِّيَّ وَوَخْشِيَّ كالحِمارِ الوَحْشِيُّ)). انتهى. والحِمارُ الأهلِيُّ نَحرّمُ أكلُه، لهذا الحديثِ، ولحديثِ أنسٍ. وفيه قولُهُ صلى الله عليه وسلم: ((فإنّا رِجْسٌ)). رواه البخاري ٩: ٦٥٤، في (باب لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّة). والحمار الوَحْشِيُّ حلالٌ أكلُهُ بالإجماع. (٤) أي من السِّبَاعِ. وهي سِباعُ الوحوش كالأسَد والذئب والفهد والنمر وغيرها. ٨٥ ذِي ◌ْلَبِ منَ الطَّيْرِ (١)، ولا لُقَطَةُ مُعَاهَدَ(٢)، إلاّ أن يستغنيَ عنها صاحبُها(٣)، ومَنْ نَزَل بقومٍ فعليهم أن يَقْرُوهُ(٤)، فإنْ لم يَقْرُوهُ فلَهُ أن يُعقِبَهِم بِمِثْلٍ قِرَاهُ(٥)). أفاد هذا الحديثُ الشريفُ أنَّ ما أوتِيَّهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من (١) المِخْلَبُ هو ظُفُرُ ما يَصيدُ من الطير. ولكل طائر من الجوارحِ نِغْلَب كالصقر والشاهين والباز وغيرها من الطيور التي تَصِيد. (٢) اللُّقَطَّةُ: ما ضاع من شخصٍ بسقوط أو غفلة. فإذا التَقَطها إنسانٌ فهي أمانَةٌ في يده تُردُّ لصاحبها إذا عُرِفَ، وإن لم يُعرَفَ تُرَد إلى بيتِ مالِ المسلمين، أو يُخْرِجْها لاقطُها بنيَّةِ الصدقةِ عن صاحبها، وهذا الحكمُ واحدٌ في لُقَطِ المُسْلِم أو الذُّميِّ أو المعاهِد، وإنما خَصِّ بالذكر المعاهِد لأنَّ النفسَ ربما تتساهَلُ في لقطتِهِ لكونِهِ كافراً حَرْبياً . والمُعاهِدُ بكسر الهاء اسمُ فاعل، وبفتح الهاء اسمُ مفعول، قال في ((المصباح المنير) في (عهد): ((العَهْدُ: الأمانُ والمَوْثِقُ والذِّمَّةُ، ومنه قيل للكافرِ الحربيِّ يَدخُلُ دارَ الإسلامِ بالأمانِ: مُعاهِد، بالبناءِ للفاعل، ومُعاهَد، بالبناء للمفعول، لأن الفعل من اثنين، فكلّ واحدٍ يَفعلُ بصاحبه مِثلَ ما يَفعلُهُ صاحبُهُ به، فكلُّ واحدٍ في المعنى فاعلٌ ومفعول، وهذا كما يقال: مكاتِب ومُكاتَب، ومُضارِب ومُضارَب، وما أشبه ذلك)). (٣) أي يتركّها لمن أخَذَها استغناءً عنها، أو كانت شيئاً حقيراً يُعلَمُ بأنَّ صاحبَهُ لا يَطلبه، فيجوزُ الانتفاعُ به .. (٤) بفتح الياء وضم الراء، أي يضيفوه، من قَرَيْتُ الضيفَ قِرِىٌ بالكسرِ والقَصْرِ، إذا أحسنتَ إليه، وهذا القِرَى الواجبُ على المقيم للضيفِ النازل عليه، إنما هو في المضطر الذي لا يجد طعاماً ويخافُ على نفسِهِ التلف. وهذا كان في بدء الإِسلام حين كان المسافر يمر في طريقه بأحياء العرب، وليس هناك سُوقٌ يشتري منه الطعام، ولا معه زاد، فأوجّبَ عليهم ضيافتهُ لئلا يَهلِك أو ينقطعَ في الطريق. (٥) قوله: فَلَهُ أن يُعْقِبَهم، بضم الياء وسكون العين وكسر القاف من الإعقاب، ويُروَى: يُعَقِّبَهم، بضم الياء وفتح العين وكسر القاف المشدَّدة من التعقيب، أي يَسُوغ له أن يُجَازِيَهم بأن يأخذ منهم عِوَضاً عما حَرَمُوه من القِرَى. وهذا في المضطر كما تقدم. ثم انتفى هذا الحكم بانتفاء الاضطرار، وذلك بتسهيل السبل ووجود المنازل والفنادق والمطاعم والمآکل لکل وارد وصادر. ٨٦ القرآن هو من عند الله تعالى، كما أنَّ ما أُوتِيَّهُ من السُّنَّةِ هو من عند الله تعالى أيضاً، وعلى مِثْلِيَّةِ القرآنِ الكريمِ في حفظِ الله تعالى له، وعلى مثليّتِهِ في شأن الحُجِيَّةِ وتشريع الأحكام، وفي لزومِ اتّباعِهِ والعَمَلِ به، وإن كان القرآنُ يَمتازُ عن السنة بمزايا وخصائصَ كثيرة. وهذا الحديثُ من جملة الأدلةِ الكثيرة في الكتاب والسنة وأقوال السلف، الدَّالَّةِ على تأصيلِ السنة في التشريع(١)، وإذ كان كذلك فَيَدخُلُ حديثُ النبي صلى الله عليه وسلم في تعهُّدِ الله سبحانه بالحفظِ له أيضاً، ذلك بأنه قال جَلَّ شأنه: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلْنا الذكرَ وإِنَّا له لحَافِظُون﴾(٢). قال أستاذُنا المحقّقُ الإِمامُ، خاتمةُ شيوخ الإِسلام في الدولة العثمانية، شیخُ الإِسلام مصطفى صبري التَّوْقَادي رحمه الله تعالى، في كتابه الفَذّ العُجاب، الذي وُصِفَ حين صدورِهِ بأنه (كتابُ القَرْنِ الرابعَ عَشَر): ((مَوقِفُ العقل والعلم والعالم من رَبِّ العالمین وعِبادِهِ المرسلِین»(٣)، ما يلي: ((وكونُ نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، يقتضي أن يكونَ جامعَ الفضائل ومتممّ مكارمِ الأخلاق، وأن تكون تلك الفضائلُ الجامعةُ والمكارمُ الشاملة مأثورةٌ عنه محفوظة، إذ لا يأتي بعدَهُ نبيِّ آخَرُ يُتمُّها ويُصلِحُ ما فَسَد منها، فيلزمُ أن يكون نبُّنا صلى الله عليه وسلم ممتازاً على أسلافِهِ الكرام، بِجَمْع أسبابِ العَظَمةِ في نفسِه، وانتقالِ أنبائِهِ وأحاديثِهِ محفوظةً بحفظِ الله تعالى (١) وحَبَّذا لو قامَ عالم مُدَقَّقٌ فجَمَع تلك الأحكامَ المستقِلُّ ثبوتُها بالسنة المطهرة مع نصوصِها، في كتاب، ليتجلّى هذا الأمرُ الهامُّ عند من يجهله أو ينكره من الناس في هذا العصر! ولأستاذنا العلامة المحقق الشيخ عبد الغني عبد الخالق رحمه الله تعالى، كتابُ (حُجِيَّةُ السُّنَّة))، شَفَى وَكَفَى وأربى على الغاية في موضوع حُجِيَّةِ السُّنّة، فجزاه الله خيراً. ومما ينبغي الوقوفُ عليه لبيان موقِع (السُّنّةِ) من الكتابِ الكريم، وموقعِ (السُّنَّةِ) من حياة المسلم وسلوكِهِ في المجتمع: كتابُ ((الإِسلامُ على مُفْتَرَقِ الطَّرُق)) للمفكّر الإسلامي الكبير الأستاذ محمد أَسَد النُّمْسَوِي المهتدي، فانظر منه لِزاماً فصلَ (الحديثُ والسُّنَّة) وفصلَ (رُوحُ السُّنَّة) في ص ٨٧ - ١١٠، فإنه ــ والكتابُ نَفْسُهُ ــ فريدٌ في موضوعه. (٢) من سورة الحِجْر، الآية ٩. (٣) ٤ :٥٨. ٨٧ إلى أُمَّتِهِ التي بُعِثَ إليها، وهي كافّةُ الناسِ الموجودين فيما بين بعثتِهِ وقيامِ الساعة. وليس في القرآن ذكرُ سِيرتِهِ وسُنَّتِهِ ولو بقَدْرٍ ما في الكتب المقدَّسَة القديمة، من أنباءِ الأنبياء الذين نَزَلَتْ عليهم تلك الكتب(١)، فلَزِمَ أن تكون سُنَّتُهُ محفوظةٌ بحفظٍ مستقلٍ كما حُفِظَ كتابُه، وقد كانت كذلك بفضلِ الله وبحَمْدِه، فالآن وفي كل زمانٍ من حقِّ الإِسلام أن يُباهِيَ جميعَ الأديانِ بحفظِ كتابِهِ وسُنَّتِهِ . ولئن دَخَلَتْ في الأحاديثِ موضوعاتٌ فما لَبِثَ علماءُ الحديث ونُقَّادُهُ أن تعقّبوها، وتَعرَّفوها وميَّزُوها عن الصحيح الثابت، وليس في الذين أثاروا الشكّ في السُّنّةِ من المستشرقين ومُقلِّديهم من المسلمين العصريين، بحُجَّةٍ وجودِ الأحاديثِ الموضوعة، أحَدَ وَجَدَ حديثاً موضوعاً بتعقيبٍ وتدقيقٍ من عندِ نفسِه، غيرَ ما وجَدَهُ علماء الإسلام المتقدِّمون». انتهى . وقال الإِمامُ ابنُ حزم رحمه الله تعالى، في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام)) (٢): ((قال الله عَزَّ وجل عن نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿وما يَنطِقُ عن الحَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُؤْحَى﴾(٣)، وقال تعالى آمِراً لِنبِّهِ عليه الصلاة والسلام أن يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوْحَى إليَّ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزِّلنا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَخَافِظُون﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿لِتُبِينٌ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إليهم﴾(٦). فصَحَّ أن كلامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّهُ في الدِّينِ، وَحْيٌ من عند الله عَزَّ وجل، لا شك في ذلك. (١) يريدُ شيخُنا أن (السيرة النبوية)، لم تُعرَض في القرآن كما عُرِضَتْ في السنّة: شمولاً وتبييناً ذاتيةً وعامَّةً، نعم جاء في القرآن صُوَرٌ - في بعض المناسبات - تتصلُ في الجملة بالنبيِّ وتعامُلِ خصوم الدعوةِ والإِسلامِ من المشركين واليهود والنصارى معه، وفي هذا ألَّفَ الأستاذ محمد عِزَّة دَرْوَزَة كتابَهُ (سِيرةُ الرسولِ﴾ُ صُوَرٌ مقتبسةٌ من القرآن الكريم)). (٢) ١ : ١٢١. (٣) من سورة النجم، الآية ٣ و ٤. (٤) من سورة الأحقاف، الآية ٩. (٥) من سورة الحجرْ، الآية ٩. (٦) من سورة النَّحْل، الآية ٤٤. ٨٨ ولا خلاف بين أحدٍ من أهل اللغةِ والشريعة، في أنَّ كلَّ وَخِيٍ نَزَلَ من عند الله تعالى فهو ذِكرٌ مُنْزَل، فالوَحْيُ كلُّهُ محفوظٌ بحفظ الله تعالى له بیقین، وكلّ ما تكفَّلَ الله بحفظِهِ فمضمونٌ أن لا يَضِيعَ منه وأن لا يُحرَّفَ منه شيءٌ أبداً تحريفاً لا يأتي البيانُ بُبُطلانِهِ، إذْ لو جاز غيرُ ذلك لكان كلامُ الله تعالى كَذِباً، وضَمَانُهُ خائِسَاً، وهذا لا يَخْطُرُ ببالِ ذي مُسْكَةٍ عَقْل، فوجَبَ أنَّ الدِّينَ الذِي أَتَانا به محمدٌ صلى الله عليه وسلم محفوظٌ بتولّى اللَّهِ تعالى حِفْظَهِ، مُبلَّغْ كما هو إلى كلِّ من طَلَبَهُ ممن يأتي، إلى انقضاءِ الدنيا، قال تعالى: ﴿لَإِنْذِرَكُمْ بِه ومَنْ بَلَغَ﴾(١). فإذْ ذلك كذلك فبالضرورة ندري أنه لا سبيلَ آلبَتَّةَ إلى ضياع شيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدِّين، ولا سبيل البتَّةَ إلى أن يختلِط به باطلٌ موضوعٌ اختلاطاً لا يتميّزُ عِندَ أحَدٍ من الناس بيقين، إذْ لو جاز ذلك لكان الذکرُ غيرَ محفوظ، ولكان قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾، كَذِباً ووَعْداً مُخْلَفاً، وهذا لا يقوله مسلم. فإنَّ قال قائل: إنما عَنِىَ اللَّهُ تعالى بذلك القرآنَ وَحْدَه، فهو الذي ضَمِنَ الله تعالى حِفْظَه، لا سائرَ الوحي الذي ليس قرآناً، قلنا له: هذه دعوى مُجرِّدةٌ عن البرهان، وتخصيصٌ للذكر بلا دليل، والذكرُ اسمُ واقع على كل ما أَنزل الله على نبيِّه صلى الله عليه وسلم، من قرآنٍ أو من سُنَّةٍ وَحْي يُبِينٌ بها القرآن، وأيضاً فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنْزَلْنا إليكَ الذِّكْرَ لِتُبينَ لِلنَّاسِ مَا نُزَّلَ إليهم﴾(٢). فصَحَّ أنه عليه الصلاة والسلام مأمورٌ ببيان القرآن للناس، وفي القرآن مُجْمَلٌ كثيرٌ كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك، مما لا نعلمُ ما ألزَمَنا الله تعالى فيه (١) من سورة الأنعام، الآية ١٩. (٢) من سورة النحل، الآية ٤٤. ٨٩ بلفظِهِ، لكن ببيانِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان بيانُهُ عليه السلام لذلك المجمّل غيرَ محفوظٍ ولا مضمونٍ سلامتُهُ مما ليس منه، فقد بَطَلَ الانتفاعُ بنَصِّ القرآن، فبطلَتْ أكثرُ الشرائع المفتَرَضَةِ علينا فيه)). انتهى . فالحفظُ الذي ينسحب على كتاب الله وكلامِهِ: القرآنِ الكريم، ينسحب أيضاً على السنة المطهرةِ وحديثٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا واقعٍ ولا ريب، وإن أثار الأعداءُ: الشكوكَ والشبهاتِ حولَ السُّنَّةِ في كل عصر، فإنّ الحقَّ له أعداءٌ لا يَفتأون عن حربه وإثارةِ الغُبار حوله في كل زمان ومكان ما استطاعوا. وحفظُ السُّنَّة - التي جاءَتْ مفسِّرةً لكتاب الله تعالى، ومُوضِّحةٌ لأحكامِه، ومُتَمِّمةً لبيانِ الشريعةِ المطهرة - كان بنَقْلِها بالإِسنادِ وبالعدولِ الثقاتٍ عن الثقات. والإِسنادُ هو قولُ المحدِّث: حدثنا فلان، قال حدثنا فلان، قال حدثنا فلان، عن فلان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. كقول الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى، في (صحيحه))(١): ((حدثنا محمدُ بنُ المُثْنِّى و- محمد - بنُ بَشَّار، قالا حدثنا محمدُ بنُ جعفر، قال حدثنا شُعبةُ، قال: سمعتُ قَتَادَةَ يُحدِّثُ عِن أَنَسِ بنِ مالك(٢)، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يُؤْمِنُ أحدُكم حتى يُحِبُّ لأخيه(٣) أو قالَ . (١) في كتاب الإيمان، في الباب الذي عَنْوَنَهُ الإِمامُ النوويُّ رحمه الله تعالى بقوله: (بابُ الدليل على أنَّ من خِصالِ الإِيمان أن يُحِبُّ لأخيه المسلم ما يُحبُّ لنفسِهِ من الخير) ١٦:٢ بشرح النووي. (٢) رجالُ هذا الإِسناد من محمدِ بن المثنى وابنٍ بشار حتى أنسِ بنِ مالك كلُّهم بصریون. (٣) أي من الخير كما جاء في رواية الحافظ الإسماعيلي لهذا الحديث. قال الحافظ ابن حجر: ((والخيرُ كلمةً جامعةٌ تَعُمُّ الطاعاتِ، والمباحاتِ، الدنيوية والأخروية، وتُخرِجُ = ٩٠ لجارِهِ(١): ما يُحِبُّ لنفسِه))(٢). وكذلك الإسنادُ فيما لیس بحديثٍ نبوي، كان يُنقَلَ کلامُ صحابي، کقولِ الإمام مالك رضي الله عنه في أوَّل ((الموطأ))(٣): من رواية يحيى بن يحيى الليثيِّ قالَ ((حدَّثني مالك، عن نافع مولى عبدِ الله بن عمر، أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه(٤)، كَتَب إلى عُمَّالِهِ: إنَّ أهمِّ أمرِكم عندي الصلاة، فمن = المنهيَّاتِ، لأنْ اسمَ الخير لا يتناولها. والمحبّةُ إرادةُ ما يعتقده خيراً. قال النووي: المحبة الميلُ إلى ما يُوافقُ المحِبَّ وقَد تكون بَحَواسِّهِ كحُسنِ الصورة، أو بفعلِهِ إمّا لذاته كالفضلِ والكمال، وإما لإحسانه كجَلْبٍ نفعٍ أو دفعٍ ضَرَر. انتهى ملخصاً. والمرادُ بالميل هنا: الاختياريُّ، دون الطبيعي والقَسْري)). انتهى كلامُ الحافظ ابن حجر. قال العلامة القسطلاني في ((إرشاد الساري) ٩٦:١ ((ويَحتمِلُ أن يكون قوله: (لأخيه)، شاملاً للذميّ أيضاً بأن يُحبُّ له الإسلام)». انتهى. وقال العلامة ابنُ حجر الهَيْتَمِي في ((الفتح المبين بشرح الأربعين)) ص ١٤٦ ((الظاهرُ أن التعبير بالأخ هنا جَرَى على الغالب، لأنه ينبغي لكل مسلم أن يُحبُّ للكافرِ الإِسلامَ وما يَتَفرِّعُ عليه من الكمالات)». (١) قال الإمام النووي: ((هكذا هو في ((صحيح مسلم)): (لأخيهِ أو لجارِهِ) على الشك. وكذا هو في (مسند عَبْدٍ بن محُميد)) على الشك، وهو في ((البخاري)) ١ : ٥٦، وغيره: (لأخيه) من غير شك. قال العلماء رحمهم الله: معناه لا يؤمنُ الإِيمانَ التام، وإلا فأصَلُ الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة)). انتهى. قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) ١ : ٥٧ ((ونفيُ اسم الشيء ـ على معنى نفي الكمالِ عنه - مستفيضٌ في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان)». (٢) أي من الخير، كما تقدم. (٣) في (باب وُقُوتِ الصلاة) ١: ٢٤ بشرح السيوطي، المسمى ((تنوير الحوالك على موطأ مالك». (٤) قال الحافظ السيوطي في ((تنوير الحوالك)) ١: ٢٤ ((هذا منقطع، فإن نافعاً لم يَلقَ عمر». ٩١ حَفِظَها(١) وحافَظَ عليها(٢) حَفِظَ دِينَه، ومن ضيِّعَها فهو لما سِواها أَضْيَعُ(٣)). وكذلك الإِسنادُ فيما يُنقَلُ من كلام التابعي، كما رَوَى الإِمام مسلم في مقدمة ((صحيحه))(٤)، عن التابعي الجليل محمد بن سيرين البصري، الإمام المعروف المتوفى سنة ١١٠ رحمه الله تعالى، قال مسلم: ((حَدَّثنا ◌َخْلَدُ بن حُسَين، عن هشام - بن حَسَّان القُرْدُوسِيّ -، عن محمد بن سِيرين قال: إنَّ هذا العِلْمَ دین، فانظروا عمن تأخذون دينكم)». وكما رَوَی الحافظ ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله)»(٥)، في (باب ذكر الدليلِ في أقاويلِ السلف على أنَّ الاختلافَ خطأً وصوابٌ)، عن التابعي الجليل مجاهد بن جَبْرِ المكي، المتوفى سنة ١٠٤ رحمه الله تعالى، قال: ((حدثنا عبد الرحمن بنُ يحيى، قال حدثنا علي بن محمد، قال حدثنا أحمد بن داود ، قال حدثنا سحنون بنُ سعید، قال حدثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، قال سمعت سفيان - بنَ عيينة - يُحدِّثُ عن عبد الكريم - بنِ مالك الجَزّري -، عن (١) أي أتى بها تامة في وضوئها وأوقاتها وما يتوقف على صحتها من شروطها ورکوعها وسجودها وسائر أركانها. (٢) أي سارَعَ إلى فعلها في وقتها وداوَمَ على ذلك. (٣) قال العلامة الباجي في ((المنتقى)) شرح الموطأ ١١:١ ((أضْيَعُ على مِثالِ (أَفْعَل) في المُفاضلةِ من الرّباعي، وهو قليل، واللغةُ المشهورةُ في ذلك: فهو لما سِوَاها أشدُّ تضييعاً، وحكى السِّيْرافيُّ عن سيبويه أنه يَرى جوازَ التعجبِ والمُفاضلةِ بلفظِ (أُفعَلَ) في الرُّباعي، فيقال: ما أيسَرَ زيداً، من اليسار. وما أسرَفَهُ، من السَّرَف. وزيدٌ أَفْلَسُ من عَمْرو)). انتهى. فمعنى قوله: ((فهو لما سواها أضيع)): أنه إذا أضاع الصلاة التي هي ركنْ من أركان الدينِ والإِسلام، فهو لِسواها من المأموراتِ أسرَعُ إضاعة. (٤) ١ : ٨٤ بشرح النووي. (٥) ١١٢:٢ من طبعة دار الفكر بدمشق دون تاريخ. ٩٢ مجاهدٍ أنه قال: ليس أحَدٌ بعدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو يُؤْخَذُ من قولِهِ ويُتْرَكُ(١). وكما رَوَى الإِمامُ عبدُ الله بنُ المبارك في كتاب ((الزهد))له(٢)، عن التابعي الجليل بلال بن سعد الأشعري الدمشقي، شيخ أهل دمشق، وأَحَدِ الثقات الزهاد، والعلماء العُبَّاد، المتوفى بحدود سنة ١٢٠ رحمه الله تعالى، قال ابنُ المبارك: ((أخبرنا الأوزاعيُّ، قال: سمعتُ بلالَ بنَ سَعْدٍ يقول: زاهدُكم راغب، ومجتهدُكم مُقَصِرٌ، وعلِلُكُم جاهِل، وجاهِلُكم مُغْتّ)). وكما رَوَى الإِمامُ مسلم أيضاً في مقدمة ((صحيحه))(٣) عن تابعِ التابعين عبدِ الله بنِ المبارك المَرْوَزِي رحمه الله تعالى، قال مسلم: ((حدَّثني محمدُ بنُ عَبْدِ الله بن قُهْزَاذَ من أهل مَرْو، قال سمعتُ عبدَانَ بنَ عثمان يقول: سمعتُ عبدَ الله بنَ المبارك يقول: الإِسنادُ من الدِّين، ولولا الإِسنادُ لقال من شاء: ما شاء)». فهذه الأقوالُ المنقولة، كلُّ واحدٍ منها خَبَرٌّ نُقِلَ بالسَّنَّد أو الإِسناد، كما نُقِلَ حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحديثُ الشريفُ نُقِلَ بالسند، لأنه أصلّ من أصول الدين ((ألا إني أُوتِيتُ الكتابَ ومثلَهُ معه))(٤)، وكذلك كلام الصحابة رضي الله عنهم نُقِلَ بالسند، لأنه فَهْمٌ للدين، وعَمَلٌ به، وتفسيرٌ له من أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم بكلامِهِ وهَذِه. وکذلك کلامُ التابعين وتابعي التابعين نُقِلَ بالسند، لأنهم أعرفُ الناس بما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فكلُّ منقولٍ متوقّفٌ قبولُهُ أو رَدُّه (١) وهذه الكلمة مشهورة عن الإمام مالك، وهي لمجاهد بن جبر قبله . (٢) ص ٦٠. (٣) ١ :٨٧ . (٤) هذا أولُ الحديثِ الذي تقدُّمَ تخريجُه في ص ٨٣. ٩٣ من حيث النقلُ على السند، فإن صَحِّ السَّنَّدُ ثبَتَ نقلُ الخبر، وإن لم يصح انْتَفَى ثبوتُه، وبهذا الِسْبَار أو السِّبَارِ يُحاكَمُ كلُّ ما يُنقَل. فلذا وجدنا عند العلماء المتقدمين: هذا (السَّنَدَ) يَمْتَدُّ ويَتَسِعُ ويَتَصِلُ بكل عِلمٍ نُقِلَ إليهم، فما نُقِلَ من تفسيرِ لآياتِ القرآن كان بسند، وما نُقِلَ من حديثٍ نبوي كان بسند، وما نُقِلَ من تفسيرِ للحديث كان بسند أيضاً، وما نُقِلَ من أدب، أو شعرٍ، أو نثٍ، أو فقٍ، أو تاريخٍ ، أو لغةٍ: كان بسند أيضاً، بل أشدُّ منْ هذا: ما نُقِلَ من المُسَلِّيات أو المُضَّحِكات كأخبار الحَمْقَى والمغفلين، أو أخبارِ الأذكياءِ والنابهين: نُقِلَ بسندٍ أيضاً. فدُوْنَك مَثَلاً كُتُبَ الحافظِ أبي بكر الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، مِثلَ ((أخبارُ الظُّرَاف والمتماجنين))، و((أخبارُ البخلاء))، و((التطفيلُ وحكاياتُ الطَّفَيْلِّين وأخبارُهم، ونوادرُ كلامِهم وأشعارُهم))، وكُتُبَ الإِمام أبي الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى، مِثلَ ((أخبارُ الحَمْقَى والمُغفَّلِين))، و((أخبارُ الأذكياء))، و ((الحثّ على حِفْظِ العلم وذِكرُ كبارِ الحُفَّاظ))، وكثيراً أمثالها لغيرهما، كلُّها نُقِلَتْ أخبارُها بالسند(١). فتَرى المؤلِّفَ يَسُوقُ هناك سَنّداً طُولُهُ سطرانٍ أو ثلاثةُ أسطُرٍ أو دُونَها، من أجلِ كلمةٍ واحدةٍ صغيرةٍ ذاتٍ ثلاثةِ أحرف، صَدَرَتْ من متظَرِّفٍ أو ماجِنٍ أو أبلَهَ أو أحَقَ أو ذكيٍّ نابه، ليُثبِتَ بالسَّنَدِ أنها نُقِلَتْ عن قائلها، وقد يكونُ ذلك القائلُ المنقولةُ عنه تلك الكلمةُ مجنوناً، كما تراه في كتاب ((عقلاء المجانين)) لابن حبيب النيسابوري: أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، المتوفى سنة ٤٠٦ رحمه الله تعالى(٢). (١) وحُذِفَتْ الأسانيد في بعض الطبعات من هذه الكتب، اختصاراً من قِبَلِ الطابع . (٢) وكتابه ((عقلاء المجانين)) مطبوع بدمشق سنة ١٩٢٤. ٩٤ وقد ساق الحافظُ الخطيبُ البغدادي رحمه الله تعالى، في كتابه «التطفيلُ وحكاياتُ الطفيلِین وأخبارهم، ونوادرُ كلامهم وأشعارهم))(١)، في باب (ذكرُ ما يُسمّى به الطَّفَيْلِيُّ في الجاهلية): الخبرَ التّالي بسندِهِ لتفسير كلمةٍ واحدة فقط، قال: (أخبرنا عليّ بنُ أبي عليّ، حدثنا محمدُ بنُ عبد الرحيم المازني، أخبرنا ابنُ بُكَيْرِ، أخبرنا ابنُ قُتَيْبَة، قال: (الضَّيْفَنُ): الذي يَجِيءُ مع الضيفِ ولم يُذْعَ)). وقال فيه أيضاً(٢)، في (بابٌ في ذِكرٍ من طَفِّلَ من الأكابرِ والأشرافِ وأهلِ العلم والأدب): ((أخبرنا الحسَنُ بن الحُسَين بن العباس النَّعَّالي، أخبرنا أبو الفرج عليّ بن الحسين الأصبهاني، أخبَرَني أحمدُ بن عبد العزيز، حدَّثني الحسَنُ بن علي، حدِّثنا عليّ بن سعيد الكِنْدِيّ، قال: سَمِعتُ أبا بكر بنَ عَيَّاش يقول: حدّثَني من رأى ذَا الرِّمَّةِ - الشاعِرَ المشهور - طُفَيْلِيّاً يأتي العُرُسَات))(٣). انتهى. وأمثالُ هذين الخبرين - ما طال سَنَدُه وقَصُرُ مَثْنُهُ - كثيرٌ في الكتاب (١) ص ٦٥. (٢) ص ٩٨. (٣) العُرُساتُ: تَجْعُ عُرُس، وهو طعامُ الوليمةِ أي حفلة الزَّوَاجِ. وقد تفنِّن العربُ وفّرُّقوا في تسميةِ الطعام بحسب السِّبَب الداعي له، على اثنَيْ عَشَرَ اسماً، فقال بعضُ الفضلاء ناظماً لها: أَسَامِي الطَّعامِ اثنانٍ مِن بعدٍ عشرةٍ ببیان مقرونةٌ سأسْرُدُها عَقِيق٣ُ مولودٍ وَكِيرَةُ؛ باني وَليمةُ( عُرْسٍ ثم خُرْس٢ُ ولادةٍ عَذِيرة٧ُ أو إعذارُ يومٍ خِتانٍ وَضِيْمةُُ ذِي مَوْتٍ نَقِيعة٦ُ قادم. حِذاقُ صَغِيرِ يومَ خَتْم قُرَانٍ ومَأْدُبَةُ الْخُلَّنِ لَا سَبَبٌ لها قری١١ الضيف، مع نُزْلٍ ١٢ له بقِرانِ وعاشِرُها في النظمِ تُحفةُ ١٠ زائرٍ = ٩٥ المذكور وغيره. فانظر هذا الإمام الحافظ الخطيب، کیف ساق من أجلِ نقلِ الكلمةِ الواحدةِ: السطرين والثلاثة، مع أن الخبر ليس فيه أمرٌ ولا نهيٌ تكليفي، ولا حلال ولا حرام شرعي، وإنما هو من حكايات الأسمار. وقال الإِمام ابن الجوزي في مقدمة كتابه المسمَّى ((اللَّقَط في حكايات الصالحين» - مخطوط -: «وألّفتُ في هذا الكتاب من عيون الحكايات ما يزيد على خمس مئة حكاية، وأحببتُ أن تكون مسندة، فقد أنبأنا عليّ بنُ عُبَيْد الله، قال: سمعتُ عبدَ الله بن عطاء يقول: سمعت أبا القاسم عبدَ الله بن محمد بن سَلَمة يقول، سمعتُ أبا علي الحسَنَ بنَ أحمد يقول، سمعتُ أبا محمد أحمدَ بنَ محمد الأديبَ يقول، سمعتُ الأصمعيِّ يقول: الحِكايةُ كالثوبِ الوَشِيِ - أي المحسَّنِ المجمَّلِ بالألوانِ والنقوشِ والزخرفة -، والإسنادُ لها كالطّراز _ هو العَلَمُ للثوب يَزِيدُهُ جمالاً وزينة -)). فالسَّنَدُ عند السلف مِعيارُ ومِسْبارٌ للعلم المنقول قبولاً أو رداً، ولا يُقبَلُ علمٌ مروي إلا بسند، فهو شرطٌ مطلوب في كل علم يُنقَلُ لإِثباتِهِ أو نَفْسِهِ، وفي كل خبرٍ صغير أو كبير، طويلٍ أو قصير، وما القصدُ منه إلا تحقَّقُ الصدق في الخبر، وانتفاءُ الكذبِ عنه، وما يَتِمُّ هذا وذاك إلا بالسند. وقد شبَّهوه بتشابِيْهَ متعددة، كلُّها تُعرِّفُ بأهميتِهِ وعِظَم موقعِه، قال سفيان الثوري: الإِسنادُ سِلاحُ المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاحٌ فبأيِّ شيءٍ يُقاتِل؟! انتهى من ((النكت الوفية بما في شرح الألفية)) للحافظ البقاعي (مخطوط) من الورقة ٨٣، وقد شرحها بما يصلح أن يكون رسالة لطيفة مستقلة. وقال: ((ومعنى قولهِ: (لَا سَبَبٌ لها) أنها غيرُ مقيدة بسبب دون سبب، لا بمعنى أنها مقيدة بنفي السبب، فهي أعمُّ الكل، أي (المأذِّبَة) الاسمُ العامُ لجميع الطعام المدعوِّ إليه، وهي بضمّ الدال وفتحها. وقال في (القاموس)): الوليمةُ طعامُ العُرْسِ، أو كلُّ طعام صُنِعَ لدَعْوةٍ وغيرِها. وأَوْلَمَ: صَنَعَها)). انتهى كلامُ الحافظ البقاعي. ٩٦ وقال عبد الله بن المبارك: مَثَلُ الذي يَطلُبُ أمْرَ دِينِه بلا إسناد، كَمَثَل الذي يرتقي السطحَ بلا سُلُّم! وقال الإِمام الشافعي: مَثّلُ الذي يَطلُبُ الحديثَ بلا إسناد، كمثل حاطِبٍ ليلٍ، يَجِمِلُ حُزْمَةً حَطَبٍ وفيه أَفْعَى وهو لا يدري! وبهذه المناسبة التي دَعَتْ إلى ذكرِ بعضِ أقوالِ الأئمة السالفين في أهمية شأن الإِسناد، أُحِبُّ أن أُنَبِّهَ إلى ذريعةٍ يَتَذَرَّعُ بها المشكِّكُون والمضلِّلُون من المستشرقين ومقلِّديهم من المسلمين وغيرهم، وهي أنهم يَعْمِدون مثلاً إلى ما رواه الإِمام ابنُ جرير الطبري أو غيرُهُ منَ المحدِّثين أو المؤرِّخين، الذين يسوقون ما يذكرونه في كتبهم بالسند، فيلتقطون منه أخباراً تالفة، أو أحاديثَ زائفة، ويتعلقون بها للتشكيك أو التضليل أو للتسفيه أو التشويه للمسلمين، ويقولون: رواه ابنُ جرير - مثلاً - ، أو يقولون رواه ابنُ جریرٍ بسَنَدِهِ، مُضْفِین علیه من مقام الإِمام ابن جرير في العلم: صِفةَ الصحةِ والحُجَّةِ به. وهذا تلبيس وتدليس منهم، لترويج ما يريدون رواجه، لمقاصدهم الفاسدة وعِدائهم للإِسلام، فابنُ جرير وغيرُهُ من العلماء الذين يسوقون الأخبار والأحاديث بالسند، يوردون في الباب كلَّ ما وصل إليهم من صحيح أو ضعيف، أو مقبول أو مردود، لحفظِهِ من الضياع، ولإطلاعِ من بعدَهم عليه، أمانةً منهم ودقةً في استيفاءِ المعرفة، ویکتفون بإيرادِهِ بالسند الذي هو معيارُ صحةِ ذلك الخبر أو ضعفِهِ أو كذبِهِ واختلاقِه، ويَرَوْن هذا كافياً لبراءتهم من العُهدةِ فيما أوردوه وتركوا غربلتَهُ ونَخْلَهُ لمن وراءهم. وكان العَمَلُ والعِلمُ بالإِسناد عندهم معروفاً متداولاً، شائعَ الدَّوَران في مجالسهم، مذكوراً دائماً على ألسنتهم وأقلامِهم، لا كُلْفَةً فیه علیهم، على خلاف ما نحن عليه اليوم. فالإِمام ابنُ جرير - وأمثالُه - لا يُشَكُّ في أمانِهِ ودِيانتِهِ، وعلمِهِ وإمامتِهِ، وجلالتُهُ وعظمتُهُ في النفوس تنمو على الزمن وتزداد رضي الله عنه، فإذا رَوَى خبراً ٩٧ في «تفسيره))، أو خبراً في ((تاريخه))، أو خبراً في تأليفِهِ الحديثِيَّة، بالسِّنَد، فلا يَعني بذلك الجزمَ بثبوتِ الخبر وصِحَّته عنده، وقد سمعتُ شيخَنا الإِمامَ الكوثري رحمه الله تعالى غيرَ مرة يقول: ((قيمةُ ما يَروِيه ابنُ جرير قيمةُ سَنَدِه)». يعني: لا يُضْفَى على ذلك الخبرِ الحُكمُ بالصحة، من جرَّاءٍ روايةِ الإِمام ابن جرير له في كتبه، سواء في ذلك ما رواه في السيرة، أو التفسير، أو القراءات، أو الحديث، أو الفقه، أو التاريخ . قلتُ: وهذه القاعدة التي صاغها شيخُنا الكوثري رحمه الله تعالى ببلاغةٍ أسلوبِهِ، في شأنٍ مرويَّات ابن جرير، لا يُقْتَصَرُ فيها على مرويَّاتِ ابن جرير فقط، بل تُعمَّمُ وُحكِّمُ في مرويَّاتِ أكبرِ الكبار وأصغرِ الصغار من العلماء، فلا يُقبَلُ الخبرُ من إمام كبير، ولم يَصحَّ سنَدُه، ولا يُرَدُّ الخبرُ من عالمٍ صغير، وقد صَحّ سنَدُه. ورحم الله تعالى الإِمامَ الفقيه الجليل، والزاهدَ المجاهدَ الأصيل، والمحدِّث الناقدَ النبيل: عبدَ الله بنَ المبارك المَرْوَزيَّ، الذي أُبلَغَ في تعبيره وأَوْفَی وأجاد، حين قال: الإِسنادُ من الدِّين، ولولا الإِسنادُ لقال مَنْ شاء: ما شاء. وبعدُ فنحنُ الآن أمامَ عَشَرة مجلَّداتٍ كبارٍ ضِخام، هي كتاب ((السُّنَنُ الكبرى» للإِمام الحافظ الجليل أبي بكر أحمد بن الحسين علي النيسابوري البيهقي الشافعي، المولود سنة ٣٨٤، والمتوفى سنة ٤٥٨ رحمه الله تعالى ورضي عنه، وجزاه عن السنةِ والدينِ والفقهِ والإِسلامِ خير الجزاء(١). (١) قلتُ: كتاب ((السُّنَن الكبرى)) للبيهقي أحدُ دواوين الإِسلام، ومنزلتُهُ رفيعةُ القَدْرِ جداً، قال الحافظُ الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ١٩٣:١٨، في ترجمة الإمام ابن حزم: ((قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام - وكان أحَدّ المجتهدين - : ما رأيت في كتب الإِسلام في العلم مِثلَ (المحلّ) لابن حزم، وكتابٍ (المغني) للشيخ موفّق الدين - ابنِ قدامة الحنبلي - . = ٩٨ وهذه المجلّداتُ العَشَرَة في هذه النسخة المطبوعة، رواها الإِمام الحافظ التقي النقي المحدِّث الناقد البصير، تقيُّ الدين أبو عَمْرو عثمانُ بنُ صلاحِ الدينِ عَبدِ الرحمن بن عثمان، الشَّهْرَزُورِي الشَّرَخاني المَوْصِلي ثم الدمشقي الكُرْدِيُّ الشافعي، المولود سنة ٥٧٧، والمتوفى سنة ٦٤٣ رحمه الله تعالى ورضي عنه، بالإسناد إلى مؤلِّفها، فنَتْخِذُ منها دَرْساً لصورةِ السَّمَاعِ الذي نُقِلَتْ به وكان عليه المحدِّثون، فإنها صورةً صادقةٌ جامعة، تستحق الدرسَ والاعتناء. قلتُ : - القائل الذهبي - : لقد صَدَق الشيخُ عز الدين، وثالثُها: (السُّنَنُ الكبرى) = للبيهقي، ورابعُها: (التمهيدُ) لابن عبد البرّ. فمن حَصِّل هذه الدواوين، وكان من أذكياء المُفْتِين، وأدمَنَ المطالعةَ فيها، فهو العالم حقاً». انتهى. قلت: وكتابُ ابن حزم سمّه الحافظُ الذهبيُّ في ترجمته ١٨ : ١٩٤ باسم (المحلّ في شرح المُجَلَّى بالحُجَجِ والآثار). وهي ترجمةٌ صحيحةٌ عَذْبة. ٩٩ كلمةُ تمهيدٍ أمامَ نَصِّ ((السَّمَاع)): لقد جرَتْ سُنَّةُ المحدِّثين السَّلَف أن يتلقّوْا الحديثَ عن شيوخهم سماعاً بالإِسنادِ المتصل من شيوخهم إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثم لمَّا أَلْفَتْ الكتبُ وجُعَتْ فيها الأحاديثُ وتمادَى الزمنُ، أخذوا يتلقّوْنَ كتبَ الحديث بالسُّنَّدِ المتصلِ عن شيوخهِم إلى مؤلّف ذلك الكتاب، ویکونُ لصاحبٍ الکتاب - طبعاً - أسانيدُ من طريقِ شيوخِهِ أيضاً تَصِلُهُ بالنبي صلى الله عليه وسلم، فَيَتِمُّ لهم اتصالُ السَّنَّدِ بالنبي صلى الله عليه وسلم على هذا المنوال. وهذه السُّنّةُ أو الطريقةُ في تلقِّي الحديثِ الشريفِ وكُتُبِهِ بالسُّنَّد، لا تكادُ تتخلَّفُ عن كتابٍ من كتبِ السُّنَّة المطهرة، صَغُرَ ذلك الكتابُ فجاء في صَفَحاتٍ معدودة، أو كبُرَ فْجاء في مجلِّداتٍ ضِخام تبلُغُ العشَرَةَ أو العشرين أو تَنْقُصُ قليلاً أو تَزِیدُ قليلاً. فالأجزاءُ الحديثيةُ - وهي ما يَبْلُغُ الواحدُ منها تقديراً نحوَ عشرين صفحة أو أكثرَ أو أقل -، والكتُبُ الحديثيَّةُ - وهي ما يَبلُغُ الواحدُ منها المجلَّدَ أو المجلَّداتِ الكثيرة - كلُّها تتحلّى بإسنادِ سَمَاعِها من مؤلِّفها، أو ممن رَوَى عن مؤلِّفها من قُرْبٍ أو بُعْد، فتكونُ تامَّة الصِّلَةِ بين مؤلِّفها وراِبها أو رُواتِها عنه ، بشَكْلٍ مُطَمْئِنٍ إلى صِحَّةٍ نسبتها ونقلها وتلقِّيها وضبطها. وطبعاً تختلِفِ قُوَّةُ العنايةِ بهذا النقلِ بين شيخٍ وشيخ ورَاوٍ وراو، فهناك بعضُ المؤلفاتِ والكُتُبِ حَظِيَتْ بمؤلِّفين عُرِفُوا بالضبطِ والإِتقان والتفنّن في العلوم، إلى جانب مَهارتِهِم وإمامتِهم في علم الحديث، فجاءت تآليفُهم الحديثيةُ ١٠٠ نُحفةً علميةً رائعة، كمثل كتبِ الإِمامِ الحافظ ابن عبد البر الأندلسي، والحافظِ الخطيب البغدادي، والقاضي عياض السُّبْتِي المَرَّاكُشيّ، والإِمامِ النووي الحَوْرَاني الدمشقي، والحافظِ المُنْذِري المصري، والحافظ ابن الصلاح الشّهْرَ زُوري المَوْصِلي ثم الدمشقي، والحافظِ الذهبيّ الدمشقي، والحافظِ الزَّيْلَعِي الصُّومالي، والحافظِ العراقي المِصري، والحافظ ابن حجر العَسْقَلَاني المصري، وغيرهم من المتقنين الضابطين المتمكنين في علومٍ كثيرة فوقَ تمكّنهم النادِرِ في علم الحديث. وهناك كتبٌ أو أجزاءٌ حديثيّةً نُقِلَتْ وسُمِعَتْ من مؤلِّفيها أو من رُواتِها عنهم بشكلٍ لم تتوافرْ له غالباً هذه العنايةُ الرفيعةُ الغالية، كمثل كتبٍ الشيخ ابن أبي الدنيا، وكتب أبي نُعَيم الأصفهاني، وكتبِ ابنِ مَنْدَه، وکتبٍ ابن الجوزي، وكتبٍ السيوطي، وغيرهم، من الذين لم تتيسر لهم هذه العنايةُ فِي ذَوَاتِهِم أو مؤلَّفاتهم، أو رُواةٍ كُتُبِّهم عنهم، لأسبابٍ لا يَتسعُ المقامُ لسَرْدِها. وقد يُخْيَّلُ للمرءِ من بعيد أنَّ هذه العنايةَ المُثْلَى، قد يَتيسّرُ تحمُّقها في جزءٍ لطيف أو كتابٍ صغيرٍ لا يَعْدُو مِئْتَيْ صفحةٍ مثلاً، أما الكُتُب الكبيرةُ ذاتُ المجلَّداتِ الضّخام والأجزاءِ الكبارِ العديدة، فَيُستَبْعَدُ توافُرُ تلك العنايةِ الراقيةِ بها، لتواني الهِمَم، ولاتساعِ الكتاب، فلا تَنْشَطُ النفوسُ دائماً لإتقانِها، أو لا تتمكَّنُ من استمرارِ الدِّقَّةِ والضبطِ في كل أجزائها . والحُّ أن هذا ليس بلازم، بل هناك كثيرٌ من الكتب الكبيرة حَظِيَتْ بالدقة والعناية، فدُونك كتب الحافظ ابن عبد البر كالتمهيد وغيره، أو كتبَ الحافظ الخطيب البغدادي كتاريخ بغداد وغيره، أو كتبَ الحافظ المُّنْذِري كالتكملة في وفَيَات النَّقَلَة وغيره، أو كتبَ الإِمامَ النووي كشرح صحيح مسلم وغيره، أو كتبَ الحافظ المِّي كتحفة الأشراف أو تهذيب الكمال، وسواها، مما هي من مؤلَّفَاتِهِم أو مَرْوِيَّاتِهِم وقُرِئتْ عليهم، تراها في ذروة الضبط والإتقان والتجويد والصيانة من التحريف والتصحيف، فلا يَقعُ هذا فيها إلا إذا دخَلَتْ فيها يَدُ ١٠١ عامِيٍّ غافل، أو نّسَخَها بليدٌ من العلم عاطل. ولقد عُرِفَ في علماء كلِّ علمٍ من علوم الإِسلام طبقةٌ متفوَّقةً فيه على سواها من أهلِه، ففي علمِ العربيةِ مثلاً: الإمامُ الخليلُ، وسيبويهِ، والمبرِّدُ، وأبو علي الفارسيُّ، وابنُ جِفِيْ، والزغشريُّ، وابنُ هشام، وسواهم. وفي تاريخ الرواة والمحدِّثين مثلاً: الإِمامُ البخاريُّ، وابنُ أبي حاتم الرازي، والدارقطني، والنسائيّ، والخطيبُ، وابنُ المفضَّلِ المقدسي، والمنذريُّ، وابنُ الصلاح، والنوويُّ، والذهبيُّ، وابنُ حجر، وغيرُهم. وفي علوم الحديث ومصطلحِه مثلاً: الإِمامُ عليّ بن المديني، وأحمدُ بن حنبلِ، والبخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داود ، والترمذيُّ، والنسائِيُّ، والخطيبُ، والمفضِّلُ المقدسي، والمنذريُّ، وابنُ الصلاح، والنوويُّ، والذهبيُّ، وابنُ حجر، والسخاويُّ، وغیرُهم. ولقد تميَّز في هؤلاء المتميِّزين في علوم الحديث ومصطلحِه الإِمامُ أبو عَمْرو بنُ الصلاح رحمه الله تعالى، بجمالِ التلخيص، وزيادةٍ التحقيق، واستيفاءِ الأقوال، وسَلاسَةِ العبارة وبُعدِهِ عن التعقيد، وحُسنِ الضبط، والتنبيهِ على كل مشكلٍ ، أو غامضٍ، أو مُوهِمٍ ، أو وَهَمٍ ، أو تحريف، أو خطأ تأليف، إكثاراً منه في الإِفادة، لِغْزَارةٍ علمِه، وسَمّحةٍ نَفْسِهَ بالعلم، وحُبِّه لنشرِهِ بين أهلِهِ وراغبيه . فتراه لا يَبِخَلُ بإفادةٍ: صَرَاحَةً أو عبارةً أو إشارةٌ، ولو بِوَصْفِ العالم الذي يَنقُلُ عنه، بَوَصْفٍ يُشعِرُ بأفضليتِهِ ومَزِيَّتِه والتعريفِ به رَمْزاً، كقولِهِ في ((المقدمة)): ((الحافظ الفَحْل يعقوب بن شيبة في مسنّدِهِ الفَحْل ... ، وقال العبد الصالح ... ، وقال الثقة الزاهد ... ، وقال الزاهد العالم ... ))(١). وهذه (١) انظر هذه العبارات في النوع الحادي عشر (المعضل)، والعشرين (المدرج)، والتاسع والعشرين (العالي والنازل)، وسواها في سِوَاها كثيرً يشيع في عبارات الكتاب لمن انتبه له. ١٠٢ الصفات لا دخل لها في الموضوع المبحوث فيه، ولكنه يذكرها تعليماً وتأديباً وتربية، فهو إلى جانب إمامته في جملةٍ علوم: شيخُ تربيةٍ وسُلوكٍ وأدب. وكتفرقتِهِ فيها أيضاً، التي تَفرَّدَ بها - فيما يبدو - في إسنادِ الرواية، وهي أنه إذا رَوَى عن شيخ سَمِعَ منه، عَبَّر عن ذلك بقولِهِ: (رَوَينا) بالبناء للمعلوم، وإذا رَوَى عن شيخ بعيد، أو شيخٍ قريبٍ لم يَسمعِ منه قال: (رُوِّينا) بالبناءِ للمجهول أي رَوَى لنا مشائُنا، وهذا الْتفنُّنُ فِي الدِّقَّةِ والتفرقةِ لم أجده عند غيره ممن تقدَّمه رحمه الله تعالى، فهو عنوانُ زيادةِ دِقَتِه، وبالغِ نباهتِه، ونَامٍ يَقَظَّتِهِ، للتفرقة بين الحالين من الرواية المباشرة والروایة غیر المباشرة، وإن کان هذا لیس بلازم، ولا مَشَى عليه غيرُه من العلماءِ التزاماً أو ترجيحاً، فإنه كيفما كان هو عُنوانُ الدقةِ التامَّةِ التي عندَهُ رحمةُ الله تعالى عليه. ولقد حَظِيَتْ الكتبُ التي ألَّفها، أو قرأها، أو قُرِتَتْ عليه، بقِسْطٍ وافٍ من هذه العنايةِ العظيمةِ التي تَنَوَّقَ وتَفَوَّقَ فيها نبهاءُ المحدِّثين، وتفوّقَ عليهم فيها الإِمامُ الأَفِيْقُ الحافظُ ابنُ الصلاح، كما تَشْهَدُ بذلك كتبُّهُ ومؤلفاتُه التي وَصَلَتْ إلينا. ومما سَلِمَ من عوادي الزمن، وحُفِظُ من التَّلَفِ والضَّيَاعِ: تسجيلُ سَمَاعٍ عليه، لكتابٍ من أكبرٍ كتبٍ السنة الشريفة سَعَةٌ وبَسْطاً وشُمولاً وفقهاً وتفقيهاً واستدلالاً، وهو كتاب ((السّنَن الكبرى)) للحافظ الإمام أبي بكر البيهقي، شافعيِّ زمانِه، ونابغِ أقرانِهِ، والممتنُّ على كلِّ شافعيّ، بما ألَّفه في تأييدِ مذهبٍ الإِمامِ الشافعيّ، رضي الله عنهما، وحشرنا معهما تحت لواء سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. هذا الكتابُ العظيمُ، والديوانُ الحديثيُّ الفقهيُّ الاستدلاليُّ الحافل، الضخمُ الكبيرُ النادرُ المِثال، طُبع في الهند في مدينة حَيْدَر آبادِ الدُّكَّن، في مدةٍ إحدى عَشْرَةَ سنة، من سنةٍ ١٣٤٤ جتى سنة ١٣٥٥، في عشرة مجلداتٍ ضخام، بحرفٍ صغير، فجاء في هذا الحجم الكبير من الضخامة وعدد الأجزاء، فسعَةُ الصفحةِ فيه طُولاً ٣٤ سنتيمتر، وعَرْضاً ٢٤، تتضمن كلُّ صفحة نحوَ ٤٠ سطراً، ◌ُولُ السطر ١٦ سنتيمتر، يتراوحُ عدَدُ كلماته بين ٢١ - ٢٥ كلمة.