Indexed OCR Text

Pages 41-60

٣٧ - كتاب الوصية (٣) باب الوصية في الثلث لا تتعدى - ٤١
٣٣٣٨٩ - وَلَيْسَ أَهْلُ مَكَّةَ كَذَلِكَ؛ لأنَّ الهِجْرَةَ كَانَتْ عَلَيهِمْ بَاقِيَةً إِلَى الَّمَاتِ ،
وَهُمْ الَّذِينَ أَطْلقَ عَلَيهِم الْمُهَاجِرُونَ ، وَمُدِحُوا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهم.
٣٣٣٩٠ - ألا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللّهِ لَّهُ إِنَّمَا أَرْخَصَ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ ثَلاثَةَ
أَيَّامٍ بَعْدَ تَمَامِ نُسكِهِ وَحَجَّهِ .
٣٣٣٩١ - رَوَهُ العَلَاءُ بْنُ الحضرميِّ، عَنِ النبيِّ عَّهِ (١)، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذا
الحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِ الصَّلاةِ .
٣٣٣٩٢ - وَحدَّثَنَا مُحمِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرنا أَحْمَدُ بْنُ مُطرفٍ ، قالَ : حدَّثْنَا
سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الأعناقِيُّ ، قالَ: حدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الأَيلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثنا
سُفْانُ بْنُ عُبِئَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحمدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحمنِ
الأعْرَجِ قالَ: خَلَّفَ النبيُّ ◌َّهِ عَلَى سَعَدٍ رَجُلاً ، وَقَالَ لَهُ: ((إِنْ مَاتَ بِمَكَّةَ فَلَا تَدْفَتْهُ
بِهَا )) .
قَالَ سُفْيَانُ: لأَنَّهُ كَانَ مُهاجِرًاً .
٣٣٣٩٣ - وَعَنِ ابْنٍ عُيَنَةَ، عَنْ مُحمدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بِرْدَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ
أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النبيِّ يَّهِ: ((أَتَكْرَهُ الرَّجُلِ أَنْ يَمُوتَ فِي الأَرْضِ الَِّي
هَاجَرَ مِنْهَا؟ قَالَ : ((نَعَمْ )) .
٣٣٣٩٤ - وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ أَنَّ
(١) انظر فيما مضى من التمهيد (٨: ٣٨٨) وما بعدها .

٤٢ - الاستذكار الجامع لِمَذاهِبِ نُقَهاء الأمصارِ / ج ٢٣
رَسُولَ اللَّهِ لَّهِ كَانَ إِذا قدمَ مَكَّةَ قالَ: ((اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ مَنَايَانَا بِها))؛ لأَنَّهُ كَانَ
مُهَاجِراً.
٣٣٣٩٥ - وَقَالَ فضيلُ بْنُ مرزوقٍ سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ النخعيَّ عَنِ المقامِ ، وَالجَوَارِ
بِمَكَّةَ؛ فَقَالَ: أَمَّا الْمُهَاجِرُ ، فَلا يُقِيمُ بِها، وَأَمَّا غَيْرُهُ، فَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُ المقامُ بِمَكَّةَ خَشِيَةً
أَنْ يَكْثَرَ النَّاسُ بِها ، فَتَغْلُوا أَسْعَارُ أَهْلِها .
٣٣٣٩٦ - وَفِي رِوَايَةٍ سُفْانَ بْنٍ حسينٍ، عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنْ عَامِرٍ بْنٍ سَعْدٍ ، عَنْ
أَبِهِ فِي الحَدِيثِ المَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا البَابِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي أَخافُ، أو
قَالَ: إِّي أَرْهَبُ أَنْ أَمُوتَ فِي الأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا ، فَادْعُ اللَّهَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ عَّهِ: ((اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ... ))، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. (١)
٣٣٣٩٧ - وَهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَولَهُ عَّهِ: ((لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ)) أَنَّ مَعْنَاهُ لا
هِجْرَةَ تُبْتَدَأُ بَعْدَ الفَتْحِ مُفْتَرضَةٌ لا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِمْ .
٣٣٣٩٨ - ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ مِنْ وُجُوهِ كَثِيرَةٍ
صِحَاحِ كُلِّهَا، وَفِي بَعْضِها: لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيّةٌ، وَإِذا اسْفِرْتُمْ،
فَانْفِرُوا (٢) ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: ((الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ)) .
٣٣٣٩٩ - وَقَالَ لِبَعْضِهِمْ إِذْ سَأَلَّهُ عَنِ الهِجْرَةِ: ((أَقِمِ الصَّلاةَ، وَآتِ الزَّكَاةَ، وَمَا
(١) انظر في هذه الآثار التمهيد (٣٩٢:٨ - ٣٩٣).
(٢) تقدّم في كتاب الحج في تحريم مكة وانظر الفهارس .

٣٧ - كتاب الوصية (٣) باب الوصية في الثلث لا تتعدى - ٤٣
افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَاجْتَنِبْ مَا نَهاكَ عَنْهُ، وَاسْكُنْ مِنْ أَرْضٍ قَوْمِكَ حَيْثُ شِئْتَ)).(١)
٣٣٤٠٠ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَهَذِهِ الهِجْرَةُ المُفْتُرَضَةُ الْبَاقِيَةُ إِلى يَومِ القِيَامَةِ ؛ إِلا أَنَّ
الُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ بِهِجْرَتِهِم حَرَامٌ عَلَيهِم تَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ عَهُ
وَالَدِينَةِ ، وَالرُّجُوعِ إِلى مَكَّةَ أَبدًا .
٣٣٤٠١ - أَلا تَرِى أَنَّ عُثْمَانَ وَغَيْرَهُ كَانُوا إِذَا حَجُّوا لا يَطُوفُونَ طَوافَ الوَدَاعِ
إِلا وَرَوَاحِلُهُمْ قَدْ رُحُلَتْ .
٣٣٤٠٢ - وَهَذا إِنَّمَا كَانَ عَلَيهم مَا كَانَ عَّهِ حَيّا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَلَمَّا مَاتَ
رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ ارْتَفِعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِمَوْتِهِ ، فَاقْتَرِقُوا فِي البِلْدَانِ - رضي الله عنهم - .
٣٣٤٠٣ - وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَِّنِ عَمِّي جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ
عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِهِ ، فَذَكَرَ مَعْنِى حَدِيثِ ابْنِ شِهابٍ .
٣٣٤٠٤ - وَفِيهِ: ((لَكِنَّ سَعْدَ بْنَ خَوَلَةَ البَائِسَ قَدْ مَاتَ فِي الأَرْضِ الَّتِي قَدْ هَاجَرَ
منها )).
(١) هو قوله عَّ لفديك الزبيدي - ويقال العقيلي - والد بشير بن فديك ، وجد صالح بن بشير بن
فديك ، له صحبة ، ولابنه بشير رؤية ، وحديثه عند ولده .
والحديث رواه الزهري عن صالح بن بشير، عن أبيه أن فديكاً أتى النبي عَّ فقال : يا رسول الله !
يزعمون أنه من لم يهاجر هلك، فقال رسول الله عَّ: ((يا فديك أقم الصلاة .. ))، الحديث.
رواه البغوي وابن حبان من طريق الزبيدي ، عن الزهري به. عن الإصابة (١٧٥:١) .
وذكر الحديث عن الزهري المصنف في التمهيد (٨: ٣٨٩ - ٣٩٠).

٤٤ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبٍ نُقَهاء الأمصارِ / ج ٢٣
٣٣٤٠٥ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: مَا قَالَهُ شُيُوخُنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ: ((يرثِي لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ عَهُ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ)) مِنْ كَلامِ ابْنِ شِهابٍ صَحِيحٌ .
٣٣٤٠٦ - وَمَعْلُومٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الآثَارِ أَنَّ قَولَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْ لِسَعْدِ بْنِ حَوْلَةَ
(الْبَائِسِ) إِنَّمَا كَانَ رئى بِذَلِكَ لِمَوْتِهِ بِمَكَّةَ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَبٌّ وَاخْتَارَ الْتَوَدُّدَ
بِها حَتَّى أَدْرَكَتْهُ فِيها مَنِيَّتُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
٣٣٤٠٧ - وَكَانَ مَوَتُهُ بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ . (١)
٣٣٤٠٨ - حَدِّثني خَلفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قالَ: حدَّثْنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الوردِ
قالَ : حدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ غليبٍ، وَإِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَابٍ، قَالا: حدَّثَنَا يَحِى بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بكيرٍ ، قالَ: حدَّثْنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي حبيبٍ ، قالَ : تُوفّيَ سَعْدُ بْنَ
خَوْلَةَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ .
٣٣٤٠٩ - قَال أَبُو عُمَرَ: سَعْدُ بْنُ خَولةَ بَدْرِيٌّ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِما يَنْبَغِي مِنْ
(١) هو سعد بن خولة القرشي العامري من بني مالك بن حسل بن عامر بن لؤي .. وقيل : من
حلفائهم ، وقيل : مواليهم . قال ابن هشام : هو فارسي من اليمن حالف بني عامر . الإصابة
(٧٤:٣ - ٧٥) ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق في البدريين .
وأما وفاته في حجة الوداع فحديث ابن شهاب في هذا الباب نص واضح فيها ، وأيضا ذكر
البخاري ومسلم وأصحاب السنن سوى الترمذي خبر امرأته سبيعة بنت الحارث الأسلمية في انقضاء
عدة المتوفى عنها زوجها ، وغيرها ، بوضع الحمل ، وفيه (( أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو في
بني عامر بن لؤي ، وكان ممن شهد بدراً فتوفي عنها في حجة الوداع .. ) الحديث . ونكتفي پایراد
الشاهد فيه .

٣٧ - كتاب الوصية (٣) باب الوصية في الثلث لا تتعدى - ٤٥
ذِكْرِهِ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ (١)، وَالحَمْدُ لِلَّهِ.
٣٣٤١٠ - قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ، وَيَقُولُ:
غُلامِي يَخْدُمُ فُلانًا مَا عَاشَ ، ثُمَّ هُوَ حُرٍّ ، فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَيُوجَدُ الْعَبْدُ ثُلُثَ
مَالِ الْمَيْتِ ، قَالَ: فَإِنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ تُقَوَّمُ، ثُمَّ يَتَحَاصَّانِ، يُحَاصُ الَّذِي أُوْصِيَ
لَهُ بِالَّلُثِ بِثُلْثِهِ، وَيُحَاصُ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ بِمَا قُوَّمَ لَهُ مِنْ خِدْمَةِ
الْعَبْدِ، فَيُّأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِدَمَةِ الْعَبْدِ، أَوْ مِنْ إِجَارَتِهِ، إِنْ كَانَتْ لَهُ
إِجَارَةٌ ، بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، فَإِذَا مَاتَ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ خِدْمَةُ الْعَبْدِ مَا عَاشَ ، عَتَقَ
٥,٥ ١
الْعَبْدُ . (٢)
٣٣٤١١ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَدْ تَقَدَّمَ القَولُ فِيمَا زَادَ من الوصَايَا عَلَى الثُّلُثِ أَنَّ
ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلماءِ عَلَى إِجَارَةِ الوَرَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الخِلافَ فِي ذَلِكَ .
٣٣٤١٢ - وَأَمَّا الوَصِيَّةُ بِخَدْمَةِ العَبْدِ، وَعَلَّةِ البَسَاتِينِ، وَسُكْنِى الْمَسَاكِينِ ، فَقَدِ
اخْتَلَفَ الفُقهاءُ فِي ذَلِكَ :
٣٣٤١٣ - فَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّورِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَعُثْمَانُ البتيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ،
وَالشَّافِعِيُّ، وَسوارٌ ، وَعبد اللَّه، وَعُبِيدُ اللَّهِ ابنا الحَسَنِ قَاضِيًا البَصْرَةِ: الوَصِيَّةُ بِسُكْنِى
الدَّارِ، وَغَلَّةِ البَسَاتِينِ فِيمَا يَسْتأذنُ (٣) ، وَخِدْمَةُ العَبْدِ جَائِرَةٌ إِذا كَانَتِ الثُلُثَ ، أَو أَقَلَّ .
(١) (( الاستيعاب في معرفة الأصحاب)) للمصنف (٢: ٥٨٦).
(٢) الموطأ (٧٦٣:٢ - ٧٦٤)، والموطأ برواية أبي مصعب (٢٩٩٧).
(٣) في (ك) : يستأنف .

٤٦ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبٍ فُقَهاءِ الأمْصارِ / ج ٢٣
وَكَذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى الثِّلُثِ مِنْ ذَلِكَ إِذا أَجَازَهُ الوَرَثَةُ .
٣٣٤١٤ - وَقَالَ ابْنُ أبي ليلى، وَابْنُ شبرمَةَ: الوَصِيَّةُ بِكُلِّ ذَلِكَ بَاطِلٌ غَيْرُ
جَائِزَةٍ .
٣٣٤١٥ - وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ؛ لأنَّ ذَلِكَ مَنَافِعُ طَارِئَةٌ عَلَى مِلْكِ
الوَارِثِ ، لَمْ يَمْلِكْها الَّيِّتُ قَبْلَ مَوْتِهِ .
٣٣٤١٦ - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَو أوصى بِشَيْءٍ ، وَمَاتَ، وَهُوَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ أَنَّ
الوَصِيَّةَ بَاطِلٌ .
٣٣٤١٧ - وَاَلْوَصِيَّةُ بِالَنافعِ كَذَلِكَ؛ لأَنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَهِيَ فِي غَيرٍ مِلْكِهِ ، فَإِنْ
شْبِّهَ عَلَى أَحَدٍ أَنَّ الإِجَارَةَ يَمْلِكُ الْمُؤْاجِرُ بِها البَدَلَ مِنْ مَنَافِها ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مِلْكِهِ،
فَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لأَنَّ الْمُؤَاجِرَ عَلى مِلْكِهِ كُلُّ مَا يَطْرَأُ مِنَ المَنَافِعِ مَا دَامَ الأَصْلُ فِي مِلْكِهِ ،
وَكَانَ حَيّا، وَلَيْسَ الَيِّتُ بِمَالِكِ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الَنَافِعَ طَارِئَةٌ عَلَى مِلْكِ الوَرَثَّةِ .
٣٣٤١٨ - وَأَمَّا الأوْقافُ، فَإِنَّ السّنّةَ أَجَازَتَها بِخُرُوجِ مِلْكِ أَصْلِها عَنِ الْموقفِ
إلى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِيتحرَّى عَليها فِيمَا يُقَرِّبُ مِنْهُ ، وَلَيْسَتِ الَنَافِعُ فِيهَا طَارِئَةٌ عَلَى مِلْكِ
الموقفِ ، [ لأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يَمْلِكَ الَمِتُ شَيْئًا .
٣٣٤١٩ - وَقَدْ قَالَ بَعْضُهم إِنَّ أُصُولَ الأُوقَافِ عَلى مِلْكِ الموقفِ ] (١) ؛ لِقَولِ
رَسُولِ اللَّهِ عَهُ: ((يَنْقَطِعُ عَمَلُ الَرْءِ بَعْدَهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ )) فَذَكَرَ مِنْهَا صَدَقَةٌ يَجْرِي
(١) ما بين الحاصرتين من (ط) فقط.

٣٧ - كتاب الوصية (٣) باب الوصية في الثلث لا تتعدى - ٤٧
عَلَيهِ نَفْعُها .
٣٣٤٢٠ - وَهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لأنَّ الثَّوابَ، والأجْرَ الَّذِي يَنَالُهُ الَّيِّتُ فيما يُوقِفُهُ
مِنْ أُصُولٍ مَالِهِ إِنَّمَا كَانَ؛ لأنَّ أَصْلَهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ إِلى اللَّهِ تَعالى، فَبِذَلِكَ اسْتَحَقَّ
الأَجْرَ كَمَنْ سَنَّ سُنّةً حَسَنَةٌ ، فَعَمِلَ بِهَا غَيْرُهُ .
٣٣٤٢١ - أَخْبرنا عَبْدُ الوَارِثِ ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمٌ، قالَ : حَدَّثَنِي مُحمدُ بنُ
عَبْدِ السَّلامِ، قالَ: حَدِّنا مُحمِدُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، قالَ: حَدََّا سُفْيَانُ بْنُ عُبِيَةَ، قالَ:
قَالَ: ابْنُ شبرمَةَ ، وَابْنُ أَبِي ليلى: مَنْ أَوصى بِفِرعِ شَيْءٍ وَلَمْ يُوصٍ بِأَصْلِهِ ، فَلَيسَ
بِشَيْءٍ .
٣٣٤٢٢ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَولُ ابْنِ أَبِي لَيلى، وَابْنِ شبرمَةَ، وَمَنْ تَابَعَهُمَا قَولٌ.
صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ وَالقِيَاسِ ، وَإِنْ كَانَ عَلى خِلافِهِ أَكْثَرُ النَّاسِ.
٣٣٤٢٣ - قَالَ مَالِكٌ : فِي الَّذِي يُوصِي فِي ثُلُثِهِ، فَيَقُولُ: لِفُلانٍ كَذَا
وَكَذَا ، وَلِفُلانٍ كَذَا وَكَذَا، يُسَمِّي مَالا مِنْ مَالِهِ، فَقُولُ وَرَثْتُهُ: قَدْ زَادَ عَلَى
ثُلُثِهِ: فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَّرُونَ، بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا أَهْلَ الْوَصَايَا وَصَايَاهُمْ ، وَيَأْخُذُوا
جَمِيعَ مَالِ الْمَيِّتِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسِمُوا لِأَهْلِ الْوَصَايَا ثُلُثَ مَالِ الْمَيْتِ، فَيُسَلِّمُوا
إِلَيْهِمْ ثُلُهُ، فَتَكُونُ حُقُوقُهُمْ فِهِ إِنْ أَرَادُوا، بَالِغَا مَا بَلَغَ . (١)
٣٣٤٢٤ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ لِمَالِكِ، وَأَصْحَابُها يَدْعُونَها
(١) الموطأ: (٢: ٧٦٤)، والموطأُ برواية أبي مصعب الزهري (٢٩٩٨).

٤٨ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبِ فُقَهاء الأمْصارِ / ج ٢٣
مَسْأَلَةَ خلع الثُّلكِ .
٣٣٤٢٥ - وَخَالَفَهُمْ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَورٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَدَاوُدُ ،
وَأَصْحَابُهم ، وَأَنْكَرُوهَا عَلَى مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ.
٣٣٤٢٦ - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الوَصِيَّةَ تَصِحُ بِمَوْتِ الْمُوصِي، وَقَبُولِ الموصى لَهُ إِيَّهَا
بَعْدَ مَوتِ الْمُوصِي.
٣٣٤٢٧ - وَإِذَا صَحِّ مِلْكُ الموصى لَهُ لِلشَّيْءِ الموصى بِهِ ، فَكَيْفَ تَجُوزُ فِيهِ
المعاوضَةُ بِثُلثٍ لا يبلغُ إِلا مَعْرفَتَهُ، وَلَا يوقفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ .
٣٣٤٢٨ - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لا تَجُوزُ البَيَاعَاتُ وَالْمُعاوضَاتُ فِي الَجْهُولاتِ .
٣٣٤٢٩ - وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لا يَحِلُّ مِلْكُ مَالِكٍ إِلا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يُؤْخَذُ
مِنَ الْمُوصى لَهُ مَا قَدْ مَلِكَهُ بِمَوْتِ الْمُوصِي، وَقَبُولِهِ لَهُ بِغَيْرِ طِبٍ نَفْسٍ مِنْهُ.
٣٣٤٣٠ - وَمِنْ حُجَّةٍ مَالِكٍ أَنَّ الثُّلثَ مَوضِعٌ لِلْوَصَايَا، فَإِذَا امْتَنَعَ الوَرَثَةُ أَنْ
يُخْرِجُوا مَا أوصى بِهِ المَيِّتُ، [ وَزَعَمُوا أَنَّهُ تَعَدِّى فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثََّثِ خَيِّرُوا بَيْنَ أَنْ
يُسلِّمُوا لِلْمُوصى لَهُ مَا أَوصى ◌ِهِ الَّيِّتُ لَهُمْ ]، (١) أَو يُسلِمُوا إِليهِ ثُلثَ الميتِ، كَمَا لَو
جنى العَبْدُ جِنايَةً قِيمَتُها مِئَةُ دِرْهَمٍ ، وَالعَبْدُ قِيمَتُهُ ألفٌ كَانَ سَيِّدُهُ مُخَيْرًا بَيْنَ أَنْ يُؤَدِّيَ
أَرْشَ الجِنَايَةِ ، فَلا يَكُونُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيهِ إِلى العَبْدِ سَبِيلٌ، وَبَيْنَ أَنْ يُسلمَ العَبْدَ إِليهِ ، وَإِنْ
كَانَ يُسَاوِي أَضْعَافَ قِيمَةِ الجِنَايَةِ .
(١) ما بين الحاصرتين سقط من ( ي، س).

٣٧ - كتاب الوصية (٣) باب الوصية في الثلث لا تتعدى - ٤٩
٣٣٤٣١ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: الَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ الوَرَنَةَ إِذا ادَّعوا أَنَّ الشَّيْءَ الموصى
بِهِ أَكْثُرُ مِنَ الثُّثِ كُلُّفُوا بَيَانَ ذَلِكَ ، فَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ، وَكَانَ كَمَا ذَكَرُوا أَكْثَرَ مِنَ
الُّلثِ يأخذُ مِنَ الْمُوصى لَهُ قَدْرَ ثُلثِ مَالِ المِيْتِ، وَكانَ شَرِيكاً لِلْوَرَثَةِ بِذَلِكَ فِهِ ، وَإِنْ
كَانَ الثُّلْثَ فَأَقَلَّ أُخْبِرُوا عَلَى الْخُرُوجِ عَنْهُ إِلى الموصى لَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لا شَرِيكَ لَهُ .

(٤) باب أمر الحامل والمريض
والذي يحضر القتال في أموالهم (*)
١٤٦٧ - قَالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي وَصِيَّةِ الْحَامِلِ وَفِي قَضَايَاهَا
فِي مَالِهَا وَمَا يَجُوزُ لَهَا ، أَنَّ الْحَامِلَ كَالْمَرِيضِ ، فَإِذَا كَانَ الْمَرَضُ الْخَفِيفُ ،
غَيْرُ الْمَخُوفِ عَلَى صَاحِبِهِ ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَصْنَعُ فِي ◌َالِهِ مَا يَشَاءُ ، وَإِذَا كانَ
الْمَرَضُ الْمَخُوفُ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ لِصَاحِبِهِ شَيْءٌ ، إِلا فِي قُلْتِهِ .
قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمَرَآَةُ الْحَامِلُ، أَوْلُ حَمْلِهَا بِشْرٌ وَسُرُورٌ ، وَلَيْسَ بِمَرَضٍ
وَلَا خَوْفٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَلَى قَالَ فِي كِتَابِهٍ: ﴿فَشَّرْنَاهَا بِسْحَاقَ وَمِنْ
وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١ ] وَقَالَ: ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ
بِهِ فَلَمَّا أَتْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَمِنْ آتَيْنَا صَالِحًا لَنُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[الأعراف: ١٨٩ ] .
فَالْمَرَةُ الْحَامِلُ إِذَا أَثْقَلَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا قَضَاءٌ إِلَا فِي ثُلُثِهَا، فَأَوَّلُ الإِثْمَامِ
سِنَّةُ أَشْهُرٍ ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ
حَوَلَيْنِ كَامِلْنِ﴾ [ البقرة: ٢٣٣] وقال: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾
(*) المسألة - ٧٠٤ - ليس للمريض في ماله سوى الثلث يوصي فيه ، وفي حكمه الحامل إذا أثقلت ،
والرجل يحضر القتال ومن كان على تلك الحال مخوفاً عليه لم يجز له شيء إلا في ثلث ماله
بإجماع.
- ٥٠ -

٣٧ - كتاب الوصية (٤) باب أمر الحامل والمريض والذي يحضر القتال في أموالهم - ٥١
[الأحقاف: ١٥] فَإِذَا مَضَتْ لِلْحَامِلِ سِنَّةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْ حَمَلَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا
قَضَاءٌ فِي مَالِهَا ، إِلَا فِي الثَّلُثِ .
قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَحْضُرُ الْفِتَالَ: إِنَّهُ إِذَا زَحَفَ فِي الصَّفِ لِلْقِتَالِ ،
لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي ◌َالِهِ شَيْئًا ، إِلَا فِي الثُّثِ، وَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَامِلِ
وَالْمَرِيضِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ، مَا كَانَ بِتِلْكَ الْحَالِ . (١)
٣٣٤٣٢ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَصْلُ عَلَامَاتِ المَرَضِ الَّذِي يَلْزَمُ بِهِ صَاحِبُهُ الفِرَاشَ،
وَلَا يعذرُ مَعَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّصْرُّفِ ، وَيَغْلِبُ عَلَى الْقُلُوبِ أَنَّهُ يتخوفُ عَلَيْهِ مِنْهُ
الموت إِذَا كَانَتْ هَذِهِ حَالَ الَرِيضِ .
٣٣٤٣٣ - فَالعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثاً عَلى أَنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي مَالِهِ
بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلثِ .
٣٣٤٣٤ - وَأَمَّا الْحَامِلُ، فَأَجْمَعُوا عَلى أَنَّ مَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حَمْلِها هِيَ فِیهِ
كَالصَّحِيحِ فِي أَفْعالِهِ ، وَتَصَرِّفِهِ فِي مَالِهِ .
٣٣٤٣٥ - وَأَجْمَعُوا أيضاً أنَّها إِذا ضربَها المخاضُ، وَالطَّلقُ أَنَّها كَالَرِيضِ المُوفِ
عَليهِ ، لا يُنفذُ لَها فِي مَالِها أَكْثَرُ مِنْ تُلُثِها .
٣٣٤٣٦ - وَاخْتُلَفُوا فِي حَالِها إِذا بَلَغَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ مِنْ حَمْلِها إلى حِينٍ يَحْضِرُها
الطَّلقُ :
(١) الموطأ: (٧٦٤:٢ - ٧٦٥)، والموطأ برواية أبي مصعب الزهري (٣٠٠٢).

٥٢ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبٍ نُقَهاء الأمصارِ / ج ٢٣
٣٣٤٣٧ - فَقَالَ مَالِكٌ مَا وَصَفَهُ فِي مَوْطِئِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .
٣٣٤٣٨ - وَهُوَ قَولُ اللّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ، وَطَائِقَةٍ مِنَ السَّلَفِ.
٣٣٤٣٩ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافعيُّ وَأَصْحَابُهما، والثَّورِيُّ، وَعُبِيدُ اللَّهِ بْنُ
الحَسَنِ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَورٍ ، وَدَاوُدُ: الْحَامِلُ كَالصَّحِيحِ مَا لَمْ يَكُنِ المخاضَ ،
وَالطَّلْقَ، أَوْ يَحْدُثَ بِها مِنَ الحَمْلِ مَا تَصِرُ بِهِ صَاحِبَةَ فِرَاشٍ .
٣٣٤٤٠ - وَأَجْمَعَ العُلماءُ عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَغَتْ مِنْهُ الجراحُ إِنْ أَنفذَتْ مَقاتلهُ، أو
قدمَ لِلقَتْلِ فِي قصاصٍ، أَو لِرَجْمٍ فِي زِنا أَنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ مِنَ القَضاءِ فِي مَالِهِ إِلا مَا
يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ صَاحِبِ الفِراشِ المُوفِ عَلَيْهِ .
٣٣٤٤١ - وَكَذَلِكَ الَّذِي يبرزُ فِي الْنِحَامِ الْحَرْبِ [ لِلْقِتَالِ] (١).
٣٣٤٤٢ - وَاجْمَعَ العُلماءُ عَلى أَنَّ عتقَ الَرِيضِ صَاحِبِ الفِراشِ الثَّقِيلِ المَرَضِ
لِعَبِيدِهِ فِي مَرَضِهِ إِذَا مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، لا يَغذُ مِنْهُ إِلا مَا يحملُ ثُلث مالِهِ .
٣٣٤٤٣ - وَثَبتَ ذَلِكَ عَنِ النّبِيِّ ◌َّهِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حصينٍ، [ وَغَيرِهِ
فِي الَّذِي أَعْتُقَ سِئَّةً أَعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُم ، ثُمَّ مَاتَ، فَأَفْرَعَ رَسُولُ
اللَّهِ مَِّ بَيْنَهُمْ، وَعَتقَ - ثُلَهُم - اثْنَيْنِ، وَأَرَقِّ ثُلَيْهِمْ أَرْبَعَةٌ]. (٢)
٣٣٤٤٤ - وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ مِنَ العُلماءِ الَّذِينَ هُمْ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ أَنَّ
(١) ما بين الحاصرتين من (ط ) فقط.
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من (ي، س) وقد تقدم تخريج الحديث .

٣٧ - كتاب الوصية (٤) باب أمر الحامل والمريض والذي يحضر القتال في أموالهم - ٥٣
هِبَاتِ المَرِيضِ، وَصَدقاتِهِ، وَسَائِرَ عَطَايَاهُ إِذَا كَانَتْ حَالُهُ مَا وَصَفْنَا لا ينفذُ مِنْها إِلا مَا
حملَ ثُلُهُ .
٣٣٤٤٥ - وَقَالَ دَاوُدُ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: أَمَّا عتقُ المَرِيضِ فَعلى مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ
عَنِ النبيِّ ◌َُّ فِى الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ ، لا مَالَ لَهُ غَيرِهُم ينغذُ مِنْ ذَلِكَ
الثُّلث .
٣٣٤٤٦ - وَأَمَّ هِبَاتُهُ، وَصَدَقَاتُهُ وَمَا يَهْدِيهِ وَيَعْطِيهِ، وَهُوَ حَيٌّ ، فَنَافِذٌ ذَلِكَ كُلّهُ
جَائِرٌ عَلَيْهِ مَاضٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لأَنَّهُ لَيسَ بِوَصِيَّةٍ ، وَإِنَّمَا الوَصِيَّةُ مَا يستحقُّ بِمَوْتٍ
المُوصِي .
٣٣٤٤٧ - وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ العُلماءِ، وَجَمَاعَةِ أَهْلِ الفَتْوَى بِالأَمْصارِ : إِنَّ
هِبَاتِ الْمَرِيضِ كُلَّهَا وَعَنْقَهُ، وَصَدَقَاتِهِ ، لَو صَحِّ مِنْ مَرَضِهِ نَفَذَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ رَأْسِ
مَالِهِ، وَيُرَاعُونَ فِيها مَا عَدَا العِثْقَ القبضَ على مَا ذَكَرْنا فِي أُصُولِهِم مِنْ قَبِضِ الهِيَاتِ ،
وَالصَّدَقَاتِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الكِتَابِ .
٣٣٤٤٨ - وَقَالَ دَاوُدُ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: أَمَّا العَتْقُ خَاصَّةً فِي الَرَضِ ، فلا ينفذُ مِنهُ
إلا الثُّثُ مَاتَ المعْتَقُ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ صَحِّ؛ لأَنَّ الَرضَ لا يعلمُ مَا مِنْهُ الَوتُ، وَمَا مِنْهُ
الصِّحَّةُ إِلا اللَّهُ تَعالى .
٣٣٤٤٩ - وَقَدْ أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ عَتْقَ ثُلثِ العَبِيدِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُم سيدهم
بِالمَرَضِ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيرِهُم .

٥٤ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبٍ فُقَهاء الأمصارِ / ج ٢٣
٣٣٤٥٠ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: الحُجَّةُ عَلَى دَاوُدَ قَائِمَةٌ بِنَصِّ الحَدِيثِ ؛ لأنَّ فِيهِ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ عَهَ إِنَّمَا أَقْرَعَ بَيْنَ العَبِيدِ بَعْدَ مَوتِ سَيِّدِهِمْ، وَتَغِيظَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: (( لَقَدْ
هَمَمْتُ أَلا أُصَلِّيَ عَلَيهِ مَا أَعْقَ جَمِيعَهم)) ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ .
٣٣٤٥١ - وَهَذِهِ الأَلْفَاظُ مَحْفُوظَةٌ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حصينٍ .
٣٣٤٥٢ - وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهُ فِي «التَّمْهِيدِ ))، وَفِي كِتَابِ العتْقِ مَنْ هَذا
الكِتَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفَّقُ لِلصَّوابِ .
*
k
۔
.

(٥) باب الوصية للوارث والحيازة
١٤٦٨ - قَالَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الآيَةِ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [ البقرة: ١٨٠ ]
نَسَخَهَا مَا نَزَلَ مِنْ قِسْمَةِ الْفَرَائِضِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . (١)
٣٣٤٥٣ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَدْ تَقَدَّمَ القَولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَذَكَرْنَا مَا لِلْعُلماءِ فِيها
مِنَ التَّزُعِ، وَهَلْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ أو مُحْكَمَةٌ ، وَمَا النَّاسِخُ لَها مِنَ القُرآنِ والسِّةِ فِي بَابِ
الأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ مِنْ هَذَا الكِتَابِ ، فَلَا مَعْنِى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هُنَا .
٣٣٤٥٤ - قَالَ مَالِكٌ: السَّةُ الثَّانِتَةُ عِنْدَنَا الَِّي لَا اخْتِلافَ فِيهَا أَنَّهُ لا تَجُوزُ وَصِيّةٌ
لِوَارِثٍ ، إِلا أَنْ يُجِيْزَ لَهُ ذَلِكَ وَرَثَةُ الْمَيْتِ ، وَأَنَّهُ إِنْ أَجَازَ لَهُ بَعْضُهُمْ، وَآبَى بَعْضٌ ،
جَازَ لَهُ حَقُّ مَنْ أَجَازَ مِنْهُمْ، وَمَنْ أَبَى، أَخَذَ حَقَّهُ مِنْ ذَلِكَ. (٢)
٣٣٤٥٥ - وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ قَدْ مَضَتْ أيضاً مُجَوَّدَةً فِيمَا لِلْعُلماءِ فِيها مِنَ الأَقْوَالِ
وَالاعْتِلالِ فِي بَابِ الأَمْرِ بِالوَصِيَّةِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، فَلا وَجْهَ لِتَكْرَارِها .
٣٣٤٥٦ - قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي يُوصِي ،
فَيَسْتَأْذِنُ وَرَثَهُ فِي وَصِِّهِ وَهُوَ مَرِيضٌ، لَيْسَ لَهُ مِنْ مَالِهِ إِلا ثلُثُهُ، فَيَأْذَنُونَ لَهُ
أَنْ يُوصِيَ لِبَعْضِ وَرَتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرِجْعُوا فِي ذَلِكَ .
(١) الموطأ (٧٦٥:٢)، والموطأُ برواية أبي مصعب (٣٠٠٥).
(٢) الموطأ (٧٦٥:٢)، والموطأ برواية أبي مصعب (٣٠٠٦).
- 00 -

٥٦ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبِ فُقَهاء الأمصارِ / ج ٢٣
وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَهُمْ ، صَنَعَ كُلُّ وَارِثٍ ذَلِكَ فَإِذَا هَلَكَ الْمُوصِيِ ، أَخَذُوا ذَلِكَ
لِأَنْفُسِهِمْ، وَمَنَعُوهُ الْوَصِيَّةَ فِي ثُثِهِ ، وَمَا أُذِنَ لَهُ بِهِ فِي مَالِهِ .
قَالَ : فَمَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ وَرَثَتَهُ فِي وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا لِوَارِثٍ فِي صِحَتِهِ ،
فَيَأْذَنُونَ لَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَلْزَمُهُمْ، وَلِوَرَتِهِ أَنْ يَرُدُّوا ذَلِكَ إِنْ شَاءُوا، وَذَلِكَ أَنَّ
الرَّجُلَ إِذَا كَانَ صَحِيحًا كَانَ أَخَقَّ بِجَمِيع مَالِهِ ، يَصْنَعُ فِهِ مَا شَاءَ ، إِنْ شَاءَ
أنْ يُخْرُجَ مِنْ جَمِيعِهِ، خَرَجَ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ يُعْطِيهِ مَنْ شَاءَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ
اسْتِذَانُهُ وَرَثْتَهُ جَائِزًا عَلَى الْوَرَقَةِ ، إِذَا أَذِنُوا لَهُ حِينَ يُحْجَبُ عَنْهُ مَالُهُ ، وَلَا
يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ إِلا فِي ثُلُثِهِ، وَحِينَ هُمْ أَحَقُّ بِثُلُثَيْ مَالِهِ مِنْهُ، فَذَلِكَ حِينَ يَجُوزُ
عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ وَمَا أَذِنُوا لَهُ بِهِ ، فَإِنْ سَأَلَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ أَنْ يَهِبَ لَهُ مِرَانَهُ حِينَ
تَحْضُرُهُ الْوَفَاةُ فَيَفْعَلُ، ثُمَّ لَا يَقْضِي فِيهِ الْهَالِكُ شَيْئًا، فَإِنَّهُ رَدِّ عَلَى مَنْ وَهَبَهُ،
إِلا أَنْ يَقُولَ لَهُ الْمَيِّتُ: فُلانٌ، لِبَعْضٍ وَرَثَتِهِ، ضَعِيفٌ، وَقَدْ أَحْبَيْتُ أَنْ تَهَبَ
لَهُ مِرَأَتَكَ فَأَعْطَاهُ إِيّهُ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِرٌ إِذَا سَمَّاهُ الْمَيِّتُ لَهُ .
قَالَ: وَإِنْ وَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ، ثُمَّ أَنْفَذَ الْهَالِكُ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضٌ، فَهُوَ رَدّ
عَلَى الَّذِي وَهَبَ ، يَرْجِعُ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ بَعْدَ وَفَاةِ الَّذِي أُعْطِيَهُ . (١)
٣٣٤٥٧ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: اخْتَلَفَ العُلماءُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ :
٣٣٤٥٨ - ( أَحدها ): قَولُ مَالِكٍ: إِنْ أَذِنَ الوَرَثَةُ لِلْمَرِيضِ فِي حَالِ مَرَضِهِ أَنْ
يُوْصِيَ لِوَارِثِهِ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ تُلِهِ، فَهُوَ لازِمٌّ لَهُمْ إِلا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُخافُ دُخُولُ
(١) الموطأ (٢: ٧٦٥ - ٧٦٦)، والموطأ برواية أبي مصعب (٣٠٠٧).
:
:

٣٧ - كتاب الوصية (٥) باب الوصية للوارث والحيازة - ٥٧
الضَّرَرِ عَلَيهم مِنْ منعِ رِفْدٍ ، وَإِحسانٍ ، وَقَطْعِ نَفَقَةٍ وَمَعْرُوفٍ ، وَنَحوِ هَذَا إِنِ امْتَنَعُوا ،
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرُّهم إِذْنُهم، وَكَانَ لَهُم الرُّجُوعُ فِيمَا أَذِنُوا فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، رَوَى
ذَلِكَ أَبْنُ القَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْهُ، وَإِنِ اسْتَأْذَنْهُمْ فِي صِحَّتِهِ ، فَأَذِنُوا لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُمْ بِحَالٍ مِنَ
الأحْوَالِ .
٣٣٤٥٩ - ( وَالقَول الثَّاني): إِنْ أَذِنَ لَهُمْ فِي الصِّحَّةِ وَالَرَضِ سَواء، ويَلْزَمُهم
إِذْنُهُم بَعْدَ مَوتِهِ ، وَلَا رُجُوعَ لَهُم ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهرِيِّ، وَرَبَيْعَةً، وَالَحَسَنِ ،
وَعَطَاءٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُ مَا فِي مُوَطَِّهِ، وَهُوَ المَشْهُورُ عَنْهُ مِنْ
مَذْهَبِهِ .
٣٣٤٦٠ - ( وَالقَول الثَّالث ): إِنَّ إِذْنَهُم، وَإِجَازَتَهم لِوَصِيْتِهِ فِي صِحِتِهِ وَمَرْضِهِ
سَوَاءٌ، وَلَا يَلْزَمُهِمْ شَيْءٌ مِنْهُ، إِلا أَنْ يُجِزُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَوْنِهِ حِينَ يَجِبُ لَهُم المِرَاثُ ،
وَيَجِبُ لِلْمُوصى لَهُ الوَصِيَّةُ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ مِنْ مَرَضِهِ ، وَقَدْ لا يَمُوتُ ، وَقَدْ يَمُوتُ
ذَلِكَ الْوَارِثُ الْمُسْتَأْذَنُ قَبَلَهُ ، فَلَا يَكُونُ وَارِثاً ، وَبَرِثُهُ غَيْرُهُ ، وَمَنْ أَجَازَ مَا لا حَقَّ لَهُ
فِيهِ، وَلَمْ يَجِبْ لَهُ ، فَلَيْسَ فِعْلُهُ ذَلِكَ بِلازِمٍ لَهُ .
٣٣٤٦١ - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهما، وَسُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ .
٢ ٣٣٤٦ - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنٍ مَسْعُودٍ ، وَتُرِيحٍ، وَطَاوُوُسٍ.
٣٣٤٦٣ - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحاقُ .
٣٣٤٦٤ - قَالَ مَالِكُ: فِيمَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ فَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْطِى

٥٨ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبِ فُقَهاء الأمْصارِ / ج ٢٣
بَعْضَ وَرَّتِهِ شَيْئًا لَمْ يَقْبِضْهُ فَأَبِى الْوَرَثَةُ أَنْ يُجِزُوا ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى
الْوَرَثَةِ مِرَاثًا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ؛ لأنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي
ثُثِهِ، وَلَا يُحَاصُّ أَهْلُ الْوَصَايَا فِي تُثِهِ بِشَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ . (١)
٤٤٣٦٥ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذِهِ وَصِيَّةُ الوَارِثِ ، لَمْ يعلمْ بها إِلا فِي الْمَرضِ ، أَو
عطّةٌ مِنْ صَحِيحٍ ذَكَرَها فِي وَصِيَتِهِ لِخْرجَ مِنْ تُلِهِ ، فَحَكْمُها حُكْمُ العطِّةِ فِي
المَرَضِ، فَإِذَا لَمْ يُجِزْهَا الوَرَثَةُ لَمْ يَجُرْ، وَلَا سَبِلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِقْرَارِهِ فِي مَرَضِهِ شَيْءٌ
ينقلُ إِلى حُكْمِ الصِّحَّةِ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَئِمَِّ الفُقْهاءِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِم الفُتْيَا كَمَا لَو أَقْرَّ فِي
صِحَتِّهِ لَمْ يحكمْ لَهُ بِحُكْمِ الإِقْرَارِ فِي المَرَضِ .
٣٣٤٦٦ - وَهَذا رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ ، وَهُوَ مَرِيضٌ صَنِيعَ صَحِيحٍ ، فَيُعْطِي
الوَارِثَ وَهُوَ مَرِيضٌ عَطِيْتَهُ مِنْ رَأْسٍ مَالِهِ، فَلَمْ يُجِرْ لَهُ ذَلِكَ أَهْلُ العِلْمِ ، إِلا أَنَّهُ لَو قَالَ
فِي مَرَضِهِ ، وَهُوَ مَرِيضٌ: كُنْتُ أَعْطَيُهُ شَيْئًا فِي صِحَّتِي لَمْ يَقْبَضْهُ وَأَنا أُوصِي بِهِ لَهُ
الآنَ ، فَهَذا مَوْقُوفٌ عَلى إِجَازَةِ الوَرَثَةِ .
٣٣٤٦٧ - وَلَو كَانَ لأجْنَبِيِّ، وَقَدْ قَالَ انفذُوا لَهُ مَا أَعْطِيتُهُ فِي الصِّحَّةِ ، فَقَدْ
أَوْصَيْتُ لَهُ بِهِ ، وَأَنفذْتُهُ لَهُ كَانَ ذَلِكَ جَائِرًا لَّهُ مِنْ تُلِهِ ، رَضِيَ الوَرَقَةُ بِذَلِكَ ، أَو لَمْ
يَرْضَوا، إِلا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلثِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ إِجَازَتِهِم عَلَى مَا قَدَّمْنا .
٣٣٤٦٨ - وَهَذا كُلُّهُ قَولُ جَماعَةِ الفُقهاءِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا.
(١) الموطأ (٢: ٧٦٦)، والموطأُ برواية أبي مصعب (٣٠٠٩).

(٦) باب ما جاء في المؤنث من الرجال (*) ،
ومن أحق بالولد ( ** )
١٤٦٩ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ مُخَتَنَا كَانَ عِنْدَ أُمُّ
سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َُّ. فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُميَّةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ لٍَّ
(*) المسألة - ٧٠٥ - يحرم دخول المخنث على النساء ويمنعن من الظهور عليه وحكمه حكم الرجال
الفحول الراغبين في النساء، وكذا حكم الخصي والمجبوب ، والله أعلم .
وإنما كان يظن بهذا المخنث الذي كان يدخل على أزواج النبي عم أنه من غير أولي الإربة ، فلما
ظهر ذلك منه وبان أنه كان يتكتم بذلك منعه النبي عَّه من الدخول على النساء ، ومنعهن من
الظهور عليه .
والأظهر أن هذا المخنث كان ممن خلق هكذا ولم يتكلف التخلق بأخلاق النساء وكلامهن
وحركاتهن، وهذا معذور لا إثم عليه ولا عقوبة ، لذلك لم ينكر النبي عليه أولاً دخوله على النساء،
وإنما أنكر عليه معرفته بعد ذلك بأوصاف النساء . والصنف الآخر من المخنثين من لم يكن ذلك خلقة
بل يتكلف أخلاق النساء وحركاتهن وهيئاتهن وكلامهن ، ويتزيا بزيهن ، وهذا الصنف ممن جاءت
الأحاديث الصحيحة بلعنه غير الصنف الأول قال رسول الله عمية: ((لعن الله المتشبهات من النساء
بالرجال ، والمتشبهين بالنساء من الرجال ».
( ** ) المسألة ٧٠٦ - ولم يختلفوا أن الأم أحق بالولد الطفل من الأب ما لم تتزوج فإذا تزوجت فلا
حق لها في حضانه ، فإن كانت لها أم فأمها تقوم مقامها ثم الجدات من قبل الأم أحق به ما بقيت
منهن واحدة .
واختلف في الغلام الذي عقل واستغنى عن الحضانة فقال الشافعي إذا صار ابن سبع أو ثماني سنين
خير ، وقال أحمد يخير إذا كبر ، وقال أهل الرأي والثوري الأم أحق بالغلام حتى يأكل وحده
ويلبس وحده والجارية حتى تحيض ثم الأب أحق الوالدين .
=
- ٥٩ -

٦٠ - الاستذكار الجَامع لِمَذَاهِبِ فُقَهاء الأمْصارِ / ج ٢٣
يَسْمَعُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا، فَأَنَا أَدَّلَّكَ عَلَى ابْنَةٍ
غَيْلانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَّه ((لا يَدْخُلَنَّ
هَؤُلاءٍ عَلَيْكُمْ )).
٣٣٤٦٩ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَكَذَا رَوِى هَذا الْحَدِيثَ جَماعَةُ رُوَاةِ ((الْمُوَطَّأِ)) عَنْ
مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ بْنٍ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ مُرْسِلاً ، إِلاَ سَعْدَ بْنَ أَبِي مَرْمَ ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ
مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ .
٣٣٤٧٠ - وَلَمْ يَسْمَعْهُ عُرْوَةُ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ لأنَّ ابْنَ عُبِئَةَ وَغَيْرَهُ رَووهُ عَنْ هِشَامٍ
ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّها أُمِّسَلَمَةَ.
٣٣٤٧١ - وَهَذا أَصَحُّ أَسَانِيدِهِ عِنْدِي (١)، وَقَدْ ذَكَرَتُهُ فِي (( التّمْهِيدِ)).
= وقال مالك الآم أحق بالجواري وإن حضن حتى ينكحن والغلمان فهى أحق بهم حتى يحتلموا ،
ويشبه أن يكون من ترك التخيير وصار إلى أن الأب أحق به إذا استغنى عن الحضانة إنما ذهب إلى
أن الأم إنما حظها الحضانة ، لأنها أرفق به فإذا جاوز الولد حق الحضانة فإنه إلى الأب أحوج للمعاش
والأدب ، والأب أبصر بأسبابهما وأوفى له من الأم ولو ترك الصبي واختياره مال إلى البطالة .
(١) أخرجه مرسلاً كما عند مالك في الموطأ (٧٦٧:٢) النسائي في عشرة النساء من سننه الکبری ، عن
الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك به على ما جاء في تحفة الأشراف (٥٣:١٣).
وأخرجه موصولاً بهذا الإسناد الجماعة سوى الترمذي : البخاري في المغازي (٤٣٢٤ ) ، باب
((غزوة الطائف في شوال سنة ثمان)) (٤٣:٨) من فتح الباري. وفي النكاح باب ((ما ينهى من
دخول المتشبهين بالنساء على المرأة)). وفي اللباس، باب ((إحراج المتشبهين بالنساء من البيوت)).
وأخرجه مسلم في كتاب السلام، ح (٥٥٨٦) من طبعتنا ، باب (( منع المختث من الدخول على
النساء الأجانب)). (٧٤:٧). وأبو داود في الأدب، ح (٤٩٣٩)، باب ((في الحكم في المخنثين)) =