Indexed OCR Text

Pages 1-20

الإِسْتِد ◌َار
الجَامِع لمذاهب فقهاء الأمْصَار وَعُلمَاء الأقطار فيما تضْمَنهُ المَوَطَّا
مِنْ مَعَالى الرأى وَالآثار وَشْرِح ذلكَ كُلِّ بِالإِجَازِ وَالاخْتِصَار
مَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ - بَعْدِ كَابِاللَّهِ
أَصَحُ مِن كِتَابِ مَالِكٍ "الإمَامِ الشَّافِعِىّ"
تَضَنيف
ابن عبد البر
الإمام الحافظ إلى عمر يوسف بن عبد الله
ابن محمَّد بن عبد البر التمرى الأندلسىّ
٣٦٨هـ ٤٦٣ هـ
لَقَدْ كَانَ أَبُوعُمَر بن عَبْد البَرّمِنْ مُحورِ العِلْمِ
وَاشْتُهِرَ فَضْلُهُ فِ الأَقْطَارِ " الْحَافِظِ الذّهَبى"
يُطْبَعُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ كَامِلاَ فِى ثَلاثين بُجَّدًا
بالفَهَارِسِ العِلْمِيَّة عَن خَسْرُسَخْ خَطِيَّةٍ عَزِيزَةٍ
الجَلَُّ الثَّانِىِ وَالِعِشْرُون
وَثْقَّ أصُولَهُ وَخَجَ نُصُوصَهُ وَرَقُّهَا وَقَتَّنَ مَسَائِلَهُ وَصَنَعَ فَهَارِسَهُ
الدكتور / عبد الخطِ أمير فلقي
دَارُ الوَغى
حَلَبٌ - القَاهِرَة
:
دَار قتيبَة لِلطَّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ
دَمّشق - بَيْروُت
:

الطبعة الأولى
القاهرة المحرم ١٤١٤
المصادف تموز ( يوليو ) ١٩٩٣
جميع حقوق طبع الكتاب محفوظة للمحقق
ولا يجوز نشر الكتاب أو أي جزء منه ، أو تخزينه ، أو تسجيله
بأي وسيلة علمية مستحدثة ، أو الاقتباس من تخريجاته الحديثية أو
تعليقاته العلمية أو تصويره دون موافقة خطية من محققه .
كما أن متن الكتاب الذي وثقه المحقق عن خمس نسخ خطية
موصوفة في تقدمة الكتاب . هذا المتن مسجل بوزارة الإعلام في
سورية ، ومصر ، والمملكة العربية السعودية ، ودولة البحرين ،
والإمارات العربية المتحدة ، وجامعة الدول العربية واتحاد المحامين
العرب على أنه حق لمحقق الكتاب وهو الذي بذل في إخراجه عشر
سنين دأبا ، وكل من يأخذ المتن أو أي جزء منه ويشوه في هذا
التحقيق العلمي الممتاز للكتاب يحاسب قانونيا وعليه إبراز النسخ
الخطية للكتاب والله الموفق .

الاستذكار
الجامع لِمَذَاهِبِ فُقَهَاءِ الأمْصَارِ وعُلَمَاءِ الأقْطَارِ
فِيمَا تَضَمِّتَهُ الْمُوطَّأْ مِنْ مَعَانِي الرِّي والآثارِ
وَشَرْح ذَلكَ كُلّهُ بالإيجازِ والاختصارِ
المجلد الثاني والعشرين
٣٦ - كتاب الأقضية
يشمل أحاديث الموطأ من حديث رقم (١٣٨٨) إلى (١٣٦٢)
ويستوعب النصوص من فقرة (٣١٥٦٦) إلى (٣٣٢٠٥)

_ الأقْضِيَّة
كتابك
٣٦ -

-1.

الله الرحمن الرحيم
سم
وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وسلم
(١) باب الترغيب في القضاء بالحق(*)
١٣٨٨ - مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْت أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَِّيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ،
وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ،
فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقٌ أَخِيهِ ، فَلاَ
يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئاً ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ))(١).
(*) المسألة - ٦٦٨ - قال مالك والشافعي وأحمد: حكم الحاكم لا يحل الباطل، ولا يحل
حراماً ، فإذا شهد شاهدا زور الإنسان بمال فحكم به الحاكم لم يحل للمحكوم له ذلك المال ، ولو
شهدا عليه بقتل لم يحل للولي قتله مع علمه بكذبهما ، وأن شهدا بالزور أنه طلق امرأته لم يحل من
علم بكذبهما أن يتزوجها بعد حكم القاضي بالطلاق .
وقال أبو حنيفة : يحل حكم الفروج دون الأموال ، فقال : يحل نكاح المذكورة .
(١) الموطأ: ٧١٩، والموطأ برواية أبي مصعب الزهري (٢٨٧٧) ، ومن طريق مالك أخرجه الشافعي
في المسند ٢ / ١٧٨ وفي الأم (٧: ٤٠) باب ((في حكم الحاكم)) وفي الأم أيضاً ( ٦ : ١٩٩)
باب ((الإقرار والاجتهاد والحكم بالظاهر)) والبخاري في الشهادات (٢٦٨٠) باب من أقام البيئة
بعد اليمين، و (٧١٦٩) في الأحكام : باب موعظة الإمام للخصوم ، والطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) ٤ / ١٥٤، والبيهقي في السنن ١٠ / ١٤٣ و١٤٩، وفي معرفة السنن (١٤:
١٩٨٥٢ ).
وأخرجه الإمام أحمد ٦ / ٢٠٣ و ٢٩٠ - ٢٩١ و٣٠٧، وابن أبي شيبة ٧ / ٢٣٣ ومسلم في
الأقضية (٤٣٩٧) في طبعتنا وبرقم : ٤ - (١٧١٣) في طبعة عبد الباقي ، باب الحكم بالظاهر
واللحن بالحجة، والترمذي في الأحكام (١٣٣٩)، باب ما جاء في التشديد على من يقضى له =
- ٧ -

٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢٢
٣١٥٦٦ - ( قال أبو عمر )(١): لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِ هَذَا الَحَدِيثِ ، وَلاَ عَلَى
هِشَامٍ، وَقَدْ رَوَهُ (عَنْ)(٢) هِشَام، الثَّورِيِّ، وَأَبْن عُيَيْنَةَ، وَيَحبي القطَّان،
وَغَيرِهم، وَرَوَاهُ أيضاً مَعمَّرٌ ، عَنِ الزَّهرِيِّ، عَنْ عروةَ، عَنْ زَيْتَبَ ، عَنْ أُمِّها - أَمِّ
سَلَمَةً - عَنِ النَّبِيِّ عَّهِ مِثْلَهُ.
٣١٥٦٧ - وَقَدْ رُوِيَ ( مِنْ حَدِيثٍ)(٣) أَبِي هُرَيْرَةَ(٤)، عَنِ النَّبِيِّ عَِّ مِثْلُ ذَلِكَ
كُلِّهِ فِي (( الَّتِمهيدِ ))(٥) .
= بشيء ليس له أن يأخذه، والنسائي في آداب القضاة ٨ / ٢٣٣ باب الحكم بالظاهر، وابن ماجه
في الأحكام (٢٣١٧) باب قضية الحاكم لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً والدار قطني ٤ / ٢٣٩،
والبيهقي في السنن ١٠ / ١٤٩ من طرق عن هشام بن عروة ، بهذا الإسناد .
وأخرجه أحمد ٦ / ٣٠٨، والبخاري في المظالم (٢٤٥٨). باب إثم من خاصم في باطل وهو
يعلمه، وفي الأحكام (٧١٨١) باب من قضي له بحق أخيه فلا يأخذ ، و (٧١٨٥) باب القضاء
في كثير المال وقليله ، ومسلم (١٧١٣) (٥) و(٦)، والطحاوي ٤ / ١٥٤ والدار قطنى ٤ /
٢٣٩، والبيهقي ١٠ / ١٤٣ و١٤٩ - ١٥٠ من طرق عن عروة ، به .
وأخرجه أحمد ٦ / ٣٢٠، وابن أبي شيبة ٧ / ٢٣٤، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)» ٤ /
١٥٤ والدار قطنى ٤ / ٢٣٩، والبيهقى فى السنن ( ٦ : ٦٦) من طريق سفيان بن عيينة، عن
هشام، وبهذا الإسناد أخرجه الحميدي (٢٩٦)، والبخاري فى الحيل (٦٩٦٧) باب رقم (١٠)،
وأبو داود في الأقضية (٣٥٨٣) باب في قضاء القاضي إذا أخطأ والبيهقي في السنن ١٠ / ١٤٩.
(١) سقط في ( ي ، س).
(٢) سقط في (ك) ،وزيد في ( ي ، س).
(٣) في (ي ، س) : (عن)
(٤) عن أبي هريرة، عن رسول الله عَّه قال: (( إنما أنا بشر ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من
بعض ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً ، فإنما أقطع له قطعة من النار )) .
أخرجه أحمد ٢ /٣٣٢، وابن أبي شيبة ٧ / ٢٣٤ - ٢٣٥، وابن ماجه (٢٣١٨) في الأحكام :
باب قضية الحاكم لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً .
(٥) (٢٢ : ٢١٦)

٣٦ - كتاب الأقضية (١) باب الترغيب فى القضاء بالحق - ٩
٣١٥٦٨ - وَفِي هذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ:
أَنَّ البَشَرَ لاَ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، وَإِذَا كَانَ الأَنْبِيَاءُ يَعْرِفُونَ بِهَذا ، فَكَيْفَ يَصِحٌّ لِأحَدٍ
دَعوى ذَلِكَ؟ وَهَلْ يَحْصِلُ مِنْ عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَ مُدعيهٍ إلا التَّخَرُّصَ، وَالتَّظَنُنَ
بِالنَّجَامَةِ، أَو بِالنِّكَهُنِ، الَّذِي هُوَ (كُلُهُ)(١) إِلا يَسِيرٌ مِنْهُ ظَنِّ كَذِبٌ؛ لأَنَّ الظَّنَّ
أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَأَمَّا عِلْمٌ صَحِيحٌ مُتَقَّنٌ مُتَبِينٌ، فَلاَ سَبِيلَ إِليهِ، وَاللَّهُ أَعْلِمُ .
٣١٥٦٩ - وأمَّا قَولُهُ: ((فَلَعَلَّ بَعْضكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجْتِهِ مِنْ بَعضٍ »
يَعْنِيِ : أَفْطَنَ لها ، وَأَجْدَلَ بِها .
٠٫٠
٣١٥٧٠ - قَالَ أَبُو عُبِيدَةَ: اللَّحَنُ بِفَتْحِ الحَاءِ: الفِطْنَةُ، وَاللحْن بِجَزْمِ الحَاءِ الخَطَّأَ
فِي القَولِ .
٣١٥٧١ - وَفِيهِ أَنَّ القَاضِي إِنَّما يَقْضي على الخصْمِ بِما يَسْمَعُ مِنْهُ مِنْ إِقْرَارٍ ، أو
إِنْكَارٍ أَوَ بَيْنَاتٍ عَلَى حَسَبٍ مَا أَمْكَتْهُ السَّنَّهُ فِي ذَلِكَ .
٣١٥٧٢ - وَفِيهِ أَنَّ القَاضِيَ يَقْضِي بِكُلٌ مَا يقرُ بِهِ عِنْدَهُ (الْمُغِرُّ)(٢) لِمَنْ ادَّعى
عَلَيهِ؛ لِقَولِهِ عَّهِ: ((فَأَقْضِي (لَهُ بِمَعْنِى أَقْضِيٍ)(٣) عَلَيْهِ بِمَا أَسْمَعُ مِنْهُ، يُرِيدُ أَو مِنْ
بَيْنَّةِ المُدَّعِي؛ لأنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يسمعُ مِمَّا يحتاجُ أَنْ يَقْضِي بِهِ .
٣١٥٧٣ - ولَوَ أَقْرِّ الْمُقِرُّ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ بِمَا قَدِ اسْتَوْعَبَ سَمَاعَهُ مِنْهُ،
ثُمَّ جَحدَ الْمُقِرُّ إِقْرَارَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْضِرْ مَجْلِسَهُ ذَلِكَ ((شَهِيدَانِ))(٤) وَجَبَ عَلى
(١) سقط في (ك) ، وزيد من (ي، س).
(٢) سقط في (ك) .
(٣) سقط في ( ي، س).
(٤) في ( ي ، س) : شهود .

١٠ - الاستذکار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢٢
((القَاضِي))(١) الْحَاكِمِ ((القَضَاءُ))(٢) بِمَا سَمِعَ حضَرَهُ أَحَدٌ أَو لَمْ يَحْضِرَهُ.
٣١٥٧٤ - هَذَا قَولُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ، وَهُوَ قَولُ الكُوفِيِينَ، والشّافِعِيِينَ ،
وَغيرِهِمْ .
٣١٥٧٥ - وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ - رحمهُ الَّلهُ - أَنْ يحضرَهُ شَاهِدَانِ وَاجَازَ فِي ذَلِكَ
شهادَةَ العَدْلِ، وَغَيرِهِ ، ولَوْ عِلمَ أَنَّ ما شهدَ به الشهودُ عَلَى غير مَا شَهدوا به أن ينفذَ
علمه في ذلك دونَ شَهادَتِهِم ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ عِنْدَهُ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِىُ
لِلِصِّوَابِ .
٣١٥٧٦ - وَفِي ذَلِكَ أَيضاً رَدِّ(٣) وإِبْطَال (للحُكْمِ بِالهَوى، وَبِالظُّنُونِ أيضاً) .
٣١٥٧٧ - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجلّ: ﴿يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِفَةٌ فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ
بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتْبِعِ الهَوى فَيضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... ) الآية [٢٦ من سورة
ص ] .
٣١٥٧٨ - وَقَدِ احتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِهَذَا الَحَدِيثِ فِي رَدِّ حُكْمِ القَاضِي
(بِعِلْمِهِ)(٤)؛ لِقَولِهِ(( فَأَقْضِي لَّهُ عَلَى نَحو مَا أَسْمَعُ مِنْهُ)) وَلَمْ يَقُلْ: عَلَى نَحْرِ مَا عَلِمْتُ
مِنْهُ، أَو مِنْ قِصِّتِهِ .
٣١٥٧٩ - قَالَ: وَإِنَّمَا تَعَبِّدْنا بِالْحُكْمِ بِالبَيْنَةِ، وَالإِقْرَارِ ، وَهُوَ الْمَسْمُوعُ الَّذِي
(١) سقط في (ي، س).
(٢) سقط في (ك) .
(٣) كذا في ( ي، س): وفي ك : في .
(٤) سقط في (ك) .

٣٦ - كتاب الأقضية (١) باب الترغيب فى القضاء بالحق - ١١
قَالَ فِيه (عٌَّ): (إنما أقضي عَلَى نَحْرٍ مَا أَسْمَعُ))، وَذَلِكَ الْمَسْمُوعُ مِنَ الْمُقَرِّفِي
مَجْلِسِ الحُكْمِ.
٣١٥٨٠ - وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَولِ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ: ﴿وَاتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ
الخِطَّابِ﴾ [ص: ٢] أَنَّ فَصْلَ الخِطَابِ البَيْنَاتُ، أَو إِقْرَارُ مَنْ يَلْزَمُهُ إِقْرَارُهُ.
٣١٥٨١ - وَالعِلَّةُ فِي القَضَاءِ بِالبَِّةِ أَو الإِقْرَارِ دُونَ العِلْمِ الْتُّهْمَةُ؛ لأنَّ الَحَاكِمَ إِذَا
قَضِى بِعِلْمِهِ كَانَ مُدَّعِياً عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ، إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ .
٣١٥٨٢ - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ القَاضِيَ لَو قَتَلَ أَخَاهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَائِلٌ لَمْ يَجِبْ لَهُ القَوَدُ
مِنْهُ ، فَإِنَّهُ قَاتِلٌ عَمْدَاً ( وَالقَاتِلُ عَمْدَاً)(١) لاَ يَرِثُ ( مِنْهُ)(٢) شَيْئاً؛ لِمَوْضعِ التّهْمَةِ فِي
وِرَائْتِهِ .
٣١٥٨٣ - وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْتَجُ بِهِ فِي أَنَّ القَاضِيَ لا يَقْضِي بِعِلْمِهِ حَدِيثُ
مَعمرٍ، عَنِ الزُّهريِ ، عَنْ عروةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيِّ عَّهِ بَعَثَ أَبَا جهمٍ عَلى صَدَقةٍ ،
فَلاَجَّهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ ، فَوَقَعَ(٣) بَيْنُهم شجاجٌ، فَأَتَوا النَّبِيَّ ◌َ، فَأَخْبَرُوهُ ، فَأَعْطَاهُمْ
الأَرْشَِ، ثُمَّقَالَ: ((إِّي خَاطِبُ النَّاسَ وَمُخبرُهُمْ أَنْكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ ، أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا :
نَعَمْ، فَصعدَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهِ، فَخَطَبَ، وَذَكَرَ القِصَّةَ، وَقَالَ: أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا : لاَ،
فَهَمَّ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونَ ، فَزِلَ النَّبِيُّ ◌َِّ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمّ صَعدَ (المنبرَ)(٤) فَخَطَبَ، ثُمَّ
قَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ (٥).
(١) سقط في (ك) .
(٢) سقط في ( ي، ص).
(٣) في (ك) : ففرض .
(٤) سقط فى (ك) .
(٥) الحديث أخرجه أبو داود في كتاب الديات ح (٤٥٣٤) ، باب العامل يصاب على يديه خطأ =

١٢ - الاستدکار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢٢
٣١٥٨٤ - وَهَذَا بَيِّنٌ؛ لأنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ ( مِنْهُم)(١) بِمَا عَلِمَ مِنْهُم، وَلَقَضى بِذَلِكَ
عَلَيْهِم ، وَقَدْ عَلِمَ رِضَاهُم .
٣١٥٨٥ - وَهَذَا مُعْظَمُ مَا يحتجُّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ .
٣١٥٨٦ - وأمَّا مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِىَ بِعِلْمِهِ مِنْهُمْ: الشَّفِىُّ، وَالكُوفِيِّ ،
( وَسَنَذْكُرُهُمْ بَعْدُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ عَرَّ وجلَّ)(٢).
٣١٥٨٧ - فَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّهُ مُسْتيقنٌ قَاطِعٌ لِصِحَّةٍ مَا يَقْضِي بِهِ إِذَا عَلِمَهُ عِلْمَ
يَقِيِنٍ، وَلَيْسَتِ الشّهادَةُ عِنْدَهُ كَذَلِكَ؛ لأنّها قَدْ تَكُونُ كَاذِبَةً ، وَوَاهِمَةً، وَعِلْمُهُ
بِالشَّيْءٍ أَوْكَدُ؛ لأَنَّهُ يَنْتَغِي عَنْهُ فِي عِلْمِهِ الشِّكُ، والارْتِيَابُ .
٣١٥٨٨ - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ لَهُ أَنْ يُعَدِّلَ، وَيسقطَ العدولَ بِعِلْمِهِ ، فَكَذَلِكَ مَا
علمَ صِحْتْهُ .
٣١٥٨٩ - وَأَجْمَعُوا أيضاً عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلَمَ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهودُ عَلَى غَيرٍ مَا
شَهِدُوا بِ أَنَّهُ يَنَفْذُ عِلْمَهُ فِي رَدِّ شهادَتِهِم ، وَ يَقْضِي بِشَهَادَتِهِم ، وَيَردُّها بِعِلْمِهِ .
٣١٥٩٠ - وَمِمَّ احْتَجَّ بِهِ الشَّافِيُّ، وَغَيْرُهُ بِقِضَاءِ القَاضِي بِعِلْمِهِ حَدِيثُ عُبَادَةً
أبْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ عَّةِ قَولُهُ: ((وَأَنْ نَقومَ بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنَّا، لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ
لَوْمَةَ لاَئِمٍ))(٣).
= ( ٤ : ١٨١ - ١٨٢ ).
والنسائي في القسامة والقود والديات ، باب السلطان يصاب على يده . وابن ماجه في الديات
(٢٦٣٨)، باب الجارح يقتدي بالقود (٢: ٨٨١).
(١) سقط في ( ي، س).
(٢) سقط في ( ي ، س) .
(٣) عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه، عن جده. قال: بايعنا رسول الله عَّ على السمع =

٣٦ - كتاب الأقضية (١) باب الترغيب فى القضاء بالحق - ١٣
٣١٥٩١ - وَقَولُ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهدَاءَ لِلَّهِ﴾
[ النساء : ١٣٥ ] .
٣١٥٩٢ - وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ مَعَ زَوْجِهَا أَبِي سُفيانَ بْنٍ
حَرْبٍ فِي قَولِ النّبِيِّ ◌َّهِ فِيهِ: ((خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِلَعْروُفِ))(١) وَلَمْ يُكَلِّفْها
بيّةٌ؛ لأَنَّهُ عَلِمَ صِدْقَ قَولِها مِنْ قِبَلِ زَوْجِها، وَحَالِهِ الَّتِي عَرَفَ مِنْهُ.
٣١٥٩٣ - وَقَالُوا: إِنَّما يَقْضِي (بِمَا يَسمعُ)(٢) فِيما طَرِيقُهُ السَّمْعُ مِنَ الإِقْرَارِ ،
وَالبَيْنَةِ، وَأَمّا مَا كَانَ طَرِيقُهُ عِلْمُهُ، فَإِنَّهُ يَقْضِي فِيهِ بِعِلْمِهِ .
٣١٥٩٤ - وَلَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ مُتَازَعَاتٌ أَكْثُرُها تَشْغِيبٌ .
٣١٥٩٥ - وَالسَّلَفُ مِنَ الصِّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مُخْتَلِفُونَ فِي قَضَاءِ القَاضِي بِعِلْمِهِ
عَلَى حَسَبِ اخْتِلاَفٍ ثُقَهَاءِ الأمْصَارِ مِنْ ذَلِكَ.
٣١٥٩٦ - وَمِمَّا احْتَجِّ ◌ِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّالقَاضِي يَقْضِي بِعِلْمِهِ، فِيمَا قَضَى بِهِ
عِلمَهُ مَعَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مَارَويناهُ مِنْ طريق (غَيْرٍ وَاحِدٍ )(٣) عَنْ عَروةَ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ
= والطاعة. فى العسر واليسر. والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله،
وعلى أن نقول بالحق أينما كنا ، لا نخاف في الله لومة لائم
رواه البخاري في الأحكام (٧١٩٩) باب (كيف يبايع الإمام الناس)) الفتح (١٣ : ١٩٢)
ومسلم في المغازي ، ح (٤٦٨٦) في طبعتنا، باب (( وجوب طاعة الأمراء في غير معصية)) ورواه
النسائي في البيعة (٧: ١٣٨) باب (( البيعة على أن لا ننازع الأمر أهله)) وفي مواضع أخرى في
نفس الكتاب .
ورواه في مواضع من كتاب السير ( في الكبرى) على ما في تحفة الأشراف ( ٤ : ٢٦٠ - ٢٦١)
ورواه ابن ماجه فى الجهاد (٢٨٦٦) ((باب البيعة)). (٢: ٩٥٧).
(١) تقدم في النفقات ، وانظر فهرس أطراف الأحاديث النبوية الشريفة .
(٢) سقط في ( ى، س).
(٣) سقط فى (ك) .

١٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢٢
جَمِيعاً بِمَعْنِى وَاحِدٍ ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي مُخْزومٍ اسْتَعْدَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ عَلى أَبِي
سُفْيَانَ بْنٍ حَرْبٍ ؛ أَنْهُ ظَلَمَهُ حدّا فِي مَوْضع كَذَا ، وَكَذَا، فَقَالَ عُمَرُ : إِّي لَأَعْلَمُ
النَّاسَ بِذَلِكَ، وَرُبِّمَا لَعِبْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِيهِ ، وَنَحْنُ غِلْمَانٌ، فَإِذَا قَدمْتَ مَكَّةَ ، فَأُتِي بِأَبِي
سُفْيَانَ ، فَلَمَّا قَدَمَ مَكَّةَ، أَتَاهُ المَخْرُومِيُّ بِأَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَأَبَا سُفْيَانَ:
( انْهَضْ بِنا إِلى مَوضعٍ كَذَا، فَنَهضُوا، وَنَظَرَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَاأَبَا سُفْيَانَ!)(١) خُذْ هَذَا
الحَجَرَ مِنْ هَنَا ، فَضَعْهُ هَاهُنَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لاَ أَفْعَلُ ذَلِكَ (فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ،
فَقَالَ: لاَ، وَاللَّهِ لاَ أَفْعَلُ، فَقَالَ)(٢) وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ، فَقَالَ: لاَ أَفْعَلُ، فَعَلَهُ عُمَرُ بِالدّرَّةِ،
وَقَالَ خُذْهُ - لاَ أُمَّ لَكَ - وَضَعْهُ هَاهُنَا، فَإِنَكَّ قَدِيمُ الظُّلْمِ ، فَأَخَذَ أَبُو سُفْيانَ الحَجَرَ ،
وَوَضَعَهُ حَيْثُ قَالَ عُمَرُ ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ إِذْلَمْ
تُمِنِي حَتَّى غَلَّيْتَ عَلَيِّ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى رَأَيْهِ، فَأَذْلَتَهُ لِي بِالإِسْلاَمِ،: قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ
القِبْلَةَ أَبُو سُفْيَانَ وَقَالَ: اللَّهُمّ لَكَ الحَمْدُ ، الَّذِي لَمْ تُمِنْنِيٍ حَتِّى جَعَلْتَ فِي قَلْبِي مِنْ
الإِسْلاَمِ مَا ذَلِلْتُ بِهِ لِعُمَرَ (٣) .
٣١٥٩٧ - فَفِي هَذَا الخبر قَضَاءُ عُمَرَ بِعِلْمِهِ فِيمَا قَدْ عَلِمَهُ قَبْلَ وِلاَيَتِهِ .
٣١٥٩٨ - وَإِلِى هَذَا ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَورٍ، سَواءٌ
عِنْدَهُمْ عَلِمَ القَاضِي قَبْلَ أَنْ يَلِيَ القَضَاءَ، أَو بَعْدَ ذَلِكَ فِي مِصْرِهٍ كَانَ أَو غير مِصْرِهِ، لَهُ
أَنْ يَقْضِيَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عِندَهُم بِعِلْمِهِ .
٣١٥٩٩ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ القَضَاءَ ، أَورَآهُ فِي غَيرٍ مِصْرِهِ
(١) سقط في (ك) .
(٢) سقط في ( ي ، س).
(٣) المحلى (٩ : ٤٢٧)، والمغنى (٩ : ٥٤).
:

٣٦ - كتاب الأقضية (١) باب الترغيب فى القضاء بالحق - ١٥
لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِعِلْمِهِ؛ لأَنَّهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي ذَلِكَ ، وَمَا عَلِمَهُ بَعْدَ أَنِ اسْتُقْضِيَ ، أورآهُ
بمصرِهِ قَضى فِي ذَلِكَ بِعِلْمِهِ ؛ لأَنَّهُ فِي ذَلِكَ قَاضٍ لاَ يَحْتَاجُ أَنْ يضمُ إِليهِ فِيمَا يَقْضِي بِهِ
غيرهُ.
٣١٦٠٠ - وَهَذَا القَولُ مَأْخُوذٌ مِنِ اجْتِمَاعِ السَّلْفِ، وَجُمهورِهم، عَلَى أَنَّ مَا
أقَرَّ بِهِ المُقِرُّ عِنْدَ القَاضِي، وَهُوَ قَاضٍ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ يَقْضِي بِهِ .
٣١٦٠١ - وَتْفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ أَنَّ القَاضِيِ لاَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ
الْحُدُودِ ، لاَ فِيمَا عَلَمَهُ قَبْلَ وِلاَيَتِهِ ، وَلاَ فِمَا (عَلِمَهُ)(١) بَعْدَ ذَلِكَ، وَلاَ فِمَا رَآهُ
بِمِصْرِهِ ، وَلَ بِغَيرٍ مِصْرِهِ.
٣١٦٠٢ - وَقَالَ (الشّافِعِيُّ)(٢) وَأَبُو ثَورٍ: حُقُوقُ النّاسِ، وَحقُوقُ اللَّهِ سَوَاءٌ
(فِي ذَلِكَ)(٣)، وَالْحُدُودُ وَغَيرُها فِي ذَلِكَ (سَواءٌ)(٤) ، جَائِرٌ أَنْ يَقْضِيَ القَاضِي فِي
ذَلِكَ كُلِّهِ بِعِلْمِهِ .
٣١٦٠٣ - وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ : لَايَقْضِي القَاضِي فِي شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ
بِمَا عَلِمَهُ، لَقَبْلَ وِلِآَيَتِهِ، وَلَابَعْدَهَا، وَلَ يَقْضِي القَاضِي إِلَّ ◌ِالبََّاتِ، أَوِ الإِقْرَارِ .
٣١٦٠٤ - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (بْنُ حَنْبَلٍ)(٥).
٣١٦٠٥ - وَ(هُوَ قَولُ)(٦) شُريح، والشّعبي.
(١) سقط فى (ك) .
(٢)، (٣) سقط في ( ي، س) .
(٤) سقط في (ك) .
(٥) زيادة فى (ك) .
(٦) سقط في ( ي، س) .

١٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢٢
٣١٦٠٦ - وَفِي هَذَا الحَدِيثِ أيضاً إِيجَابُ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ دُونَ إِعْمَالِ الظَّنِّ،
والاسْتِحْسَانِ، أَلاَ تَرِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَّهِ قَضِى فِي الْمَلَعِيْنِ بِظَاهِرٍ أَمْرِهِمَا، وَمَا
ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهِمَا، وَنَفَاهُ صَاحِبُهُ، وَأَحْلَفَهُمَا بِأَيْمَانِ اللِّعَانِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلى
(غَيْرٍ )(١) ذَلِكَ، وَكَانَتِ المَرْأَةُ حَامِلاً، فَقَالَ عَّهِ: إِنْ جَاءَتْ بِالوَلَدِ عَلَى صِفَةٍ
كَذَا، وَكَذَا فَهُوَ الزَّوْجِ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلى صِفَةٍ كَذَا وَكَذَا، فَهُوَ لِلِّذِي رُمِيَتْ
بِهِ، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ المَكْرَوَهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ إِلَى ذَلِكَ؛ لأنَّ
الشَّبَهَ قَدْ يُنْزِعُ (عَنْهُ)(٢) ، وَقَدْ لَيْتَزَعُ، بَلْ أَمْضِى حُكْمَ اللَّهِ فِيمًا(٣) بَعْدَ أَنْ سَمِعَ
مَنْهَا ، وَلَمْ يُعرِّجْ عَلَى الظُّنِّ، وَ أَوْجَبَ بِالشِّبْهَةِ حُكْماً، وَلاَ رَدَّ بِهِ قَضاءً سلفَ مِنْهُ
مُجْتَهداً فِيهِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ ( الظَّاهِرُ)(٤) .
٣١٦٠٧ - وأمَّا قَولُهُ عَّهُ: ((فَمَنْ قَضَيتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِ أَخِيهِ فَلاَ يَأْخُذْهُ)
فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْمَةٌ مِنَ النَّارِ )) فَفِيهِ بَيَانٌ وَاضِحٌ بِأَنَّ قَضَاءَ القَاضِي بِالظَّاهِرِ الَّذِي يُعْتَدُ
(بِهِ)(٥) لا يحلُّ حَرَاماً فِي الْبَاطِنِ عَلى مَنْ عَلِمَهُ .
٣١٦٠٨ - وَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ (عَلَى)(٦) أَنَّ ذَلِكَ فِي الأَمْوَالِ صَحِيحٌ، كَما
وَصَفْنًا؛ لِقَولِ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وتُدَّلُوا بِها إِلى
الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨].
(١) سقط في ( ي، س).
(٢) في (ي ، س ) : إليه .
(٣) في ( ي ، س ) : سنته .
(٤)، (٥)، (٦) سقط في (ي، س).

٣٦ - كتاب الأقضية (١) باب الترغيب فى القضاء بالحق - ١٧
٣١٦٠٩ - وَاخْتَلَفُوا فِي حَلِّ عصْمَةِ النِّكَاحِ ، أَو عَقْدِها بِظَاهِرِ مَا يَقْضِي بِهِ
الحكمُ (وَهُوَ خِلاَفُ الْبَاطِنِ) (١)، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّورِيُّ ، وَالأَوْزَاعِيِّ ، والشَّافِيِّ ،
وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحاقُ ، وَأَبْوُ ثَورٍ ، وَدَاوُدُ ، وَجُمهورُ العُلماءِ: الأَمْوَالُ، وَالغُروجُ فِي
ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَهِيَ حُقُوقٌ كُلُّها لا يحلُ مِنِها القَضَاءُ الظَّاهِرُ مَا هُوَ حَرَامٌ فِي الْبَاطِنِ؛
لِعُمَومٍ قَولِ النِِّيِّ ◌َّةُ: ((فَمَنْ قَضَيْتُ لَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقٌ أَخِهِ فَلاَ يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ
لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)) ، وَلَمْ يَخُصَّ حَقًّ مِنْ حَقٌ .
٣١٦١٠ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَكَثِيِرٌ مِنْ أَصْحَابِنا: إِنَّما ذَلِكَ فِي
الأَمْوَالِ .
٣١٦١١ - وَقَالُوا فِي رَجُلَيْنٍ تَعَمَّدَا الشَّهادَةَ بِالزُّورِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ،
فَقَبلَ القَاضِي بشهادَتِهِما بِظَاهِرِ عَدَالَتِهما عِنْدَهُ وَهُمَا قَدْ تَعَمّدَا الكَذِبَ (٢)، فَفَرَّقَ
القَاضِي بِشهادَتِهِما بَيْنَ الرَّجُلِ، وَامْرَآتِهِ، ثُمِّ اعْتَدَتِ المَرَةُ: إِنَّهُ جَائِرٌ لِأَحِدِ الشَّاهِدَيْنِ
أَنْ يَتَزَوَّجَها ، فَإِنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّهُ كَانَ مِنْ شهادَتِهِ كَاذِبًاً .
٣١٦١٢ - (وهُوَ قَولُ الشَّعِبِيِّ)(٣)؛ لأنَّها لَمَّا حَلَّتْ لِلأُرْوَاجِ فِي الظَّاهِرِ كَانَ
الشَّاهِدُ ، وَغَيْرُهُ سَواءً؛ لأنَّ قِضَاءَ القَاضِي، (وَحُكْمَهُ) (٤) فَرِقَ بَيْنَها ، وَبَيْنَ
زَوْجِها، وَانْقَطَعَتْ عصْمَتُهَا مِنْهُ(٥)، وَلَوَلاَ ذَلِكَ مَا حَلَّتْ لِزَوجٍ غَيْرِهِ .
(١) زيادة في (ك) .
(٢) فى (ك) : الغلط .
(٣) سقط في ( ي ، س).
(٤) زيادة في (ك) .
(٥) في ( ي، س ) : عصمتها عنه .

١٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢٢
٣١٦١٣ - (وَأَحْتَجُوا بِحُكْمِ اللَّعَانِ)(١)، وَقَالُوا: مَعْلُومٌ أَنَّ الرَّوْجَةَ إِنَّما
وَصَلَتْ إِلى فراقِ زَوْجِها بِاللِّعانِ الكَاذِبِ الَّذِي لَو عَلَمَ الْحَاكِمُ كذِبَها فِيهِ مَا فَرَّقَ بَيْنُها
وَبَيْنَ زَوْجِها، وَلاَ حَكَمَ فِيها بِغِيرٍ ذَلِكَ مِنْ وُجُوبِ الَحَدِّ عَلَيها: (الَجَلْد)(٢)، أوٍ
الرَّجْمِ.
٣١٦١٤ - قَالُوا: فَلَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِي مَعْنِى (قَولٍ)(٣) النِّيِّ ◌َِّهِ: ((مَنْ قَضَيْتُ
لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ ، فَلاَ يَأْخُذْهُ)) .
٣١٦١٥ - قَالُوا: أَلاَ تَرِى أَنَّ مَنْ شُهِدَ عَلَيهِ بِالنِّكَاحِ ، أَو بَالطَّلاَقِ ، وَقَضی
القَاضِي (عَليهِ)(٤) بِذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الامْتِنَاعُ مِنْهُ، وَجَازَ الْحُكْمُ بِشِهَادَةِ الشُّهُودِ
عَلَيهِ، وَلَزِمَهُ النِّسْلِيمُ لَهُ، وَكَانَتْ فِرِقْتُهُ بِالظَّاهِرِ فُرْقَةٌ عَامَّةٌ ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ
دَخَلَ عَليهِ الشَّاهِدُ، وَغَيْرُهُ ، وَلَهُم فِي ذَلِكَ كَلاَمٌ يَطُولُ (ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ)(٥) أَكْثَرُهُ لاَ
يَصِحُّ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ .
٦ ٣١٦١ - وَالصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ مَا ذَهَبَ إِليهِ مَالِكٌ، وَالشَّاقِعِيُّ، (وَجُمهورُ )(٦)
فُقَهَاءِ المُسْلِمِينَ أَنَّهُ لاَ يَحِلُّ لِلشَّاهِدِ بالزُّورِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُطَلَّقْهَا
وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ إِذَا عَلَمَ لَمْ يَحِلِّ لَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
:
(١)، (٢) سقط في ( ي، س).
(٣) سقط فى (ك) .
(٤) سقط في (ك) .
(٥) زيادة فى (ك) .
(٦) في ( ي ، س) : جميع .
٠ ٠

٣٦ - كتاب الأقضية (١) باب الترغيب فى القضاء بالحق - ١٩
١٣٨٩ - مَالِكٌ عَنْ يَحَتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّ عُمَرَ
ابْنَ الْخَطَّابِ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ. فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْحَقِّ لِلِيَهُودِيِّ
فَقَضَى لَهُ، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: وَاللّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ بِالدِّرَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَا يُدْرِيِكَ؟ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُ: إِنَّا نَجِدُ أَنْهُ لَيْسَ
قَاضٍ يَقْضِي بِلَحْىٌّ، إِلا كَانَ عَنْ يَميِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمالِهِ مَلَكٌ . يُسَدِّدَانِهِ
وَيُوَفِّقَاتِهِ لِلِحَقِّ ، مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ . فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ ، عَرَجَا وَتَرَكَاهُ(١).
٣١٦١٧ - قال أبو عمر: إِنَّما ضَرَبَ عُمَرُ اليَهُودِيَّ - واللَّهُ أعلمُ - لأَنَّهُ كَرِهَ
مَدْحَهُ ، وَتَرْكِيَتَّهُ لِحُكمِهِ (فِي وَجْهِهِ)(٢).
٣١٦١٨ - وَأَمَّا جَوَابُ اليَهُودِيِّ لَهُ بَعْدَ ضَرْبِهِ إِيَّهُ ، فَقَولُهُ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ ؟
فَلَيْسَ عِنْدِي بِجَوَابٍ ؛ لِقَوْلِهِ وَمَا يُدْرِيكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
٣١٦١٩ - وَلَكِنَّ الَهُودِيِّ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ عُمَرَ كَرِهَ مَدْحَهُ لَهُ ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَجِدُ فِي
كُتبِهِ أَنَّ اللَّهِ تعالى ذِكْرُهُ يُعينُ القَاضِي عَلى الحَقِّ ، وَيُسدِّدُ لَهُ، وَيُوَفْقُهُ؟ لإِصَابَتِهِ إِذَا
أَرَادَهُ، وَقَصَدَهُ، وَمِنْ عَوْنِهِ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ الملَكَيْنِ عَنْ يَمِنِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ لِتَسْدِيدِهِ، وَهَذَا
كُلُّهُ تَرْغِيبٌ ، وَنَذْبٌ لِلْحَاكِمِ أَنَّ القَضَاءَ بِالْحَقِّ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ مَالِكٌ (الْبَابَ)(٣)،
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
٣١٦٢٠ - وَرَوَى ابْنُ عُبِنَةَ هَذَا الْخَبَرَ عَنْ يَحَى، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ
اخْتَصَمَ إِليهِ مَسْلِمٌ ، وَيَهُودِيٌّ ، فَرَأَى أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ، فَقَضَى لَهُ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ:
(١) الموطأ: ٧١٩، وبرواية أبي مصعب (٢٨٧٨).
(٢) سقط فى (ك) .
(٣) سقط في ( ي، س).

٢٠ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢٢
(وَاللَّهِ)(١) إِنَّ الْمَلَكَيْنِ؛ جِبريلَ، وَمِيكائِيلَ لَيَتَكُلَّمَانِ بِلِسَانِكَ، وَأَنَّهُمَا عَنْ يَمِينِكَ،
وَشِمَالِكَ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ ابالدٌرَّةٍ ، وَقَالَ (لَهُ)(٢): لاَ أُمَّ لَكَ! مَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ: إِنَّهُما
مَعَ كُلِّ قَاضٍ يَقْضِي بِالَحَقِّ ، مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ، فَإِذَا تَركَ الحَقَّ عَرَجَا ، وَتَرَكَاهُ.
فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ مَا أراكَ أَبْعَدْتَ .
٣١٦٢١ - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ، وَالكَافِرَ، وَالذِّمِّيَّ فِي الْحُكْمِ
بَيْنَهُما ، والفَصْلِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ .
٣١٦٢٢ - وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ الْمَدْحِ فِي الوَجْهِ (إِلا مَنْ أَدبٍ، فَافْعَلْهُ، فَلَآَخَرجَ
عَلِيكَ ، وَأَنَّ الَّذِي يَرْضَى بِأَنْ يُمْدَحَ فِي وَجْهِهِ)(٣) ضَعِيفُ الرَّأي .
٣١٦٢٣ - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَّهِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَ رَجُلاً يَمْدَحُ رَجُلاً، فَقَالَ
لَهُ: ((أَمَا إِنَّكَ لَو صَنَعْتُهُ، لَقَطِعْتَ ظَهْرَهُ))(٤).
٣١٦٢٤ - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ ((المدْحُ فِي الْوَجْهِ هُوَ الذَّبحُ))(٥).
٣١٦٢٥ - وَرُوِيَ عَنْهُ عَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((احْتُوا فِي وُجُوهِ المَدَّاحِينَ التُّرَابِ)).
(١) سقط في (ك) .
(٢) سقط في (ك) .
(٣) ما مضى بين الحاصرتين سقط في (ي، س) .
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، ح (٧٣٦٠)، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط
وخيف منه فتنة الممدوح (٨: ٤٥٢) من طبعتنا والبخاري في الشهادات ، ح (٢٦٦٣) ، باب ما.
یکره من الإطناب في المدح ، الفتح ( ٥ : ٢٧٦ )، وفي كتاب الأدب ، ح (٦٠٦٠)، باب ما
يكره من التمادح الفتح ( ١٠ : ٤٧٦ ) من حديث أبي موسى الأشعري (رضي الله عنه) .
(٥) أخرجه ابن ماجه في الأدب، ح (٣٧٤٣)، باب المدح (٢: ١٢٣٢). من حديث معاوية بن أبي
سفيان ( رضي الله عنهما ) .