Indexed OCR Text
Pages 81-100
١٥ - كتاب القرآن (٤) باب ماجاء في القرآن - ٨١
١٠٥٤٨ - فَأُولُ مَافِي حَدِيثِ مَالكِ هذا مِنَ المعَانِي أَنَّ الخَوارِجَ عَلَى الصَّحَابَةِ
(رضي الله عنهم) إِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ خَوَارِجِ لِقولِهِ مَّه لأصْحابِهِ: " يَخْرُجُ فِيكُم "،
وَمَعْنى قولِهِ : " فِيَكُمْ " أَي عَلَيْكُم كَمَا قَالَ تَعالى: ﴿في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [ الآية ٧١
من سورة طه]: أي عَلَيْكُم. كَمَا قَالَ تَعالى: جُذُوعِ النَّخْلِ .
١٠٥٤٩ - وَكانَ خُرُوُجُهم وَمُروقُهم فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ فَسُمَّوا " الخَوَارِجِ"(١)،
(١) لما كانت وقعة صِفِين بين عليّ ومعاوية، وطلب معاوية تحكيم كتاب الله اختلف أصحاب عليّ.
أيقبلونَ هذا التحكيم لأنهم يحاربون لإعلاء كلمة الله وقد دُعُوا إليها ، أم لا يقبلون لأنها خدعة
حربية لجأ إليها معاوية وصحبه لما أحسوا بالهزيمة ؟ وبعد جدال وتردد قَبِلَ على التحكيم ، واختار
معاوية عمرو بن العاص ليمثله ، واختار أصحاب عليّ أبا موسى الأشعري ، إذ ذاك ظهر قوم من جند
عليّ أكثرهم من قبيلة تميم ، نفروا من أن يحكمَ أحد في كتاب اللّه، ورأوا أن التحكيم خطأ، لأن
حكم اللّه في الأمر واضح جليّ والتحكيم يتضمن شك كل فريق من المحاربين أيهما المحق ، وليس
يصح هذا الشك ، لأنهم وقتلاهم إنما حاربوا وهم مؤمنون - بلا شك - أن الحق فى جانبهم : هذه
المعاني المختلجة في نفوسهم صاغها أحدهم فى الجملة الآتية: " لاحكم إلا للّه " فسرت الجملة سير
البرق إلى من يعتنق هذا الرأي ، وتجاوبتها الأنحاء ، وأصبحت شعار هذه الطائفة .
طلبوا من عليّ أن يقرّ على نفسه بالخطأ بل بالكفر ، لقبوله التحكيم ، ويرجع عما أبرم مع معاوية من
شروط ، فإن فعل عادوا إليه وقاتلوا معه ، فأبى عليّ ، وكان موقفه في منتهى الدقة ، فکیف يرجع
عن اتفاق أمضاه ، والدين يأمر بالوفاء بالعهود ، ولو رجع لتفرق عنه أكثر أصحابه ، وكيف يقر على
نفسه بالكفر، ولم يشرك بالله شيئاً منذ آمن، فضايقوه بالإكثار من (لاحكم إلا للّه) فإذا خطب في
المسجد قاطعوه بقولهم: تجاوبت بها أنحاء المسجد، ورآه أحدهم فتلا . ﴿وَلَقَدْ أُوحِي إِلَيْكَ وإلى
الذين مِنْ قبلك لئن أشركتَ لَيَحْبطنَّ عَملكَ وَلَتكُونَنَّ مِن الخَاسِرِين ﴾ يعرض به.
وزاد بعض الناس ميلا إلى رأيهم فشل الحكمين في حكمهما، وخيبة الأملين في أن التحکیم یحقن
الدماء ويعيد المسلمين إلى الوئام ، حتى انضم إليهم بعض القراء - من جيش علي - فلما يفست هذه
الجماعة من رجوع عليّ إلى رأيهم اجتمعوا في منزل أحدهم، وخطب خطيبهم يقول: " أما بعد،
فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينبيون إلى حكم القرآن ، أن تكون هذه الدنيا .. آثر عندهم
من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والقول بالحق ، وإن مُنْ وضُرٌ فإنه يُمن ويضر في هذه الدنيا =
٨٢ - الاستذكار الجامع لمذاهب فُقَهاء الأمصارِ / ج ٨
وَسُمُّوا : " المارِقَةَ " بقولِهِ فِي هذا الحدِيثِ: " يَمرِقُونَ من الدِّين كَما يحرقُ السَّهْمُ من
الرَِّيَّةِ" .
وَبِقَولِهِ ( عليه السلام ) : " تَقْتِلُ طَائِفَتَانَ مِنْ أُمَّتِي تَمرِقُ منهما مَارِقَةٌ تَقْتُلُها أُوْ لى
الطَّائِفَتَيْنِ بالحقِّ " ، فَهذا أَصْلُ مَا سُمَيَتْ بِهِ الخَوارِجُ والمارِقَةُ.
= فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله عز وجل ، والخلود في جناته ، فاخرجوا بنا إخواننا ، من هذه
القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة " . ثم
خرجوا إلى قرية من الكوفة تسمى " حَرورا" ، وسموا حينذاك بالحرورية نسبة إلى هذه القرية
وبالمحكّمة - أي الذين يقولون : لا حكم إلا لله - وهما اسمان كثيراً ما يطلقان على الخوارج،
وأمروا عليهم رجلا منهم اسمه عبد اللّه بن وهب الراسبي ، اسم الخوارج جاء من أنهم خرجوا على
علي وصحبه وإن كان منهم من يشتق اسم الخوارج من الخروج فى سبيل اللّه أخذاً من قوله تعالى :
ومَنْ يَخْرِجْ مِنْ بَيْتْهُ مَهَاجرا إلى اللَّه وَرَسوله ثمَّ يُدركُهُ المَوْتُ فقَدْ وَقَعَ أجرهُ على
اللّه﴾ وسموا أيضا " الشّرَاة" أي الذين باعوا أنفسهم للّه من قوله تعالى ﴿وَمَنَّ النّاسَ من يشترى
نفْسَهُ ابتغَاءَ مِرْضَاة الله﴾. وقد حاربهم عليّ في الوقعة الشهيرة بوقعة النهروان وهزمهم وقتل
منهم کثیراً ، ولكنه لم يبدهم ولم يبد فكرتهم ، وزادت هذه الهزيمة في إمعان الخوارج في كره عليّ،
حتى دبروا له مكيدة قتله ، فقتله عبد الرحمن بن مُلجم الخارجي ، وقد كان زوجاً لامرأة قُتِلَ كثير
من أفراد أسرتها في وقعة النهروان .
وظلت الخوارج شوکة في جنب الدولة الأموية يهددونها ويحاربونها حرباً تكاد تكون متواصلة في
شدة وشجاعة نادرة ، وأشرفوا في بعض مواقفهم على القضاء على الدولة وظل المهلب بن أبي صفرة
يجالدهم ويعاني في قتالهم الشدائد والأهوال السنين الطوال وكانوا فرعين : فرعاً بالعراق وما حولها ،
و کان أهم مركز لهم " البطائح " بالقرب من البصرة ، وقد استولوا على کِرمان وبلاد فارس وهددوا
البصرة، وهؤلاء هم الذين حاربهم المهلب ، واشتهر من رجالهم نافع بن الأزرق وقطرى بن الفجاءة.
وفرعاً بجزيرة العرب : استولوا على اليمامة وحضرموت واليمن والطائف ، ومن أشهر أمرائهم فيها:
أبو طالوت ، ونجدة بن عامر ، وأبو فديك .
ولم يتغلب الأمويون على هذين الفرعين إلا بعد حروب طويلة شديدة استمرت طول عهد الدولة
الأموية .
ثم كانوا كذلك في الدولة العباسية ، ولكن لم يكن لهم من القوة ما كان لهم في عهد الأمويين فقد
ضعف شأنهم ، وانحط قوادهم .
١٥ - كتاب القرآن (٤) باب ماجاء في القرآن - ٨٣
١٠٥٥٠ - ثُمَّ اسْتَمَرَّ خُروجُهم على السَّلاَطِينِ فَأَكَّدوا الاسْمَ، ثُمَّ افْتَرَقُوا فرقاً لها
أَسْماءُ .
١٠٥٥١ - مِنْهِم: الإِياضِيَّةُ أَنْبَاعُ عَبْد اللَّهِ بْنِ إباضٍ(١).
١٠٥٥٢ - وَالأزارِقَةُ أَتْبَاعُ نَافِعِ بْنِ الأَزْرَقِ (٢).
(١) الإباضية فرقة من فرق الخوارج، انقسمت عليهم لاختلافها معهم في فهم بعض القضايا العقيدية ،
مؤسس الإباضية هو عبد اللّه بن إباض المرِّي التميمي . وقد عاش ابن إباض في النصف الثاني من
القرن الأول الهجري ، ولم يشترك في ثورات الخوارج على الأمويين اللهم إلا في ثورة قامت فى
أواخر حكم مروان (١٢٧ هـ - ١٣٢ هـ)، وعندما أخمدت ثورتهم في جزيرة العرب امتدت
حركتهم إلى المغرب . وهناك مجموعات كثيرة من الإباضية في المغرب العربي إلى اليوم . يعترف
الإباضية بأبي بكر وبعمر فقط من الخلفاء الراشدين ، ولا يجدون الثأر لقتل عثمان أمراً ضرورياً .
ويختلف الإباضية عن جمهور الخوارج في أن الإباضية يرفضون الاغتيال السياسى وهو ما يسمى
عندهم بالاستعراض ، ويقوم التشريع عند الإباضية على القرآن والحديث ثم على الرأي ولا يقولون
بالإجماع والقياس.
ولا نعرف اليوم أقدم كتب الإباضية فى العقيدة، بل إن ابن النديم ١٨٢ لم يعرفها ولم تكن في
متناول يده . وقد وصلت إلينا رسالتان دينيتان عقيديتان لعبد الله بن إباض كتبهما إلى الخليفة عبد.
الملك بن مروان ، ذکرهما البرادي فی کتاب " الجواهر"، وأقدم کتاب إباضي وصل إلينا هو كتاب
الآثار لربيع بن حبيب ، وهو كتاب لابد أنه من مؤلفات منتصف القرن الثاني الهجري .
(٢) نافع بن الأزرق الحروري من رؤوس الخوارج، وإليه تنسب طائفة الأزارقة ، وقد خرج في أواخر
دولة يزيد بن معاوية ، وقد مزجوا تعاليمهم السياسية بأبحاث لاهوتية ، وقد كفّر نافع جميع المسلمين
ماعدا الخوارج وقال : إنه لا يحل لأصحابه المؤمنين أن يجيبو أحداً من غيرهم إلى الصلاة إذا
دعاهم إليها ، ولا أن يأكلوا من ذبائحهم ، ولا أن يتزوجوا منهم ، ولايتوارث الخارجي وغيره ،
وهم مثل كفار العرب وعبدة الأوثان ، لا يقبل منهم إلا الإسلام والسيف ، ودارهم دار حرب ،
ويحل قتل أطفالهم ونسائهم، ولا تحل التقيَّة، لأن الله يقول. ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهِمْ يَخْشَونَ النّاس
كخشيةِ اللهِ أو أشدَّ خَشِيةً﴾، واستحل الغدر بمن خالفه ، وكفّر القعدة ، أي الذين يقعدون عن
القتال مع قدرتهم عليه ولو كان هؤلاء القعدة على مذهبهم .
١
٨٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٨
١٠٥٥٣ - والصَّفْرِيّةُ: أَتْباعُ النَّعمانِ زياد بْنِ الأصفر (١).
١٠٥٥٤ - وأَتْباعُ نَجْدَةَ الحَرْوريِّ يُقالُ لَهمُ " النجداتُ " ، وَلَمْ يقُلْ فِيهم
النَّجدية، وَمَا أَظُنُّ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إلا ليفرِّقِ بَيْنَ مَا انْتسبَ إِلى بِلادِ نَجْدٍ وَيَنَهُمْ (٢).
١٠٥٥٥ - وَفِرَفْ سِوَاها يَطُولُ ذِكْرُها وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ، وَهُمْ يتسمونَ
بالشّرَاةِ(٣) ولا يُسَمِيْهِم بِذَلِكَ غَيْرُهُم ، بَلْ أَسْماؤهم الَّتِي ذَكرْناها عنهم مشهورةٌ فِي
الأخْبَارِ وَالأَشْعَارِ .
(١) الصُّغْرِيَّةُ، بِالضَّمِّ: جِنْسٌ مِنَ الخَوارجِ، وقِيلَ: قَوْمٌ مِنَ الحَرُوريَّةِ سُمُّوا صُغْرِيَّةٌ ، لأنهُمْ نُسِوا إلى
صُفْرَةِ ألوانِهِمْ، وقيل: إلى عَبْدِ اللّهِ بْنِ صَفَّارٍ؛ فَهُوَ عَلى هذا الْقَولِ الأَخِيرِ مِنَ النْسبِ النَّادِرِ،
وفي الصِّحاح: صِنْفٌ مِنَ الْخَوارِجِ تُسِبُوا إِلى زيادِ بْنِ الأَصْفَرِ رِئِيسِهِمْ، وزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّالذِي نُسِبوا
إِلَيْهِ هُوَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الصِّفَّارِ وَأَنْهُمُ الصَّفْرِيةُ، بِكَسْرِ الصَّادِ؛ وقالَ الأَصْمَعِيُّ: الصَّوابُ: الصَّغْرِيَّةُ،
بِالْكَسْرِ، قالَ: وخاصَمَ رَجَلٌ مِنْهُمْ صاحِبَهُ في السِّجْنِ فقالَ: أَنْتَ واللّهِ صِفْرٌ مِنَ الدِّينِ، فَسُمُّوا
الصَّفْرِيةَ.
(٢) النَّجَدات: أتباع نجدة بن عامر وأهم تعاليمه التي انفرد بها أن المخطئ بعد أن يجتهد معذور ، وأن
الدين أمران : معرفة اللّه ومعرفة رسوله، وماعدا ذلك فالناس معذورون بجهله إلى أن تقوم عليهم
الحجة ، ومن أداه اجتهاده إلى استحلال حرام أو تحريم حلال فهو معذور ، وعظم جريمة الكذب
على الزنا وشرب الخمر ولنافع مع نجدة بن عامر مناقشات طويلة ممتعة حول هذه المبادئ.
وهذه الفرق الأربع : الأزارقة ، والنجدات ، والإباضية ، والصفرية: هي أشهر فرق الخوارج.
(٣) سمّى الخوارج أنفسهم: "الشراة " أي الذين باعوا أنفسهم لله، من قوله تعالى ﴿ومن الناس من
يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله؟
١٥ - كتاب القرآن (٤) باب ماجاء في القرآن - ٨٥
١٠٥٥٦ - قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ الرُّفِيَّاتِ (١):
على أنّها مَعَشْوقَةُ الدَّلِّ عَاشِقَهْ
أَ طَرَقَتْ مِن آل بَشَْةَ طارِقَهْ
وسُولافُ رُسْتَاقٌ حَمَتْهُ الأَزَارِقَهْ
تَبِيتُ وأرضُ السُّوسِ بَيْنِي وبينَها
حَرُوُرِيَّةٌ أَضْحَتْ مِنَ الدِّينِ مَارِقَهُ (٢)
إذا نحن شِئْنَا صَادَفَنَا عِصَابةٌ
١٠٥٥٧ - وَاَلَحَرُورِيَّةُ مَنْسُوبَةٌ إِلى حَرُوراءَ (٣) خَرجَ فِيهِ أولهم على عَلي رضي
الله عنه فَقَاتَّلَهُم بِالنَّهْروانِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عليهم فَقَتَلَ مِنْهمُ أَلُوفاً، وَهُمْ قَومٌ اسْتَحْلُوا بِمَا
تَأْوِلُوا مِنْ كِتَابِ اللّهِ (عز وجل) دِمَاءَ المُسْلِمِينَ وَكَفْرُوهُم بالذّنُوبِ وَحَمَلُوا عَليهم
السَّيْفَ، وَخَالَفُوا جَمَاعَتَهم فَأَوْجَبُوا الصَّلاَةَ عَلَى الْخَائِضِ وَلَمْ يَروا عَلى الزّاني
الْمُحْصَنِ الرَّجْمَ وَلَمْ يُوجِبُوا عَليهِ إلَّ الحَدَّ مئة، وَلَمْ يُطَهِّرْهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِم إِلَّ الَمَاءُ
الجَارِي أَو الكَثِيرُ الْمُستبحرُ .. إلى أشياءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا قَدْ آتَيْنَا عَلَى ذِكْرٍ أَكْثِرِها فِي غَيْرِ
هَذَا المَوْضِعِ، فَمرِقُوا مِنَ الدِّينِ بِمَا أَحْدَثُوا فِيهِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرّميةِ كَما قالَ.
(١) هو الشاعر : عبد الله بن قيس الرقيات قيل في الرقيات أنه نكح نساء اسم كل واحدة رقيّة ، وقيل :
کانت له جدات کذلك وقیل: کان یشبب بثلاث کذلك وفي الأغاني أنه کان زیری الھوی
خرج مع مصعب بن الزبير على عبد الملك بن مروان ، فقاتل معه إلى أن قتل مصعب فخرج هارباً
حتى دخل الكوفة ، ثم استشفع إلى عبد الملك فأمَّته ، وله معه حوار ذكره صاحب الأغاني ،
وغيره . خزانة الأدب ( ٧ : ٢٨٥ - ٢٨٩)
(٢) الأبيات من البحر الطويل في ديوانه: ١٦٢، والكامل ١١٠٤، ١٢٥٠.
(٣) قرية من الكوفة .
٨٦ - الاستذکار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٨
١٠٥٥٨ - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " التّمْهِيدِ " الْحُكْمَ فِيهِم عِنْدَ العُلماءِ(١).
(١) بعد أن ذكر المصنف في التمهيد (٢٣: ٣٣٧ - ٣٣٨) رأي الإمام مالك في الخوارج وأهل
القدر ، وأنهم يقتلون من أجل الفساد الداخل في الدين ، إلا أنه يرى استتابتهم لعلهم يراجعون الحق،
فإن تمادوا قتلوا على إفسادهم لا على كفر .
قال أبو عمر :
هذا قول عامة الفقهاء الذين يرون قتلهم واستتابتهم ، ومنهم من يقول : لا يتعرض لهم باستتابة ولا
غيرها ما استتروا ولم يبغوا ويحاربوا ؛ وهذا مذهب الشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهما ، وجمهور
أهل الفقه ، وكثير من أهل الحديث .
قال الشافعي - رحمه الله - في كتاب قتال أهل البغي: لو أن قوما أظهروا رأي الخوارج وتجنبوا
جماعة المسلمين وكفروهم ، لم تحل بذلك دماؤهم ولا قتالهم؛ لأنهم على حرمة الإيمان حتى يصيروا
إلى الحال التي يجوز فيها قتالهم من خروجهم إلى قتال المسلمين ، وإشهارهم السلاح، وامتناعهم من
نفوذ الحق عليهم، وقال : بلغنا أن علي بن أبي طالب بينما هو يخطب ، إذ سمع تحكيما من ناحية
المسجد ، فقال : ماهذا ؟ فقيل : رجل یقول : لا حكم إلا لله ؛ فقال علي - رحمه الله - كلمة حق
أريد بها باطل ، لانمتعکم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نمتعكم الفيء ما كانت أيديكم مع
أيدينا ، ولا نبدؤكم بقتال .
قال : وكتب عدي إلى عمر بن عبد العزيز أن الخوارج عندنا يسبونك ، فكتب إليه عمر: إن سبوني
فسبوهم أو اعفوا عنهم ، وإن شهروا السلاح فأشهروا عليهم، وإن ضربوا فاضربوا . قال الشافعي :
وبهذا كله نقول ، فإن قاتلونا على ما وصفنا قاتلناهم، فإن انهزموا لم نتبعهم ولم نجهز على جريحهم .
قال أبو عمر :
قول مالك في ذلك ومذهبه عند أصحابه في أن لا يتبع مدبر من الفئة الباغية ، ولا يجهز على جريح
- كمذهب الشافعي سواء، وكذلك الحكم في قتال أهل القبلة عند جمهور الفقهاء ، وقال أبو حنيفة
- إن انهزم الخارجي أو الباغي إلى فئة اتبع ، وإن إنهزم إلى غير فئة لم يتبع .
قال أبو عمر :
أجمع العلماء على أن من شق العصا وفارق الجماعة ، وشهر على المسلمين السلاح؛ وأخاف
السبيل، وأفسد بالقتل والسلب، فقتلهم وإراقة دمائهم واجب ؛ لأن هذا من الفساد العظيم في
الأرض ، والفساد في الأرض موجب لإراقة الدماء بإجماع ، إلا أن يتوب فاعل ذلك من قبل أن يقدر
عليه والانهزام عندهم ضرب من التوبة ، و كذلك من عجز عن القتال ، لم يقتل إلا بما وجب عليه من
قبل ذلك. ومن أهل الحديث طائفة تراهم كفارا على ظواهر الأحاديث فيهم مثل قوله : ((من
حمل علينا السلاح فليس منا))، ومثل قوله: ((يمرقون من الدين)) ؛ وهي آثار يعارضها غيرها فيمن لا
يشرك بالله شيئا ، ويريد بعمله وجهه - وإن أخطأ في حكمة واجتهاده ، والنظر يشهد أن الكفر لا
یکون إلا بضد التی یکون بها الإيمان .
١٥ - كتاب القرآن (٤ ) باب ماجاء في القرآن - ٨٧
١٠٥٥٩ - روى ابنُ وهبٍ وغيرُهُ عَنْ سفيانَ بْنِ عُیینةَ ، عَنْ عُبيدِ اللَّهِ بنِ أبي
يَزِيدَ، قالَ: ذُكِرَتِ الْخَوَارِجُ وَاجْتِهَادُهُمْ يَعْنِي فِي الصَّلاَةِ، وَالصِّامِ، وَتِلاوَةِ القُرآنِ
عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فقالَ: لَيسُوا بِأَشَدَّ اجْتهاداً مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى ثُمَّ هُمْ
يضلُّونَ(١).
١٠٥٦٠ - وأمَّا قولُهُ: "يَقْرَؤُنَ القُرآنَ لاَ يجَاوِزُ حَتَاجِرَهُمْ " ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهِمُ لَمْ
يَنْتَفِعُوا بِقَرَاءَتِهِ إِذْتَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيرٍ سَبِلِ السَّةِ الْمَِّةِ لَهُ ، وَإِنَّمَا حَمَلَهم عَلَى جَهْلِ السَّةِ
وَمُعَادَاتِها وَتَكْفِيرِهِم السَّلَفَ وَمِنْ سَلَكَ سَبِيلَهم وَرَدهم لِشَهَادَاتِهِمْ وَرِواياتِهم ، تَأَوَّلُوا
القُرآنَ بِآرائِهِم فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ وَلاَ حصلُوا مِنْ تِلاوَتِهِ إِلاَّ على مَا يحصلُ
عَلَيهِ الماضِغُ الَّذِي يَبْعُ وَ يُجاوزُ مَا فِي فِيهِ مِنَ الطَّعامِ حَنْجرتَهُ .
١٠٥٦١ - وأمَّا قولُهُ: "يَمْرْقُونَ مِنَ الدِّينِ" . فَالْرُوقُ الخُروجُ السَّرِيعُ كَما
يَخْرجُ السَّهْمِ مِنَ الرميةِ. وَالرّمّةُ الطَّريدةُ مِنَ الصِّيْدِ، المَرْمَيَّةُ مِثْلُ المَقْتُولَةِ والقَتِلَةِ .
١٠٥٦٢ - قالَ الشَّاعِرُ:
النَّفْسُ مَوْقُوفَةٌ وَالَوتُ غَايَتُها
نصب الرّمّة لِلأحْداثِ تَرْمِیھا
١٠٥٦٣ - وقالَ أَبُو عُبيدٍ: كما يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرّمَيَّةِ قالَ: يَقُولُ خَرجَ
السَّهْمُ وَلَمْ يتميزْ بِشَيْءٍ كَمَا خَرَجَ هَؤُلاءِ مِنَ الإِسْلامِ وَلَمْ يَتَمَسْكُوا مِنْهُ بِشَىْءٍ .
١٠٥٦٤ - وَقَالَ غيرُهُ: قَولُهُ فِي الحَدِيثِ " وَيَتَمارى في الفُوقِ "دَلِيلٌ عَلَى الشَّكُّ
فِي خُرُوُجِهِم جُمْلَةٌ عَلَى الإِسْلاَمِ. لأَنَّ الثَّماري الشِّكُّ. فَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ في خُرُوجِهِم
لَمْ يَقْطَعْ عَلَيهم بالخُرُوجِ الكُلِّيِّ مِنَ الإِسْلامِ.
١٠٥٦٥ - وَحْتَجْ مَنْ ذَهَبَ هَذا الَّذْهَبَ بِلَفْظَةٍ رويَتْ فِي بَعْضِ الأحادِيثِ
(١) مصنف عبد الرزاق (١٠: ١٥٣)، الأثر (١٨٦٦٥).
٨٨ - الاستذ کار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج٨
الوَارِدةِ فِيهِم، وَفِي قَوْلِهِ عَّهُ " يَخْرُجُ فِيكُمْ قَومٌ مِنْ أُمَّتِي " ، فَلَو صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ
{ كَانَتْ} (١) شَهادةً مِنْهَ (عليه السلام) أنَّهُمْ مِنْ أَمَتِّهِ.
١٠٥٦٦ - حدَّثْنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ سُفيانَ ، قالَ: حدَّثْنَا قَاسَمُ بْنُ أصبغِ، قالَ :
حَدَّثنا بكر بن حماد (٢) ، قالَ: حدّثنا مسدد قالَ: حَدَّثْنَا مُجالدٌ ، قالَ : حدَّثْنَا أَبُوُ
الوَدَّاكِ ، وَاسْمُهُ جَيْرُ بْنُ نوفٍ ، قالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
تَُّ: "يَخْرُجُ قَومٌ مِنْ أُمِّي: عِنْدَ فُرْقَةٍ " أو قالَ: " عِنْدَ اخْتِلافٍ مِنَ النَّاسِ، يَقْرَؤُنَ
القُرْآنَ كَأَحْسَنَ مَا يَقْرَأُهُ النَّاسُ وَيَرِعونَهُ كَأَحْسَنَ مَا يَرِعاهُ النَّاسُ يَعْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا
يمرقُ السّهْمُ مِنَ الرِّيِّ يَرْبِي الرَّجُلُ الصِّيْدَ فَنفذُ الفَرتُ وَالدَّمُ فَأَخِذُ السَّهْمَ فَتَمَارى
أصابَهُ شَيْءٌ أَمْ لَ، { هُمْ }(٣) شَرِّ الْخَلْقِ وَالْخَلِقَةِ تَقْتُلُهُمْ أَوْلِى الطَّائِفَتَيْنِ بِاللَّهِ أو أَقْرَبُ
الطَّائِفَتَيْنِ إلى اللَّهِ (٤).
١٠٥٦٧ - قالَ بَعْضُ العُلماءِ فِي هَذا الْحَدِيثِ: مَعْنِى قَولِهِ " يَخْرُجُ قَومٌ مِنْ أُمَّتِي"
أي فِي دَعْواهُم .
١٠٥٦٨ - قالَ أَبُو عُمَرَ: أَكْثِرُ طُرُقِ الأحَادِيثِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدريّ ، عَنِ
النّبِيِّ ◌َّهُ فِي هَذَا الَبَابِ إِنَّمَا فِيهَا أَنَّ رَسُولَ اللّهِ عَلْ قَالَ " تَلْتَقِي مِنْ أُمَّتِي فِتَتَانِ "
أو "تَقْتِلُ مِنْ أُمَّتِي فِتَتَانِ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ مَرَقَتْ مَارِقَةٌ بَيْنَهُمَا يَقْتُلُها أوْلى الطّائِفَتَيْنِ
بالحَقِّ".
(١) في (ك): " ثم" ، وهو تحريف .
(٢) في (ك): حماد بن بكر، وأثبتُ مافي (س)، والتمهيد (٢٣: ٣٢٨).
(٣) ما بين الحاصرتين سقط في (4)، وأثبته من (س)، وفي " التمهيد" (٢٣ : ٣٢٩): "هم
شرار الخلق " .
(٤) انظر تخريج الحديث ( ٤٥٢).
١٥ - كتاب القرآن ( ٤ ) باب ماجاء في القرآن - ٨٩
١٠٥٦٩ - وَقَدْ ذَكَرْنا طُرُقَ هَذا الحَدِيثِ فِي التَّمْهِيدِ "(١) .
١٠٥٧٠ - قالَ الأَخْفَشُ: شَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ لَيْ مُرُوقَهُم مِنَ الدِّينِ بِرميةٍ الرامي
الشَّدِيدِ السَّاعِدِ الذي رَمِى الرِّيَّةَ فَأَنْقَذَهَا سَهْمَهُ وَقَعَ فِي جَانِبٍ مِنْهَا وَخَرَجَ مِنَ الْجَانِبِ
الآخرِ لِشِدَّةِ رَمَيتِهِ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالسَّهْمِ دَمْ وَلاَ فَرْتٌ، وَكَأَنَّ الرَّامِ أَخَذَ السَّهْمَ فَنَظَرَ
فِي نَصْلِهِ وَهُوَ الَحَدِيدَةُ الَّتِي فِي السَّهْمِ فَلَمْ يَرَ شَيْئاً مِنْ دَمٍ وَلاَ فَرْثٍ، ثُمَّ نَظَرَ فِي الِقِدْحِ
- والقِدْحُ: عُودُ السّهْمِ - فَلَمْ يَرَ شيئاً، ونَظَرَ فِي الرّيْشِ فَلَم يَرَ شَيئاً .
١٠٥٧١ - وَقَوله: " يتمارى في الفوق "
أَيْ يَشُكُ إِنْ كَانَ أَصابَ الدَُّ الفُوقِ أَمْ لا .
١٠٥٧٢ - وَالفوقُ هُوَ الَّشيْءُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الوترُ، قالَ: يقولُ: فَكما يَخْرُجُ
السَّهْمُ نَقِيّاً مِنَ الدَّمِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ يَخْرُجُ هَؤُلاءِ مِنَ الدِّينِ يَعْنِي
الحَوارِجَ .
١٠٥٧٣ - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعمٍ، عَنْ أَيُوبَ ، عَنْ نَافِعِ، قالَ : قِيلَ لاِبْنِ
عُمَرَ : إِنَّ نَجْدَةَ الحرورِيِّ يَقُولُ إِنَّكَ كَافِرٌ وأرَادَ قَتْلَ مَولاكَ إِذْ لَمْ بِقُلْ إِنَّكَ كَافِرٌ فَقَالَ
أَبْنُ عُمَرَ: واللَّهِ مَا كَفَرْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ .
١٠٥٧٤ - قالَ نَافعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ حِينَ خَرَجَ نجدةُ يَرى قِتَالَهُ.
١٠٥٧٥ - قالَ عبدُ الرَّزَاقِ: وَأَخْبرنا مَعمرٌ، عَنِ ابْنٍ طَاووسٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ كَانَ
يُحَرّضُ عَلَى قِتالِ الحَرُورِيَّةِ .
(١) (٢٣: ٣٢٧ - ٣٢٩).
٩٠ - الاستذ کار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٨
١٠٥٧٦ - وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بكيرٍ بْنِ الأشجِّ أَنَّهُ
{سَأَلَ}ِ نَافِعاً: كَيْفَ كَانَ رَأَيُ ابْنٍ عُمَرَ في الْخَوارِجِ؟ فقالَ: كَانَ يَقُولُ: هُمْ شِرَارُ
الخَلْقِ؛ انطَلَقُوا إلى آياتٍ أَنْزِلَتْ فِي الكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا فِي الْمُؤْمِنِينَ.
١٠٥٧٧ - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " التّمْهِيدِ "(١) رِوَايَةَ جَماعَةٍ عَنْ عِلي ( رضي الله
عنه) أَنَّهُ سُلَ عَنْ أَهْلِ النّهروانِ أَكْفَّارٌ هُمْ؟ قالَ: مِنَ الكُفْرِ فَرُوا. قِيلَ : فَهُمْ
مُنَافِقُونَ؟ فقالَ: إِنَّ الْنَافِقِينَ لاَ يَذْكرونَ الله ◌ِلَقَلِيلاً. قِيلَ: فَمَا هُمْ ؟ قالَ : قَومٌ ضَلْ
سَعْيُهِم وَعَمُوا عَنِ الْحَقِّ وَهُمْ بَغَوا عَلَيْنَا؛ فَقَاتَلْنَهُمْ، فَنَصَرَّنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
١٠٥٧٨ - وَذَكَرَ نعيمُ بْنُ حَمَّدٍ، عَنْ وَكِيعِ، عَنْ مسعرٍ، عَنْ عَامِرٍ بْنِ شقيقٍ
عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَلِيِّ ( رضي الله عنه) قَالَ: لَمْ تُقِلْ أَهْلَ النَّهروانِ عَلَى الشَّرْكِ .
١٠٥٧٩ - وَعَنْ وَكِيعِ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ حَكِيمٍ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ .
١٠٥٨٠ - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقَاوِيلَ الفُقهاءِ {فِي قِتَالٍ } الَوَارِجِ وَأَهْلِ البَغْيِ وَالْحُكْمَ
فِيهِمْ بَعْدَ ذِكْرٍ سِيرَةٍ عَلِيِّ (رضي الله عنه) فِيهِم وَفِي غَيْرِهِمْ مِمَّنْ قَاتَلَهُ فِي حِينٍ قَالِهِ
لَهُمُ مَبْسُوطَةً فِي "النِّمْهِيدِ" (٢)، وَالحَمْدُ للَّهِ.
١٠٥٨١ - وَفِي هَذا الَحَدِيثِ نَصَّ عَلَى أَنَّ القُرْآنَ قَدْ يَقْرَؤُهُ مَنْ لاَدِينَ لَهُ وَلاَ خيرَ
فيه ولا يُجَاوِزُ لِسَانَهُ. وَقَدْ مَضَى هَذَا المَعْنَى عِنْدَ قَولِ ابْنٍ مَسْعُودٍ : " وَسَيَأْتِي عَلَى
النَّاسِ زَمَانٌ قَلِلٌ فُقَهَاؤُهُ كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ تُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ القُرآنِ وَتَضِيعُ حُدُودُهُ(" (٣).
(١) (٢٣: ٣٣٤ - ٣٣٥).
(٢) (٢٣: ٣٣٥ - ٣٣٦).
(٣) تقدم ، وانظر فهرس أطراف الآثار .
١٥ - كتاب القرآن (٤ ) باب ماجاء في القرآن - ٩١
١٠٥٨٢ - وَذَكَرْنَا هُناكَ قَولَ رَسُولِ اللَّهِ لَّه: "أكْثُر مُنَافِي أُمَّتِي قُرَاؤُها"(١)
وَحَسِبُّكَ بِما تَرِى مِنْ تَضْبِعِ حُدُودِ القُرآنِ وَكَثْرَةٍ تِلاَوَتِهِ فِي زَمَانِنَا هَذَا بِالأَمْصَارِ
وَغَيْرِها مَعَ فِسْقٍ أَهْلِها - وَاللَّهَ أَسْأَلُهُ العِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ وَالرَّحْمَةَ فَذَلِكَ مِنْهُ لاَشَرِيكَ لَهُ.
٤٥٣ - وأمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ، مَكَثَ عَلَى
سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، ثَمَنِيَ سِنِينَ يَتْعَلَّمُها .
١٠٥٨٣ - فَهُوَ مِنْ قَولِ ابْنٍ مَسعُودٍ رضي الله عنه " إِنَّكَ فِي زَمَانٍ كَثِير فُقَهَاؤُهُ
قَلِيلِ قُرَاؤُهُ " إِنَّهُ كَانَ يَتَعَلَّمُها بِأَحْكَامِها وَمَعانِها وَأَخْبَارِها فَكَذَلِكَ طَالَ مكتُهُ فِيها .
١٠٥٨٤ - وَمَعَلُومٌ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يتعذَّرُ عَليهِ حِفْظُ القرآنِ ويفتحُ لَّهُ فِي غَيرِهِ .
١٠٥٨٥ - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فَاضِلاً، وَقَدْ حَفِظَ القُرآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِعَيه
فِي جَمَاعَةٍ مِنْهُم : عُثْمَانُ، وَعَلِيٍّ ، وَأَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبْنُ مَسْعُودٍ ، وَسَالِمٌ مَولى أبي
حُذَيْفَةَ ، وَمُعَاذِ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابتٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، وَغَيْرُهُمْ.
k
(١) تقدم، وانظر فهرس أطراف الأحاديث النبوية الشريفة .
.
(٥) باب ما جاء في سجود القرآن (*)
٤٥٤ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، مَوَلَى الأَسْوَدِ بْنِ
سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَاًلَهُمْ ﴿إِذَا السَّمَاءُ
لاتـ
انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ فِيها. فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
(٥) المسألة - ٢٤٨ - إن سجود التلاوة واجب بتلاوة على القارئ والسامع عند الحنفية ، سنة عند بقية
الفقهاء، لقوله تعالى ﴿فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ﴾ ، ولقول النبي
خ: "السجدة على من سمعها وعلى من تلاها" ، أما دليل الجمهور على سنية سجود التلاوة فهو
حديث زيد ابن ثابت التالي في الفقرة ( ١٠٦١٨ ) إذن فسجدة التلاوة سنة عند الجمهور ( غير
الحنفية )، واجبة بتلاوة على القارئ والسامع عند الحنفية ولذلك تجب عندهم خارج الصلاة على
التراخي في وقت غير معين ، إذا كان التالي أهلاً للوجوب سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد،
ولو كان جثّباً أو حائضاً أو نفساء، ولكن إذا سمعها من طير كالببغاء، أو صدى كآلات التسجيل لا
تجب عليه .
أما في الصلاة فتجب وجوبا مضيقا ملتحقا بأفعال الصلاة ، فإن لم ينه قراءته بآية السجدة وتابع فقرأ
بعدها ثلاث آيات فأكثر وجب أن يسجد لها سجوداً مستقلاً، غير سجود الصلاة ، ويستحب أن
يعود للقراءة ، فيقرأ ثلاث آيات فأكثر ثم يركع فيتم صلاته ، وإن أنهى قراءته بآية السجدة : فإما أن
يسجد لها سجودا مستقلاً، ثم يعود للقراءة، وإما أن يضمها في ركوعه أو سجوده ، إن نواها في
ركوعه، وسواء نواها أو لم ينوها في سجوده .
وانظر في هذه المسألة مغني المحتاج (١: ٢١٤ - ٢١٧)، المهذب (١: ٨٥)، المغني (١ :
٦١٦)، كشاف القناع (١: ٥٢١ - ٥٢٦)، فتح القدير (١: ٣٨٠ - ٣٩٣)، بدائع
الصنائع: (١٧٩ - ١٩٥)، الدر المختار (١: ٧١٥ - ٧٣٠) اللباب (١: ١٠٣ -١٠٥)،
الشرح الصغير (١ : ٤١٦ - ٤٢٢)، القوانين الفقهية ص (٩٠).
- ٩٢ -
١٥ - كتاب القرآن (٥) باب ماجاء في سجود القرآن - ٩٣
سَجَدَ فِيها.(١)
١٠٥٨٦ - وَهذا حَدِيثٌ طُرقُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَثِيرَةٌ صِحَاحٌ كُلُّهَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي
(١) الموطأ (٢٠٥)، ومن طريق مالك أخرجه مسلم ( ٥٧٨) في طبعة عبد الباقي، ص (١: ٤٠٦)،
في المساجد : باب سجود التلاوة وبرقم (١٢٧٦) في طبعتنا والنسائي ٢ / ١٦٢ في الافتتاح: باب
السجود في ﴿إذا السماء انشقت﴾. وفي التفسير من سننه الكبرى على ماجاء في "تحفة
الأشراف " (١٠ : ٤٦٤).
وأخرجه البخاري (١٠٧٤) في سجود القرآن: باب سجدة ﴿إذا السماء انشقت﴾، والدارمي
٣٤٣/١، ومسلم (٥٧٨)، والنسائي ١٦١/٢، من طرق عن أبي سلمة بهذا الإسناد .
وأخرجه البخاري (٧٦٦) في الأذان: باب الجهر في العشاء، فتح الباري (٢: ٢٥٠)،
(٧٦٨) باب القراءة فى العشاء بالسجدة فتح الباري (٢: ٢٥١) و (١٠٧٨) باب من قرأ
السجدة في الصلاة فسجد بها ، الفتح (٢ : ٥٥٩). ومسلم ( ٥٧٨) في طبعة عبد الباقي ،
وبرقم (١٢٨١) في طبعتنا، باب "سجود التلاوة" وأبو داود (١٤٠٨ ) في الصلاة : باب
السجود في ﴿إذا السماء انشقت﴾ و﴿اقرأ﴾ (٢: ٥٩) والنسائي ٢ / ١٦٢ باب السجود في
الفريضة من طريق أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ: " صليت مع أبي هريرة العَتَمَةَ، فقرأ: ﴿إذا
السماء انشقت﴾ فسجد، فقلتُ: ماهذه؟ قال: سجدتُ بها خلف أبي القاسمِ عَّه، فلا أزالُ
أسجد فيها حتى ألقاه" .
وتفرد به مسلم من طريق الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في الصلاة (١٢٧٧)
في طبعتنا و ( ٥٧٨ ) في طبعة عبد الباقي ، ومن طريق هشام عن يحيى بن أبي کثیر ، عن أبي
سلمة رواه البخاري في سجود القرآن ، باب " إذا السماء انشقت " ومسلم في الصلاة ، ح (١٢٧٧)
في طبعتنا ومن طريق عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة رواه مسلم في الصلاة ( ٥٧٨ ) في طبعة عبد
الباقي ، و (١٢٧٨) في طبعتنا، كما رواه داود في الصلاة ( ١٤٠٧ ) ، باب السجود في ﴿ إذا
السماء انشقت﴾ و﴿ اقرأ ... )
(٢: ٥٩). ورواه الترمذي في الصلاة (٥٧٣)، " باب ما جاء في السجدة في ﴿ قرأ باسم ربك
الذي خلق﴾ و ﴿ إذا السماء انشقت﴾. (٢: ٤٦٢ - ٤٦٣). ورواه النسائي في الصلاة .
ورواه ابن ماجة في الصلاة (١٠٥٨)، "باب عدد سجود القرآن". (١: ٣٣٦). ومن طريق
الأعرج ، عن أبي هريرة تفرد به مسلم في الموضوع السابق .
٩٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فُقْهاء الأمْصارِ / ج ٨
" التِّمْهِيدِ" (١) كَثِيراً مِنْها .
١٠٥٨٧ - وَمِنْهَا مَا رَوَهُ أَبُوُدَاوُدَ الطََّالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثْنا قرةُ بْنُ خَالِدٍ، قالَ:
حدَّثْنَا مُحمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، قالَ: حَدَّثْنَا أَبُوُ هُرَيْرَةَ ، قالَ : سَجَدَ أَبُوُ بَكْرٍ وَعُمَرُ ( رضي
الله عنهما) فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [سورة الانشقاق} و ﴿اقْرأُ باسْمِ رَبِّكَ الَّذِي
خَلَقَ﴾ [ سورة العلق}، ومَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمَا (٢).
١٠٥٨٨ - وَذَكَرَهُ النِّسَائِيُّ (٣) عَنْ إِسْحاقَ بْنِ رَاهويه، عَنِ المُعْمِرِ، عَنْ قرةَ ،
عَنْ أَبِي بَكْرٍ (٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ سَواءٌ . وَتَابَعَ ابْنِ سِيرِينَ عَلَى زِيادَةٍ ﴿اقرأْ بِاسْمِ
رَبِّكَ﴾ [ سورة العلق}.
١٠٥٨٩ - وَفِي هذا الحَدِيثِ عَنْ أَبِيَ هُرَيْرَةَ: أَبْو بَكْرِ بْنُ عَبْد الرَّحمنِ بْنِ
الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، وَعَطَاءُ بْنُ ميناء، والأعْرجُ . (٥)
١٠٥٩٠ - وَرَوى الثَّوريُ، عَنِ الأعْمَثِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ ، قالَ:
وَأَيْتُ عُمَرَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ، يَسْجُدَانِ فِي ﴿ إِذا السَّمَاءُ أَنْشَقَتْ﴾ (٦).
(١) التمهيد (١٩: ١١٨، ١٢٢ - ١٢٥).
(٢) مسند الطيالسي، رقم (٢٤٩٩)، ص (٣٢٧)، وإسناده صحيح :
قرة بن خالد = هو السدوسي من أهل البصرة يروي عن الحسن ، وابن سيرين ، وعمرو بن
دينار، روى عنه يحيى بن سعيد القطان ، وابن مهدي ، وكان متقناً، مات سنة (١٥٤ ) له
ترجمة في التاريخ الكبير (٤: ٨٣:١)، وذكره ابن حبان في الثقات (٧: ٣٤٢)، وابن
شاهين كذلك (١١٠٩) من طبعتنا .
(٣) (٢: ١٦٢) باب " السجود في اقرأ باسم ربك "
(٤) في ( س) : ابن سیرین، و كلاهما صحيح لأن محمد بن سیرین يكنى : أبا بكر .
(٥) عند النسائي (٢: ١٦١، ١٦٢)، وانظر تخريج الحديث (٤٥٤) المتقدم أول هذا الباب ، فقد
أشرت إلى هذه الروايات .
(٦) مصنف عبد الرزاق (٣: ٣٤٠)، الأثر (٥٨٨٤).
١٥ - كتاب القرآن (٥) باب ماجاء في سجود القرآن - ٩٥
١٠٥٩١ - وَالثّورِيُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ، عَنْ عَلِيِّ ( رضي الله عنه) .
قالَ: العَزَائِمُ أَرْبَعّ: ﴿آلم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةُ، ﴿وَحَمْ﴾ السَّجْدَةُ، والنَّجْمُ،
و﴿ اقْرأْ بِسْمٍ رَّبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾(١).
١٠٥٩٢ - والثّوريّ، وَمَعمرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ مِثلُهُ (٢).
١٠٥٩٣ - وسلیمانُ بن مسلم بن جمازٍ الزهري، عن أبي جعفر یزید بْنِ
القعقاع القاري أَنْهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأى أبا هُرَيْرَةَ يَسْجُدُ فِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمٍ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
١٠٥٩٤ - وَفِي الْمُوطَّأُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ رُوَاتِهِ عَنْ مَالِكٍ (٣) أَنَّهُ بِلَغَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ
عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ لمحمدٍ بْنٍ قَيْسِ القَاضِي: اخْرُجْ إِلى النَّاسِ فَمُرْهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا في ﴿ إِذا
السَّمَاءُ انْشَقْتْ﴾ .
١٠٥٩٥ - فَهذِهِ مَسْأَلَةٌ فِيها الحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْمُسنَدُ، وَعَمَلُ الخلفاءِ الرَّاشِدِينَ
وَجَمَاعَتِي الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ، وَذَلِكَ نَقِيضُ السُّجُودِ فِي المُفَصِّلِ.
٤٥٥ - وَرَوى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأعْرِجِ: أَنَّ عُمَرَ سَجَدَ فِي
﴿والنَّجْمِ﴾ (٤).
(١) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٣: ٣٣٦)، والبيهقي في سنته الكبرى (٢: ٣١٥)، وفي
"معرفة السنن والآثار" (٣: ٤٤٢٠)؛ وهو في مسند زيد (٢: ٣٧٥)، وانظر المحلى
(١٠٨:٥).
(٢) مصنف عبد الرزاق (٣ : ٣٣٦).
(٣) هي رواية : عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك ، وردته طائفة كذلك في الموطأ . التمهيد
(١٩ : ١٢٤).
(٤) الموطأ: ٢٠٦، والأم (١ : ١٣٧).
٩٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب نُقْھاء الأمْصارِ / ج٨
١٠٥٩٦ - وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ إِجَازَةَ ذَلِكَ، وقالَ : لاَبَأْسَ بِهِ
١٠٥٩٧ - وَهُوَ قَولُ الثَّوْرِيِّ، وَأَيِي حَنِفَةَ ، والشَّفِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وآيِي ثَوْرٍ ،
وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدَ (٥) .
١٠٥٩٨ - وَرُويَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ، وَعَلِيٍّ، وأبْنٍ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارٍ ،
وَآَبِي هُرَيْرةَ ، وأبْنٍ عُمَرَ عَلى اخْتِلافٍ عَنْهُ - وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ
التَّابِعِينَ (١) .
١٠٥٩٩ - وَرَوَاهُ ابْنُ القَاسِمِ وَجُمهورٌ مِنْ أَصْحَابٍ مَالِكٍ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ الَّذِي
ذَهَبَ إِليهِ فِي مُوَطِّهِ أَنْ لاَسُجُودَ فِي الْمُفَصِّلِ .
١٠٦٠٠ - وَهُوَ قَولُ أَكْثَرٍ أَصْحَابِهِ وَطَائِفَةٍ مِنَ المَدِينَةِ ، وَقَولُ ابْنِ عُمَرَ ، وابْنِ
عَبَّاسٍ ، وَأَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ .
١٠٦٠١ - وَبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيْبِ، والحَسَنُ البَصْرِيِّ، وَسَعيدُ بن جبيرٍ ،
وَعِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وطَاووسٌ ، وَعَطَاءٌ، وَأَيُوبُ، كُلُّ هَؤُلاءٍ يَقُولُونَ : لَيْسَ فِي
الْمُفَصَّلِ سُجُودٌ بالأسانيدِ الصُحاحِ عَنْهَم .
١٠٦٠٢ - وَقَالَ يَحْيِى بْنُ سَعِيدِ الأنصاريُّ: أَدْرَكْتُ القُرّاءَ لاَيَسْجُدُونَ فِي
شَيْءٍ مِنَ المُفَصِّلِ .
(٥) المسألة - ٢٤٩ - سجدة النجم من سجدات المفصل، وقد استدل الجمهور ( غير المالكية ) على
إثبات سجدات المفصل بحديث أبي هريرة المتقدم ، وبحديث عبد اللّه بن مسعود أيضاً: " أن النبي
قرأ والنجم فسجد فيها، وسجد من كان معه، غير أن شيخاً من قريش أخذ كفّاً من حصى أو
تراب فرفعه إلى جبهته ، وقال : يكفيني هذا ، قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافراً" . متفق
عليه .
(١) مصنف عبد الرزاق (٣: ٣٤٢) وما بعدها .
١٥ - كتاب القرآن (٥) باب ماجاء في سجود القرآن - ٩٧
١٠٦٠٣ - وَرَوَى يَحْيِى بْنُ يَحِى فِي " المُوَطَّأ" ، قالَ: قَالَ مَالِكٌ: الأُمْرُ عِنْدَنا
أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ القُرآنِ إِحْدِى عَشرةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِي الْمُفَصِّلِ مِنْهَا شَيْءٌ .
١٠٦٠٤ - وَرِوَايَةُ يَحْبَى هذِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي " الموطَّأُ " الأمْرُ (المجتمعُ عَلَيْهِ)(١)
عنْدَنا .
١٠٦٠٥ - كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ القَاسِمِ، والشعبيّ، وابْنُ بكيرٍ، والشافعي(٢)
(رحمه الله) عَنْ مَالِكٍ فِي " الموطَّأَ".
١٠٦٠٦ - وَإِنَّمَا قَلْتُ إِنَّ رِوَايَةً يَحْنِى صَاحِبُنا [أَصَحُ وَ](٣) أَوْلِى مِنْ رِوَايَةٍ
غَيْرِهِ لأَنَّ الاخْتِلافَ فِي عَزَائِمِ سُجُودِ القُرآنِ بَيْنَ السَّلَفِ والخَلَفِ بِالمَدِينَةِ مَعْرُوفٌ (٤)
عِنْدَ العُلماءِ بِها وَ بِغَيْرِها ، وَرِوَايَةُ يَحْتَى مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ،
وَشَهِدَ مَوْتَهُ بِالمَدِينَةِ، وَيَحتملُ أَنْ يَكُونَ قَولُهُ " المُجْتَمِعُ عَلَيْهِ " أَرَادَ بِهِ أَنْهُ لَمْ يجْتُمِعْ
عَلَى مَا سِوَى الإِحْدى عَشرة سَجْدَةٌ كَمَا اجْتُمعَ عَلَيها .
١٠٦٠٧ - تَأَوَّلَ هَذا ابْنُ الجهمِ، وَهُوَ حَسَنٌ .
١٠٦٠٨ - ذَكَرَ عَبْدُ الرَزَّاقِ، عَنِ ابْن جريجٍ، قالَ: أَخْبُرَنِي عكرمَةُ بْنُ
خَالِدٍ (٥) أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبيرٍ أَخْبَرَهُ أَنْهُ سَمَعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبْنَ عُمَرَ يعدانٍ كَمْ في القُرآنِ
مِنْ سَجْدَةٍ ، فِقَالاً: الأعْرافُ، وَالرَّعْدُ، { والنَّحْلُ} (٦)، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ، وَمَرِيمُ ،
(١) مابين الحاصرتين ليس في الموطأ (١: ٢٠٧).
(٢) الأم (١ : ١٣٧).
(٣) ما بين الحاصرتين سقط في (س)، وأثبته من (ك).
(٤) في (ك ) : " معروض"، وهو تصحيف .
(٥) (س) و (ك): خالد بن عكرمة بن خالد وهو خطأ، وما أثبتناه يوافق مافي مصنف عبد الرزاق.
(٦) ليست في (س).
٩٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب نُقْھاء الأُمْصارِ / ج٨
والحجُّ أَوَّلِها، وَالفُرقانُ ، وَطَسَ ، وَآلم تَنْزِيلُ، وص، وحم السَّجْدَةُ إحْدى عَشْرةَ
سَجْدَةً قالاَ: وَلَيْسَ فِ المُفَصِّلِ مِنْهَا شَىْءٌ (١).
١٠٦٠٩ - هَذِهِ رِوَايَةُ سَعِيدٍ بْنِ جُبيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
١٠٦١٠ - وَرَوَى أَبُو حمزةَ الضبعيُّ مِثْلَهَ (٢).
١٠٦١١ - وَرَوى عطاءٌ عَنْهُ أَنَّهُ لاَ يَسْجِدُ في (ص) .
١٠٦١٢ - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جريجٍ، عَنْ عَطاءٍ: أَنَّهُ عَدَّ سُجُودَ
القُرآنٍ عَشْراً (٣) .
١٠٦١٣ - وَمِنْ حُجَّةٍ مَنْ لَمْ يَرَ السُّجُودَ فِي الْمُفَصِّلِ (*) حَدِيثُ:
اللّيْثِ ، عَنِ ابْنِ الهَادِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنْهُ قالَ لأَبِي هُرِيرَةَ حِينَ سَجَدبهم في ﴿إِذا
السَّمَاءُ إِنْشَقَتْ﴾ [ سورة الانشقاق] لقد سجدت فِي سَجْدَةٍ مَا رَأيْتُ النَّاسَ
(١) مصنف عبد الرزاق (٣: ٣٣٦)، الأثر (٥٨٦٠).
(٢) مصنف عبد الرزاق (٣: ٣٣٦ - ٣٣٧)، الأثر (٥٨٦١).
(٣) مصنف عبد الرزاق (٣: ٣٣٦)، الأثر (٥٨٥٩ )، وورد في أثر آخر عن ابن عباس أنه كان
يسجد فيها، ويقول: إنها ليست من عزائم السجود . سنن البيهقي (٢ : ٦١٨)، المحلى
(١٠٧:٥)، كشف الغمة (١: ١٢٣)، وأحكام القرآن للجصاص (٣: ٣٨٠)، والمغني
(٥١٨:١) .
(٥) المسألة - ٢٥٠ -: المقصود بسجدات المفصل: سجدة سورة النجم ، والانشقاق ، والعلق . وقد
احتج المالكية على نفي سجدات المفصل بحديث ابن عباس المتقدم في الباب السابق في الفقرة
(٤٤٠٤): "لم يسجد النبي عَّ في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة" ، وقد بينا أن في
إستاده ضعفا ، وإن كانا من رجال مسلم ، فلا يصح الاحتجاج به ، وعلى فرض صحته فالأحاديث
الأخری أقوى منه .
واستدل الجمهور على إثبات سجدات المفصل ومنها سجدة سورة الانشقاق بحديث أبي هريرة قال:
" سجدنا مع النبي علُّ في: ﴿إذا السماء انشقت﴾، و﴿اقرأ باسم ربك﴾. رواه الجماعة إلا
البخاري "نيل الأوطار" (٣: ٩٨) علماً بأن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع من الهجرة.
١٥ - كتاب القرآن (٥) باب ماجاء في سجود القرآن - ٩٩
٠ ٠
يَسْجُدُونَ فِيها(١) .
١٠٦١٤ - قالُوا: هَذا دَلِيلٌ عَلى أَنَّ السَّجُودَ فِي ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ كَانَ
النَّاسُ قَدْ تَرَكُوهُ وَجرى العَمَلُ بِتَرْكِهِ .
١٠٦١٥ - وَحُجَّةُ مَنْ خَالَفَهُ رَأى الحُجَّةَ فِي السَّنَّةِ لاَفِيمَا خَالَفِها وَرَآَى أَنَّ مَنْ
خَالَفَها مَحْجُوجٌ بِها .
١٠٦١٦ - وَمِنْ حُجَّةٍ مَنْ لَمْ يَرَ السُّجُودَ فِي الْمُفَصِّلِ حَدِيثُ:
مطر الوراق ، عَنْ عِكْرمةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :
أَنَّ رَسُولَ اللّهِ لَّه لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ المُفَصِّلِ مُنْذُ تَحوَّلَ إِلى المَدِينَةِ (٢).
(١) رواه البخاري في سجود القرآن ، باب " من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها" ومسلم في الصلاة،
باب " سجود التلاوة" .
رقم (١٢٨١) في طبعتنا، ص (٢: ٧٩٠)، وص (١ : ٤٠٦) في طبعة عبد الباقي
ورواه أبو داود في الصلاة ( ١٤٠٨ )، باب " السجود في ﴿إذا السماء انشقت﴾ (٢: ٥٩)،
والنسائي في الصلاة (٢ : ١٦٢ ) ، باب " السجود في الفريضة" .
(٢) رواه أبو داود في الصلاة ح (١٤٠٣) باب " من لم ير السجود في المفصل " ص (٢ : ٥٨) وقال
عبد الحق في " أحكامه": إسناده ليس بقوي ويروى مرسلاً، والصحيح حديث أبي هريرة أن النبي
﴾ سجد في ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ وقال ابن عبد البر: هذا حديث منكر ، وأبو قدامة ليس
بشيء وأبو هريرة لم يصحب النبي -4 إلا بالمدينة، وقد رآه يسجد في الانشقاق والقلم، وفي
إستاده الحارث بن عبيد وهو أبو قدامة من رواة هذا الحديث .
أبو قُدامة الإياديّ البصريّ، قال فيه الإمام أحمد: مضطرب الحديث ، وقال ابن معين : ضعيف
الحديث ، وقال أبو حاتم : ليس بالقوي ، يُكتب حديثه ولا يحتجُ به ، وقال النسائي: ليس بذاك
القوي، وذكره ابن حبان في المجروحين (١ : ٢٢٤).
ولكن قال فيه عبد الرحمن بن مهدي: كان من شيوخنا وما رأيت إلا خيراً، وقد أخرج له مسلم،
وأبو داود والترمذي ، واستشهد به البخاري متابعة في موضعین من كتابه ، وروی له في " الأدب "
وانظر ترجمته تاريخ ابن معين (٢: ٩٣)، وفي التاريخ الكبير للبخاري (١: ٢: ٢٧٥)
الترجمة رقم (٢٤٤١)، والضعفاء الكبير للعقيلي (١: ٢١٢)، وميزان الاعتدال (٤٣٨:١)،
تهذيب التهذيب (٢ :١٤٩).
وفي الإسناد أيضاً مطر بن طهمان الوراق : صدوق كثير الخطأ، وهو من رجال مسلم ، وقد ذكره
العقيلي في الضعفاء (٤ : ٢١٩) الميزان (٤ : ١٢٦ - ١٢٧).
١٠٠ - الاستذكار الجامع لمذاهب نُقْهاء الأمصارِ / ج ٨
١٠٦١٧ - وَهذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، لأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَصْحَبْهُ إِلاَّ بِالَدِينَةِ، وَقَدْ رَآهُ
يَسْجُدُ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْصَقَّتْ﴾، و﴿ اقْرأْ بِاسْمٍ رَبِّكَ﴾ [سورتي الانشقاق
والعلق}. وَحَديثُ مطرٍ لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إِلاَّ أَبُو قدامةَ وَلَيْسَ بِشَيءٍ .
١٠٦١٨ - وَحْتَجِ أيضاً مَنْ لَمْ يَرَ السُّجُودَ فِ المُفَصّلِ بِحَدِيثٍ:
عَطاء بْن يسارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَّهِ: ﴿وَالنَّجْمْ﴾
{ سورة النجم } فَلَمْ يَسْجُدْ فِيها. (١)
١٠٦١٩ - وَهَذا لاَحُجَّةَ فِيهِ لأنَّ السُّجُودَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَنا ومَنْ شَاءَ سَجَدَ
ومَنْ شَاءَ تَرَكَ عَلَى أَنَّ زَيْداً كَانَ القَارِئِ وَلَمْ يَسْجُدْ فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْجُدْ رَسُولُ اللَّهِعَه.
١٠٦٢٠ - وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَهِ سَجَدَ
(١) موقعه في كتاب " الأم " للشافعي (١ : ١٣٦) باب " سجود التلاوة والشكر"، وفي سنن البيهقي
الکبری ( ٢: ٣٢٠)، وأخرجه البخاري في كتاب " سجود القرآن " ، حدیث ( ١٠٧٢ ) باب "
من قرأ السجدة ولم يسجد " فتح الباري (٢: ٥٥٤)، ومسلم في كتاب الصلاة ح ( ١٢٧٥ )
من طبعتنا ص (٢ : ٧٨٧) باب " سجود التلاوة" ، وصفحة ( ١ : ٤٠٦) من طبعة عبد الباقي،
وأبو داود في الصلاة ح (١٤٠٤ ) باب " من لم ير السجود " في المفصل (٢: ٥٨)، والترمذي
في الصلاة ، ح (٥٧٦) باب " ماجاء من لم يسجد فيه " (٢: ٤١٦)، والنسائي في الصلاة
(٢: ١٦٠) باب ترك السجود في النجم .
وقال الشافعي معلقاً على الآثار الواردة في سجود سورة النجم : " فلا يدعي أحدٌ أن السجود في
النجم منسوخ إلا جاز لأحد أن يدعي أن ترك السجود منسوخ، والسجود ناسخٌ ، ثم يكون أولی
لأن السنة السجود لقول الله عز وجل: ﴿فاسجدوا للّه واعبدوا﴾، ولا يقال لواحد من هذا
ناسخ ولا منسوخ، ولكن يقال: هذا اختلاف من جهة المباح". الأم (١: ١٣٦).