Indexed OCR Text
Pages 161-180
٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٦١
٣٢٠٦ - والآثارُ بهذا كثيرةٌ، وهي تفسرُ المجملَ ، واللَّهُ أَعْلَمُ .
٣٢٠٧ - وقالَ ابنُ عبَّاسٍ : أطيبُ الصَّعيدِ : أرْضُ الحرثِ .
٣٢٠٨ - وذكرَ عبدُ الرزّاقِ، عَنِ الثَّوْري، عَنْ قابوس بن أبي ظَبْيان عَنْ أبيه ، قالَ:
سُئِلَ ابنُ عِبَّاسٍ: أيُّ الصَّعِيدِ أفضَلُ (١)؟ فقال: الحرثُ. وفي قولِ ابنِ عباسٍ هذا ما يدلُّ
على أنَّ الصُعيدَ يكونُ غير أرضِ الحَرْثِ .
٣٢٠٩ - وجماعةُ الفقهاءِ على إجازَةِ التيمُّم بالسباخ ، إلاَّ إسحاق بن راهويه، فإنّهُ
قالَ : لا تيمُّمَ بترابِ السَّبِخَةِ(٢).
٣٢١٠ - ورُوي عَنِ ابْنٍ عباس فيمَنْ أدْرَكَهُ التيمُّمُ وهُوَ في طين، قَالَ: يأخذُ مِنَ
الطِّيْنِ ، فَيَظْلِي بِهِ بعضَ جَسَدِهِ ، فَإِذَا جَفْ تَيمْمَ بِهِ .
٣٢١١ - واختلفَ الفُقَهَاءُ في كيفيَّةِ التيمُّم(*):
(١) في (ك) : أطيب .
(٢) الأرض السبخة : ذات الملح .
(*) المسألة - ٥٦ - أركان التيمم أو فرائضه تنحصر في :
النية عند مسح الوجه : وهي فرض باتفاق المذاهب الأربعة ، واشترط الشافعية أنه لابد أن ينوي
استباحة الصلاة ونحوها، فلا يكفي نية فرض التيمم أو فرض الطهارة ، أو الطهارة عن الحدث أو
الجنابة أو رفع الحدث ، لأن التيمم لا يرفع الحدث عندهم ، ولأن التيمم ليس مقصوراً في نفسه ،
وإنما يؤتى به عن ضرورة ، فلا يجعل مقصوداً .
مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب : والمطلوب مسح اليدين إلى المرفقين كالوضوء على
وجه الاستيعاب ، وذلك عند الحنفية والشافعية، واكتفى المالكية والحنابلة بمسح اليدين إلى
الكوعين ، أما من الكوعين إلى المرفقين فسنةً، والدليل قوله تعالى: ﴿وأيديكم﴾، ولحديث عمار
أنه ◌َّ أمر بالتيمم الوجه والكفين. رواه الترمذي وصححه (نيل الأوطار ١ : ٣٦٣).
والمفروض عند الحنفية والشافعية : ضربتان : ضربةً للوجه ، وضربة لليدين ، وقال
المالكية والحنابلة : الفريضة : الضربة الأولى: أي وضع الكفين على الصعيد . وأما الضربة الثانية:
فهي سنةٌ .
الترتيب : فرض عند الشافعية ، وعند الحنابلة ، بغير حدث أكبر .
٠ =
١٦٢ - الاستذكار الجامع لِمذاهب فقهاء الأمْصارِ /ج ٣
٣٢١٢ - فقالَ مالِكٌ، والشَّافعيِّ، وأصحابُهما (١)، والثوريُّ ، وابنُ أبي سلمةَ،
والليثُ : ضريَتَانِ : ضَرَبَةٌ للوَجْهِ [ يمسح بها وجْهَهُ](٢)، وضربةٌ لليدَيْنِ، يمسحُهما إلى
المِرْفَقَّيْنِ، يمسحُ اليمنى باليسرى ، واليسرى باليمنى. إلاَّ أنَّ بلوغَ المِرْفَقَيْنِ عِنْدَ مالكٍ ليسَ
يِفَرْضٍ . وإِنَّمَا الفرضُ عِنْدَهُ إلى الكُوعَيْنِ(٣) ، والاختيارُ عِنْدَهُ إلى المرْفَقَيْنِ.
٣٢١٣ - وأمَّا سائرُ مَنْ ذکرْنَا معهُ مِنَ الفقهاءِ فإِنَّهُم يرونَ بلوغَ المرفقينِ بالتيمُّمِ فَرْضًا واجبًا .
٣٢١٤ - ومن رُوِيَ عَنْهُ التيمُّم إلى المرفَقَيْنِ: عبد اللَّه بن عمر، والشَّعبيّ، والحسَن
= المغالاة : وهي فرضٌ عند الحنابلة والمالكية ، وقيدها الحنابلة بغير الحدث الأكبر ، وقال
الشافعية والحنفية : المغالاة فى التيمم كالوضوء سنة .
الصعيد الطاهر : فرضٌ عند المالكية ، شرطٌ عند غيرهم ، والصعيد : كل ما صعد على الأرض
من أجزائها ، كترابٍ وهو الأفضل من غيره عند وجوده ، ورمل وحجارةٍ وحصى ، ويجوز
التيمم على المعادن مادامت في مواضعها ولم تنقل من محلها ، ويجوز التيمم على الجليد.
وقال الشافعية والحنابلة : لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر ذي غبار يعلق باليد . .
أما كيفية التيمم : فهو ضربتان : ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين عند الحنفية
والشافعية أما رأي المالكية والحنابلة: التيمم الواجب هو ضربة واحدة يمسح بها وجهه بباطن
أصابعه ثم كفية براحتيه ، ولكنهم قالوا أيضاً : الأكمل ضربتان يمسح بالثانية يديه إلى المرفقين .
وكيفية المسح : أن يُمر اليد اليسرى على اليمنى من فوق الكف إلى المرفقين ، ثم باطن المرفق
إلى الكوع (الرسْغ) ثم يمر اليمنى على اليسرى كذلك، وكيفما فعل أجزأه إذا أوعب .
وانظر: بدائع الصنائع (١: ٤٥)، فتح القدير (١: ٨٦)، الدر المختار (١: ٢١٢) ، اللباب
(٣٧:١)، تبيين الحقائق (٣٨:١)، مراقي الفلاح ص (١٩)، الشرح الكبير (١٥٤:١)، الشرح
الصغير (١: ١٩٢)، القوانين الفقهية ص (٣٧)، بداية المجتهد (١: ٦٤)، مغني المحتاج (٩٧:١)،
المهذب (٣٢:١)، المغني (٢٥١:١)، كشاف القناع (١٩٩:١)، الفقه الإسلامي وأدلته
(٤٢٧:١).
(١) في (ص): ((وأصحابهم))، وهو تحريف .
(٢) زيادة من (ك) تجعل العبارة مجانسة لما بعدها .
(٣) الكوع : طرف الزند الذي يلي الإبهام .
٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٦٣
البصريّ، وَسالمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمرَ .
٣٢١٥ - وقالَ الأوزاعِيّ: التيمُّمُ ضَرَبَتَانِ: ضربةٌ للوَجْهِ ، وضَرَّبَةٌ لليديْنِ إلى
الكُوعَيْنِ ، وهُمَا الرَّسْغانِ .
٣٢١٦ - وروى ذلِكَ عَنْ علي بن أبي طالب(١) .
٣٢١٧ - وقَدْ رُوِيَ عن الأوزاعي - وهُوَ أشْهَرُ عَنْهُ - أنَّ التيمُّمَ ضربةٌ واحِدَةٌ ، يمسحُ
بها وجهَهُ ويديهِ إلى الكوعينِ . وهو قولُ عطاء ، والشعبيّ في رواية .
٣٢١٨ - وبِهِ قالَ أحمدُ بنُ حنبل وإسحاقُ بنُ راهويه ، وداودُ بنُ علي ، والطبريّ .
٣٢١٩ - وهذا أثبتُ ما يروى في حديثٍ عمَّار.
٣٢٢٠ - ورواهُ أبو وائل شقيق بن سلمة، عَنْ أبي موسى، عَنْ عِمَّار، فقالَ فيه :
ضربةٌ وَاحِدَةٌ لوجهِهِ وكَفِّيْهِ ، ولَمْ يُختَلف في حديث أبي وائل هذا .
٣٢٢١ - ورواهُ سفيان الثوريّ، وأبو معاوية، وجماعةٌ، عَنِ الأعمش ، عَنْ أبي
وائل ، ولَمْ يختلفُوا فيهٍ ، وسائر أسانيدِ حديث عمَّار مختلف فيها .
٣٢٢٢ - وقالَ مالكٌ: إنْ مَسَحَ وَجْهَهُ ويديه بضربَةٍ واحدَةٍ أجزأهُ ، وإنْ مَسَحَ يديه
إلى الكوعين أجزاَهُ، وأحَبّ إليَّ أنْ يعيدَ في الوقْتِ. والاخْتِيارُ عِنْدَ مالكٍ ضَرَبَتَانِ ،
وبلوغِ المرفقيْنِ(٢).
٠
٣٢٢٣ - وحُجَّة مَنْ رأى التيمُّم إلى الكوعَيْنِ - ما ثبَتَ عَنِ النبيّ - عليه السلام -
مِنْ حديثٍ عمّار وغيره: أَنَّهُ قَالَ في التيمُم : ضربةٌ للَوَجْهِ والكفّيْنِ.
(١) طرح التثريب (١٠٠:٢)، مصنف عبد الرزاق (١: ٢١٣)، والروض النضير (١: ٤٦٠)، وسنن
البيهقى الكبرى (١ : ٢١٢) .
(٢) الموطأ : ٥٦ .
١٦٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمْصارِ /ج ٣
٣٢٢٤ - وفي [ بَعْضِ الآثارِ عَنْ عمارةَ: ضَرَّبَةٌ للوَجْهِ وضربةٌ للكفينِ ](١).
٣٢٢٥ - وحديثه هذا غير حديثِهِ عِنْدَ نزول آية التيمُّم ، وقَدْ بِينًا ذلِكَ في التمهيد .
٣٢٢٦ - قال اللَّه تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ﴾ [ سورة النساء:
٤٣، وسورة المائدة: ٦ ]، ولَمْ يَقُلْ: إلى المرفقَيْنِ، كَمَا قالَ في الوضُوءِ . وقال تعالى:
﴿ وَالسَّارِقُ والسَّرِقَةُ فَاقْطَعُوا أيديهما ﴾ [ سورة المائدة: ٣٨]. وأجمعُوا أنَّ القَطْعَ إلى
الکوعیْنِ .
٣٢٢٧ - وقالَ أبو حنيفة وأصحابُهُ ، والثوريُّ ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، والشَّافعيُّ: لا
تُجزيه إلاَّ ضربتان: ضربةٌ للوَجْهِ، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين(٢). وبِهِ قالَ محمدُ بنُ عبد
اللَّه بن عبد الحكم ، وإليْهِ ذهبَ إسماعيلُ بنُ إسحاق القاضي .
٣٢٢٨ - وقَدْ رُويت بذلك آثارٌ عَنِ النبيِّ - عليه السلام - مِنْ حديثِ عمَّار أيضًا ،
وغيره . وقَدْ ذكرْنا ذلِكَ في ((التمهيد)»(٣) .
٣٢٢٩ - حدّثنا عبد الوارث بنُ سفيان، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، حدَّثنا أحمدُ بنُ
زهير ، حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيل حدَّثنا أبانُ بنُ يزيد ، قالَ : سُئِلَ قتادةُ عَنِ التيمُّم في
السَّفَرِ، فقالَ : كانَ ابنُ عمر يقولُ: إلى المرفقينِ(٤) ، وكانَ الحسنُ يقولُ : إلى المرفَقَّيْنِ،
وكانَ إبراهيمُ يقولُ : إلى المِفَقَيْنِ .
(١) ما بين الحاصرتين سقط من (ص).
(٢) في (ك) : إلى المرفقين ، ولا يجزئه دون المرفقين.
(٣) ((التمهيد)) (١٩: ٢٨٢ - ٢٨٣).
(٤) مصنف عبد الرزاق (٢١١:١)، والموطأ (١: ٩٠)، وسنن البيهقي الكبرى (١: ٢٠٧)، وأحكام
الجصاص (٣٨٧:٢)، والمغني (٢٤٤:١)، والمجموع (٢: ٢٢٩)، والاعتبار للحازمي، ص
(١٨١).
٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٦٥
٣٢٣٠ - قالَ: وحدَّثني محدّثٌ، عن الشعبي، عَنْ عبد الرحمن بن أَبْرَى، عَنْ
عمارٍ بِنِ ياسر، عَنِ النبيِّ - عليه السلام - قالَ: إلى المرفَقَيْنِ(١).
٣٢٣١ - قال أبو عمر: أحاديثُ عمارٍ في التيمُمِ (٢) كثيرةُ الاضطرابِ ، وإنْ كانَ
رُوَاتُهَا ثِقَاتٌ .
٣٢٣٢ - وَلَّا اخْلفَتِ الآثارُ في كيفيةِ التيمُّم، وتعارَضَتْ كانَ الواجِبُ في ذلِكَ
الرّجوعَ إلى ظاهِرِ القرآن، وهو يدلُّ على ضربتَيْنِ : ضربةٍ للوجْهِ، وضربةٍ لليدَّيْنِ إلى
المرفَقَّيْنِ ، قياسًا على الوضوءِ ، واتباعًا لفِعْلِ عمر، رحمه اللّه.
٣٢٣٣ - ولمَّا كانَ غسلُ الوجْهِ بِالماءِ غير غسلِ الیديْنِ - فکذلِكَ يجِبُ أنْ تكونَ
الضربةُ في التيمُّم للوجْهِ غير الضربةِ للَيَدَيْنِ ، قياسًا ونَظَرًا - واللَّه أعلمُ - إلاَّ أنْ يصحّ عَنِ
النّبِيِّ - عليه السلام - خلافَ ذلِكَ فيسلَّم لَهُ .
٣٢٣٤ - وقالَ ابنُ أبي ليلى، والحسنُ بن حي: التيمُمِ ضَرَبْتَانِ ، يمسحُ بِكُلٌ ضربةٍ
مِنْهُما وجهه ، وذراعَيْهِ ، ومرفقَيْهِ .
٣٢٣٥ - ومَا أعلَمُ أحدًا قالَ ذلِكَ غيرهما ، واللَّهُ أَعلَمُ .
٣٢٣٦ - وقالَ ابنُ شهاب الزهريّ: يَبْلُغُ بالتيمُمِ الآباط ، ولَمْ يَقُلْ ذلِكَ غيره - فيما
علمتُ - واللَّه أعلَمُ ، إلاَّ مَا في حديثِ عمَّار حينَ نزولِ آية التيمُّم ، وهُوَ حديثٌ رَوَاهُ ابنُ
شهابٍ مِنْ روايةٍ مالكِ وغيره، عَنْهُ، عَنْ عبيدِ اللَّهِ بْنِ عتبة، عَنْ أبيهِ ، عَنْ عمارِ بنِ
ياسر(٣).
(١) السنن الكبرى (٢١٠:١)، ومعرفة السنن والآثار (١٥٨٧:٢).
(٢) في (ك) : في التيمم مضطربة .
(٤) هذه الرواية في ((مصنف عبد الرزاق)) (١: ٢١٣)، رقم (٨٢٧)، باب (كم التيمم في ضربة؟))
ومعرفة السنن والآثار (١٥٦٦:٢).
١٦٦- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فقهاء الأمْصارِ /ج ٣.
٣٢٣٧ - ومِنْ أصحابِ ابنِ شهابٍ مَنْ يرويه عَنِ ابْنِ شهابٍ ، عَنْ عبيدِ اللَّه بنِ عبد
اللَّه، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ، فذكَرَ نحو حديث عائشَةً: أنَّها حَبَسَتِ الناسَ وليسَ معهم ماءٌ ،
فأنزَلَ اللَّهُ على رسُولِهِ رخصةَ [ التيمم ](١) بالصَّعِيدِ الطيبِ، فقامَ المُسلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
◌َّ فمسحُوا بأيديهم الأرْضَ، ورفعُوها ، ولَمْ يقبضُوا مِنَ التُرابِ شيئًا، فمسحوا بِها
وجوهَهُم، وأيديهم إلى المناكِبِ ، مِنْ(٢) بطونٍ أيديهم إلى الآباطِ .
٣٢٣٨ - وَقَدْ ذَكَرْنا طرقَ هذا الحديثِ في ((التمهيدِ))(٣) واختلافَهِم في إسنادِهِ
وألفَاظِهِ ، إلاَّ أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا عَنِ ابْنِ شهاب في هذا الحديث أنَّ التيمُّمَ إلى المنَاكِبِ ..
٣٢٣٩ - وهو حُجّةٌ لابن شهابٍ فيما ذَهَبَ مِنْ ذلِكَ إليه، مَعَ أنَّ اللغَةَ تَقْضِي أنَّ
اليدين (٤) مِنَ الْنَاكِبِ، إلاَّ أنَّ الحَدِيثَ بِذَلِكَ لَيسَ فِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَّهِ أَمَرَهُم بذلِكَ.
٣٢٤٠ - والآثار(٥) عَنِ النَّبيِّ - عليه السلام - أنَّهُ أُمَرَ بالتيمُّم إلى المرفَقَيْنِ، وإلى
الكوعَيْنِ كثيرة .
٣٢٤١ - وقَدْ يحتملُ أنْ يكونَ مَنْ تِيمَّمَ عندَ نزولِ الآية إلى المناكِبِ أَخَذَ بِظَاهِرٍ
الكَلامِ وَمَا تقتَضِيهِ اللُّغَة مِنْ عمومٍ لفظِ الأيدِي، ثُمَّ أُحْكِمَتِ الأُمُور بعدُ بفعلِ النبيِّ - عليه
السلام - وأمرِهِ بالتيمُّم إلى المرفقّيْنِ.
٣٢٤٢ - وَرُوِيَ عَنْهُ إلى الكوعين، كما رُوِيَ ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ، وضَرْبتانِ . وكُلُّ ذلِكَ
صَحِيحٌ عنْهُ، وصارَ مِنْ ذلِكَ الفقهاءُ كُلِّ إلى ما رواهُ، وما أدَّاهُ إليه اجتهادُهُ ونظرُهُ.
(١) كذا في (ك)، وفي (ص): التطهير ، وأراها تحريفاً.
(٢) كذا في (ك)، وفي (ص) ((ومن))، وهو تحريف .
(٣) ((التمهيد)) (١٩: ٢٨٤).
(٤) في (ك): ((اليد من المنكب)).
(٥) في (ص) : بذلك ، عن النبي ، وفي العبارة سقط .
٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٦٧
٣٢٤٣ - وأُجمَعَ العلمَاءُ على أنَّ الطَّهَارَةَ بالتيمُّمِ لا ترفعُ الجنابةَ ولا الحدَثَ، إِذَا وجدَ
الماءَ إِلَّ شَيءٌ رُوِيَ عَنْ أبي سلمة بنِ عبد الرحمن رواهُ ابنُ جريج ، وعبدُ الحميد بنُ جبير
ابن شيبة عنهُ .
٣٢٤٤ - ورواهُ ابنُ أبي ذئب، عَنْ عبد الرحمن بنِ حرمَلَة ، عنْهُ أَنَّهُ قالَ في الْجُنُبِ
المتيمِّم يجدُ الماءَ: إِنَّهُ على طهارةٍ ، ولا يحتاجُ إلى غُسْلٍ ولا وضُوءٍ حتَّى يُحدثَ .
٣٢٤٥ - وأمَّا سائرُ العلماءِ الذين هُمُ الحُجَّةُ على مَنْ خالَفَ جميعهم فقالُوا في الجُنُبِ
إذًا تيمَّمْ ثُمَّ وجدَ الماءَ: إِنَّهُ يلزمُهُ الغُسْلِ لِمَا يستقبلُ .
٣٢٤٦ - حدّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْن محمد، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ حدَّثنا أبو داوُدَ ، حدَّثَنَا
موسى بنُ إسماعيل ، حدَّثنا حمادُ عَنْ أيوب ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بني عامِرٍ أَنَّهُ
سمعَ أبَا ذَرٍّ يقولُ: كنتُ أعْزُبُ(١) عَنِ الماءِ ومعي أهْلِي، فتصيبني الجِنَابَةُ ، فَأُصَلِّي بغيرِ
طَهورٍ، فسألتُ رسولَ اللَّهِ نَّهِ فقالَ: ((يا أبا ذَرِّ: إنَّ الصَّعيدَ طيبٌ طَهورٌ، وإنْ لَمْ
تَجِدِ الماءَ عَشْرَ سنين، فإذا وجدتَ الماءَ فَأَمْسِسْهُ جِلْدَكَ)) .
٣٢٤٧ - ورواهُ سفيانُ الثوريُّ وغيرُهُ عَنْ خَالِد الحذاءِ عَنْ أبي قِلاَبَةِ ، عَنْ عمرو بن
بُجْدان(٢) عَنْ أبي ذرِّ أنَّهُ سمعَهُ يقولُ: قال لي رسُولُ اللَّهِ: ((إِنَّ الصعيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ
المسلِمِ، وإنْ لَمْ يجِدِ الماءَ عشرَ سنين ، فإذَا وجَدَهُ فَلْيُمْسِسْهُ بَشَرَتَهُ )).
٣٢٤٨ - وقدْ رُوِيَ عَنْ أبي سلمَةَ فيمنْ تِيمِّمَ وصَلَّى، ثُمَّ يجد(٣) الماءَ في الوقْتِ أَنَّهُ
يتوضأ ، ويعيد الصَّلاةَ(٤) .
(١) أعزب : أبعد ، وأغيب .
(٢) كذا في (ك)، وفي (ص): بحران، وهو تحريف، وانظر ميزان الاعتدال (٢٤٧:٣).
(٣) فى (ك): (((وجد))
(٤) في (ك): (( تلك الصلاة)).
١٦٨- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقهاء الأمْصارِ /ج ٣.
٣٢٤٩ - وهذا تناقضٌ، وقلةُ رويةٍ. ولمْ يكنْ أبو سلمةَ عندَهم يفقهُ كفقْهِ أصحابِهِ
التابعين بالمدينة .
٣٢٥٠ - حدّثنا عبدُ الوارِث بنُ سفيان، حدَّثْنَا قاسمُ بنُ أصبغ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ
زهير ، حدَّثْنَا مُؤمِلُ بنُ إهاب، قالَ حدَّثنا عبدُ الرزاق ، عَنْ معمر، عَنِ الزّهري ، قالَ:
كانَ أبو سلمةَ يُبَارِي(١) ابنَ عباسٍ، فَحُرِمَ بذلِكَ علمًا كثيرًاً .
٣٢٥١ - وأُجمَعَ الجمهورُ مِنَ الفقهاءِ أنَّ مَنْ طلبَ الماءَ فَلَمْ يجدْهُ، وتيمُّمَ وصلَّى،
ثُمَّ وجدَ الماءَ في الوَقْتِ - وَقَدْ كانَ اجتهدَ فِي الطَّلَبِ ، فَلَمْ يجِدِ الماءَ ولا نسيَهُ فِي رَحْلِهِ
- أنَّ صلاَتَهُ(٢) ماضِيَةٌ، إلاَّ أنَّهم منهم(٣) مَنْ يَستحب لَّهُ أنْ يُعِيدَ صَلاَتَهُ بعدَ وضوئِهِ ، أو
بعدَ غسْلِهِ مادامَ فِي الوَقْتِ .
٣٢٥٢ - وأُجمَعَ العلماءُ (٤) أنَّ مَنْ تِيمُمَ بَعْدَ أنْ طلبَ الماءَ فلمْ يجِدْهُ ، ثُمَّ وجدَ الماءَ
قَبْلَ دخُولِهِ فِي الصَّلاةِ أنَّ تيمُّمَهُ بَاطِلٌ ، لا يجزيه أنْ يصلِّي بِهِ، وأَنَّهُ قَدْ عادَ بحالِهِ قَبْلَ
التیمم .
٣٢٥٣ - واختلفُوا إذَا وَجَدَ الماءَ بَعْدَ دخُولِهِ في الصَّلاةِ(*):
(١) كذا في (ص)، وفي (ك): يماري ، أي يجادل وينازع، وهي أشبه وأوجه .
(٢) فى (ك) : صلاة تامة ماضية .
(٣) كذا في (ك) وفي (ص) : إلا أنهم من ، سقط .
(٤) في (ك) : على أن .
(*) المسألة - ٥٧ - إن رأى الماء أثناء الصلاة :
ينتقض تيممه عند الحنفية والحنابلة ، لبطلان الطهارة بزوال سببها ، ولأن الأصل إيقاع الصلاة
بالوضوء ،، وقد قدر على الأصل قبل حصول المقصود ببدله ، وللأدلة النصية المتقدمة في بحث
إعادة الصلاة .
ولا ينتقض تيممه عند المالكية ، ولا ينتقض بالنسبة للمسافر عند الشافعية ؛ لأنه مأذون له
بالدخول في الصلاة بالتيمم ، والأصل بقاء ذلك الإذن ، ولقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم ﴾=
٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٦٩
٣٢٥٤ - فقالَ مالِكٌ ، والشَّافعيّ، وأصحابهما: إلاَّ المزنيّ - وبِهِ قالَ داوُدُ بنُ علي،
والطبري : يتمادى في صَلَائِهِ ، وتجزيه ، فإذا فرغَ توضأ للصّلاةِ الأُخْرى بذلِكَ الماء ، لأَنَّهُ
إذا وجدَ الماءَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّلاةِ وجبَ عليه الوضُوءِ بِهِ الصَّلاةِ . فإذا كَانَ فِي الصَّلاةِ لَمْ
يقطعُها لرؤيَتِهِ الماءِ وهُوَ فيها .
٣٢٥٥ - قالوا: لأَنَّهُ لَمْ تثبتْ في ذلك سُنَّةٌ توجبُ عليه قطع صَلاتِهِ بعدَ دخولِهِ
فيها، ولا إجماعٌ يجبُ التسليم لَهُ .
٣٢٥٦ - قالوا: وليسَ قول مَنْ قالَ: إِنَّ رُؤْيَةَ الماءِ حَدَثٌ مِنَ الأَحْدَاثِ بِشَيْءٍ(١) لأنَّ
ذلِكَ لَو كَانَ كَذلِكَ لكانَ الْجُنُبُ إذَا تِيمِّمَ، ثُمَّ وَجَدَ الماءَ يعودُ كالمحدثِ، لا يلزمُهُ إِلاَّ
الوضُوء، وكانَ الذي يَطْرأُ عليْهِ الماءُ وهُوَ في الصَّلاةِ بالتيمُّم - عندَ الكوفيين - يقطعُها ،
= وكان عمله سليماً قبل رؤية الماء ، والأصل بقاؤه ، وقياسا عى رؤية الماء بعد الفراغ من
الصلاة؛ لأن رؤية الماء ليست بحدث ، فلا تبطل الصلاة ، حفاظاً على حرمة الصلاة.
وتبطل صلاة المقيم عند الشافعية إن رأى الماء في أثناء الصلاة ؛ لأنه كما بينا سابقا تلزمه إعادة
الصلاة لوجود الماء ، وقد وجد الماء ، فوجب أن يشتغل بالإعادة .
.
واستثنى المالكية حالة نسيان الماء : فمن كان ناسياً للماء الذي معه ، فتيمم وأحرم بصلاة ثم
تذكر فيها ، تبطل إن اتسع الوقت .
أما إن رأى الماء بعد انتهاء الصلاة :
فإن كان بعد خروج وقت الصلاة ، لا يعيدها إجماعاً ، دفعاً للحرج ، وإن كان في أثناء الوقت،
لم يعد الصلاة عند الجمهور (غير الشافعية )، ويعيدها المقيم لا المسافر غير العاصي بسفره عند
الشافعية ، كما بينا سابقاً .
وانظر في هذه المسألة الدر المختار: ٢٣٤/١ - ٢٣٦. مراقي الفلاح: ص ٢١، اللباب: ٣٧/١
وما بعدها، فتح القدير: ٩١/١ وما بعدها، البدائع: ٥٦/١، الشرح الصغير: ١٩٩/١،
الشرح الكبير: ١٥٨/١ القوانين الفقهية: ص ٣٨، بجيرمي الخطيب: ٢٥١/١ - ٢٦١ مغني
المحتاج: ١٠١/١، المهذب: ٣٦/١، المغني: ٢٦٨/١، ٢٧٢، كشاف القناع: ١٩٠/١، ٢٠٢،
غاية المنتهى: ٦٣/١ وما بعدها، الفقه الإسلامي وأدلته (١ : ٤٤٩).
(١) في (ص) : شتى، وهو تحريف .
١٧٠- الاستذكار الجامع لِمَذاهب نُقهاء الأمْصارِ /ج ٣.
ثُمَّ يتوضّاً ، ويَبْني كالمحدِث عندهم، وهُمْ لا يَقُولُونَ بذلِكَ ولا غيرُهم . فَصَحَّ أنَّ رؤيَةً
الماءِ ليستْ حدثًا ، ولا كالحَدَثِ .
٣٢٥٧ - ومِنْ حُجْتِهِمْ أيضًا أنَّ مَنْ وَجَبَ عِلَيْهِ الصَّوْمُ في ظِهارٍ أو قتلٍ فصَامَ منهُ
أكثرهُ، ثُمَّ وجَدَ الرقبة - أنَّهُ لا يُلغى صومُهُ ، ولا يعودُ إلى الرقَبةِ . فكَذلِكَ مَنْ دَخَلَ في
الصَّلاةِ بالتيمُمْ لا يقطعُها ولا يُعُودُ إلى الوضُوءِ بِالمَاءِ.
٣٢٥٨ - وقالَ أبو حنيفَةَ وأصحابُهُ ، والثّورِيُّ، والحسنُ بنُ حيّ وجماعة أهلِ
العراقِ، مِنْ (١) أهْلِ الرأي والحديثِ، منهم أحمدُ بنُ حنبل ، وإليه ذهبَ المزنيِّ صَاحب
الشافعيِّ، وبِهِ قالَ ابنُ عُلِيّة: مَنْ طَرّاً عليهِ الماءُ - وهُوَ فِي الصَّلاةِ أو وجدَهُ، أو علمَهُ في
رَحْلِهِ ، وهُوَ فِي الصِّلاةِ - قَطَعَ، وخرجَ إلى اسْتَعْمَالِهِ فِي الوُضُوءِ أو الغُسْلِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ
صلاَهُ ، وَلَمْ يجُزْ لَهُ أنْ يَتمَادَى فِي صَلاَتِهِ متيمِّمًا، وقَدْ وجدَ الماءَ.
٣٢٥٩ - وحجّتهم أنَّ التيمُمَ لَّا بطلَ بوجُودِ الماءِ قَبْلَ الدّخولِ فِي الصَّلاةِ، وَصَارَ (٢)
المتيمِّمُ في حُكْمٍ مَنْ لَيْسَ على طهارَةٍ لوجودِ الماءِ قَبْلَ دخولِهِ فِي الصَّلاةِ ، فكذلِكَ إِذَا دخَلَ
في الصَّلاةِ ، لأَنَّهُ لَّا لَمْ يجُزْ لَهُ أنْ يبتدئَ صَلاَتَهُ بالتيمُم مَعَ وجُودِ الماءِ فكذلِكَ لا يجبُ(٣)
لَهُ التمادي فيها ولا عمل شَيءٍ ، مِنْها بالنِّيمُمِ، وهُوَ وَاجِدٌ للماءِ، وإذا بطلَ بعض الصَّلاةِ
بطلَ جميعُها .
٣٢٦٠ - واحتجوا بالإجْمَاعِ في المعتدَةِ بالشّهورِ ، ولا يبقى عليها (٤) إلاَّ أقلّها، ثُمَّ
تحيض - أنّها تستقبلُ عدتَها بالخَيْضِ .
(١) في (ص) : ومن ، ولا يستقيم الأسلوب مع هذه الواو .
(٢) كذا في (ك)، وفي (ص): فصار في حكم ... سقط وتحريف .
(٣) لا يجب لا يثبت .
(٤) في (ك) : عليها منها .
٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٧١
٣٢٦١ - والذي يطرأ عليه الماءُ وهُوَ في الصَّلاةِ ولَمْ يبقَ عليه منها إلاَّ أقلّها - كذلك.
٣٢٦٢ - وللفريقينِ ضروب مِن الاحتجاج والإدْخَالِ والمعارَضَةِ، تركت ذلك ؛ لأنَّ
الذي ذكرتُ كافٍ . وباللَّهِ التوفيق .
٣٢٦٣ - وفي هذا الحديث: التيمُّمُ في السَّفَرِ ، وهُوَ أُمْرٌ مجمعٌ عليهِ .
٣٢٦٤ - واختَلَفَ العُلَماءُ [في التيمُمِ في الحَضَرِ](١) عِنْدَ عَدَمِ المَاءِ.
٣٢٦٥ - فذهبَ مالكٌ وأصحابُهُ - علي اضطرابٍ منهم في ذلِكَ - إلى أنَّ التيمُمَ في
السَّفَرِ والحَضَرِ سواءٌ إِذَا عُدِمَ الماءُ أو تعذَّر استعمالُه لمرضٍ ، أو خوفٍ شديدٍ ، أو خوفٍ
خروج الوقت .
٣٢٦٦ - وهذا قولُ أبي حنيفةً، ومحمد بن الحسن .
٣٢٦٧ - وحُجَّتُهم أنَّ ذكرَ اللَّه تعالى - المرضى والمسافرين في شَرْطِ التيمُمِ خرَجَ
على الأغْلَبِ مِمَنْ لا يجِدُ الماءَ .
٣٢٦٨ - وأمَّا الحاضِرونَ فالأغْلَبُ عليهم وجود الماءِ ، فلذلِكَ لَمْ ينصّ عليهم . فإذا
لَمْ يجدِ الحاضِرُ الماءَ، أو منعَهُ مِنْهُ مَانِعٌ لا يقدرُ على دَفْعِهِ وجَبَ عليه التيمُّمُ الصَّلاةِ في
وَقْتِها، لأنَّ التيمُمَ إنَّما وَرَدَ لإِدْرَاكِ وَقْتِ الصَّلاةِ، وخوف فوْتِهِ، محافظَةٌ على الوقْتِ .
٣٢٦٩ - فكُلُّ مَنْ لَمْ يجِدِ الماءَ وخافَ فوْتَ وَقْتِ الصَّلاةِ كَانَ لَهُ أنْ يتيمَّمَ إِنْ كَانَ
مَرِيضًا، أو مُسافِرًا بالنِّصِّ ، وإنْ كَانَ حاضِرًاً صَحِيحًا فبالَعْنى، واللَّهُ أَعْلَمُ .
٣٢٧٠ - وقالَ الشَّافعيّ: لا يجُوزُ للْحَاضِرِ الصَّحِيحِ أنْ يتيمَّمَ ، إلاَّ أنْ يخافَ الهلاكَ
على نفسِهِ ، وبِهِ قالَ الطبريُ .
٣٢٧١ - وقالَ أبو يوسف، وزفرُ: لا يجوزُ التيمُمُ في الحَضَرِ، ولا لَرَضٍ ، ولا
(١) ما بين الحاصرتين من (ك) فقط.
١٧٢- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقهاء الأمْصارِ /ج ٣.
لَوْفِ خُروجِ الوَقْتِ .
٣٢٧٢ - وقالَ الشَّافعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، والطبريُّ: إذَا عَدِمَ في الحَضَرِ الماءَ
وخافَ(١) فواتَ الوَقْتِ جازَ لَهُ التيمُم، وإِنْ كَانَ صَحِيحًا، كَمَا جَازَ (٢) للمرِيضِ
والمسافِرِ، إلاَّ أنَّهُ يُعيدُ إذَا وجدَ الماءَ .
٣٢٧٣ - وحجَّةُ الشَّافعيِّ وهؤلاءٍ(٣) أنَّ اللَّه - تعالى - جعلَ التيمُّمَ رخصَةٌ للمَرِيضِ
والمسَافِرِ، كالفِطْرٍ وَقَصْرِ الصَّلاةِ. ولَمْ يُحِ التيمُّمَ إلاَّ بِشَرْطِ الْمَرَضِ والسَّفَرِ: لقولِ اللَّهِ
تعالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أو عَلَى سَفَرٍ﴾ (سورة النساء: ٤٣] (٤) فلا دُخُولَ
للحَاضِرِ، ولا للصَّحِيحِ المقيم في ذلِكَ، لخروجِهِما مِنْ شَرْطِ اللَّه - تعالى - في ذلِكَ ..
٣٢٧٤ - والكلامُ بَيْنَ الفِرَقِ في هذه المسألةِ يطولُ، وفيما أوْمَأَنَا إِلَيْهِ كفاية والحمدُ
للَّهِ.
٣٢٧٥ - قالَ أبو عُمر: التيمُّمُ للمَرِيضِ والمسافِرِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الماءَ بالكِتَابِ والسّنّةِ
والإجْماع، إلاَّ ما ذَكَرْتُ لَكَ فِي تَيَمُمِ الْجْنُبِ .
٣٢٧٦ - فإذا وجدَ المريضُ(٥) والمسافِرُ الماءَ حَرُمَ عليهما التيمُّمُ. إلاَّ أنْ يخافَ
المرِيضُ ذهَابَ نفسِهِ وتلفَ مهجَتِهِ في استعمَالِهِ الماءِ ، فيجوزُ لَهُ حينئذٍ التيمٌمُ مَعَ وجودٍ
الماءِ بالسّنّةِ، لا بِالكِتَابِ، إلاَّ أنْ يتأول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم ﴾ [ سورة النساء: ٦٩ ].
٣٢٧٧ - والسنةُ في ذلِكَ ما أُجازَهُ النبيّ - عليه السلام - في حديثٍ جابٍِ، مِنْ
(١) كذا في (ك)، وفي (ص): أو خاف ، وهو تحريف .
(٢) في (ك) : يجوز .
(٣) كذا في (ك)، وفي (ص): ((وهو لأن))، وهو تحريف .
(٤) ما بين الحاصرين من (ك) فقط.
(٥) في (ك) : أو المسافر .
٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٧٣
التيمُّمِ للمجْرُوحِ، وكانَ مُسَافِرًاً صَحِيحًا بقَوْلِهِ: ((قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللَّه(١) )).
٣٢٧٨ - وقَدْ روي من حَدِيثِ ابنِ عبَّاسٍ أيضًا، ذَكرَهُ أبو داود .
٣٢٧٩ - وذكر حديث عمرو بن العاص في خوفٍ شِدَّةِ البَرْدِ (٢) والمرِيضُ أحرى
بجوازٍ ذِلِكَ ، قياسًا ونَظَرًا واتباعًا لمعنى الكتابِ ، واللَّهُ أَعْلَمُ .
٣٢٨٠ - وقال عطاء: لا يتيمِّمُ المريضُ إذَا وجدَ الماءَ، ولا غير المريضِ، لأنَّ اللَّهَ
تعالى قالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أحدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ أوْ لاَمَسْتُمُ
النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاءَ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيًّا﴾ (النساء: ٤٣) المائدة: ٦)، فَلَمْ يُبح التيمُّمَ إلاَّ
عندَ عدَمِ الماءِ وفقْدِهِ ، ولَوْلاَ الأثر الذِي ذكرْنَا وقول جمهور العلماءِ لكانَ قول عطاء
صحيحاً ، واللَّهُ أعلمُ .
٣٢٨١ - واختَلَفَ الفُقهاءُ في التيمُمِ: هَلْ تُصَلَّى بِهِ صَلَوَاتٌ كالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ أمْ هُوَ
لازمٌ لكلِّ صَلاةٍ؟(٥)
(١) قال جابر: (( خَرَجْنا في سفرٍ فأصابَ رَجُلاً مِنَّ حجرٌ فشسجَهُ في رأسِهِ، فاحتلَمَ، فسألَ أصحابَهُ:
هَلْ تَجِدُونَ لي رُخصةً فِي النَّيمُمِ؟ قالوا: ما نجدُ لكَ رُخصةً وأنتَ تقدِرُ على الماءِ ، فاغْتَسلَ
فمات، فلمّا قدِمْنا على النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُخْبِرَ بذلك. قال: قتلُوهُ قتَلَهُمُ اللّه ، ألا سألُوا
إذْ لمْ يَعلَمُوا، فإنَّمَا شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ، إنَّما كانَ يَكفيهِ أنْ يتيمُّمَ وَيُعَصِّبَ على جُرْحِهِ خِرْقَةٌ ثمّ
يمسحَ عليها ، ويغسِلَ سائرَ جسدِهِ) .
أخرجه أبو داود في السنن ٢٣٩/١ - ٢٤٠، كتاب الطهارة باب في المجروح يتيمم الحديث
(٣٣٦) . واالدار قطني في السنن ١٨٩/١ - ١٩٠، كتاب الطهارة ، باب جواز التيمم لصاحب
الجراح ، الحديث (٣) . و(العِيُّ): الجَهْلُ.
(٢) المصدر السابق .
(*) المسألة - ٥٨ - قال الحنفية: يصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل ؛ لأنه طهور حال
عدم الماء ، فيعمل عمله ما بقي شرطه، فله أن يصلي بتيمم واحد فرضين فأكثر ، وما شاء من نافلة.
وقال الحنابلة: التيمم مقيد بالوقت، لقول علي رضي الله عنه: (( التيمم لكل صلاة )) وقول ابن
عمر رضي الله عنهما: (( تيمم لكل صلاة)) لأن التيمم طهارة ضرورة ، فتقيدت بالوقت ، كطهارة
المستحاضة ، والطواف المفروض كالصلاة الفريضة .
=
١٧٤ - الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقهاء الأمْصارِ /ج ٣ ــ
٣٢٨٢ - فقالَ مَالِكٌ: لا يُصَلِّي صلاتَيْنِ بتيمُمْ وَاحِدٍ ، ولا يُصلِّي نَافِلَةٌ ومَكْتُوبَةً
بتِيمُم وَاحِدٍ ، إلاَّ أنْ تكونَ نافِلَةٌ بعدَ المَكْتُوبَةِ .
٣٢٨٣ - قال: فإِنْ(١) صلَّى ركعتي الفَجْرِ بتيممِ الفَجْرِ - أَعادَ التيمُّمَ لصَلاةِ الفَجْرِ .
٣٢٨٤ - وقالَ الشافعيُّ: يتيمِّمُ لكلِّ صَلاةٍ فرض، ويصلي الفَرْضَ وَالنَّفِلَةَ وَصَلاةَ
= وبناء عليه : إذا تيمم صلى الصلاة التي حضر وقتها، وصلى به فوائت إن كانت عليه ،
فيصلى الحاضرة ، ويجمع بين الصلاتين ، ويقضي فوائت ، وله التطوع بما شاء من النوافل إلى أن
يدخل وقت صلاة أخرى .
وقال المالكية والشافعية : لا يُصلى بتيمم واحد فرضان ، فلا يجوز للمتيمم أن يصلي بتيمم
واحد أكثر من فريضة . ويجمع بين نوافل ، وبين فريضة ونافلة إن قدم الفريضة عند المالكية ،
ويتنفل ما شاء قبل المكتوبة وبعدها عند الشافعية ، لأنها غير محصورة.
ودليلهم : ما روى البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر، قال: ((يتيمم لكل صلاة ، وإن لم
يحدث))، ولأنه طهارة ضرورة فلابد من تكرار التيمم لكل فرض ، وإن كانت الفريضتان
مجموعتين في وقت واحد ، كالظهر مع العصر ، ولو كان التيمم من مريض يشق عليه إعادته .
ويجوز أن يصلى بتيمم واحد فرض صلاة ، وفرض جنازة عند المالكية ، والشافعية في الأصح ؛
لأن الجنازة فرض كفاية ، فهي كالنفل في جواز الترك في الجملة .
وجاز بالتيمم للصلاة : مس المصحف ، وقراءة القرآن إن كان جنباً .
والنذر عند الشافعية كفرض في الأظهر ، فيجدد له التيمم ، ولا يجمعه مع فرض آخر أداء أو قضاء
بتيمم واحد .
وفرض الطواف وخطبة الجمعة عند الشافعية كفرض الصلاة ، فلا يجمع بتيمم واحد بين طوافين
مفروضين ، ولا بين طواف مفروض وصلاة مفروضة ، ولا بين صلاة جمعة وخطبتها ؛ لأن
الخطبة وإن كانت فرض كفاية ، ألحقت بفرض العين ، إذ قيل : إنها قائمة مقام ركعتين .
وأجاز المالكية الجمع بتيمم بين صلاة مفروضة وطواف غير واجب وركعتيه ، فهم إذاً كالشافعية.
فتح القدير: ٩٥/١ / المغني: ٢٦٢/١ - ٢٦٤. الشرح الصغير: ١٨٦/١ - ١٨٧، الشرح
الكبير: ١٥١/١، المهذب: ٣٦/١، مغني المحتاج: ١٠٣/١، القوانين الفقهية: ص ٣٨. الفقه
الإسلامي وأدلته (١ : ٤١٣ - ٤١٤).
(١) في (ك): ((وإن)).
٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٧٥
الجَنَائِزِ بِتَيَهُمْ وَاحِدٍ ، ولا يجمعُ بَيْنَ صَلاَي فَرْضٍ بتيمٌمْ وَاحِدٍ فِي سَفَرٍ ولا حَضَرٍ ،
وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ .
٣٢٨٥ - وقالَ شريك: يتيمِّمُ لِكُلِّ صَلاةٍ نَافِلَةٍ وفريضَةٍ .
٣٢٨٦ - وَمِنْ حُجَّةٍ مَنْ رأى التيمُّمَ لِكُلِّ صَلَةٍ فرضًا واجِبًا - أنَّ اللَّهَ أوجَبَ على
كُلِّ قائم إلى الصَّلاةِ طلبَ الماءِ ، وأوجب عندَ عَدَمِهِ التيمُّمَ .
٣٢٨٧ - وعلى المتيمٌّمِ عندَ دُخُولِ وقْتِ صَلَاةٍ أخرى مثل ما عليه في الأولى(١)
ولَيْسَتِ الطَّهَارَةُ بِالصَّعِيدِ كالطَّهَارَةِ بالماءِ ، لأنَّها طهارَةُ ضرورَةٍ لاسْتِبَاحَةِ الصَّلاةِ قَبْلَ
خُروجِ الوَقْتِ ، وليستْ بطهارةٍ كامِلَةٍ ، بِدَلِيلِ بُطْلاِها بوجُودِ المَاءِ قَبْلَ الصَّلاةِ ، وأنَّ
الْجُنُبَ يعودُ جُنُبًا بعدَها إذَا وَجَدَ الماءَ .
٣٢٨٨ - وكذَلِكَ أُمِرَ كلُّ مَنِ اسْتَبَاحَ بها الصَّلاةَ أنْ يطلبَ الماءَ الصَّلاةِ الأُخرى فإذَا
طلبَ الماءَ وَلَمْ يجِدْهُ لزمَهُ التيمُمُ بِظاهِرٍ(٢) قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فتيمِّمُوا ﴾ .
٣٢٨٩ - قَالُوا : : ولما أجمعُوا أَنَّهُ لا تيمُّمَ قَبْلَ دخُولِ الوَقْتِ دلَّ على أنَّهُ يلزمهُ(٣)
التيمُمُ لِكُلِّ صَلَةٍ ائلاً يكون تيعُّمُهُ قَبْلَ الوَقْتِ .
٣٢٩٠ - وقالَ أبو حنيفةَ وأصحابُهُ ، والثوريُ ، والليثُ بنُ سعدٍ ، والحسنُ بنُ حي،
وداودُ: يُصَلِّي ما شاءَ بتيمُّمٍ واحِدٍ ، مَالَمْ يُحدِثْ، لأَنَّهُ طَاهِرٌ مَالَمْ يجدِ الماءَ ، وليسَ عليه
طلب الماءِ إِذَا يَحِسَ مِنْهُ.
٣٢٩١ - والكلامُ في هذه المسألةِ بَيْنَ المختلفينَ كثيرٌ جِدّاً ، لَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ وجهًا .
(١) كذا في (ك)، وفي (ص): ((الأول))، وهو تحريف .
(٢) في (ك) : يظاهر الخطاب بقوله .
(٣) كذا في (ك)، وفي (ص): (( يلزم)) وهو تحريف .
١٧٦- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فقهاء الأمْصارِ / ج ٣
٣٢٩٢ - ولَمْ يختلفْ قولُ مَالِكٍ وأصحابِهِ فيمنْ تِيمِّمَ للصَّلاةِ فَصَلاَّها، فلمَّا سلَّمَ
مِنْها ذَكَرَ صَلَاَةٌ نَسِيَها: أنَّهُ يتيمٌمُ(١) لها .
٣٢٩٣ - واختَلَفُوا فيمنْ صَلَّى صَلاَتَيْ فرضٍ بتيمُمٍ واحِدٍ :
٣٢٩٤ - فروى يحيى عن ابن القاسم فيمنْ صَلَّى صلواتٍ كَثِيرَةً بتيمُّمٍ واحِدٍ، أنَّهُ
يعيدُ ما زادَ على واحِدَةٍ في الوقْتِ ، وَاسْتَحَبَّ لَهُ أنْ يعيدَ أَبَدًا .
٣٢٩٥ - وروى أبو زيد بن أبي الغمِر عنه أنَّه يعيدُ أبدًا .
٣٢٩٦ - وقالَ أصبغُ بنُ الفَرَجِ: إِنْ جَمَعَ بينَ صِلاَتَيْنِ بتيمُّمٍ وَاحِدٍ نظرَ : فإنْ كانتَا
مشتركَتَيْنِ في الوقْتِ أعادَ الآخرة في الوقْتِ ، وإنْ كانتا غير مشتركتَيْنٍ في الوقْتِ أعادَ
الثَّانِيَةَ أبدًا .
٣٢٩٧ - وذكرَ ابنُ عبدوس أنَّ ابن نافع روى عَنْ مالك في الَّذي يجمعُ بَيْنَ
الصَّلاَتَيْنِ أَنَّه يَتَيَمِّمُ لِكُلِّ صلاةٍ .
٣٢٩٨ - وقالَ أبو الفَرَجِ: [ في ذاكرِ الصلوات ] (٢): إِنْ قَضَاهُنَّ بتيمٌمْ واحِدٍ فلا
شَيءَ عليْهِ .
٣٢٩٩ - وقَدْ ذكرْنا اختلافَ قول مالكٍ وأصحابِهِ في هذه المسألةِ في كتابٍ جَمَعْنَاهُ
في اختلافهم .
٣٣٠٠ - قالَ أبو عمر: قَدِ اقْتضى ما كتبْنا في هذا البَابِ القولَ في معاني ما ذكَرَهُ
مالكٌ في موطئِهِ في التيمُمِ . وذلِكَ ثلاثة أبواب. إلاَّ قوله سُئِلَ مالك عَنْ رَجُلٍ تِيمٌّمَ: أَيومٌ
أصحابَهُ، وهُمْ متوضّئُونَ ؟ فقالَ: يؤمُّهم غيرُهُ أحبُّ إليّ. ولو أمَّهم هُوَ لَمْ أَرَ بذلكَ
(١) فى (ك): ((يلزمه التيمم لها)).
(٢) ثابت في (ك )، ساقط في (ص)
٢ - كتاب الطهارة (٢٣) باب التيمم - ١٧٧
بأسا(١).
٣٣٠١ - ثُمَّ قالَ في ذلِكَ البابِ: مَنْ قَامَ إِلى الصَّلاةِ. فَلَمْ يجدْ ماءً فعملَ بما أمَرَهُ
اللَّهُ بِهِ مِنَ التيمُمِ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وليسَ الذي وجَدَ الماء بأطهر مِنْهُ، ولاَ أتَمّ صلاة؛ لأنهما
أُمِرَاً جميعًا، فكلٌّ عَمِلَ بما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ(٢) .
٣٣٠٢ - وهذا مِنْ قولِ مالكٍ يقضي بأنَّهُ لاَ بَأْسَ أنْ يؤمّ المتيمِّمُ المتوضِّئَ، وَهُوَ قولُ
أبي حنيفةً ، وأبي يوسفَ ، والشافعيُّ، وزفر ، والثوريّ .
٣٣٠٣ - وقالَ الأوزاعيّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، والحسنُ بْنُ حيّ: لا يؤمُ متيمٌمٌ
متوضئًا. وَمِنْ حُجَّةٍ هؤلاءٍ أنَّ شَأْنَ الإِمَامَةِ الكمالُ ، ومعلومٌ أنَّ الطَّهَارَةَ بالصَّعِيدِ طهارةُ
ضرورةٍ كما قُلنا، بدليلِ الإجماع على أنَّ الْجُنُبَ إذا صلَّى بالتيمُّم، ثُمَّ وجدَ المَاءَ لزمَهُ
الغُسلُ ، وأنَّ المتيمِّمَ غير الجنبِ يلزمه الوضوء إذا وجدَ الماءَ ، فأشبهت القاعدَ المريضَ يؤمُ
قائماً ، والأميَّ يؤمُّ قارئاً .
٣٣٠٤ - وقالَ محمدُ بنُ الحسَنِ: إنَّما تيمَّمَ ابنُ عمر بالمدينةِ ، لأَنَّهُ كانَ في آخِرِ
الوقْتٍ(٣) . ولَو كَانَ فِي سَعَةٍ مِنَ الوَقْتِ ما تيمْمَ، وهُوَ بطرفِ المدينَةِ ينظرُ إلى الماءِ ،
ولكنَّهُ خافَ خروجَ الوقْتِ فتيمّمَ .
(١) الموطأ : ٥٥
(٢) الموطأ: ٥٥، وفيه بعد ما نقله المصنف: (( وإنما العمل بما أمر الله به من الوضوء لمن وجد الماء،
والتيمم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة )).
(٣) الموطأ : ٥٦ .
٠
(٢٤) باب ما يحل للرجل من امرأتِهِ وهي حائض(*)
١٠١ - مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ السَّهِعَه ،
فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لِي مِنِ امْرَأْتِي وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ: ((لِتَشُدَّ
عَلَيْهَا إِزَارَها، ثُمَّ شَأْنَكَ بِأَعْلَاهَا (١))).
(*) المسألة - ٥٩- يحرم بالحيض الوطء في الفرج ( الجماع) ولو بحائل باتفاق العلماء ، وذلك
عند الجمهور ( سوى الحنابلة )، للآية القرآنية الكريمة ﴿ فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن
حتى يطهرن ﴾ والمراد بالاعتزال : ترك الوطء ، وللأحاديث النبوية الواردة في ذلك ، ومنها
حديث النعمان بن بشير التالى بعد قليل .
إلا أن الحنابلة أباحوا الاستمتاع بالحائض ونحوها بما دون السرة وفوق الركبة ما عدا الوطء في
الفرج لقوله تعَّه: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)) رواه الجماعة إلا البخاري. (نيل الأوطار١:
٢٧٦) .
كما أنهما أباحوا الجماع لمن به شبق بشرط ألا تندفع شهوته من الوطء في الفرج ولا يقدرُ على
مهر زوجة أخرى .
وحرمة الوطء والاستمتاع بما بين السرة والركبة عند الشافعية حتى تغتسل ، أي تطهر بالماء لا
بالتيمم ، إلا في حال فقد الماء ، أو العجز عن استعماله .
ولكن ما هو وجه الأذى الذي أشارت إليه الآية الكريمة. وبسببه يحرم الاختلاط الجنسي زمن
المحيض ؟
إن المهبل يحتوي على جراثيم بكتيرية عضوية تُخمر (الجليكوجين) إلى حمض اللبن ، فتجعل
محتويات المهبل حمضية تقاوم الإصابة .
ولكن في زمن الحيض وبسبب نزول الدم يصبح الوسط متعادلاً لا يقاوم نمو الجراثيم الضارة ،
فالاتصال الجنسي في هذه الفترة وسيطٌ لنقل الجراثيم الرُمية والصديدية التي تتكاثر في المهبل
وتؤدي إلى التهاب الجهاز التناسلي ، وقد تقود إلى العقم ، ويمتد الأذى إلى الرجل أيضاً .
كما أن المرأة تكون زمن الحيض مضطربة الأعصاب ، تقاسي آلاماً شديدة في صلبها ، وحدة في
طبعها ، واحتقاناً في أعضائها التناسلية ، والطب يمنع المتخصص من الكشف عليها زمن الحيض
حتى لا يضاعف من آلامها ، وبذلك تكون حرمة الوقاع لما يترتب عليها من أضرار صحية .
(١) الموطأ: ٥٧، وهو في رواية محمد بن الحسن: ٥٠، وأخرجه أبو داود في الطهارة. ح (٢١٢)،
باب في المذي ، (١ : ٥٥) عن هرون بن محمد بن بكار ، عن مروان بن محمد ، عن الهيثم بن
حميد، عن العلاء بن حكيم، عن عمه أنه سأل رسول الله عَّ: ما يحلّ لي من امرأتي وهي
حائض؟ قال: ((لك ما فوق الإزار)).
- ١٧٨ -
٢ - كتاب الطهارة (٢٤) باب ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض - ١٧٩
١٠٢ - مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أبِي عِبْدِ الرَّحمَن؛ أنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبيِّ
عَُّ كَانَتْ مَضْطَجِعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مَّهُ فِ ثَوْبٍ وَاحِدٍ . وَأَنَّهَا قَدْ وَثَبَتْ
وَبَةٍ شَدِيدَةً. فقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ: ((مَالَكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ)) يَعْنِ الخَيْضَةَ.
فَقَالَتْ: نَعَمْ. قالَ: ((شدِّي عَلَى نَفْسِكِ إِزَارَكِ، ثُمَّ عُودِي إِلَى
مَضْجَعِكٍ))(١).
*
*
*
٣٣٠٥ - في حديثٍ ربيعَةٍ مِنَ الأحْكَامِ : جواز نوم الشريف مَعَ أَهْلِهِ فِي ثَوْبٍ
واحدٍ، وسریرٍ وَاحِدٍ .
٣٣٠٦ - وفيهِ أَنَّهُ عليه السلام - لَمْ يَكُنْ يعلمُ مِنَ الغيبِ إلَّ ما أعلمَهُ اللَّهُ.
٣٣٠٧ - ومعنى قَولِهِ: ((نَفِستِ ))(٢): أي أُصِبْتِ بالدَّمِ. والنَّفْس: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ
الدَّم.
٣٣٠٨ - قالَ إبراهيمُ النخعِيِّ: كلٌّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سائِلَةٌ يموتُ في الماءِ لا يفسدُهُ ،
يعني بها دمًا(٣) سائلاً .
٣٣٠٩ - وقَدْ ذكرْنا معاني هذين الحديثينِ متَّصِلَة بالأسانيدِ القويَّةِ في كتابٍ
(١) الموطأ : ٥٨.
(٢) قال السيوطي في تنوير الحوالك ص (٧٧): قال الخطابي: أصل هذه الكلمة من النفس ، إلا أنهم
فرقوا بين بناء الفعل من الحيض ، والنفاس ، فقالوا في الحيض : نفست بفتح النون ، والولادة
بضمها . وقال النووي في شرح مسلم هو هنا بفتح النون ، وكسر الفاء ، هذا هو المعروف في
الرواية ، وهو الصحيح المشهور في اللغة ، أن نفست بفتح النون معناه حاضت ، وأما في الولادة
فيقال بضم النون ، قال : وقد نقل أبو حاتم عن الأصمعي الوجهين في الحيض والولادة وذكر ذلك
غير واحد .
(٣) في (ص) : يعني بها سائلاً ، سقط .
١٨٠- الاستذكار الجامع لمذاهب نُقهاء الأمصارِ / ج ٣
(التمهيدِ))(١).
(١) ذكر في ((التمهيد)) (٥: ٢٦٠) مرسل زيد بن أسلم، وقال: «لا أعلم أحداً روى هذا الحديث
مسنداً بهذا اللفظ : أن رجلاً سأل رسول الله :{29 هكذا ، ومعناه صحيح ثابت ))
ثم أحال على حديث ربيعة ، وأنه ذكر الآثار مستوعبة في باب ربيعة .
وفي ((التمهيد)) (٣: ١٦٠) أورد حديث ربيعة المرسل المنقطع هذا، ثم قال:
(هكذا هذا الحديث في الموطأ - كما روى - منقطع) ويتصل معناه من حديث أم سلمة عن النبي
صلى الله عليه وسلم ، ولا أعلم أنه روى من حديث عائشة بهذا اللفظ البتة، وسنذكر في هذا
الباب ما روي فيه عن عائشة وسائر أزواج النبي عليه السلام إن شاء الله .
ولم يختلف رواة الموطأ في إرسال هذا الحديث كما روي .
وروى حبيب ، عن مالك ، عن الزهري ، عن عروة ، وسعيد بن المسيب عن عائشة : أن النبي
صلى الله عليه وسلم كان يضاجع أم سلمة ، وهي حائض ، عليها بعض الإزار ، وما انفرد به
حبيب لا يحتج به .
وفيه من الفقه نوم الرجل الشريف مع أهله في ثوب واحد ، وسرير واحد .
وفيه أن الحيض قد يأتي فجأة دون مقدمة من العلامات لبعض النساء ، وبعضهن ترى قبله صفرة ،
أو كدرة كما ترى بعده .
وفيه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم من الغيب إلاّ ما عَلَّمَهُ الله لقوله: مالك؟
لعلك نفست .
وقوله نفست يقول لعلك أصبت بالدم يعنى الحيضة ، والنفس الدم ، ألا ترى إلى قول إبراهيم
النخعي ، وهو عربي فصيح : كل ما ليس له نفس سائله يموت في الماء لا يفسده ، يعنى دما
سائلا .
وفيه أن الحائض يجوز أن يباشر منها ما فوق الإزار لقوله : ثم عودي إلى مضجعك ، ومعلوم
أنها إذا عادت إليه في ثوب واحد معه أنه يباشرها، فإذا كان ذلك كذلك كان هذا الحديث
يفسر قول الله عز وجل ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ لأنه يحتمل قوله اعتزلوا النساء، أي لا
تكونوا معهن في البيوت ، ويحتمل اعتزلوا وطأهن لا غير ، فأتت السنة مبينة مراد الله عز وجل
من قوله ذلك .
ثم ذكر حديث أنس ((أن اليهودَ كانت إذا حَاضَتْ منهنّ امرأةٌ أخرجوها من البيت ولم
يواكلوها، ولم يشاربوها ، ولم يجامعوها في البيت ، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فأنزل الله: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ إلى آخر الآية .
فقال رسول الله عَّة: ((جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء غير النكاح))، فقالت اليهود=