Indexed OCR Text

Pages 41-60

٢ - كتاب الطهارة (١٥) باب الوضوء من مَس الفرج - ٤١
ذكّرْناها في التّمهيد (١).
(١) ((التمهيد)) (١٧: ١٩٧-٢٠٥)، حيث أورد المصنف حديث طلق بن علي اليمامي،
ثم قال : ورواه أيوب بن عتبة - قاضي اليمامة - أيضاً عن قيس بن طلق ، عن أبيه ، وهو
حديث يمامي لا يوجد إلا عند أهل اليمامة ، إلا أنَّ محمد بن جابر ، وأيوب بن عتبة
يُضَعِّفان، وملازم بن عمرو ثقة، وعلى حديثه عَوَّلَ أبو داود والنسوي جميعاً، وكلَّ مَنْ خَرْجَ
في الصحيح ذكر حديث بسرة في هذا الباب وحديث طلق بن علي إلا البخاري ، فإنهما عنده
متعارضان معلولان ، وعند غيره هما صحيحان ، والله المستعان .
وقد استدلَّ جماعة من العلماء على أن الحديث في إيجاب الوضوء من مس الذكر ، ناسخ
لحديث سقوط الوضوء منه ، بأن إيجاب الوضوء منه إنما هو مأخوذٌ من جهة الشرع لا مدخل
فيه للعقل لاجتماعه مع سائر الأعضاء ، فمحال أن يقال : إنما هو بضعة منك ، والشرع قَدْ
وَرَدَ بإيجاب الوضوء منه، وجائزٌ أن يجب منه الوضوء بعد ذلك شرعاً ، فتفهم .
وأما أقاويل الفقهاء من الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم من الخالفين في هذا الباب : فروي
عن جماعة من الصحابة : إيجاب الوضوء من مسِّ الذكر، منهم: عمر بن الخطاب، وعبد الله
بن عمر .
وبعد أن يورد ما أثر عن الفاروق عمر ، وعن ابنه عبد اللَّه، وعن سعد ، وجابر ، وزيد بن
خالد ، وأبي هريرة ، في إيجاب الوضوء من مسِّ الذكر ، قال :
أما التابعون الذين روي عنهم الوضوء من مس الذكر من كتاب الأثرم، وكتاب ابن أبي
شيبة ، وعبد الرزاق ؛ فسعيد بن المسيب ، وعطاء بن أبي رباح ، وطاووس ، وعروة ،
وسليمان بن يسار ، وأبان بن عثمان ، وابن شهاب ، ومجاهد ، ومكحول ، والشعبي ، وجابر
ابن زيد والحسن ، وعكرمة ، وبذلك قال الأوزاعي ، والشافعي ، والليث بن سعد ، وأحمد ،
واسحاق ، وداود ، والطبري ، واضطرب مالك في إيجاب الوضوء منه ، واستقر (قوله) أن لا
إعادة على من صلى بعد أن مسه قاصداً ولم يتوضأ إلا في الوقت ، فإنْ خَرَجَ الوقت ، فلا
إعادة عليه ، وعلى ذلك أكثر الصحابة .
وأما الذين لم يروا في مس الذكر وضوءاً : فعلي بن أبي طالب ، وعمار بن ياسر ، وعبد
اللَّه بن مسعود، وعبد الله بن عباس ، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن حصين ، وأبو
الدرداء، واختلف فيه عن سعد بن أبي وقاص ، فروى عنه أنه لا وضوء على من مس ذكره
هذه رواية أهل الكوفة عنه ، ذكر عبد الرزاق ، عن ابن عبيلة ، عن اسماعيل بن أبي خالد ،
عن قيس بن أبي حازم، قال : سأل رجل سعد بن أبي وقاص ، عن مس الذكر ، أيتوضأ منه؟
قال: إن كان منك شيء نجس فاقطعه ، وروى (أهل المدينة) عنه أنه كان يتوضأ منه، وكذلك
اختلف فيه عن أبي هريرة ، وسعيد بن المسيب ، فروي عنهما القولان جميعاً ، وقال ربيعة بن
أبي عبد الرحمن، وسفيان الثوري وأبو حنيفة، وأصحابه ، لا وضوء في مَسِّ الذكر.

(١٦) باب الوضوء من قُبلة الرجل امرأته(*)
(*) المسألة - ٤٣ - في رأي الشافعية أن الوضوء ينقض بلمس الرجل المرأة الأجنبية
غير المحرمة من غير حائل بينهما ، ينقض وضوء اللآمس والملموس ، ولو بغير قصد .
وسبب النقض : أنه مظنة التلذذ المثير للشهوة التي لا تليق بحال المتطهر .
ودليلهم : العمل بحقيقة معنى الملامسة في اللغة في الآية القرآنية الكريمة : (أو لا مستم
النساء) وهو الجس باليد ، أو ملاقاة البشرتين، أو لمس اليد بدليل قراءة: (أو لامستم) فإنها
ظاهرة في مجرد اللمس بدون جماع .
وأولُ بذلك حديث «عائشة» في التقبيل بأنه إما ضعيف أو مرسل، وحديث «عائشة» في
لمسها لقدمه ◌َّ فمؤول بأن اللمس يحتمل أنه كان بحائل ، أو أنه خاص بالنبي
وفي رأي الجمهور في المذاهب الثلاثة لأخرى : أن الوضوء لا ينتقض بمجرد التلامس
العادي بين الرجل والمرأة وأدلتهم على ذلك :-
١ - أن حقيقة اللمس الوارد في الآية القرآنية والمراد به على ما نقل عن ابن عباس
ترجمان القرآن ، هو اللمس أي الجماع ، وبما قال ابن السكيت أن اللمس إذا قُرن بالنساء برواية
الوطء ، يقول العرب : لامسْتُ المرأة أي جامعتها ، فيجب المصير في الآية إلى إرادة المجاز:
وهو أن اللمس يراد به الجماع لوجود القرين وهو حديث ((عائشة)» الذي سيأتي .
مع ملاحظة أن المالكية والحنابلة قيدوا اللمس الناقض بما إذا كان لشهوة : فجمعوا بين الآية
والأخبار التالية عن عائشة وغيرها .
٢ - حديث ((عائشة)) الذي رواه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي ، وهو مرسل ،
وضعَّفه البخاري، وكل طرقه معلولة. نيل الأوطار (١: ١٩٥): ((أن النبي ◌َّ كان يُقَبِّلُ
بعض أزواجه ، ثم يصلي ولا يتوضأ)» .
٣ - حديث عائشة أيضاً، قلت: ((إن كان رسول اللّه على ليصلي، وإني المعترضة بين
يديه اعتراض الجنارة حتى إذا أراد أن يوتر مسنّي برجله».
رواه النسائي، وقال ابن حجر: إسناده صحيح، نيل الأوطار (١: ١٩٦) ففيه دليل
علي أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء .
٤ - حديث ((عائشة)) أيضاً، قالت: ((فقدت رسول اللَّه ◌َي ليلة من الفراش فالتمسته
فوضعت يدي على باطن قدميه ، وهو في المسجد ، وهما منصوبتان ، وهو يقول : اللهم إني
أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناءً عليك ،
كما أثنيت على نفسك ، رواه مسلم والترمذي وصححه . وهو يدل على أن اللمس غير موجب
النقض .
- ٤٢ -

٢ - كتاب الطهارة (١٦) باب الوضوء من قُبلة الرجل امرأته - ٤٣
٨٠ - مَالِكّ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ، عَنْ أُبيه
[عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ](١)؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قُبَلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَجَسَّهَاَ
بِيَدِهِ، مِنَ المَآَمَسَةِ. {فَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ، أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ، فَعَلَيْهِ
الوُضُوء] (٢).
*
*
٨١ - مَالكُ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مِن قُبْلَةِ الرَّجُل
١
امْرَأَتَهُ الوُضُوْء(٣).
*
٨٢ - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلُ ذَلِكَ.
٢٥٩٦ - [ قالَ أبو عمر: ](٤) هذا البابُ يقتضي القول في القبُلَةِ وسائِرٍ
الملامَسَّةِ .
(١) ما بين الحاصرتين في ((الموطأ)) فقط.
(٢) ما بين المعقوفتين ثابت في الموطأ : ٤٣، دون الأصل.
(٣) الموطأ : ٤٤ .
(٤) كذا في (ك) ، والعبارة غير مثبتة في الأصل .

٤٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فُقَهاء الأمصار /ج ٣
٢٥٩٧ - وفي المُلامَسَةِ معانٍ ومسائل :
٢٥٩٨ - أُحَدها : هَل الملامسةُ الجماعُ، أُوْ ما دونَ الجماعِ مَما يجانسُ الجِماعَ
مثل القُبلة وشبهها ؟ ثُمَّ هَلْ هِيَ اللَّمْسُ باليَدِ خاصَّةٌ، أُو بسائِرِ البَدَن ؟
٢٦٠٠ - وَهَلْ الَّذَّةُ مِنْ شَرْطِهَا أُمْ لاَ؟
٢٦٠١ - وكلُّ ذلك قَدْ تنازَعَ فيه العلماءُ . ونحنُ نذكُرُ فيه مِنْ ذلك ما
حضرَنا على شَرْطِ الاخْتِصَارِ والبيان ، والله المستعان .
٢٦٠٢ - اختَلَفَ العلماءُ مِنَ الصَّحابةِ فمَن بَعْدَهم في معنى الملامَسَةِ الَّتي
أُوْجَبَ اللَّهُ تعالى فيها الوضوءِ لمَنْ أُرَادَ الصَّلاةَ بقولِهِ تعالى: (أُوْ لاَمَسْتُمْ
النَّسَاء) [ سورة المائدة: ٦]
٢٦٠٣ - فَرُوِي عَنْ عمر بن الخطاب بإِسنادٍ ثابتٍ مِنْ أُسانيد أُهْلِ المدينةِ أنَّه
كانَ يُقَبِّلُ امرأتَهُ ، ويصلّي قَبْلَ أُنْ يتوضَّأ .
٢٦٠٤ - ذكَرَهُ عبدُ الرزاق، عن ابن عيينة ، عَنْ يحيى بن سعيد، عَنْ أبي
بكر محمد بن عمرو بن حزم ، عَنْ عبد الله بن عمر: أُنَّ عَاتِكَة ابنة زيد قَبِّلَتْ
عُمَرَ بن الخطاب وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمْ يَنْهَهَا. قَالَ: وهُوَ يريدُ الْمُضِيَ إِلى الصَّلاةِ، ثُمّ
صَلَى، ولَمْ يتوضَّأ(١).
٢٦٠٥ - وهذا الحديث رواهُ مالكٌ عَنْ يحيى بن سعيد : أُنَّ عَاتِكَةً بنتَ زيد
ابن عمرو بن نُفَيل امرأةً عمرَ بنِ الخطاب كانت تقبِّل رأسَ عمر بن الخطاب وهو
(١) أخرجه الدارقطني في سننه في باب «صفة ما ينقض الوضوء وما روي في الملامسة
والقبلة)) (١: ٥٢) وموضعه في سن البيهقي الكبرى في باب ((الوضوء من الملامسة)) (١:
١٢٤) .
وقد ورد عن الفاروق عمر أنه كان يقبل امرأته ثم يصلي ولا يتوضأ ، فقد خرج إلى
الصلاة فقبلته امرأته فصلى ولم يتوضأ. مصنف عبد الرزاق (١: ١٣٥)، وتفسير ابن
كثير أيضاً ، ولعل الفاروق عمر كان يقصد بالمس الذي ينقض الوضوء هو المس بشهوة ، فإن
لم يكن فلا ينقض الوضوء .

٢ - كتاب الطهارة (١٦) باب الوضوء من قُبلة الرجل امرأته - ٤٥
صائم فلا ينهاها(١) .
٢٦٠٦ - ولَمْ يذكُرْ وضوءاً ولا صَلاةَ، ولَمْ يُقِمْ إِسناده وحَذَف مِنْ متنه مَالَمْ
يذهب إليه .
٢٦٠٧ - وسنذكرُ بَعْدُ في هذا الباب مَن لَمْ يَرَ في القُبلَةِ وضُوءاً، ومَنْ ذَهَبَ
إلى معنى قوله تعالى: (أُوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء)َ هُوَ الجماعُ نفسُهُ، لا غَيْرُهُ ، إِنْ
شاء الله .
٢٦.٨ - ذكَرَ مالكٌ حديث عمر هذا في بابِ الرخْصَةِ في القُبْلَةِ الصَّائمِ ،
ورواهُ ابنُ جريجٍ ، عَنْ يحيى بن سعيد: أُنَّ عُمَرَ بن الخطاب خرجَ إِلى الصَّلاةِ
فقبَّلَته امرَأَتَهُ ، فَصَلَّى ، ولَمْ يتوضَّأ .
٢٦٠٩ - ورَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ ابْن أُخي ابن شهاب، عَنْ سالمٍ، عَنْ أُبيهِ ،
عَنِ ابْنِ عمرَ أَنَّهُ قالَ: القُبْلَةُ مِنَ اللَّمَمِ (٢) يُتوضّأ(٣) منها.
٢٦١٠ - وهذا عندهم خطأ ، لأنَّ أصحاب ابن شهاب يجعلونه عن ابن عمر ،
لا عن عمر .
٢٦١١ - وذكَرَ إسماعيلُ بنُ إسحاق(٤) أَنَّ مذهب عمر بن الخطاب في الجُنُبِ
لا يتيمَّمُ ، فدلَّ على أنَّهُ كانَ یری الملامَسَةَ مَا دُونَ الجماعِ کَمَا ذھَبَ ابنُ مسعودٍ ،
فإِنْ صَحَّ عَنْ عمر ما ذكر إسماعيل ثبتَ الخلافُ في القبلةِ عَنْ عمر ، واللَّهُ أُعلَمُ .
٢٦١٢ - وأُمَّا ابنُ مسعودٍ فَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ أُنَّ اللَّمْسَ ما دون الجِمَاعِ، وأُنَّ
الوضُوءَ واجبٌ على مَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ كمذهبِ ابن عمر سواءٌ .
٢٦١٣ - وهو ثابتٌ عن ابن عمر مِنْ وجوهٍ: مِنْ حديث سالم ، ونافع عنه .
(١) الموطأ : ٢٩٢.
(٢) (اللمم) = صغار الذنوب .
(٣) في (ك): ((فتوضأ)).
(٤) اسماعيل بن اسحق القاضي: تقدم في (١ : ٨٥٦).

٤٦ - الاستذكار الجامع لِمَذاهب نُقَهاء الأمْصار /ج ٣
٢٦١٤ - وحديثُ ابن مسعود رواهُ الأعمشُ، عن إبراهيم، عَنْ أُبي عُبيدة بن
عبد الله بن مسعود، عَنْ أبيهِ، قالَ: يتوضَّأَ الرَّجُلُ مِنَ المباشَرَةِ، وَمِنَ اللَّمْسِ
بِيَدِهِ ، وَمِنَ القُبْلَةِ إِذا قَبِّلَ امرأْتَهُ ، وكانَ يقولُ في هذه الآية: (أُوْ لَمَسْتُمُ
النّساء)(١). قالَ: هو الغمزُ، ذكرَهُ وكيع عنِ الأعمش، إلاَّ أنّهُم يقولونَ : لَمْ
يسمعْ أبو عبيدة مِنْ أبيهِ .
٢٦١٥ - وثمّنْ رأى في القُبلةِ الوضوءَ مِنَ التَّابعينَ: عُبيدةُ السَّلْمَانِيِّ، وكانَ
يقولُ : الملامَسَةُ باليدِ منها الوضوء .
٢٦١٦ - ورأى الوضوءَ في القبلةِ: عامرُ الشعبيّ وسفيان، وسعيدُ بنُ
المسيب، وإِبراهيمُ النخعي ، ومكحولٌ الدمشقي ، وابن شهابٍ الزهري ، ويحيى
ابنُ سعيد الأنصاري ، وربيعةُ بنُ عبد الرحمن ، ومالكُ بنُ أُتَسٍ وأصحابُهُ .
٢٦١٧ - ذكَرَ ابنُ وهبٍ عَنْ مالكٍ ، والليث بن سعدٍ ، وعبد العزيز بن أبي
سلمة : في قُبْلَةِ الرَّجُلِ امرأته الوضوء .
٢٦١٨ - وهو قولُ جمهور أُهْلِ المدينة ، والشَّافعيّ، وأُحمد بن حنبل ،
وإسحاق بن راهويه .
٢٦١٩ - ذكَرَ ابن قتيبة عن وكيع ، عَنْ عبد العزيز بن أبي سلمة ، قالَ :
سَأَلتُ الزهريَّ عَنِ القُبلة ، فقالَ : كانَ العلماءُ يقولون : فيها الوضوء .
٢٦٢٠ - قالَ: حَدَّثنا غُنْدَر عَنْ شعبةَ عَنِ الحكم وحمادٍ قالا : إذا قَبَّلَ أُو
لَمَس(٢) فعليه الوضُوءُ.
٢٦٢١ - ولمْ يشتَرَطِ ابْنِ عمرَ ، وابنُ مسعودٍ ، وعُبَيْدَة ، ولا أُحد مِنْ هؤلاء
في القُبْلَةِ ولا في اللّمْسَةِ(٣) - وجود لَذَّةٍ.
(١) (لمستم)) قراءة حمزة والكسائي وخلف، ويوافقهم الأعمش. وقراءة الباقين
((لامستم)» بالألف . إتحاف فضلاء البشر : ١١٤ .
(٢) في (ك) : أو لامس .
(٣) في (ك) : الجسة .

٢ - كتاب الطهارة (١٦) باب الوضوء من قُبلة الرجل امرأته - ٤٧
٢٦٢٢ - ذهبَ الشَّافعيَّ إِلى أَنَّ مَنْ لَمَسَ امرأةً بيدِهِ مفضياً إليها ، ليسَ بينَ
يده وجسمها سترٌ ولا حجابٌ، قلَّ أُوْ كَثُر(١) فعليهِ الوضُوءُ، التذَّ أُو لَمْ يلتذّ،
الشهوةٍ كانَ لمسُهُ لها ، أُوْ لغيرِ شَهْوَةٍ على ظاهرِ حديث ابن عمر ، وابن مسعودٍ ،
وعُبَيدة السَّلماني، ومَنْ قالَ بِقَوْلِهِم في أُنَّ معنى الملامسَة: اللَّمْسُ باليَدِ، ولأنَّهُ
◌َسَ مَنْ في لمسِها ولمسِ مثلها شهوة، فسواءٌ وقَعَتِ اللَّذَّهِ أُو لَمْ تَقَعْ .
٢٦٢٣ - قالَ: وهُوَ ظاهِرُ قولهِ تعالى: (أُوْ لامَسْتُم النِّسَاءَ)، ولَمْ يَقُلْ
لشهوة أو لغيره شهوة .
٢٦٢٤ - قالَ: ولا معنى لَلَّذَّةِ مِنْ فوقِ الثَّوْبِ ولا مِنْ تحتِهِ .
٢٦٢٥ - قالوا : وإنَّما المعنِيُّ في القُبْلَةِ : الفعلُ لا الشَّهوَةُ.
٢٦٢٦ - قالوا : وكُلُّ مَنْ لَمْ يُفْضَ في ملامَسَتِهِ إِلى البَشْرَةِ بملامِسٍ ، لأنَّهُ
إِنَّمَا لَمَس (٢) الثَّوبَ.
٢٦٢٧ - وإِلى هَذا ذَهَبَ أُبو عبدِاللهِ بن نصر المَرْوَزِي(٣)، واختارَهُ واحتَجَّ
بالإِجماعِ في إِيجابِ الغسل ، وهي (٤) الطهارة الكُبرى على المستكرهتوالنَّائمَةِ
إذا جاوَزَ الخِتان (٥) الخِتانَ وإِنْ لَمْ تقعْ لَذّةٌ.
٢٦٣٨ - قال أبو عمر: الَّذي ذهَبَ إِلَيهِ مالكٌ وأصحابهُ في اشْتِرَاطِ اللَّذَّةِ
ووجود الشهوةِ عندَ الملامَسَةِ - أُصَحُّ إِنْ شاءَ اللَّهُ، لأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَأْتِ عنهم في
معنى الملامسَةِ إلاّ قولانِ: أُحدهما الجماعُ نفسُهُ، والآخَرُ ما دونَ الجِماعِ مِنْ
دواعي الجماعِ وما يشبهه .
(١) كذا في (ك)، وفي (ص): قل أو كثر: وهو تحريف .
(٢) في (ص): ((لبس»، وهو تحريف.
(٣) تقدم في (٢ : ١٦٤٥).
(٤) كذا في (ص)، و (هو) أولى وأشبه من (هي) هنا.
(٥) الختان : موضع القطع من الذكر ، وجعل موضعه من الفرج ختاناً أيضاً من باب
المشاكلة ، وإنما هو الخفاض ، ختن ، وخفضت بالبناء للمجهول .

٤٨ - الاستذكار الجامع لِمذاهب نُقَهاء الأمْصارِ /ج ٣
٢٦٢٩ - ومعلومٌ في قَوْلِ القائلين: هُوَ ما دونَ الجماعِ أَنَّهُم أرادوا ما(١) ليسَ
بجِماعٍ ، ولَمْ يريدوا اللَّطْمةً ولا قُبلةَ الرَّجُلِ ابنتَهُ رحمةً، وَلَا اللَّمْسَ لغير اللَّذَّة.
٢٦٣٠ - ولَمَّا لَمْ يَجُزْ أُنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّمْسَ أُريدَ بِهِ اللَّطْمَ وما شاكلُهُ لَمْ يَبْقَ
إلاّ أنْ يكونَ اللَّمْسُ ما وقع فيه اللَّذَّةُ والشَّهْوةُ، لأَنَّهُ لا خلافَ فيمن ◌َطَمَ امرَأَتَهُ
أُوْ دَاوى جرحَها ، ولا في المرأة ترضع أُولادها أنَّهُ لا وضوءَ على واحِدٍ مِنْ
هؤلاء، فكذلكَ مَنْ قَصَدَ إِلَى اللَّمْسِ ولَمْ يلتَذَّ في حكمِهِمْ .
٢٦٣١ - ذكَرَ ابنُ أبي شيبة ، عَنْ معاويةً، عَنْ إِبراهيم ، قالَ : إِذا قَبَّلَ
لشهوةٍ نُقِضَ الوضُوء(٢).
٢٦٣٢ - قالَ: حدَّثنا جرير: عَنْ مغيرة: عَنْ حماد، قالَ : إِذا قبَّلُ الرَّجلُ
امرأتَهُ وهي لا تريدُ ذلكَ فإِنَّما يجبُ الوضُوءُ عليه، وليسَ عليها(٣) وضوءٌ.
٢٦٣٣ - وإِنْ قَبِّلَتهُ فإِنَّما يجبُ الوضُوءُ عليها ، ولا يجبُ عليه.
٢٦٣٤ - وإِنْ وَجَدَ شهوةً وجبَ عليه الوضوء .
٢٦٣٥ - وإنْ قبِّلها وهي لا تريدُ فوجَدَتْ شهوةً وجَبَ عليها الوضُوءُ.
٢٦٣٦ - وهذا معنى قولُ مالك سواء .
٢٦٣٧ - وذكرَ عبدُ الرزاق، عَنِ الثوريِّ، عَنْ مُحِلُّ الضبيّ ، عَنْ إِبراهيم ،
قال: إذا قَبِّلَ الرَّجُلُ لشهوةٍ أُو لَمَسَ لشهوةٍ فعليه الوضُوء(٤).
٢٦٣٨ - فهؤلاء اشْتَرَطُوا اللَّذَّةَ حتَّى في القُبْلَةِ .
٢٦٣٩ - ويحتملُ أنْ يكونَ ذِكْرُ الشَّهْوَةِ في القُبْلَة(٥) وَرَدَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ قُبْلَةٍ
الزَّوْجَة والأُمَةِ ، وبينَ قُبلةِ الأُمّ والابْنَةِ ، واللَّهُ أُعْلَمْ .
(١) كذا في (ك)، وفي (ص): مما ، وهو تحريف .
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (١: ٤٥)، ومصنف عبد الرزاق (١: ١٣٣)، والمحلى
(١: ٢٤٩)، والمغني (١: ١٩٢).
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (١ : ٤٥).
(٤) مصنف عبد الرزاق (١: ١٣٣).
(٥) كذا في (ك)، وفي (ص): للقبلة، وهو تحريف .

٢ - كتاب الطهارة (١٦) باب الوضوء من قُبلة الرجل امرأته - ٤٩
٢٦٤٠ - هذا كُلُّهُ قولُ مالكٍ وأُصْحَابِهِ، والحسنِ بنِ حي، إلاَّ أَنَّهُمْ مَنِ
اشْتَرَطَ الَّذَّةَ في القُبْلَةِ فأكْثَرَهُمْ (١) يوجبون(٢) الوضُوءَ مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ مَنْ يَحِلُّ لَهُ
وطُؤْهَا ومَن لاَ يَحِلُّ، الْتَذَّ بِذَلِكَ أُوْ لَمْ يَلْتَذَ، إلاَّ أنّ تكونَ القُبْلَةُ رحمةٌ كَقُبْلَة
الرَّجُلِ الطفْلة مِنْ بَنَاتِهِ .
٢٦٤١ - وأُمَّا الذين ذَهَبوا إِلى أُنَّ اللَّمْسَ هُوَ الجِماعُ نَفْسُهُ، وأَنَّ اللَّهَ كنَّی
عَنْهُ بذلكَ كَمَا كنَّى عَنْهُ بِالرَّفَث (٣)، والمبَاشَرة، والمسيس (٤)، ونحو ذلك -
فمنهُم : عبد اللّه بن مسعود ، ومسروق بن الأجْدع، والحَسَن البصري ، وعَطاء
ابن أبي رباح ، وطاووس اليماني .
٢٦٤٢ - ذكّرَ عبدُ الرزاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قتادةَ أنَّ عبيدَ بنَ عمير ، وسعيدَ بنَ
جبيرٍ، وعطاءَ بنَ أبي رباح اخْتَلَفُوا في الملامَسَةِ، فقالَ سعيدٌ وعطاءً: هُوَ
اللَّمْسُ والغَمْزُ ، وقالَ عبيدُ بنُ عميرٍ: هُوَ النَّكاحُ، فخَرَجَ عليهم عبدُ الله بنُ
عباسٍ - وهم كذلك - فسألوهُ وأُخبروهُ بما قالوا : فقالَ: أُخطأ الموليانِ ، وأُصابَ
العربيّ، هُوَ الجِماعُ، ولكنَّ اللَّه (٥) يعِفُ ويكني .
٢٦٤٣ - وقَدْ ذَكَرْنا هذا المعنى عَنِ ابن عباسٍ مِن وجوهٍ كثيرةٍ في التمهيد .
٢٦٤٤ - ولا خلافَ عَنْهُ فيهِ ، ومحْفُوظٌ عَنْهُ قولُهُ : ما أُبالي أُقَبَّلْتُ امرأتي
أُو شممتُ رَيْحاناً ؟ .
٢٦٤٥ - وبه قالَ أُبو حنيفةً، وأصحابُهُ و والثوريُّ، وسائرِ الكوفيين إلاَّ ابن
حي .
(١) في (ص): وأكثرهم ، تحريف .
(٢) في (ص): لا يوجبون، وهو تحريف ، والتصويب عن (ك)، ويشهد له الاستثناء
الآتي في آخر الفقرة .
(٣) أصل الرفث : الفحض ، رفث ، كنصر ، وفرح ، وكرم .
(٤) المسيس : المس .
(٥) في (ك) : ولكن اللَّه كريم يعف .

٥٠- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقَهاء الأمْصارِ /ج ٣
٢٦٤٦ - ورَوَوا عَنْ علي بن أبي طالب مثل ذلك(١).
٢٦٤٧ - واختلَفُوا في ذلكَ عَنِ الأوْزاعِي : فذكَرَ عنهُ الطَّحَاوِي ، والطبريُّ :
أَنَّ لَمْسَ الرَّجُلِ امْرَأْتَهُ لا وضُوءَ فيهِ على كلِّ(٢) حالٍ .
٢٦٤٨ - وذكرَ عَنْهُ المروزيُّ قولَهُ في هذا الباب كقولِ الشَّافعيِّ.
٢٦٤٩ - وروى الوليدُ بنُ مسلم ، عن الأوزاعي في الَّذي يُقَبِّلُ امرأتَهُ : إِنْ
جاءَ يسألني فَقُلْتُ: يتوضَّأُ فإنْ [لَمْ يتوضَّأ(٣) ] لَمْ أُعِبْ عليهِ.
٠ ٢٦٥ - وقالَ الرَّجُلُ يُدخِلُ رجليهِ في ثِيَابِ امْرَأْتِهِ [فيمس فَرْجَهَا (٤)] وهُوَ
عَلى وضوءٍ: لَمْ أُرَ عليهِ وضُوءاً .
٢٦٥١ - وقالَ أبو حنيفةً، وأُبُو يوسُفَ، ومحمدٌ: مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ، أَوْ قَرْجَ
غيره، أو قَبَّلَ، أُو باشَرَ، أُو لَمَسَ لشهْوةٍ، أُو لغيرِ شَهْوَةٍ فَلاَ وضُوءَ عليهِ إلاَّ
أُنْ يخرجَ مِنْهُ مَذْيٌ .
٢٦٥٢ - وحجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلى هذا - الأثَرُ المرفوعُ، حدَّثْناهُ أبو محمد
إسماعيلُ بنُ عبدِ الرَّحمن ، قالَ: حدَّثنا محمدُ بنُ العباس الحلبي ، حدَّثنا محمدٌ
ابنُ عبد اللَّهِ الطائي بحِمْص ، حدَّثنا العباسُ بنُ الوليد بن مزيد ، حدَّثنا شعيبُ بنُ
شابور ، حدَّثنا سعيدُ بنُ بشير(٥) ، عَنْ منصورِ بنِ زاذان، عَنِ الزُّهري، عَنْ أَبي
سَلْمَةَ، عَنْ عائشَةَ: أُنَّ رسولَ اللَّهِ عَّهِ ! كَانَ يقَبِّلُهَا ثُمَّ يخرُجُ إِلى الصَّلاةِ ولا
(١) مسند زيد (١: ٣٠٤)، وكشف الغمة (١ : ٥٢).
(٢) في (ص) : علي حال ، سقط .
(٣) في (ص) : فإن لم أعب ، سقط يشير إليه المراد .
(٤) كذا في (ك)، والعبارة ساقطة في (ص)، وبعد (فرجها) خرم في (ك) . وفي
أول السطر التالي له : من قبل امرأته وهو على وضوء ...
(٥) هو سعيد بن بشير الأزدي ، البصري ، الشامي ، وزصله من البصرة : أخرج له
الأربع في «سننهم»، ضعفه ابن معين ، وابن المديني، والحاكم ، وأبو داود ، وقال البخاري:
«يتكلمون في حفظه ، وهو محتمل» . =

٢ - كتاب الطهارة (١٦) باب الوضوء من قبلة الرجل امرأته - ٥١
يتوضَّأ(١).
٢٦٥٣ - وذكرَ ابنُ أبي شيبةً، قالَ: حدَّثنا وكيعٌ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ حبيب بن
أبي ثابت، عَنْ عروةَ، عَنْ عائشةً عن النَّبِيِ مَّهِ [أَنَّه](٢) قَبَّلَ بعضَ نِسائِهِ،
ثُمَّ خَرَجَ إِلى الصَّلاةِ ، ولَمْ يتوضَّأُ، فقلتُ: مَنْ هِيَ إلاَّ أُنْتَ؟ فَضَحِكَت (٣).
٢٦٥٤ - وهذا الحديثُ عندهم معلول(٤)، فمنهم مَنْ قالَ: لَمْ يَسمع حبيبٌ
= وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: ((محلة الصدق عندنا))، وقال البزار: ((هو عندنا صالحٌ
ليس به بأس)) وقال عبد الرحمن بن إبراهيم: ((يوثقونه)»، وقال دُحيم: ((ثقة)). تهذيب
التهذيب (٤: ٨)، وانظر ترجمته في: طبقات ابن سعد (٧ : ٤٦٨) ، تاريخ ابن معين
(٢: ١٩٦)، طبقات خليفة (٣١٦)، وعلل أحمد (١: ٣١٤)، التاريخ الكبير للبخاري
" (٢: ١ : ٤٦)، الترجمة (١٥٢٩)، والضعفاء الصغير له الترجمة (١٣١) ، وتاريخ
أبي زرعة الدمشقي : (٢٥٧ -٢٥٩-٢٦٦ -٢٧٦ - ٣٩٩ - ٤٠٠-٤٠١- ٤٨٢ -٧٠٤-
٧٠٧-٧٢٤)، والمعرفة ليعقوب (١: ١٥٨، ٢١٢) والجرح والتعديل: (٢: ١: ٦)
الترجمة (٢٠). والمجروحين لابن حبان (١: ٣١٩)، وثقات ابن شاهين من تحقيقنا الترجمة
(٤١٣)، وسير أعلام النبلاء (٧: ٤: ٣)، وطبقات المفسرين (١: ١٨٠).
(١) سنن الدارقطني (١: ٤٩)، ونصب الراية (١: ٧٧) وروى بإسناد آخر مجهول
عن عيسى بن يونس ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن عروة ، عن عائشة ،
ولا يصح شيء من ذلك، وكيف يكون ذلك من جهة الزهري صحيحاً ومذهب الزهري بخلافه .
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من (ص).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٦: ٢١٠)، والترمذي في جامعه في أبواب الطهارة
حديث (٨٦) باب «ما جاء في ترك الوضوء من القبلة))، ص (١ : ١٣٣) وأبو داود في
الطهارة باب ((الوضوء من القبلة)) وابن ماجة في الطهارة (١: ١٦٨) باب («الوضوء من
القبلة))، والدارقطني في سننه (١: ٥٠) باب «ما ينقض الوضوء))، والطبري في التفسير
(٨: ٣٧٦) طبعة دار المعارف، والنووي في المجموع (٢: ٣٢)، وموقعه في سنن البيهقي
الكبرى (١ : ١٢٥ : ١٢٦).
(٤) عندما أورده النووي في المجموع قال : هذا حديثٌ ضعيفٌ باتفاق الحفاظ ، وممن
ضعفه سفيان الثوري ، ويحيى بن سعيد القطان ، وأحمد بن حنبل ، وأبو داود ، وأبو بكر
النيسابوري ، وغيرهم ، ثم قال : غلط حبيب من قبلة الصائم إلى القبلة .
وقد علق الشيخ أحمد شاكر في جامع الترمذي (١٣٤:١-١٣٨) على هذا الحديث وما =
.

٥٢- الاستذكار الجَامع لِمَذاهب نُقَهاء الأمْصارِ /ج ٣
مِنْ عروة(١).
٢٦٥٥ - ومنهم مَنْ قالَ: ليسَ هُوَ عروة بن الزبير . وضعفوا هذا الحديث
ودفعُوهُ، وصحّحَهُ الكوفيونَ وثبّتوه ؛ لرواية الثقات أئمة الحديث لَهُ .
٢٦٥٦ - وحبيب بن أبي ثابت لا يُنكّرُ لقاؤهَ(٢) عروة، لروايته عَمَّنْ هُوَ أُكبر
مِنْ عروة وأُجلَ وأُقدم موتاٍ. وهُوَ إِمامَ (٣) مِنْ أُتَمةِ العلماء الجلّة.
٢٦٥٧ - ورُوِيَ عَنْ هشامٍ بْنِ عروة ، عنْ أُبيهِ ، عَنْ عائشةً: أُنَّ النَّبيَّ - عليه
السَّلام - قَبِّلَ وهُوَ صَائِمٌ، وقالَ: «إِنَّ القُبْلَةَ لاَ تَنْقُضُ الوضُوءَ(٤) )).
٢٦٥٨ - وهذا عنْدَ الحجازيينَ خَطَأْ، وإِنَّما هُوَ لا تنقض الصومَ .
٢٦٥٩ - وذكرَ ابنُ أبي شيبة قالَ: حدّثنا وكيعٌ ، عَنْ سفيان ، عَنْ أُبي روق،
عَنْ إِبراهيم التيمي، عَنْ عائشةَ أُنَّ النَّبِيِّ - عليه السلام - قَبَّلَ، ثُمَّ صَلَّى ،
= ورد بأنه معلول ببحث نفيس خلاصته أن هذا الحديث صحيح لا علة فيه ، وقد علله بعضهم
بما لا يطعن في صحته ، ثم قال : وهذا هو التحقيق الصحيح في تعليل الأحاديث في غير
عصبية لمذهب ولا تقليد لأحد ، فليراجع ذلك البحث المشار إليه .
(١) قال أبو داود في السنن: وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير ، عن
عائشة حديثاً صحيحاً . قال ابن التركماني : وهذا يدلُّ ظاهراً على أن حبيباً سمع من عروة
وهو مثبت ، فيقدم على النافي ، والحديث الذي أشار إليه أبو داود وأنه عليه السلام كان
يقول: ((اللهم عافني في جسدي، وعافني في بصري ... )) ورواه الترمذي وقال : حسن
غريب .
ولم ينفرد حبيب بروايته ، فقد تابعه عليه هشام بن عروة ، عن أبيه ، رواه الدارقطني (١
: ٥٠) من حديث وكيع ، عن هشام بن عروة، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قبل رسول اللّه
بعض نسائه ولم يتوضأ، ثم ضحكت ، وقد جاء الحديث بإسناد آخر صحيح عن عائشة في
مسند البزار ، ورجاله ثقات .
وحبيب بن أبي ثابت : متفق على توثيقه ، أخرجه له الجماعة ، مترجم في التهذيب (٢ :
١٧٨) .
(٢) كذا في (ك)، وفي (ص)،: ((لا ينكر عليه لقاء عروة)).
(٣) في (ك): وهو إمام ثقة .
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١: ١٢٧).

٢ - كتاب الطهارة (١٦) باب الوضوء من قُبلة الرجل امرأته - ٥٣
وَلَمْ يتوضَّأ (١).
٢٦٦٠ - وذكَرَ عبدُ الرزاق عَنِ الثوريِّ مثلهُ (٢).
٢٦٦١ - وهُوَ مُرْسَلٌ لا خلافَ فيهِ، لأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ إِبراهيمُ التيمي، عَنْ
عائشةُ(٣)، ولَمْ يَرَوْهُ أيضاً غيرُ أبي روق، وليسَ فيما انفرَدَ بِهِ حجَّةٌ(٤).
٢٦٦٢ - وقالَ الكوفيون: أبو روقٍ ثقةً، ولَمْ يذكرهُ أُحدٌ بِجَرْحَةٍ . ومَراسلُ
الثقات عندهم حجَّةٌ، وإِبراهيمُ التيميُّ أُحَدُ العُبَّادِ الفُضَلاءِ.
٢٦٦٣ - وذكَرَ عبدُ الرزاق عَنِ الأُوْزاعيِّ قالَ : أُخبرني عمرُو بنُ شُعيب ، عَنِ
امرأةٍ أُسماها سَمِعَتْ عائشة تقولُ: كانَ رسولُ اللَّهِ عَّهِ يتوضَّأَ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلى
الصَّلاةِ فَيُقَبِّلْنِي، ثُمَّ يَمْضِي إِلى الصَّلاَةِ، فَمَا يُحْدِثُ وضُوءا(٥).
٢٦٦٤ - وهذه المرأةُ الَّتي رَوى عمرُو بنُ شعيب عَنْهَا هذا الحديث مجهولة .
قيل: هي زينبُ السهمية ، ولا تُعرَفُ أيضاً (٦).
(١) مصنف ابن أبي شيبة (١: ٤٥).
(٢) مصنف عبد الرزاق (١: ١٣٥).
(٣) ذكر الترمذي، والنسائي، والبيهقي في ((المعرفة)) (١: ٩٧٨)، والذهبي في
(الميزان)) (١: ٧٤) أن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، وكذا ورد في تهذيب الكمال
(٢ : ٢٣٢) أن روايته عن عائشة مرسلة.
(٤) هو عطية بن الحارث الهمداني من أهل الكوفة ، يروي عن إبراهيم التيمي ، روى عنه
سفيان الثوري ، وعبد الواحد بن زياد، وترجمه البخاري في التاريخ الكبير (٤: ١ : ١٣)
. فلم يذكر فيه جرحاً ، وذكره ابن حبان في الثقات (٧ : ٢٧٧).
(٥) مصنف عبد الرزاق (١: ١٣٥).
(٦) هي زينب بنت محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص وهي زينب السهمية وقد روت
عن عائشة أم المؤمنين في القبلة ، وعنها أخوها وابن أختها : عمرو بن شعيب ، وقد ذكرها
ابن حبان في الثقات . انظر ترتيب ثقات ابن حبان الهيثمي الترجمة رقم (١٦١٧١) ويبدو
أنها لم ترد في ثقات ابن حبان المطبوع ، وترجمتها في تهذيب التهذيب (١٢: ٤٢٢)،
وترجم لها ابن سعد في الطبقات (٨ : ٣٥٢) طبعة ليدن ، فيرجى من ذلك كله أنها ليست
بمجهولة .

٥٤- الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار /ج ٣
٢٦٦٥ - وذكرَ عبدُ الرزاق، عَنْ إِبراهيم بنِ محمد ، عن معبدِ بنِ نباتة ، عَنْ
محمد بن عمرُو، عَنْ عروةَ، عَنْ عائشة، قالتْ: قَبَّلَني رسُولُ اللَّهِ عَِّ ثُمَّ
صَلَى، ولَمْ يُحْدِثْ وضُوءا(١).
٢٦٦٦ - وذكَرَ الزَّعْفَرانِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيّ، قالَ : لو ثَبّتَ حديثُ معبدِ بنِ
نباتة في القُبْلَةِ لَمْ أُرَ فيها شيئاً ولاً في اللَّمْسِ . ولا أُدْري كيفَ معبد بن نباتة
هذا ؟ فإِنْ كَانَ ثِقَةً فالحجَّةَ فيما روى عَنِ النَّبِي عليه السَّلامُ(٢).
٢٦٦٧ - قالَ أبو عمر: هُوَ مَجْهُولُ لا حجَّةً فيما رواهُ عندنا.
٢٦٦٨ - وإِبراهيمُ بنُ أبي يحيى عندَ أُهْلِ الحديثِ ضعيفٌ متروكُ الحديثْ(٣).
٢٦٦٩ - والحجَّةُ لَنا على مَنْ لَمْ يَرَ الملامَسَةَ إلاَّ الجماع أنَّ إِطْلاَقَ الملامَسَةِ لا
تَعْرِفُ العربُ مِنْهُ إلاَّ اللَّمْسَ باليدِ .
(١) مصنف عبد الرزاق (١: ١٣٥).
(٢) ترجم البخاري (١: ١: ١٨٩) لمحمد بن عمرو بن عطاء بن عباس بن علقمة
العامري ، وذكر أنه قرشيّ مدنيٌ سمع أبا حميد ، وأبا قتادة ، وابن عباس ، وروى عنه ، عبد
الحميد بن جعفر ، وموسى بن عقبة ، ومحمد بن عمرو بن حلحلة ، والزهري ، ولم يذكر أنه
روى عن عائشة ، ولا أن معبد بن نباتة ممن روى عنه .
وكذلك صنع ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤: ١: ٢٩).
(٣) إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي: كنِّى عنه الشافعي ولا يسميه. المجروحين (١:
١٠٧) .
وقال الذهبي في الميزان (١: ٥٨): قال الربيع: سمعت الشافعي يقول : كان قدرياً،
قال يحيى بن زكريا بن حيوية ، فقلت للربيع : فما حمل الشافعي على الرواية عنه؟ قال :
كان يقول : لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يكذب . وكان ثقة في الحديث .
وقال الربيع : كان الشافعي إذا قال : حدثنا من لا أتهم - يريد به إبراهيم بن أبي يحيى
.وقال ابن عدي: ((ليس بمنكر الحديث، وقد حدَّث عنه الثوري، وابن جريج ، والكبار»،
عقّب الذهبي بعد ذلك فقال : «الجرح مقدم» ، ترجمته في :
١ - تاريخ الثقات ، الترجمة : ٤٣ .
٢ - تاريخ ابن معين (٢ : ١٣).
٣ - المجروحين (١: ١٠٥).
٤ - الميزان (١ : ٥٨).
٠

٢ - كتاب الطهارة (١٦) باب الوضوء من قُبلة الرجل امرأته - ٥٥
٢٦٧٠ - وقَدْ بيّنًا وجْهَ اعتبار اللَّذَّةِ في ذلكَ، قالَ اللهُ تعالى: (فَلْمَسُوه
بِأَيْدِيهمْ) [سورة الأنعام: ٧] وقال عليه السَّلام: «اليدان تَزْنِيانِ(١)»،
وزِناهما اللّمس .
٢٦٧١ - ومنه بَيْع الملامسة ، وهُوَ لمسُ الثَّوب باليدِ .
٢٦٧٢ - تقولُ العربُ: لمسْتُ الثَّوبَ والحائطَ(٢) ونحوَ هذا.
٢٦٧٣ - وقرئت الآية: (أُوْ لَمَسْتُم النِّسَاءَ ).
٢٦٧٤ - وذلكَ يفيدُ اللَّمْس باليدِ، وحَمْلُ الظَّاهِرِ والعمومِ على التَّصريحِ
أُوْلِى مِنْ حَمْلِهِ على الكنايةِ .
٢٦٧٥ - وَقَدْ رَوَى عبدُ اللَّهِ بنُ عمير، عن ابن أبي ليلى، عَنْ معاذٍ بِنِ جَبَلٍ،
قالَ : أَتَى رَجُلٌ إِلى رَسُولِ اللَّهِ عَّهِ فِسَألَهُ عَنْ رَجُلٍ أُتى امرأةٌ لا تَحِلُّ لَهُ،
فأصابَ مِنْها ما يصيبُ الرَّجُلُ مِنْ امْرَأْتِهِ إلاَّ الجماع. فقالَ النبيّ - عليه السلام
- « يتوضَّأُ وضوءاً حَسَناً، فأُمَرَهُ بالوضُوءِ لَمَّأَ نالَ مِنْها ما دونَ الجِماعِ (٣).
(١) ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٦: ٢٥٦) عن عبد الله بن مسعود، وطرفه:
(العينان تزنيان .. ))، وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، وزاد " ((واليدان تزنيان))، والبزار
والطبراني وإسنادهما جيد .
(٢) كذا في (ك)، وفي (ص): ((الخيط)) وهو تحريف .
(٣) الحديث عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، عن النبي عليه ، في
رجل أصاب من امرأة لا تحلُّ له ما يصيبه الرجل من امرأته إلا أنه لم يجامعها ، فقال :
(توضأ وضوءاً حسناً، ثم قم فَصَلِّ)). وأنزل اللَّه هذه الآية: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلّفاً
من الليل) (الآية ١١٤ - من سورة هود) .
وهذا الأثر موقعه في سنن البيهقي الكبرى (١: ١٢٥)،، وعقب عليه بقوله: «فيه
إرسالُ : عبد الرحمن بن أبي ليلى ، لم يدرك معاذ بن جبل)).
وقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥ : ٢٤٤) ، والترمذي في كتاب التفسير ، باب
((تفسير سورة هود))، وقال: ((هذا حديث ليس إسناده بمتصل)) ، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم
يسمع من معاذ ، ومعاذ بن جبل مات في خلافة الفاروق عمر ، وقتل عمر وعبد الرحمن بن
أبي ليلى غلامٌ صغير ابن ست سنين، ثم ساق عقبه شاهداً له موصولاً صحيحاً من حديث هـ

٥٦- الاستذكار الجامع لمذاهب نُقَهاء الأمصارِ /ج ٣
٢٦٧٦ - وهذا هُوَ المذهبُ ، لأنَّ ابن أبي ليلى لَمْ يلْقَ معاذاً ولا أُدْرَكَهُ ، ولا
رَآهُ.
٢٦٧٧ - وسيأتي مِنَّ القولِ في لَمسِ ذواتِ المُحَارِمِ ذِكْرٌ عندَ ذِكْرِ أبي قتادة
في حَمْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَّه أمامة ابنة ابنته زينب في الصَّلاةِ، وهو يبطلُ ما ذَهَبَ
إِليهِ الشَّافعِيُّ في أُحَدِ قَوَلَيْهِ في لمس ذواتِ المحارمِ، واسْتِدِلالٌ(١) بعمومِ الظَّاهِرِ،
ولأَنَّهُنَّ مِنْ جنسِ ما يُقْصَدُ بِاللَّمْسِ لَلَّذَّةِ كالزوجاتِ والأجنبيَّات . ولا معنى لهذا
الاعتبارِ إِذا صَحَّتْ بِخِلافِهِ الآثارُ .
٢٦٧٨ - وفي حديث عائشةَ إِذْ قالتْ: (( فَقَدْتُ رسُولُ اللَّه، فالْتَمَسْتُهُ ،
فوقَعَتْ يدي على ظَاهِرِ قَدَمِهِ وهُوَ يُصَلَّيْ(٢) - دليلٌ على أَنَّ كُلَّ لمسٍ لا يتولدُ
مَعَهُ لَذَّةٌ فليسَ مِنْ معنى الآية في الملامسَةِ .
٢٦٧٩ - وقَدْ جَعَلَ جمهورُ السَّلَفِ القُّيْلَةَ مِنَ الملامَسَةِ، وهي بغيرِ اليدِ فدلَّ
على أنَّ الملامسَةَ وإنْ كانتْ في الأغلّبِ في اليدِ فإِنَّ المعنى فيها التقاء البشرَتَين،
فبأيِّ عضوٍ وقعتْ ومعها شهوة ، فیلتذُ.
٢٦٨٠ - وهذا تحصيلُ مذهب مالك عندَ جماعةٍ أُصحابه، واللأَمِسُ
والملموسُ عِنْدَ مالكٍ وأصحابهِ سواءٌ التَذَّ أُو مَنِ التَذَّ مِنْهُما .
٢٦٨١ - والشعرُ مِنْ أُبعاضِ الملموسِ سواءٌ عندهم مَعَ وقوعِ اللَّذَّةِ ، وخالفَنا
الشافعيّ في الشَّعرِ .
٢٦٨٢ - والشَّافعيِّ في الملموسِ قَولاَنِ:
= عبدالله بن مسعود .
وحديث معاذ أيضاً رواه الحاكم في المستدرك (١: ١٣٥)، وسكت عنه هو والذهبي ،
كما أخرجه الدارقطني في سننه في كتاب «الطهارة» باب «ما ينقض الوضوء ، وما روي في
الملامسة والقبلة)) ، وقال : صحيح .
(١) كذا في (ك)، وفي (ص) ((استدلالاً))، وهو تحريف .
(٢) مسند الإمام أحمد (٦ : ٢٠٩).

٢ - كتاب الطهارة (١٦) باب الوضوء من قُبلة الرجل امرأته - ٥٧
٢٦٨٣ - (أحدُهما ): أنْ لا وضُوءَ عليهِ لحديثِ عائشةَ المذكور. وَهُوَ قول
داود ، قالَ : لأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُلْ: أَو لَمَسَكُمُ النِّساءِ.
٢٦٨٤ - ( والقولُ الآخرُ ) : عليهِ الوضوءُ كقولِ مالكٍ وأصحابِهِ ؛ لأنَّهُ ملتذٌ
بلمسٍ يوجِبُ الوضُوءَ، وهُما متلامِسَانِ ، والمعنى فيهما، وجود اللَّذَّةِ .
٢٦٨٥ - وأصحابنا يوجبونَ الوضُوءَ على مَنْ لَمَسَ مَعَ الحائِلِ إِذا كانَ رقيقاً ،
وكانت اللَّذَّهُ موجودةٌ مَعَ اللَّمْسِ.
٢٦٨٦ - وجمهورُ العلماءِ يخالفونهُمْ في ذلكَ، وهُوَ الحَقُّ عندي؛ لأنَّ اللَّذَّةَ
[إِذا تعرَّتْ مِنَ اللَّمْسُ(١)] لَمْ توجب وضوءاً [ بإجماعٍ، وكذا اللمْسُ إِذا تعَرِّى مِنَ
اللَّذَّةِ لَمْ يوجب وضوءًا (٢)] عِنْدَ أصحابِنا .
٢٦٨٧ - وَمَنْ لَمَسَ الثَّبِ وَالْتَذَّ فَقَدِ الْتَذَّ بغيرٍ مباشرةٍ ، ولا مماسةٍ ، ولا
ملامسةٍ، وباللَّهِ التوفيقُ .
(١) ما بين الحاصرتين ثابت في (ك)، ساقط في (ص).
(٢) ما بين الحاصر تين ثابت في (ك)، ساقط من (ص).

(١٧) باب العمل في غسل الجنابة (*)
٨٣ - مَالِكٌّ: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةً أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛
أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَّهِ، كَانَ، إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ(١)، بَدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ ،
ثُمَّ تَوضَّأَ كَمَا يَتَوَضَا لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ ، فَيُخَلِّلُ بِهَا
أُصُولَ شَعرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ غَرَفَاتٍ(٢) بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُغِيضُ الْمَاءَ
عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ(٣).
(٥) المسألة - ٤٤ - ثبتت فرضية الغسل بالقرآن في قوله تعالى: ﴿وإن كُنتم جنّبًا
فاطّهروا﴾ وقوله سبحانه: ﴿ لا تقربوا الصلاةَ وأنتم سُكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا
جُنُبًا إلا عابِري سبيلٍ حتى تغتسلوا ﴾.
وعرفت كيفية الغسل بالسنة النبوية الشريفة في حديث ( عائشة ) الذي سيأتي بعد قليل ،
وقد أوجب العلماء في الغُسلِ : تعميم الجسد ، وأوجب الشافعية نقض الضفائر إن لم يصل
الماء إلى باطنها إلا بالنقض ، وغسل بشرة الرأس ، وأوجب الشافعية أيضًا غسل المسترسل من
الشعر ، كما أن المضمضة والاستنشاق واجبان عند الحنفية والحنابلة ، وأوجب الجمهور (غير
الحنفية) النية للغُسل كالوضوءِ للحديثِ: ((إنما الأعمال بالنيات)) أما الابتداء بالنية عند
الحنفية فهو سنّة ليكون فعله تقربًا يثاب عليه كالوضوء .
أما التسميةُ فهي سنَّةٌ عند الجمهور ، فرضٌ عند الحنابلة كالوضوء .
وانظر في هذه المسألة: فتح القدير (١: ٣٨) وما بعدها، الدر المختار (١ : ١٤٠) وما
بعدها، مراقي الفلاح صفحة (١٧)، اللباب (١: ٢٠)، الشرح الصغير (١ : ١٦٨،
١٧٠)، الشرح الكبير (١: ١٣٣ - ١٣٥)، بداية المجتهد (١: ٤٢) مغني المحتاج (١:
٧٢)، المهذب (١: ٣١)، المغني (١: ٢١٨ - ٢٢٩)، كشاف القناع (١ : ١٧٣ -
١٧٧)، الفقه الإسلامي وأدلته (١: ٣٦٨ - ٣٧٣).
(١) (إذا الغتسل ) : أي: كان إذا أراد أن يغتسل، و (من) هنا سببية يعني لأجل الجنابة .
(٢) في رواية البخاري: ((ثلاث غُرَفٍ)) وهي قدر ما يغرف من الماءِ بالكف .
(٣) رواهُ مالِكٌ في الطهارة رقم (٦٧)، باب (( العمل في غسل الجنابة))، ص (١ : ٤٤)،
والشافعي في كتاب ((الأم)) (١: ٤٠) باب ((كيف الغسل))، والبخاري في باب =
- ٥٨-

٢ - كتاب الطهارة (١٧) باب العمل فى غسل الجنابة - ٥٩
٢٦٨٦ - ورَوى القاسِمُ بنُ محمدٍ، وجُمَيْعُ بْنُ عُمَيْر ، والأسودُ بنَ يَزِيد، عَنْ
عَائِشَةَ عَنِ النِّيِّ - عليه السلام - في صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ مثل ذلك بمعناه .
٢٦٨٧ - وهَذَا الحديثُ فِي وصْفِ الاغْتِسَالِ مِنَ الجنَابَةِ مِنْ أحْسنِ ما رُوِي فِي
ذلك . وفيه فرضٌ وسُنّةٌ :
٢٦٨٨ - فَأَمَّا السَّنَّةُ فالوضُوءُ قَبْلَ الاغْتِسَالِ . وثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - عليه
السّلام- مِنْ وُجُوهٍ كثيرةٍ مِنْ حديثٍ عائشَةً وحديث ميمونَةً وغيرهما . فإِنْ لَمْ
يَتَوَضَِّ المغتَسِلُ للجَنَابَةِ قبلَ الغُسْلِ، ولكنَّهُ عَمَّ جَسَدَهُ ورأسَهُ ويديهِ وجميعَ بَدَنِهِ
=((الوضوء قبل الغسل)). عمدة القاري (٣: ١٩١)، وهو عند مسلم في الطهارة حديث
(٧٠٣)، باب ((صفة غسل الجنابة)) ص (٢: ٢٣٩) من طبعتنا، وصفحة (١: ٢٥٣) من
طبعة عبد الباقى .
هذا من طريق عائشة ، أما من طريق كريب عن ابن عباس ، فقد أخرجه أصحاب الكتب
الستة. وهو عن الأعمش عَنْ سالمِ بْنِ أبي الجعدِ ، عن كُريبٍ ، عن ابن عباسٍ؛ قالَ :
حدَّثْتني خالَتي ميمونة قالتْ: أَدْنَيْتُ لِرسولِ اللَّهِ مَّهُ غُسله من الجَنَابَة. فغسل كَفِيْهِ مرتينٍ
أو ثلاثًا. ثُمَّ أدخلَ يده في الإناء . ثم أفرغَ به على فرجِهِ ، وغسلهُ بشماله ، ثمَّ ضَرَّبَ
بشمالِهِ الأرض. فدَلَكها دَلْكًا شديدًا. ثمَّ توضأ وضوءه للصّلاةِ. ثُمَّ أَفْرَغَ على رأسه ثلاث
حفّنَاتٍ ملء كفهٍ . ثمَّ غسل سائر جسده. ثم تنحّى عَن مقامِهِ ذلِك. فغسل رجليهِ ثم أتيتُه
بالمنديل فرَدّهُ .
رواه البخاري في الغسل (٢٤٩) باب ((الوضوء قبل الغسل))، الفتح (١ : ٣٦١)،
وفي مواضع أخرى متفرقة من كتاب الطهارة ، ومسلم في الطهارة ، ح (٧٠٧) من طبعتنا ،
ص (٢: ٢٤٠)، باب ((صفة غسل الجنابة))، وفي ص (١ : ٢٥٤) من طبعة عبدالباقي، ورواه
أبو داود في الطهارة (٢٤٥) باب ((الغسل من الجنابة)) (١: ٦٤ )، والترمذي في الطهارة أيضًا
(١٠٣) باب ((ما جاء في الغسل من الجنابة)) (١: ١٧٣)، والنسائي في الطهارة (١ : ١٣٧)
باب ((غسل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه))، وفي مواضع أخرى من كتاب الطهارة ،
ورواه ابن ماجه في الطهارة أيضًا (٤٦٧) باب ((المنديل بعد الوضوء وبعد الغسل)) (١: ١٥٨).
١

٦٠- الاستذكار الجامع لمداهِب ڤُقهاء الأمصارِ / ج ٣
بالغَسْلِ بالْمَاءِ ، وأَسْبَغَ ذلك فقدْ أدَّى ما عليه إذَا قَصَدَ الغُسْلِ ونواهُ ؛ لأنَّ اللَّه تعَالى
إِنَّمَا اقْتَرَضَ على الْجُنُبِ الغُسلِ دونَ الوضُوءِ بقولِهِ: ﴿ولا جُنْبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حتى
تَغْتَسِلوا﴾ (سورة النساء: ٤٣ ]، وقوله: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جنّبًا فاطْهُروا ﴾ [ سورة
المائدة : ٦ ].
٢٦٨٩ - وهذا إجْماعٌ مِنَ العُلَمَاءِ لا خِلافَ بينَهُم فيهٍ، والحمدُ للَّهِ، إِلاَّ أَنْهُم
مُجْمِعُونَ أيضًا على استحبَابِ الوضُوءِ قَبْلَ الغُسْلِ للجَنْبِ تَأْسِيًا بِرسولِ اللَّهِ عٍَّ.
وفيهِ الأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ، ولأَنَّهُ عونٌ على الغُسْلِ وأمَّ الوُضُوءُ بَعْدَ الغُسْلِ فَلاَ وَجْهَ لَهُ عِنْدَ
أَهْلِ العِلْمِ
٢٦٩٠ - وَقَدْ رَوَى أَبُو إِسْحَاق السَّبَيْعِيّ عَنِ الأسْودِ بنِ يزيد عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ:
كَانَ النَّبِيُّ عليهِ السَّلامُ لا يتوضّأُ بَعْدَ الغُسْلِ(١).
٢٦٩١ - وفي رواية أيوب لحديث مالك هذا عَنْ هِشَام بن عروةَ عَنْ أبيه عَنْ
عائشَةَ: ((فُيُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ مرَتَيْنِ أو ثَلاَثًا، ثُمَّ يُفْرِغُ الماءَ على سَائِرٍ جَسَدِهِ)(٢).
٢٦٩٢ - وأيوبُ ثقَةٌ حافظ(٣).
٢٦٩٣ - قالَ أيوبُ: فقلتُ لهشام: فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ بَعْدَ ذلك؟ فقالَ: وضُوءَهُ
الصَّلاة .
(١) أخرجه النسائي في كتاب الطهارة، ح (٢٥٢)، باب ((ترك الوضوء من الغسل)) (١٣٧:١)
ومعناه : يصلي بعد الاغتسال وقبل الحدث بلا وضوء جديد اكتفاءً بالوضوء الذي كان قبل
الاغتسال أو بما كان في ضمن الاغتسال .
(٢) فتح الباري (١: ٣٦١)، والسنن الكبرى للبيهقي (١: ١٦٥).
(٣) هو أيوب السختياني تقدم في (٢: ١٧٤٨).