Indexed OCR Text
Pages 361-380
- ١ - كتاب وقوت الصلاة - (٨) - باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر - ٣٦١
٩٥٤ - وروينَا عَنْهُ أُنَّهُ قَالَ: لَمْ يكنْ بيني وبينَ رسولِ اللَّه عَّهُ إلا خمس ليال
تُوفِّي وأنا بالجُحْفةِ (١) ، فقدمتُ وأصحابُهُ متوافدُون .
n
٩٥٥ - وعن ابن وهبٍ ، عنْ عمرو بنِ الحارثِ، عَنْ يزيدِ بنِ أبي حبيب ، عَنِ
الحسنِ، عَنِ الصُّنابحي ، قال: خرجْنَا مِنَ اليمنِ مهاجرينَ ، فقدمْنَا الْجُحْفةَ ،
فأقبلَ راكبٌ فقلتُ: الخبر! فقال: دفنًا رسول اللَّه عَّه منذُ خمس ليالٍ.
٩٥٦ - واضطربَ ابنُ مَعين في حديثِ الصنابحي هذا ، فمرَّةً قال : يشبهُ أُنْ
تكونَ لَهُ صحبةٌ ، ومرَّةٌ قال : أحاديثُهُ مرسلةً ليسَ لَهُ صحبةٌ ، وهذَا هُوَ الصَّحیحُ
وقَدْ أوضحْنَا هذا المعنى عنذَ ذكرِ هذا الحديث (٢) .
= ثم هذا الصنابحي له حديثان ، هذا الحديث الذي هنا ، وحديث آخر في فضل الوضوء ،
رواه مالك في الموطأ بهذا الإسناد (ج ١ ص ٥٢ - ٥٣) ومالك له الحكم والحجة في حديث
أهل المدينة وروايتهم ، وقد تابعه غيره في حديث الباب ، فلا يحكم بخطئه إلا بدليل قاطع ،
إذ هو الحجة على غيره .
وبعد كتابة ما تقدم وجدت بحاشية الأم (ج ١ ص ١٣٠) عن السراج البلقيني قال :
((حديث الصنابحي هذا هو في الموطأ روايتنا من طريق يحيى بن يحيى . وأخرجه النسائي
من حديث قتيبة عن مالك كذلك ، وأما ابن ماجه فأخرج الحديث من طريق شيخه إسحق بن
منصور الكوسج عن عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي
عبد الله الصنابحي ، كذا وقع في كتاب ابن ماجه ( عن أبي عبد الله }.
واعلم أن جماعة من الأقدمين نسبوا الإمام مالكا إلى أنه وقع له خلل في هذا الحديث ،
باعتبار اعتقادهم أن الصنابحي في هذا الحديث هو عبد الرحمن بن عسيلة أبو عبد الله ، وإنما
صحب أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه ، وليس الأمر كما زعموا ، يل هذا صحابي غير عبد الرحمن
ابن عسيلة ، وغير الصنابحي بن الأعسر الأحمسي ، وقد بينت ذلك بيانا شافيا في تصنيف
لطيف . سميته ( الطريقة الواضحة في تبيين الصنابحة}، فلينظر ما فيه فإنه نفيس)).
وهذا يوافق ما رجحته ، فالحمد لله على التوفيق .
(١) (الْجُحْفَةُ ) = موضعٌ على أربع مراحل من مكة .
(٢) في ((التمهيد)) (٤: ٣ - ٦).
٣٦٢ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٩٥٧ - وأحاديثُ الصنابحي الَّتي في الموطأ مشهورةٌ، جاءَتْ عَنِ النَّبِيِّ
من طرقٍ شَتَّى مِنْ حديثِ أُهلِ الشَّامِ، وَمِمَّنْ رواهَا عَنِ النبي ◌َّهُ عمرُو بن عَبَسةً
وأبو أُمَامة الباهلي ، وعُقبةُ بنُ عامرٍ ، ومُرَّةُ بنُ كَعْبٍ البَهْزِي . وقد ذكرنَاها
بطرقها في ((التمهيد)) (١).
٩٥٨ - وأُمَّا قوله عليه السلام: «إِنَّ الشَّمْسَ تطلعُ ومعَها قَرْنُ الشَّيْطانِ»،
وفي بعضِ الرواياتِ: ((تطلعُ بينَ قَرْنَي الشيطانِ)) - وقد ذكرنا الآثارَ بذلك كلّه
في التمهيدِ (٢) - فإِنَّ للعلماءِ في ذلك ، قولَيْنِ :
٩٥٩ - ( أحدُهما ) أنَّ ذلك اللفظَ على الحقيقةِ، فإِنَّها (٣) تطلعُ وتغربُ
على قرن (٤) الشيطانِ وعلى رأسِ الشيطانِ ، وبينَ قرني شيطانٍ على ظاهرِ
الحديثِ حقيقةً لا مجازاً مِنْ غيرِ تكييفٍ ، لأَنَّهُ لا يكيّف ما لا يرى .
٠ ٩٦ - وحجةُ مَنْ قالَ هذا القولَ - حديث عِكْرِمَةَ، عن ابنِ عَبّاسٍ أَنَّهُ قال لَهُ:
((أرأيتَ ما جاءَ عَنِ النَّبِي ◌َّهُ في أُميَّةَ بنِ أبِي الصَّلت (٥): آمَنَ شِعْره
(١) ((التمهيد)) (٤: ١٣) وما بعدها .
(٢) ابتداءً من (٤: ٦) وما بعدها .
(٣) في (ك): ((وأنها تغرب وتطلع)).
(٤) في ( ك): ((قرني شيطان)).
(٥) هو أمية بن عبد الله أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي: شاعر جاهلي حكيم
من أهل الطائف . قدم دمشق قبل الإسلام . وكان مطلعاً على الكتب القديمة ، يلبس المسوح
تعبدأ . وهو ممن حرموا على أنفسهم الخمر ونبذوا عبادة الأوثان في الجاهلية . ورحل إلى
البحرين فأقام ثماني سنين ظهر في أثنائها الإسلام ، وعاد إلى الطائف ، فسأل عن خبر
محمد بن عبد اللَّه عليه فقيل له: يزعم أنه نبي . فخرج حتى قدم عليه بمكة وسمع منه آيات
من القرآن ، وانصرف عنه ، فتبعته قريش تسأله عن رأيه فيه ، فقال : أشهد أنه على الحق
قالوا : فهل تتبعه ؟ فقال: حتى أنظر في أمره . وخرج إلى الشام . وهاجر رسول اللَّه عَّه
إلى المدينة ، وحدثت وقعة بدر ، وعاد أمية من الشام ، يريد الإسلام ، فعلم بمقتل أهل بدر
وفيهم ابنا خال له ، فامتنع . وأقام في الطائف إلى أن مات . أخباره كثيرة ، وشعره من =
- ١ - كتاب وقوت الصلاة - (٨) - باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر - ٣٦٣
وكَفَرَ قلبه (١) ؟ قالَ: هو حقٍّ فما أُنكرْتُمْ منْ شعره ؟ قالوا : أُنكرنَا
قولَهُ :
حِمراءُ يُصبحُ لونُها يتورَدُ
والشَّمْسُ تطلعُ كلِّ آخرِ ليلةٍ
إِلاَّ معذُّبة وإِلاَّ تُجلدُ (٢)
لیستْ بطالعةٍ لهمْ في رِسلها
فما بالُ الشمسِ تجلدُ ؟ فقالَ : والذي نفسي بيده ما طلعَتِ الشَّمْسُ قطَّ حتَّى
ينخسَها (٣) سبعون ألف ملكٍ فيقولون لها: اطلعي اطلعي {فتقولُ} (٤):
لا أطلعُ على قومٍ يَعْبدونني مِنْ دونِ اللَّهِ ، فيأتيها ملَكٌ عَنِ اللَّه يأمرُها بالطلوعِ
فتشتعلُ لضياء بني آدم فيأتيها شيطانٌ يريدُ أنْ يصدَّها عَنِ الطلوعِ ، فتطلعُ بينَ
قرنيه فيُحرقهُ اللَّهُ عنها . وما غريتِ الشَّمْسُ قَطُّ إلاَّ خَرَت ساجدةً ، فيأتيها
شيطانٌ يريدُ أنْ يصدَّها عَنِ السجودِ فتغرُبُ بينَ عينيهِ ، فَيَحْرِقَهُ اللَّهُ تَحتَها .
= الطبقة الأولى ، وعلماء اللغة لا يحتجون به لورود ألفاظ فيه لا تعرفها العرب . وهو
أول من جعل في أول الكتب : باسمك اللهم . فكتبتها قريش . قال الأصمعي : ذهب أمية
في شعره بعامة ذكر الآخرة ، وذهب عنترة بعامة ذكر الحرب ، وذهب عمر بن أبي ربيعة بعامة
ذكر الشباب .
خزانة البغدادي (١ : ١١٩) الطبعة القديمة، وتهذيب ابن عساكر (٣: ١١٥) وسمط
اللآلي (٣٦٢) وجمهرة الأنساب (٢٥٧) والأغاني طبعة دار الكتب (١٢٠:٤) والخميس
(١: ٤١٢) وفيه: وفاته سنة ٢ هـ. وابن سلام (٦٦) وهو فيه ((أمية بن أبي الصلت بن
أبي ربيعة)) والبلخي (٢ : ١٤٤) وفيه قطعتان من شعره. والشعر والشعراء (١٧٦)
وتهذيب الأسماء واللغات (١ : ١٢٦).
(١) في ( ص): ((وكفر قال)) سقط وتحريف، وانظر الجامع الصغير بشرح السراج
المنير (١ : ١٤).
(٢) روى: (مطلع) مكان (يصبح)، وروى الشطر الأول من البيت الثاني: تأبى فلا
تبدو لنا في رسلها ، الأغاني (٣ : ١٤٨).
(٣) في (ص): ((ينحسها)).
(٤) ما بين الحاصرتين سقط من ( ص ) .
٣٦٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٩٦١ - وذلكَ قولُ رسول اللَّه عَله: «ما طَلَعَتْ إلاَّ بينَ قرنَي شيطانٍ ،
ولا غربتْ إِلاَّ بينَ قَرْنَي شيطانٍ .
٩٦٢ - وقدْ ذكرنَا إِسنادَ حديثِ عكرمة هذا في ((التمهيدِ)) (١).
٩٦٣ - وقال آخرونَ: معنى هذا الحديثِ عندنا على المجازِ واتساعِ الكَلَامِ،
وأُنَّهُ أُرِيدَ بِقَرْنِ الشَّيطانِ هنا أمةٌ تعبدُ الشمسَ وتسجدُ لَها وتصلي في حين
غروبها وطلوعها ، تقصدُ بذلك الشَّمْسَ مِنْ دونِ الله .
٦٩٤ - وكانَ رسولُ اللَّه عَّ يَكْرَهُ التَّشَبُّهَ بالكفَّارِ في شيءٍ مِنْ أُمورِهِم ،
ويُحبُّ مخالفتَهُمْ، فَتَهَى عَنِ الصَّلاةِ في هذه الأوقاتِ لذلك .
٩٦٥ - وهذا التأويلُ جَائِزٌ في لغةِ العربِ مَعْرُوفٌ في لسانِها ، لأَنَّ الأُمةَ
تسمّى عندَهم قَرْنا، والأُمَمَ قُرُونًا .
٩٦٦ - قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أُهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنْ قَرْنٍ﴾ [ سورة مريم: ٧٤ ].
٩٦٧ - ﴿وقُرُونًا بَيْن ذلكَ كَثِيراً ﴾ [ سورة الفرقان: ٣٨].
٩٦٨ - وقال: ﴿فَمَا بَالُ القُرُونِ الأُولَى﴾ [ سورة طه: ٥١].
٩٦٩ - وقال رسول اللَّهُ عَّهُ: ((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي)) (٢).
٠ ٩٧ - وجائزٌ أُنْ يضافَ القَرنُ إِلى الشَّيطانِ لطاعَتِهِمْ لَهُ .
٩٧١ - وقدْ سَمَّى اللَّهُ الكفارَ حِزِب الشَّيطانِ.
(١) التمهيد (٤ : ٧).
(٢) رواه البخاري فى الشهادات (٢٦٥٢) باب ((لا يشهد على شهادة جور)) الفتح
(٥ : ٢٥٩) ، ورواه في المناقب وفي النذور والأيمان وفي الرقاق ، ومسلم في فضائل
الصحابة، رقم (٦٣٥١) من طبعتنا، ص (٧: ٥٩٥) باب (( فضائل الصحابة ، ثم الذين
يلونهم))، وصفحة (٤ : ١٩٦٣) من طبعة عبد الباقي .
- ١ - كتاب وقوت الصلاة - (٨) - باب النهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر - ٣٦٥
٩٧٢ - وَمِنْ حُجَّةٍ مَنْ تأوَّلَ هذا التأويلَ في هذا الحديثِ مِنْ طريقِ الآثارِ
حديث عمرو بن عَبَسَة السُّلُميّ ، وقدْ ذكرنَاهُ مِنْ طرقٍ كثيرةٍ في التمهيد (١) ،
وفيه: ((فإذا طلعتِ الشَّمْسُ فأقْصِرْ (٢) عَنِ الصَّلاَةِ، فإِنَّها تطلعُ عَلَى قَرْن
الشيطانِ (٣)، ويصلّي لَها الكفارُ)).
(١) في ((التمهيد)) (٤ : ١٣).
(٢) أقصر عن الصلاة : كف عنها .
(٣) قال الخطابي في تأويل هذا الحديث في معالم السنن (١: ١٣٠ - ١٣١):
(( اختلفوا في تأويله على وجوه : فقال قائل : معناه مقارنة الشيطان للشمس عند دنوها
للغروب ، على معنى ما روي : إن الشيطان يقارنها إذا طلعت ، فإذا ارتفعت فارقها ، فإذا
استوت قارنها ، فإذا زالت فارقها ، فإذا دنت للغروب قارنها ، فإذا غربت فارقها .
فحرمت الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة لذلك . وقيل : معنى قرن الشيطان : قوته ، من
قولك : أنا مقرن لهذا الأمر ، أي مطيق له قويّ عليه ، وذلك لأن الشيطان إنما يقوى أمره
في هذه الأوقات ، لأنه يسوّ لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأزمان الثلاثة . وقيل:
قرنه حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس ، يقال : هؤلاء قرن ، أي نشء جاءوا بعد قرن
مضى . وقيل : إن هذا تمثيل وتشبيه ، وذلك أنَّ تأخيرَ الصَّلاة إنما هو من تسويل الشيطان
لهم وتزيينه ذلك في قلوبهم ، وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها ، فكأنهم لما
دافعوا الصلاة وأخروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس - : صار
ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها وتدفعه بأرواقها . وفيه وجه خامس ، قاله
بعض أهل العلم ، وهو : أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها ، وينتصب دونها ، حتى
يكون طلوعها بين قرنيه ، وهما جانبا رأسه ، فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له . وقرنا
الرأس فوداه وجانباه )) .
وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (ص ١٥٤ - ١٥٦) في الرد على من أنكر
الأحاديث التي فيها الني عن الصلاة عند طلوع الشمس لطلوعها بين قرنى الشيطان: ((فكره
لنا رسول اللَّه عَّى أن نصلي في الوقت الذي يسجد فيه عبدة الشمس للشمس، وأعلمنا أن
الشياطين حينئذ ، أو أن إبليس في ذلك الوقت في جهة مطلع الشمس ، فهم يسجدون له
بسجودهم للشمس . ولم يرد بالقرن ما تصوروه في أنفسهم من قرون البقر وقرون الشاء ،
وإنما القرن ههنا حرف الرأس ، وللرأس قرنان ، أي حرفان وجانبان ، ولا أرى القرن الذي
يطلع في ذلك الموضع سمي قرنا : إلا باسم موضعه ، كما تسمى العرب الشيء باسم =
٣٦٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٩٧٣ - وبعضُهم يقول فيه: ((وحينئذٍ يَسْجِدُ لَها الكفَّارُ)).
٩٧٤ - وبعَضُهُم يقول فيه: ((وهِي ساعةُ صَلاَةِ الكُفَّارِ))، وفيه: ((فَإِذا
اعتدلَ النَّهارُ فأقصرْ ، فإنَّها ساعةٌ تُسْجَر (١) فيها جهنّمُ )) .
٩٧٥ - وحديثُ أُبي أمامةً، عَنِ النبيِّ ◌َّ مثل حديث عمرو بن عبَسة،
وكلّها بأحسن سياقةٍ في ((التمهيد)) (٢) .
٩٧٦ - وأجمعَ العلماءُ على أُنَّ نهيَهُ - عليه السلام - عَنِ الصَّلاَةِ عندَ طلوعٍ
الشَّمْسِ وعندَ غُرُوبِها صحيحٌ غير منسوخٍ ، وأَنَّهُ لَمْ يعارضْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ اخْتَلِفُوا
في تَأويلِهِ ومعناه :
٩٧٧ - فقالَ علماءُ الحجاز : مالكٌ ، والشافعيُّ ، وغيرُهما : معناهُ المنعُ مِنْ
صلاة النَّافِلَة دونَ الفريضة ، ودونَ الصَّلاَةِ على الجنازَةِ ، وهذه جملة قولهم .
٩٧٨ - وقالَ أهلُ العراقِ، والكوفيون، وغيرُهم: كُل صَلاَةٍ : نافلةٍ ، أو فريضة
أو على جنازةٍ فَلا تُصَلَّى عندَ طلوعِ الشَّمْسِ ولا عندَ غروبِها ولا عندَ اسْتِوَآئِها،
لأَنَّ الحديثَ لَمْ يخصّ نافلةٌ مِنْ فرِيضةٍ إِلاَّ عصْر يومهِ ، لقوله - عليه السلام:
((مَنْ أُدركَ ركعةً مِنَ العَصْرِ قبلَ أنْ تغربَ الشَّمْسُ فقدْ أُدركَ العَصْرَ )).
= ما كان له موضعا أو سبباً ، فيقولون : رفع عقيرته ، يريدون صوته ، لأن رجلا قطعت
رجله واستغاث من أجلها ، فقيل لمن رفع صوته : رفع عقيرته ، ومثل هذا كثير في كلام
العرب وكذلك قوله في المشرق : من ههنا يطلع قرن الشيطان : لا يريد به ما يسبق إلى وهم
السامع من قرون البقر ، وإنما يريد : من ههنا يطلع رأس الشيطان ... والقرون أيضاً خصل
الشعر ، كل خصلة قرن ، ولذلك قيل للروم : ذات القرون ، يراد أنهم يطولون الشعر . فأراد
## أن يعلمنا أن الشيطان في وقت طلوع الشمس وعند سجود عبدتها لها : ماثل مع
الشمس ، فالشمس تجري من قبل رأسه ، فأمرنا أن لا نصلي في هذا الوقت الذي يكفر فيه
هؤلاء ويصلون للشمس وللشيطان ؛ وهذا أمر مغيب عنا ، لا نعلم منه إلا ما علمنا . والذي
أخبرتك به شيء يحتمله التأويل)». وما قاله ابن قتيبة واضح وصحيح .
(١) تسجر جهنم: يثور حرها ، من سجر التنور، إذا ملأه وقودا وأحماه.
(٢) ((التمهيد)) (٤: ١٤).
- ١ - كتاب وقوت الصلاة - (٨) - باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر - ٣٦٧
٩٧٩ - ولهم حُجَجٌ قَدْ ذكرنَاها في صدرِ هذا الكتابِ وقدْ مضى الرَّدُّ علیھم
فيما ذهبُوا إليه مِنْ ذلك فيما تقدُّمَّ مِنْ هذا الكتاب .
٩٨٠ - وقد رَدُّوا ظاهرَ الحديثِ إِذْ قالُوا ببعضِهِ، ودفعُوا بتأويلهم بعضَهُ؛
لأنَّ الحديثَ جمَع الصُّبْحَ والعَصْرَ ، وهم قالُوا : عصر يومِهِ دونَ صبحِ يومِهِ ،
وزعمُوا أَنَّ مدركَ ركْعة مِنَ العصرِ يخرجُ إلى وقتٍ تُباحُ فيهِ الصَّلاَةُ وهو (١) بعدَ
المغرب ، ومدرك ركْعة مِنَ الصبحِ يخرجُ مِنَ الثّانيةِ (٢) إلى الوقتِ المنهيِّ عَنْهُ
وهُوَ الطَّلُوعُ .
٩٨١ - وهذا الحُكْمُ لا بُرْهاَنَ لصاحبه فيه، ولا حجَّةَ لَهُ فيه؛ لأنَّ مَنْ ذكْرنا
قَدْ صَلَّى ركعةٌ مِنَ العَصْرِ والمغربِ، وفي قوله - عليه السلام -: ((مَنْ نَامَ عَنِ
الصَّلاَة أُو نَسيَها فلْيُصلّها إِذَا ذَكَرَهَا)) مع قولِهِ - عليه السلام: ((مَنْ أُدْرَكَ
ركعْةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أُنْ تطْلعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أُدْرَكَ الصُّبْحَ ، وَمَنْ أُدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ
العَصْرِ قَبْلَ أُنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أُدْرَكَ العَصْرَ » أوضح دليلٍ على أُنَّ نهيَهُ
عليه السلام كانَ عَنِ الصِّلاَةِ عندَ الطلوعِ وعندَ الغروبِ لَمْ يقصدْ بِهِ إلى الفريضةِ
وإِنَّما قصدَ بِهِ إلى ما عداَ الفَرائض مِنَ الصِّلْوَاتِ .
٩٨٢ - وعلى هذا التأويلِ تكونُ الأحَادِيثُ مستعملةً كلّها في هذا الباب ،
فلا يُرَدُّ بعضُها ببعضٍ ، لأنَّ علينا في الكلِّ الاستعمالَ ما وجدْنَا إلى ذلك سبيلاً
ولا يُقطعُ بنسخِ شَيْءٍ مِنَ القُرآنِ إِلَّ بدليلٍ لا مُعارِضَ لَهُ أو إجْماع .
٩٨٣ - وأُمَّا اختلافُ العلماء في الصَّلاَةِ عندَ الاسْتِوَاءِ ؛ فإِنَّ مالكاً وأصحابَهُ
لا بأسَ بالصَّلاَةِ عندَهم نصْفَ النَّهارِ إِذَا اسْتَوَتِ الشَّمْسُ في وسطِ السَّماءِ ، لا في
يومٍ جمعةٍ ولا غيره ، ولا أعرفُ هذا النَّهيَ وما أُدْرَكْتُ أُهْلَ الفضلِ إِلاَّ وهم
يَسْجُدُونَ ويصلُّونَ نصفَ النَّهارِ .
(١) في ( ك): وذلك.
(٢) من الثانية : من الركعة الثانية . وقد تكون تحريف ( الفائتة ).
٣٦٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٩٨٤ - وهذا ما حَكى عنه ابنُ القاسم وغيرُهُ: أَنَّهُ لَمْ يعرفِ النَّهْيَ في ذلك ،
وفي موطَّتِهِ الَّذِي قُرِئَ عليه إلى أُنْ ماتَ - النَّهْيُ عَنِ الصَّلاَةِ إذا استوتِ الشَّمْسُ
في حديثِ الصُّنَابِحِيّ، لقولِهِ فيه: ((فإِذا اسْتوتْ قارنَها)) ونهيَ رسول الله
◌َّهُ عَنِ الصَّلاَةِ في تلك السَّاعَات .
٩٨٥ - وقد رُوي عَنْ مالكٍ أنَّهُ قال: لا أكْرَهُ التطوّعَ نصفَ النَّهارِ ولا أحبُّهُ
ويدلُّ قولُهُ هذا على أَنَّهُ لَمْ يصحّ عندهُ حديثُ زيدِ بنِ أسلمَ هذا عَنْ عطاءِ بنِ يسادٍ
عَنِ الصُّنابحيّ في ذلك . واللَّهُ أعلمُ .
٩٨٦ - وما أُدري ما هذا؟ وهُوَ يوجبُ العملَ بمراسيل الثقات (١)، ورجالُ
هذا الحديث ثقاتٌ ، وأُحسبُهُ مال في ذلكَ إلى حديثِهِ عَنِ ابْنِ شهابٍ ، عَنْ ثعلبة
(١) اختلف العلماء في الاحتجاج بالحديث المرسل اختلافاً كثيراً ، نورد منه أهم الآراء
وأشهر الأقوال وهي ثلاثة :
المذهب الأول : مذهب جمهور المحدثين وكثير من الفقهاء والأصوليين وهو أن المرسل
ضعيف لا يحتج به .
ودليلهم على ذلك : أن المحذوف مجهول الحال ، لأنه يحتمل أن يكون غير صحابي ، وإذا
كان كذلك فإن الرواة « حدثوا عن الثقات وغير الثقات ، فإذا روى أحدهم حديثاً وأرسله لعله
أخذه عن غير ثقة)).
وإن اتفق أن يكون المرسِلُ لا يروي إلا عن ثقة، فالتوثيق مع الإبهام غير كاف)» .
المذهب الثاني : مذهب الإمام المطلبي الشافعي ، وهو - كما أورده في الرسالة - قبول
المرسل من كبار التابعين بشرط الاعتبار في الحديث المرسَل والراوي المرسل :
أما الاعتبار في الحديث فهو أن يعتضد بواحد من أربعة أمور :
١ - أن يُروَى مسنداً من وجه آخر .
٢ - أو يروى مرسلاً بمعناه عن راو آخر لم يأخذ عن شيوخ الأول فيدل ذلك على تعدد
مخرج الحديث .
٣ - أو يوافقه قول بعض الصحابة .
٤ - أو يكون قد قال به أكثر أهل العلم .
=
- ١ - كتاب وقوت الصلاة - (٨) - باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر - ٣٦٩
ابن أبي مالك القُرَظي: « أَنَّهُم كانُوا في زمنِ عمرِ بنِ الخطّابِ يصُّون يومَ
الجُمعةِ حتَّى يَخْرُجَ عمرُ بنُ الخطابِ)) (١) ومعلومٌ أنَّ خروجَ عمر كانَ بعدَ الزَّوَال
بدليلِ حديثِ طِنْفِسة عَقِيل . وَقَدْ مضى ذلكَ في صدرِ الكتابِ (٢) .
٩٨٧ - فإذا كانَ خروجُ عمرَ بعدَ الزَّوَالِ وكانتْ صلاتُهُمْ إلى خروجِهِ فقدْ كانُوا
يصلُّونَ وَقْتَ اسْتواءِ الشَّمْسِ ، وإلى هذا ذَهَبَ مالكٌ، لأَنَّهُ عَمَلٌ معمولٌ بهِ في
المدينة لا ينكرُهُ منكرٌ .
٩٨٨ - ومثل هذا العمل عندَه أقوى مِنْ خبرِ الواحدِ ، فلذلكَ صارَ إليه وعوّلَ
عليه .
٩٨٩ - ويومُ الجمعة وغير الجمعة عندَهُ سواءٌ، لأَنَّ الفرق بينَهُما لَمْ يصحّ
عندَهُ في أُثرٍ ولا نَظَرٍ .
= وأما الاعتبار في راوي المرسَل فأن يكون الراوي إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولاً
ولا مرغوباً عنه في الرواية .
فإذا وجدت هذه الأمور كانت دلائل على صحة مخرج حديثه ، كما قال الشافعي ، فيحتج
به .
المذهب الثالث : مذهب أبي حنيفة ومالك وأصحابهما ، وهو أن المرسل من الثقة صحيح
يحتج به ، ودليلهم على ذلك :
١ - أن الراوي الثقة لا يسعه حكاية الحديث عن الرسول ## إذا لم يكن من سمعه منه
ثقة والظاهر من حال التابعين خاصة أنهم قد أخذو الحديث عن الصحابة وهم عدول .
٢ - أن أهل تلك القرون كان غالب حالهم الصدق والعدالة، بشهادة النبي ◌َّ ، فحيث لم
تطلع على ما يجرح الراوي فالظاهر أنه عدل مقبول الحديث .
وقد دارت حول المسألة مناقشات كثيرة استوفاها دراسة وبحثا الحافظ العلائي في كتابه
القيم ((جامع التحصيل)).
(١) الموطأ (١: ١.٣)، رقم (٧) من كتاب الجمعة .
(٢) الفقرة (.٤٢)، ص (٢٤٨).
.٣٧ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٠ ٩٩ - وَمَمَّنْ رخّصَ أيضاً في الصَّلاَةِ نصفَ النهارِ : الحسنُ البصريّ ،
وطاووسُ ، ورواية عَنِ الأوزاعي ، وقد رُوي عَنْ طاووس تخصيص يومِ الجمعةِ .
٩٩١ - وقالَ أَبُو يوسفَ، والشافعيُّ وأصحابُهُ : لا بأسَ بالتَّطْوُّعِ نصفَ
النَّهارِ يومَ الجمعةِ خاصَّةً، وهي أيضاً روايةٌ عَنِ الأوْزَاعي وَأُهْلِ الشَّامِ .
٩٩٢ - وَحُجَّةُ الشافعيُّ وَمَنْ قالَ بقولهِ ما رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ إِبْرَاهیمَ بنِ
محمدٍ ، عَنْ إسحاق بنِ عبدِ اللَّه، عنْ سعيدِ بنِ أبي سعيد المقْبُريّ ، عَنْ أبي
هريرةَ: (( أُنَّ رسولَ اللَّهِ عَُّ نَهى عَنِ الصَّلاَةِ نِصْفَ النَّهَارِ إِلى أَنْ تزولَ الشَّمْسُ
إِلَّ يوم الجمعة)) (١) .
- ٩٩٣ - قال أبو عمر: إبراهيمُ بنُ محمدٍ هذا هو ابنُ أبي يحيى (٢)،
وإسحاق هذا هو ابن أُبي فَرْوَةَ (٣) ، وهما متروكانٍ ليسَ فيما ينقلانِهِ ويرويانه حجّةٌ .
(١) الجامع الصغير بشرح السراج المنير (٣: ٣٧٨)، ورواه الشافعي في كتاب ((الأم))
(١: ١٩٧)، باب ((الصلاة نصف النهار يوم الجمعة)).
(٢) إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي:
كَنَّى عنه الشافعي ولا يُسمّيه. المجروحين (١: ١.٧).
وقال الذهبي في الميزان (١: ٥٨): قال الربيع : سمعت الشافعي يقول : كان قدرياً ،
قال يحيى بن زكريا بن حيَّوية ، فقلت للربيع : فما حمل الشافعي على الرواية عنه ؟ قال :
كان يقول : لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يكذب . وكان ثقة في الحديث .
وقال الربيع : كان الشافعي إذا قال : حدثنا من لا أتهم - يريد به إبراهيم بن أبي يحيى
وقال ابن عدي: (( ليس بمنكر الحديث ، وقد حدّث عنه الثّوري ، وابن جريج، والكبار ))
عقّب الذهبي بعد ذلك فقال: ((الجرح مقدم)).
ترجمته في :
١ - تاريخ الثقات ، الترجمة : ٤٣ .
٣ - المجروحين (١ : ١.٥).
٢ - تاريخ ابن معين (٢ : ١٣).
٤ - الميزان (١ : ٥٨) .
(٣) اسحق بن أبي فروة: متروك. التاريخ الكبير (١: ١: ٣٩٦)، ضعفاء النسائي :
(١٩)، الجرح (١: ١: ٢٨٨)، المجروحين (١: ١٣١)، التهذيب (١ : ٢٤١).
- ١ - كتاب وقوت الصلاة - (٨) - باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر - ٣٧١
٩٩٤ - ولكنَّ الشَّافعيَّ احتجَّ مَعَ حدیثِ ابنِ أبي یحیی بحديثٍ مالكٍ ، عَنِ
ابْنِ شهابٍ ، عَنْ ثعلبةَ بن أبي مالكِ القُرظي المذكور ، وقالَ : النَّهْيُ عَنِ الصَّلاَةِ
عندَ اسْتوَاءِ الشَّمْسِ صحيحٌ ، إِلاَّ أَنَّهُ خصَّ منه يوم الجمعةِ بما رَوَى مِنَ العملِ
المستفيضِ في المدينةِ في زمانٍ عمر وغيره مِنَ الصَّلاةِ يوم الجمعةِ حتَّى يخرجَ
عمر، وبما رَوَاهُ ابنُ أبي يحيى وغيره مما يَعضُدُهُ العملُ المذكورُ ، قالَ : والعملُ
في مثلِ ذلكَ لا يكونُ إِلاَّ توقيفاً وإنْ كانَ حديثُ ابنِ أبي يحيى ضعيفاً فإِنَّهُ
تقويه صحَّةُ العَمَلِ بِهِ .
٩٩٥ - قال أُبُو عمر : قد رَوي إسماعيلُ بنُ محمدٍ بن سعد بن أبي وقَّاص ،
عَن السَّائبِ بنِ يزيدٍ ، قالَ: كانَ عُمَرُ إِذا خَرَجَ - يعني يومَ الجمعة - تَرَكَ النَّاسُ
الصَّلاَةَ وجلسُوا .
٩٩٦ - ومعَلومٌ أُنَّ خروجَ عمر إِنَّما كانَ بعدَ الزوالِ ، لأَنَّهُ بخروجِ الإمامِ يندفعُ
الأذانُ .
٩٩٧ - وكذلك في حديث ابن شهاب ، عَنْ ثعلبةَ بنِ أبي مالك القُرظِيّ
: ((وأُذَّنَ المؤذنُون».
٩٩٨ - وقدْ رَوي مجاهدٌ، عَنْ أبي الخليل، عَنْ أبي قتادةَ، قالَ: ((قالَ
رسولُ اللَّهِ نَّهُ: الصَّلاَةُ تُكْرَهُ نصفَ النَّهارِ إِلَّ يوم الجمعةِ، فإِنَّ جهنمَ تُسْجُر
إلاَّ يوم الجمعة)) (١).
٩٩٩ - ومنْهُم مَنْ أُوقفَهُ على أبي قتادةَ ، ومثله لا يكونُ رأيًا .
١٠٠٠ - وقدْ ذكرنَا هذين الحديثينِ بإسنادهِما في ((التمهيد)) (٢).
(١) أخرجه أبو داود في الصلاة. انظر (٢ : ١٥) من مختصر وشرح وتهذيب السنن ،
رقم (١.٤٣).
(٢) ((التمهيد)) (٤: ٢٠).
٣٧٢ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
١٠٠١ - ورَوى سفيانُ بنُ عُيَينةً، عَنِ ابن طاووس، عَنْ أُبيه قالَ: يومُ
الجمعة صلاةٌ كلُّهُ .
١٠٠٢ - وكانَ عطاءُ بنُ أبي رباح يكرهُ الصَّلاَةَ نصفَ النَّهَارِ في الصَّيفِ ،
ولا يكرهُ ذلك في الشتاءِ .
١٠.٣ - وقالَ ابنُ سيرين: تُكْرَهُ الصلاةُ في ثلاثِ ساعاتٍ ، وتحرمُ في
ساعتَيْنِ : تكرهُ بعدَ العَصْرِ، وبعدَ الصُّبْحِ ، ونصفَ النهارِ في شدَّةِ الحَرِّ . وتحرمُ
حينَ تطلعُ الشَّمسِ حتَّى يستوي طلوعُها ، وحينَ تصفرُّ حتَّى يستوي غروبُها .
١٠٠٤ - وذكرَهُ عبدُ الرزاق (١)، عَنْ هشامٍ بنِ حسَّان، عن ابنِ سيرين.
وعن ابنِ جُرَيجٍ ، عَنْ عطاءٍ .
١٠.٥ - وقال أَبُو حنيفَة، ومحمدُ بنُ الحسن، والثوريُّ، والحسنُ بنُ حي،
وعبدُ الله بنُ المبارك وأحمدُ بن حنبل : لا يجوزُ التطوعُ نصفَ النَّهارِ في شتاءٍ
ولا صيفٍ ، لحديثِ الصُّنَابحي ، وحديث عمرو بن عَبَسَة ، ومَنْ ذكرنا معهما في
ذلك .
١٠٠٦ - ولا يجوزُ عندَ أبي حنيفة وأصحابه أُنْ تُصلَّى فريضة فَائتةً،
ولا نافلة ، ولا صلاة سُنة ، ولا على جنازةٍ ، لا عندَ طُلوعِ الشَّمْسِ ولا عندَ
غروبها ولا عندَ استوائِها إِلاَّ ما ذكرْنَا عَنْهُم في عصرِ يومِهِ، مِنْ أُجلِ حديثٍ
الصنابحيّ وما كانَ مثله .
١.٠٧ - وقَدْ مضى في هذا البابِ وغيرِهِ مِنْ هذا الكتابِ في ذلك ما يغني
عن ردِّ ها هنا .
١٠٠٨ - ولا خلافَ عَنْ مالكٍ وأصحابه أنَّ الصلاةَ على الجنائزِ ودفنَها نصفَ
النهارِ جائزٌ .
(١) في مصنفه (٢: ٤٢٧)، النص رقم (٣٩٥٦) و (٣٩٥٧).
- ١ - كتاب وقوت الصلاة - (٨) - باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر - ٣٧٣
١٠٠٩ - وذكرَ ابنُ القاسمِ عَنْ مالكٍ، قال: لا بأسَ على الصَّلاة على الجَنَائِزِ
بعدَ العَصْرِ ما لم تصفر الشمس ، فإِذا اصفرت لم يصل على الجنائز إلا أن
يُخاف عليها ، فيصلَّى عليها حينئذٍ .
١.١٠ - قالَ: ولا بأسَ بالصَّلاَةِ على الجنازةِ بعدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسفرْ، فإِذا
أُسفرَ فَلاَ تصلُّوا عليها إِلاَّ أُنْ تخافُوا عليها .
١.١١ - وذكرَ ابنُ عبدِ الحكم عَنْ مالكٍ أُنَّ الصَّلاَةَ على الجنائزِ جائزةٌ في
ساعاتِ الليلِ والنهارِ ، وعندَ طلوعِ الشَّمْسِ وغروبِها واستوائِها .
١.١٢ - وقالَ الثوريُّ: لا يصلّى على الجنازة إِلاَّ في مواقيتِ الصَّلاَة ،
وتُكْرَهُ الصَّلاَةُ عليها نصفَ النَّهَارِ ، وبعدَ العَصْرِ حتَّى تغيبَ الشَّمْسُ، وبَعْدَ
الصُّبْحِ حتَّى تطلعَ الشَّمْسُ .
١.١٣ - وقالَ الليثُ بنُ سعدٍ : لا يصلَّى على الجنازةِ في الساعاتِ الَّتي
تكرهُ فيها الصلاةُ .
١.١٤ - وقالَ الأوزاعيُّ: يصلَّى عليها ما دامَ في ميقاتِ العَصْرِ، فإذَا
ذهبَ عَنْهُم ميقاتُ العَصْرِ لَمْ يصلُّوا عليها حتَّى تغربَ الشَّمْسُ .
١.١٥ - وقالَ الشافعيُّ: يصلَّى على الجنائزِ في كلِّ وقتٍ ، والنَّهْيُ عَنِ
الصَّلاَةِ في تلك الساعاتِ إِنَّمَا هُوَ عَنِ (١) النَّوافل المبتدأةِ والتطوّعِ، وَأُمَّا عَنْ
صلاةٍ فريضةٍ أُو سُنَّةٍ فَلاَ ، لحديثٍ قيسٍ في ركعتي الفَجْرِ ، وحديث أُمّ سلّمة في
قضاءِ رسولِ اللَّهُ عَّهُ الرَكْعَتَيْنِ اللتين تصليان (٢) بعدَ الظُّهْرِ - بعدَ العَصْرِ.
(١) كذا في ( ك)، وفي (ص ): على، وهو تحريف .
(٢) كذا في ( ك)، وسقطت من ( ص) ((اللتين تصليان)).
٣٧٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمضار / ج ١
٢٧ - مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أُبيه؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ
اللَّه ◌ٍَّ يَقُولُ: ((إذَا بَدَا حَاجَبُ الشَّمْسِ، فَأَخِّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَبْرُزَ.
وَإِذَاَ غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ (١)، فَأُخِّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَغِيبَ)) (٢).
١٠١٦ - هذا الحديثُ مرسلٌ في الموطّأَ عندَ جماعةِ رواتِهِ .
١٠١٧ - وقدْ ذكرنَا في ((التمهيد)) (٣) مَن رَوَاهُ عَنْ مالكٍ عَنْ هشامِ بنِ
عروةَ، عَنْ أُبيهِ ، عَنْ عائشةَ في غيرِ الموطّأ فأخطأُ فيهِ ، ولمْ يتابَعْ عليهِ .
١.١٨ - والحديثُ صحيحٌ لهشام بن عروة، عَنْ أُبِيهِ، عَنِ ابْنِ عمَرَ ، لا عنْ
عائشةً .
١٠١٩ - حدَّثَنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قالَ حدَّثَنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال حدَّثُنا عمرُو بنُ عليٍّ ، قالَ حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، قال
حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ ، قال أخبرني أبي ، قال أخبرني ابنُ عمرَ ، قالَ : قالَ
رسولُ اللَّهُ عَّهِ: «إذَا طَلَعَ حاجبُ الشَّمْسِ فأخِّرُوا الصَّلاَةَ حتَّى تُشْرِقَ، وإذا
غابَ حاجبُ الشَّمْسِ فَأُخِّرُوا الصَّلاَةَ حتَّى تغرُبَ)) (٤).
(١) ( حاجب الشمس ) = طرف قرص الشمس الذي يبدو عند الطلوع.
(٢) موطأ مالك في كتاب القرآن، رقم (٤٥)، باب ((النهي عن الصلاة بعد الصبح
بـ
وبعد العصر))، ص (١ :٢٢٠).
ووصله البخاري عن ابن عمر في الصلاة ، حديث (٥٨٢) ، باب الصلاة بعد الفجر حتى
ترتفع الشمس)). فتح الباري (٢: ٥٨)، وفي بدء الخلق - باب («صفة إبليس وجنوده))
ومسلم في الصلاة، حديث (١٨٩٥) من طبعتنا، باب (« الأوقات التي نهي عن الصلاة
فيها)) (٣: ٢٩٢)، وبرقم (٢٩١) من كتاب المساجد في طبعة عبد الباقي . تحفة
الأشراف (٦: ٨ - ٩).
(٣) التمهيد (٢٢ : ٣٢٧).
(٤) تقدم تخريجه في الحاشية قبل السابقة .
- ١ - كتاب وقوت الصلاة - (٨) - باب النهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر - ٣٧٥
١.٢٠ - قال أبو عمر: الكلامُ في الحديثِ الَّذِي قبلَ هذا يُغني عَنِ الكلامِ
في هذا ، لأنَّ المعنى فيهما سواءٌ .
١.٢١ - الحجازيونَ على ما ذكرنا مِنْ تلخيصِ مذاهبهِم ، والكوفيونَ على
أصلِهِم المذكور عَنْهُم .
٢٨ - مَالِكٌ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَس
ابْنِ مَالكِ بَعْدَ الظُّهْرِ . فَقَامَ يُصَلِّيِ الْعَصْرَ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ ، ذكَرْنَاً
تَعْجَيلَ الصَّلاَةِ، أُوَّ ذَكَرَهَا. فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَّهِ يَقُولَ: ((تِلْكَ
صَلَّةُ الْمُنَافِقِينَ. تلْكَ صَلاَةُ الْمُنَافِقِينَ. تلْكَ صَلاَةُ اَلْمُنَافِقِينَ. يَجْلَسُ
أُحَدُهُمْ، حَتَّى إِذَا أَصْفَرَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ، أُوْ عَلَى
قَرْنِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا. لاَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّ قَيلاً)) (١).
١.٢٢ - هذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ النَّاسَ كانُوا يتوسّعُون فيما وسعَ اللَّه
عليهم منْ سعةِ الوقتِ ، فقومٌ يصلُّونَ في أُوَّلِ الوقتِ ، وقومٌ يُصلُّونَ في وسطِهِ ،
وقومٌ في آخرهِ .
(١) رواه مالكُ في كتاب ((القرآن)) حديث (٤٦) باب ((النهي عن الصلاة بعد الصبح
وبعد العصر)) ص (٢٢٠:١)، وأخرجه مسلمُ في الصلاة حديث ( ١٣٨٦ ) في باب
(( استحباب التبكير بالعصر)) ص (٢: ٨٧٣) من طبعتنا، وصفحة (١ : ٤٣٤) من
طبعة عبد الباقي، وأخرجه أبو داود في الصلاة حديث (٤١٣) باب ((في وقت صلاة العصر))
(١: ١١٢ - ١١٣)، والترمذي في الصلاة حديث (١٦٠) باب ((ما جاء في تعجيل
العصر)) (١: ٣.١ - ٣٠٢)، ورواه النسائي في الصلاة (١: ٢٥٤) باب («التشديد
في ترك العصر)).
٣٧٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
١.٢٣ - وقدْ مضى في صَدْرِ هذا الكتاب (١) أُنَّ آخرَ وقتِ الظُّهْرِ عِنْدَ طائفة
العلماء منهم مالكٌ وغيرُهُ هُوَ أُوّ وقتِ العَصْرِ بِلاَ فصلٍ ، وأُنَّ مِنْ أُهَلِ العلمِ مَنَ
يجعلُ بينَهُما فصلاً وإِنْ قَلَّ ، منهم الشافعيّ .
١.٢٤ - وفي هذا الحديث دليلٌ على استحبابٍ أُنْسِ بنِ مالكِ تعْجِيل العصْرِ
وتفْضِيل أُوَّلِ الوَقْتِ فيها .
١.٢٥ - وأمَّا قولُهُ في صلاة المنافقِينَ: إِنَّها كانتْ عندَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ
فذلكَ ذَمٌّ مِنْهُ لِمَنْ أُخْرَ صلاتَهُ ذاكرًا إلى ذلك الوقت ، وتحذيرٌ من التشبُّهِ بأفعال
المنافقينَ ، الَّذِين كانُوا لا يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ كسالى.
١.٢٦ - وقدْ كانَ مِنْ أمراءِ بني أُميَّةَ مَنْ لا يصلّي إِلاَّ ذلكَ الوقْت وبعدَهُ ،
ولذلكَ قالَ حذيفةُ بنُ اليمان - رحمه اللَّهُ - قالَ (٢) : كانَ المنافقونَ على عهد
رسولِ اللَّهِ عَّهِ يُسِرُونَ النفاقَ وأُنْتمُ تَجْهَرُونَ بِهِ .
١.٢٧ - وفي حديث أنسٍ هذا دليل على أنَّ قَولَهُ - عليه السلام: ((مَنْ
أُدْرَكَ رَكْعةٌ مِنَ العَصْرِ قبلَ أُنْ تغربَ الشَّمْسُ فقدْ أُدْرَكَ العَصْرَ)) إِنَّما ذلكَ
لأصحاب الضَّرُورَات ، كما قالَ مالكٌ ومَنْ تابعَهُ لا لأَنَّ لأحدٍ أنْ يتعمدَ فيضعَ
صلاتَهُ ذلك الوقت .
١.٢٨ - وقَدْ مضى في أُوَّل هذا الكتاب في هذا المعنى ما يُغني عَنْ إعادَتِهِ
ها هنا .
١.٢٩ - وما أُعلَمُ حديثًا أَبْيَنَ مِنَ الرَّدِّ على إِسْحاق، وداود، في قولهما في
حديث أبي هريرةَ ، عَنِ النَّبِيِّ عليه السلام: ((مَنْ أُدركَ ركعةً مِنَ العصْرِ قَبْلَ أُن
(١) انظر الفقرة (١.٦)، ص (١٩١) من هذا المجلد .
(٢) كذا في الأصل ، وليس بالكلام حاجة إلى إعادتها ، فما بينها وبين ( قال ) الأولى
قريب .
- ١ - كتاب وقوت الصلاة - (٨) - باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد المصر - ٣٧٧
تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أُدْرَكَ العَصْرَ))، الحديث: إنَّ (١) ذلك لكلِّ أُحدٍ مِنْ
أُصْحاب الضروراتِ وغيرِهم - مِن (٢) حديث أنس هذا مِنْ رواية يعلى بن
عبد الرحمن، وقد ذكرْنَاهُ مِنْ طرق في «التَّمْهِيد )) (٣) بألفاظٍ مختلفةٍ ومعنى
واحد ، وفيها عَنِ العلاءِ أُنَّ الَّذي صلَّى معه الظهرَ يومئذٍ خالدُ بنُ عبد اللَّه بن
أسيد القشيري بالبصْرة ، ثُمَّ دَخَلَ بأثر ذلك على أُنسِ بنِ مالك فوجدَهُ يصلّي
العَصْرَ .
١.٣٠ - وقَدْ حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغٍ ، قال حدَّثنا
إسماعيلُ بنُ إسحاق ، قال حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةً ، قالَ : حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ
محمدٍ ، عن عَمْرِوِ بنِ يَحْيِى المازني ، عن خالدِ بنِ خلادٍ ، قال : صَلَّينا مع عُمرَ
ابنِ عبد العزيز الظهرَ يوماً، ثُمَّ دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه [ قائماً يصلي
العصر ، فقلنا : إنما انصرفنا الآن من الظهر مع عمر ، فقال : إني رأيت رسول
اللَّه ◌َ] (٤) يصلّي هذه الصلاة هكذا، فلا أُتْركها أبداً .
(١) ابتداء قول إسحاق وداود .
(٢) متعلق بقوله قبلا : وما أعلم حديثا أبين .
(٣) التمهيد (.٢: ١٨٥ - ١٨٦)، وجاء فيه موضحاً أكثر: عن العلاء بن عبد الرحمن
أنه دخل على أنس بن مالك هو وعمرو بن ثابت بالبصرة قال : حين سلمنا من الظهر قال :
وكان خالد بن عبد الله بن أسيد واليا علينا ، وكان يحين وقت الصلاة ، فلما انصرفنا من
الظهر دخلنا على أنس بن مالك - وداره عند باب المسجد - فقال : ما صليتما ؟ قلنا :
صلينا الظهر ، قال : فقوما فصليا العصر ، قال : فخرجت أنا وعمرو بن ثابت إلى الحجرة
فصلينا العصر، ثم دعانا فدخلنا عليه، فقال: سمعت رسول اللَّه عَّ يقول: تلك صلاة
المنافقين ، تلك صلاة المنافقين ، ينتظر أحدهم الشمس حتى إذا اصفرت ، وكانت على قرني
الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر اللَّه فيها إلا قليلا .
(٤) ما بين الحاصرتين من ((التمهيد)) (.٢: ١٨٦).
٣٧٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٢٩ - مَالكُ، عَنْ نَافعِ، عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَّم
قَالَ: ((لاَ يَّتَحَرِّ (١) أُخَّدَكُمْ فَيُصَلَّىَّ عِنَّدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَاَ عِنْدَ
غُرُوبِهَا)) (٢) .
(١) ( محرّى) = توخى، وقصد، وتحرى فلان بالمكان: أي مكث، أراد به :
لا تقصدوا ، ولا تبتدروا بها ذلك الوقت ، وأما من انتبه من نومه ، أو ذكر ما نسيه فليس
بقاصدٍ إليها ولا متحرِّ عنها ، وإنما المتحري : القاصد إليها .
وقيل : إِنَّ قوما كانوا يتحرون طلوع الشمس وغروبها فيسجدون لها عبادة من دون الله
تعالى فنهى النبي #ه عنه كراهة أن يتشبهوا بهم.
قوله ((لا يتحرّ)) نهى مستقل في كراهة الصلاة في الوقتين المذكورين سواء قصد لها أم
لم يقصد . ومنهم من قال لا تكره الصلاة بعد الصبح ولا بعد العصر إلا لمن قصد بصلاته
طلوع الشمس وغروبها وإليه ذهب الظاهرية ومال إليه ابن المنذر واحتجوا في ذلك بما رواه
مسلم من طريق طاووس عن عائشة قالت : وهم عمر رضي اللّه تعالى عنه إنما نهى رسول الله
# أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها، ومنهم من قوى ذلك بحديث «من أدرك ركعة من
الصبح قبل أن تطلع الشمس فليضف إليها أخرى )) فأمر بالصلاة حينئذ فدل على أن الكراهة
مختصة بمن قصد الصلاة في ذلك الوقت لا بمن وقع له اتفاقا .
وقال البيهقي: إنما قالت ذلك عائشة لأنها رأت النبي ◌َّه يصلي بعد العصر فحملت نهيه
على من قصد ذلك لا على الإطلاق ، وأجيب عن هذا بأن صلاته صلى اللّه تعالى عليه وآله
وسلم تلك كانت قضاء ، وقيل : كانت خصوصية ، وأما النهى مطلقا فقد ثبت بأحاديث
كثيرة عن جماعة من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم .
(٢) حديث ابن عمر رواه البخاري في الصلاة رقم (٥٨٥) باب ((لا يتحرى الصلاة قبل
غروب الشمس)) فتح الباري (٢ : ٦٠).
وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة حديث رقم (١٨٩٣) من طبعتنا ص (٣ : ٢٩١ -
٢٩٢) باب ((الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها))، وهو الحديث ذو الرقم (٢٨٩) باب
((١ : ٥٦٧)) من طبعة عبد الباقي.
والحديث أخرجه مالك في الموطأ في كتاب القرآن رقم (٤٧) باب ((النهي عن الصلاة عند
الصبح وبعد العصر))، ص (٢٢٠:١) ، وموضعه في كتاب الأم للشافعي (١ : ١٤٧) =
- ١ - كتاب وقوت الصلاة - (٨) - باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر - ٣٧٩
١.٣١ - قال أبو عمر: يحتمل قولُه: ((لا يَتحرّ أُحَدُكُم)) وجهين:
١.٣٢ - (أحدُهما): ألاَّ يتركَ أُحدٌ صلاتَهُ ذاكراً لها إلى حين طلوعٍ
الشَّمْسِ أو غروبِها ، وهذا عملُ الفرائِضِ .
١.٣٣ - (والثَّاني): أنْ يكونَ المقصودُ بذلك إلى التطوُّع.
١.٣٤ - وليسَ يُقالُ لمنْ نامَ فلمْ ينتبِهْ، أَو نَسِيَ فلمْ يذكرْ إِلاَّ في ذلك الوقت :
إِنَّهُ تحرَّاهُ وقصدَهُ ، والنُّهْيُ إنما تَوجِّهَ في هذا الحديثِ إلى مَنْ تحرَّى ذلك ، وليسَ
النَّائمُ والنَّسي بُتَحرِّ لذلك، فلا حجَّةَ على مالكٍ والشافعيِّ في هذا الحديثِ
لإِجازتِهم للنَّائِمِ والنَّاسي أنْ يصليا فرضَهُما في ذلك الوقت، كما زعمَ الكوفيُونَ .
١.٣٥ - ولا خلافَ بينَ المسلمينَ أُنَّ صلاةَ التطُوعِ كلّها غيرُ جائزٍ أُنْ يُصلَّى
شيءٌ منها عندَ طلوعِ الشَّمْسِ ولا عندَ غروبِها، وإِنَّما اختلفُوا في الصَُّواتِ
المكتُوبات ، والمفروضات على الكفاية ، والمسنونات .
١.٣٦ - وقدْ مضى في ذلك كلّه ما يكفي، والحمدُ لله .
٣٠ - مَالكُ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أُبي
هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَّسُولَ اللَّهِ عَّهُ، نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ
الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (١).
= باب (( الساعات التي تكره فيها الصلاة)) ، ورواه الشافعي أيضا في الرسالة فقرة
(٨٧٣)، وموضعه في سنن البيهقي الكبرى (٢: ٤٥٣)، والسنن الصغير له (١ :
٣٢٧)، الحديث رقم (٩٢٦)، ومعرفة السنن والآثار (٣ : ٥١٣٧).
(١) رواه مالك في كتاب القرآن حديث رقم (٤٨) باب ((النهي عن الصلاة بعد الصبح
وحد العصر)) (١: ٢٢١).
=
-
.٣٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
١.٣٧ - قالَ أَبُو عمر: رُوَي عَنِ النبيِّ عَّهُ النَّهَيُ عَنِ الصَّلاَةِ بعدَ الصُّبْحِ
حتَّى تطلعَ الشَّمْسُ ، وعَنِ الصَّلاَةِ بعدَ العصرِ حتَّى تغربَ الشمسُ مِنْ حديثَ عمر
ابن الخطاب ، وأبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ الْخُدْري ، وسعدِ بنِ أبي وقّاصٍ ، ومُعاذِ
ابنِ عفراءَ ، وغيرهم ، وهي أحاديثٌ صِحَاحٌ لا مدفعَ فيها ، إِلاَّ أُنَّ العلماءَ
اختلَفُوا في تأويلها وفي خُضُوصِها وعمومِها ، واختلفَ العلماءُ في هذا البابِ
اختلافاً كثيراً ، لاختلافِ الآثارِ فيه :
١.٣٨ - فقالَ منهم قائلُونَ: لا بأسَ بالتطوُّعِ بعدَ الصبحِ وبعدَ العصْرِ، لأنَّ
النَّهْي إِنَّما قُصدَ بِهِ إلى تركِ الصَّلاَةِ عندَ طلوعِ الشَّمْسِ وعندَ غروبِها . وذكرُوا
مثلَ حديثِ الصُّنَابِحِيّ وشبْهه .
١.٣٩ - قالوا :: فالنَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ بعدَ الصُّبْحِ وبعدَ العَصْرِ (١) هذا
معناه ، لإجماعِ المسلمينَ على الصَّلاةِ على الجنائزِ بعدَ الصُّبْحِ وبعدَ العصْرِ ، إذا
لمْ يكنْ عندَ طلوعِ الشمسِ ولا عندَ غروبِها .
.١.٤ - قالوا: وإنَّما خرجَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ بعدَ الصبحِ وبعدَ العصْرِ على
قطع الذَّريعة، لأنَّهُ لَو أُبيحت الصلاةُ النافلةُ بعدَ الصبحِ وبعدَ العصْرِ لَمْ يؤمَن
التمادي فيها إلى حين طلوعِ الشَّمْسِ وغروبِها .
= وأخرجه مسلم في الصلاة رقم (١٨٨٩) من طبعتنا (٣: ٢٩٠)، باب ((الأوقات التي
نهي عن الصلاة فيها)) وهو الحديث رقم (٢٨٥) (١ : ٥٦٦) من طبعة عبد الباقي.
ورواه النسائي في الصلاة (١ : ٢٧٦) باب النهي عن الصلاة بعد الصبح .
والحديث موضعه في كتاب الأم للشافعي (١: ١٤٧) باب ((الساعات التي تكره فيها
الصلاة))، وفي السنن الكبرى (٢: ٤٥٢)، ومعرفة السنن والآثار (٣: ٥١٣٣).
(١) في ((التمهيد)) (١٣: ٣٠): لا بأس بالتطوع بعد الصبح وبعد العصر، لأن
النهي إنما قصد به إلى ترك الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ، واحتجوا من الآثار
برواية من روى النهي عن الصلاة في هذه الأوقات .