Indexed OCR Text
Pages 321-340
١ - كتاب وقوت الصلاة - (٦) باب النوم عن الصلاة - ٣٢١
فأمرَ رسول اللَّه بلالاً فأقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ثم أقامَ
فَصَلَّى المغربَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلَّى العشاءَ ، ثم قال : ما على الأرضِ عِصابَةٌ
یذکرونَ اللّه غيركم » .
٧٧٦ - قال أبو عمر : يعني الصلاة في ذلك الوقت ، وهذان الحديثان حُجَّةٌ
في أُنَّ الفَوائِتَ يقام لها ولا يؤذِّن .
٧٧٧ - واستدل بعضُ من يقولُ بأنها يؤذّن لها ويقام بما في هذين الحديثين من
قوله: ((ثم أُقامَ للعشاء فصلاها))، والعشاء مفعولة في وقتها ليست بفائتة
ولا بدَّ لها من الأذان، فدل ذلك على أن قوله: (( ثم أُقامَ فَصَلَّى العشاءَ » إنما
أراد إقامتها بما تقام به على سنتها من الأذان والإقامة .
٧٧٨ - قال : فكذلك سائر ما ذكر معها من الصلوات .
٧٧٩ - قال أبو عمر: قد يحتملُ أنْ تكونَ العشاء صُلِّيَتْ في تلك الليلة بعد
نصف الليل ، لقوله في الحديث: ((هَوِيّ من اللَّيْلِ)) ، وذلك بعد خروجٍ وَقْتِها
فكانَ حكمها في ذلك حكم صلاة المغربِ بعد مغيبِ الشَّفَقِ على ما في
الأحاديث المسندة .
٧٨٠ - وإذا احتمل ذلك فهى فائتة حكمها حكم غيرها مما ذكر من الصلاة
معها (١) .
٧٨١ - وصح بظاهر هذين الحديثين أُنَّ الفوائتَ يقام لها ولا يؤذّن، وبالله
التوفيق .
٧٨٢ - وأما صلاة ركعتى الفجر لمن نام عن صلاة الفجر ولم ينتبه لها إلا بعد
طلوع الشمس فإن مالكا قال : يبدأ بالمكتوبة ، ولم يَعْرف ما ذكر عن رسول اللَّه
د في ركعتي الفجر يومئذ .
(١) في ( ص): عليها ، وهو تحريف .
٣٢٢ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١ -
٧٨٣ - وذكر أبو قُرة: موسى بن طارق في سماعه من مالك: قال (١):
قال مالك فيمن نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس : إنه لا يركع ركعتي
الفجر ، ولا يبدأ بشيء قبل الفريضة .
٧٨٤ - قال : وقال مالك: لم يبلغنا أن النبي - عليه السلام - صلى ركعتي
الفجر حين نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس .
٧٨٥ - قال ابن وهب : سئل مالك: هل كان رسول اللّه عليه حين نام عن
صلاة الصبح حتى طلعت الشمس ركع ركعتي الفجر ؟ قال : ما علمت .
٧٨٦٠٠٠ - قال أبو عمر: ليس في شيء من رواية مالك أن رسول اللَّه عَهُ ركع
ركعتي الفجر في ذلك ، وإنما صار في ذلك إلى ما رَوى .
٧٨٧ - وعلى مذهبه في ذلك جمهورُ أصحابه إلا أشهب ، وعلي بن زياد ،
فإنهما قالا : يركع ركعتى الفجر قبل أن يصليَّ الصَّبْحَ . قالا : وقد بلغنا ذلك
عن النبي - عليه السلام - أنه صلاهما يومئذ .
٧٨٨ - وقال أبو حنيفة، والشافعي ، وأصحابهما ، والثوري ، والحسن بن
صالح : يركع ركعتى الفجر إن شاءَ ، ولا ينبغي له أن يدعهما .
٧٨٩ - وإليه ذهب أحمد ، وإسحق ، وأبو ثور ، وداود لِمَا رويَ في ذلك من
حديث عمران بن حصين وغيره .
٧٩٠ - وقد ذكرنا ذلك في باب مرسل زيد بن أسلم من التمهيد (٢).
٧٩١ - وقد كانَ يَجبُ على أصل مالك أن يركعهما قَبْلَ أُنْ يُصَلِّيَ الصَّبْحَ ،
لأَنَّ قوله : من أتى مَسْجِداً قد صُلِّي فيه لا بأس أنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ المتكويَّةِ إذا كانَ
فِي سَعَةٍ مِنَ الوَقْتِ .
(١) كذا في ( ك) ، وفي الأصل : مالك قال مالك ، سقط .
(٢) التمهيد (٣ : ٢٩٦).
١ - كتاب وقوت الصلاة - (٦) باب النوم عن الصلاة - ٣٢٣
٧٩٢ - ومعلومٌ أن من انتبه بعد طلوع الشمس لا يخافُ مِنْ فَوْتِ الوَقْت
أكثر مما هو فيه .
٧٩٣ - وكذلك قال أبو حنيفة، والشافعي ، وداود : يتطوعُ إذا كانَ في
الوَقْت سَعَةٌ .
٧٩٤ - وقال الثوري : ابدأ بالمكتوبة ، ثم تطوع بما شئت ، وهو قول الحسن
ابن حي .
٧٩٥ - وقال الليث بن سعد : كُلُّ واجب من صلاة فريضة ، أو صلاة نذر ،
أو صيام - يُبدأ به قَبْلَ النَّفْلِ .
٧٩٦ - رواه ابن وهب عنه ، وقد رَوى عنه ابن وهب خلافَ ذلك : قال ابن
وهب : سمعتُ الليث يقول في الذي يُدْرِكُ الإِمامَ في قيامِ رمضان ولم يُصلِّ
العشاءَ: إنه يُصَلي معهم بصلاتهم، فإذا فرغ صلَّى العشاءَ . قال : وإِنْ عَلم
أنهم في القيام قبل أن يدخل في المسجد فوجد مكانا طاهرا فليصلِّ العشاء ثم
يدخل معهم في القيام .
٧٩٧ - وأما قوله في الحديث: ((من نسى الصلاة فَلْيُصلّها إذا ذكرها فإن
اللَّه يقول: ﴿وأُقِمَ الصلاة لِذِكْرِي﴾ فقد روى عن رسول اللَّه عَّه أنه قال: ((من
نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها )) من وجوه قد ذكرناها في التمهيد (١)
وفي بعضها: ((فذلك وقتها)).
٧٩٨ - واحتج القائلون بأن مَن ذكر صلاة وهو في صلاة فسدت عليه صلاته
التي هو فيها حتى يصلى التي ذكر قبلها من أصحابنا وغيرهم - بقوله هذا :
(( فليصلّها إذا ذكرها)).
(١) التمهيد (٦: ٤.٢).
٣٢٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١ .
٧٩٩ - قالوا : فهو مأمور بإقام الصلاة المذكورة في حين الذكر ، فصار ذلك
وَقْتَأْ لَهَا ، فإذا ذكرها وهو في صلاة فكأنها مع صلاة الوقت صلاتان من يوم
واحد اجتمعتا عليه في وقت واحد .
٨٠٠ - فالواجب أن يبدأ بالأولى منهما، فلذلك فَسَدَتْ عليه التي هو فيها
كما لو صَلَّى العَصْرَ (١) قَبْلَ صَلاة الظُّهْرِ من ذلك اليوم .
٨.١ - وفسادُها من جهة الترتيب، إلا أنَّ ذلك (٢) عِنْدَ مالكٍ وأصحابه
ومَن يقول (٣) بقولهم لا تجب إلا مع الذكر وحصول الوقت بالترتيب وقلة العدد ،
وذلك صلاة يوم فما دون .
٨.٢ - فإذا خرجَ الوَقْتُ سَقَطَ الترتيبُ ، وكذلك سَقَطَ الترتيبُ مع كثرة العدد
لما في ذلك من المشقة وما لا يطاق عليه ويَفحش القياس (٤) فيه ؛ لأنه لو ذكر
صلاة عامٍ فرّط فيها ، أو ذكر صلاة بين وقتها وبين صلاة وقته عامٌ قبح بالمفتى
أن يأمره بصلاة عام ونحوه قبل أن يصلي صلاة وقته .
٨.٣ - واحتج بعضهم في وجوب الترتيب بحديث أبي جمعة ، واسمه حبيب
ابن سباع وله صُحْبَةٌ، قال: ((صلَّى رسولُ اللَّه عَّه المغرب يوم الأحزاب ، فلما
سلّم قال : هل عَلِم أُحدٌ منكم أني صلَّيتُ العصر ؟ قالوا : لا يا رسول اللّه ،
قال: فصلى العصر، ثم صلى المغرب)) (٢).
٨.٤ - وهذا حديث لا يُعرف إلا عن ابن لهيعة ، عن مجهولين لا تَقوم بهم
حُجَّةٌ.
(١) كذا في ( ك )، وفي الأصل : صل الظهر قبل صلاة العصر ، تقديم وتأخير .
(٣) في ( ك) : قال .
(٢) كذا في ( ص ) ، والأشبه : إلا أنها .
(٤) كذا في ( ك ) ، وفي الأصل : القيام ، تحريف .
(٥) السنن الكبرى للبيهقي: (٢٢٠:١).
١ - كتاب وقوت الصلاة - (٦) باب النوم عن الصلاة - ٣٢٥
٨.٥ - وقال الشافعي ، وداود بن علي ، وأبو جعفر الطبري : لا يلزمُ
التَّرْتيبُ في شيءٍ من ذلك .
٨.٦ - وقالوا (١) فيمن ذكر صلاة وهو في صلاة غيرها وحدَه أو وراءَ إمام:
يتمادى في صلاته ، فإذا أتمها صَلَى التي ذكَرَ ولم يُعِدِ الأخرى بعدها .
٨.٧ - وليس الترتيبُ عند هؤلاء بواجبٍ فيما قلَّ ولا فيما كَثُرَ إلا في صلاة
اليوم بعينه .
٨.٨ - وحجتهم أُنَّ الترتيبَ إنما يجب في اليوم وأوقاته كما يجب ترتيب أيام
رمضان في رمضان لا في غيره ، فإذا خَرَجَ الوَقْتُ سَقَطَ الثَّرْتيبُ .
٨.٩ - ألا تَرى أُنَّ رمضانَ تَجِبُ الرتبة فيه والنسق لوقته ، فإذا انقضى
سقطت الرُّتْبَةُ، ولم يجب على الذي لم يصمه في وَقْتِهِ (٢) لمرضٍ أو سفرٍ إلا عدة
من أيامٍ أُخَر ؟
٠ ٨١ - وكذلك مَنْ عليه أيامٌ من شَهْرِ رمضان فلم يصمها حَتَّى دَخَلَ عليه
رمضان آخر أنه يصومه (٣) ثم يصوم الأيام من الأول بعده ولا يعيده .
٨١١ - وهذا إجماعٌ من عُلماء المسلمينَ وإنما اختلفوا (٤) في الإطعام مع
قَضاءِ الأيام لمن فرّط وهو قادرٌ على الصيام .
٨١٢ - فأما داود ومن نفى القياسَ (٥) فإنهم احتجُّوا في سقوط الترتيب
بأنَّ رسولَ اللَّهِ عَّهِ صَلَّى ركعتي الفَجْرِ يَوْمَئِذٍ وهو ذاكرٌ للصبح .
(١) في ( ص ) : وقال ، وهو تحريف .
(٢) في ( ك ) : لم يصمه لمرض .
(٣) في ( ص ) : يصومها ، وهو تحريف .
(٤) في ( ص) : أخذ ، وهو تحريف ، والتصحيح عن ( ك ) .
(٥) في ( ص ) : القيام ، وهو تحريف، والتصحيح عن ( ك ).
٣٢٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٨١٣ - قالوا : فقد صلى صلاة سنةٍ وهو ذاكرٌ فيها لصلاة فريضةٍ فلم تفسد
عليه ، فأحْرى ألا تَفْسُدَ عليه صلاةٌ فريضةٍ إذا ذَكَرَ فيها أُخرى قبلها .
٨١٤ - وهذا عندي احتجاجٌ فاسِدٌ غَيْرُ لازمٍ من وُجوهٍ :
٨١٥ - ( منها ) : أنّ لا ترتيب بَيْنَ السُّنَنِ والفرائضِ .
٨١٦ - ( ومنها ): أنه لم يَذكر في ركْعَتىِ الفَجْرِ صلاة قبلها ، وإنما كان
ذاكراً فيها صلاة بعدها .
٨١٧ - وهذا لاخفاءَ فيه (١) لمن أُنْصَفَ نفسه .
٨١٨ - ولا معنى لقول النبي - عليه السلام -: «فَلْيُصَلّها إذا ذكرها ، فإن
اللَّه تعالى يقول: ﴿وَأُقَمَ الصلاة لذكري ﴾ عند من لا يرى الترتيب إلا إيجاب
الصلاة على كل من نام عنها أو تركها أو نسيها إذا ذكرها، وأنه لازمٌ لكلِّ مَن
ذكَرَ صلاةٌ لم يُصَلِّها أُنْ يصليها إذا ذكرها ، وأُنَّ النائِمَ عنها والناس لها إذا
ذَكَرَها في حُكْمٍ مَنْ ذَكَرَها في وقتها ، وليسَ في ذلك عندهم إيجابُ ترتيب .
٨١٩ - وقد أُجْمَعَ علماءُ المسلمينَ أَنَّ مَن ذَكَرَ صلواتٍ كثيرةٍ كصلاةٍ شَهْرٍ
أو أكثر أو ما زاد على صلاةٍ يوم وليْلَةٍ لم يلزمه ترتيب ذلك مع صلاة وقته ،
فكذلكَ القليلُ من الصلواتِ في القياسِ والنظر ، وبالله التوفيق .
٠ ٨٢ - وسيأتي من هذا المعنى زيادةُ مسائِلَ عَنِ العلماء يزيدُ الناظرُ فيها (٢)
بيانا وعلما عند ذكر حديث مالك (٣) إن شاءَ اللَّه.
(١) في ( ك): لاخفاء به على من. (٢) في (ص): فيه ، وهو تحريف.
(٣) كذا في ( ص )، وفي ( ك ) : مالك عن نافع عن ابن عمر فيمن ذكر صلاة .
وهنا بدأ خرم الصفحة . ولعل الحديث الذي يريده هو : وحدثني عن مالك عن نافع أن عبد الله
ابن عمر كان يقول : من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام ، فإذا سلم الإمام ،
فليصل الصلاة التي نسي، ثم ليصل بعدها الأخرى . ( الموطأ : ١٦٨).
١ - كتاب وقوت الصلاة - (٦) باب النوم عن الصلاة - ٣٢٧
٨٢١ - وأما معنى قوله تعالى: ﴿وأُقِمِ الصَّلاةَ لِذِكري﴾ فإِنَّ أَكْثَرَ أُهْلِ
العِلْمِ قالوا : معناهُ أن يُصلي الصَّلاةَ إذا ذَكَرَهَا .
٨٢٢ - هذا قول إبراهيم ، والشعبي ، وأبي العالية ، وجماعة من العلماء
بتأويلِ القرآن .
٨٢٣ - وقد قُرئَتْ: ( للذكرى ) (١) على هذا المعنى. وكان ابن شهاب
يقرؤها كذلك .
٨٢٤ - وقال مجاهد: ﴿ وَأُقَمَّ الصَّلاةَ لذكري﴾: أُنْ يَذْكُرَ فيها . قال : فإذا
صلى عبدٌ ذكر ربه .
٢٤ - مَالك، عَنْ زَيْدِ بْن أُسْلَمَ؛ أَنَّهُ قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهِ
لَيْلَة، بطَرِيقَ مَّكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلاَلاً أُنْ يُوقِظَهُمْ الصَّلاَةِ، فَرَقَدَ بِلاَّلٌ ،
وَرَقَدُوا ، حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمَّ الشَّمْسُ . فَاسْتَيْقَظَ الَّقَوْمُ ،
وَقَدْ فَزِعُوا. فَأُمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذلكَ
الْوَادِي. وَقَالَ: ((إنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ)) فَرَكَبُوا حَتَّى خَرَجُوا مَنْ ذَلَكَ
الْوَادِي. ثُمَّ أُمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مَّهُ أَنْ يَنْزِلُوا، وَأُنْ يَتَوَضَّؤُوا وَأُمَّرَ بِلاَلاً
أُنْ يُنَادِيَ بِالصَّلاَةِ، أُوْ يُقِيَمَ. فَصَلَّىَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ بِالنَّاسِ. ثُمَّ
انْصَرَفَ إَلَيْهِمْ، وَقَدْ رَأَى مِنَّ فَزَعِهِمْ. فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إنَّ اللهَ
قَبَضَ أُرْوَاحَنَا، وَلَوْ شَاءَ لَرَّدَّهَا إلَيْنَا في حين غَيْرِ هذَا. فَإِذَا رَقَدَ أُحَدُكُمْ
عَنِ الصَّلاَةِ، أُوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ فَزَعَ إِلَيْهَا، فَلْيُصَلَّها، كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا
فِي وَقْتِهَا )).
(١) هذه قراءة النبي * كما في الكشاف (٢: ٢١).
٣٢٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ، إِلَى أُبِي بَكْرٍ فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ أُتَّى
بِلاَلاً وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَضْجَعَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُهَدَّتَّهُ ، كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبيُّ
حَتَّى نَامَ)). ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ عَّه بلالاً. فَأُخْبَرَ بِلاَلُ رَسُولَ اللَّهِ عَّهَ،
مِثْلَ الَّذِي أُخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهِ أَبَا بَكْرٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْر : أُشْهَدُ أَنَّكَ
رَسُولُ اللَّهِ (١).
٨٢٥ - وَقَدْ ذَكَرْنا هذا الحَديثَ مُتَّصلاً مُسْتَدا مِنْ وُجوهٍ كثيرة في ((التمهيد)»
بمعانٍ مُتَقَارِيَةٍ (٢).
(١) موطأ مالك، رقم (٢٦) من كتاب وقوت الصلاة، ص (١٤ - ١٥).
(٢) قال ابن عبد البر فى ((التمهيد)) (٥: ٢.٤ - ٢.٦):
هكذا هذا الحديث في الموطآت لم يسنده عن زيد أحد من رواة الموطأ ؛ وقد جاءَ معناهُ
متصلا مُسْندا من وجوهٍ صحاح ثابتةٍ في نَوْمِهِ عَّ عن صلاة الصبح في سفره ، روى ذلك
جماعة من الصحابة ؛ وأظنها قصة، لم تعرَضَ له إلا مرة واحدة فيما تدل عليه الآثار -
واللّه أعلم؛ إلا أنَّ بعضها فيه مرجعه من خيبر ، كذا قال ابن شهاب عن سعيد بن المسيب
في حديثه هذا ، وهو أقوى ما يروى في ذلك ، وهو الصحيح - إن شاء الله . وقول زيد بن
أسلم في حديثه هذا بطريق مكة ، ليس بمخالف ، لأنَّ طريق خيبر وطريق مكة من المدينة ،
يشبه أن يكونَ واحداً ، وربما جعلته القوافل واحدا .
وحديث زيد بن أسلم هذا مرسل ، وليس مما يعارض حديث ابن شهاب ؛ وفى حديث ابن
مسعود : ( من يوقظنا ؟ فقلت أنا أوقظكم ) . وليس في ذلك دليل على أنها غير قصة
بلال ، لأنه لم يقل له أيقظنا ؛ ويحتمل أن لا يجيبه إلى ذلك ويأمر بلالا .
وقال ابن مسعود في هذا الحديث - زمن الحديبية - وهو زمن واحد ، في عام واحد ؛ لأنه
منصرفه من الحديبية ، مضى إلى خيبر من عامه ذلك ، ففتحها اللَّه عليه ؛ وفي الحديبية
نزلت ((وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثيرة)) - يعني خيبر، وكذلك قَسَمَها رسولُ اللَّه عَّه على أهل
الحديبية .
وروى خالد بن سمير ، عن عبد الله بن رباحٍ ، عن أبي قتادة في هذا الحديث ، أنه كان
في جيش الأمراء . وهذا وَهْمُ عند الجميع، لأَنَّ جيش الأمراء كان في غزاة مؤتة ، وكانت
سرية لم يشهدها رسول اللّه عليه ؛ كان الأمير عليها زيد بن حارثة ، ثم جعفر بن أبي طالب ،
ثم عبد الله بن رواحة؛ وفيها قُتلوا - رحمهم الله .
١ - كتاب وقوت الصلاة - (٦) باب النوم عن الصلاة - ٣٢٩
٨٢٦ - وفيها ما يدلُّ على أنَّ نَوْمَهُ عليه السلام كَانَ منه مرّةً واحدة .
٨٢٧ - ويحتمل أن يكونَ مرتين ؛ لأنَّ في حديث ابن مسعود: أنا أُوقظكم
٨٢٨ - وقد يمكنُ أنَّ رسولَ اللَّه لم يُجِبْه إلى ذلك، وأُمرَ بلالا أُنْ يُوقِظَهُمْ،
لأَنَّ في أكْثَرِ الأحاديث أنَّ بلالاً كان موكّلا بذلكَ على ما في حديثي مالك .
٨٢٩ - وفي بعض الأحاديثِ أنَّ ذلكَ النَّوْمَ كان منه - عليه السلام - زَمَنَ
الحُدَيْبِيَة ، وفي بعضها: زمن خيبر (١) ، وفي بَعْضِها : بطريق مكة.
٠ ٨٣ - ويشبهُ أنْ يكونَ كلِّ (٢) واحدًا، لأنَّ عُمْرة الحديبية كانت زمنَ خيبر
وهو طريقُ مَكَّةَ لمن شاءَ ؛ ويجوزُ أن يكونَ غير ذلك . والله أعلم .
٨٣١ - وأما قول عطاء بن يسار : إن ذلكَ كان في غَزْوَة تبوك (٣) فليسَ
بشيءٍ ، وأحسبه وهما . والله أعلم .
٨٣٢ - وقد ذكَرْنا الآثار بذلك في ((التمهيد))، وقد مضى معنى:
التعريس ، وكثير من معاني ألفاظ هذا الحديث فيما تقدم مِنَ القَولِ في الحديثِ
الذي قَبْلَهُ .
٠
٨٣٣ - وقوله في هذا الحديث: ((فاستيقظَ رسولُ اللَّه وقد فزعوا)» تفسيره
قوله فيه: (( ثم انصرَف إليهم وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ ، فقال : يا أيها الناسُ إنَّ
اللَّه قَبَضَ أُرْوَاحَنا وَلَوْ شَاءَ لَردَّها إلينا في حينٍ غَيْرِ هذا)).
(١) كانت عمرة الحديبية ، وغزوة خيبر في السنة السادسة للهجرة . الدرر لابن عبد البر:
٢٠٩،٢.٤.
(٢) في ( ك) : أن يكون ذلك واحداً .
(٣) كانت غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة. الدرر لابن عبد البر: ٢٥٣.
٣٣٠ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١ -
٨٣٤ - وهذا القول منه لما رأى مِنْ فَزَعِهِم دليلٌ على أُنَّ فَزَعَهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْ
أُجْلِ عَدُوِّ يَخْشَوْنَهه ولوْ كَانَ فَزَعَهُمْ (١) مِنَ العَدُوِّ كما زَعَمَ بَعْضُ أُصْحَابِنَا مِمَّنْ
فَسَّرَ الْمُوَطَّأُ (٢) أَنَّ فَزَعَهُمْ كَانَ مِنْ خَوْفِ العَدُوّ (٢) لما قالَ لهم هذا القول.
٨٣٥ - والوجه عندي في فزعهم أنَّهُ كان وجَلاً وإشفاقًا (٣) على ما قَدَّمْنا
ذكْرَهُ، ولم يكونوا عَلِمُوا سقوطَ المأثِمَ عَنِ النَّائِمِ ، وعدُّوه تَفْريطا .
٨٣٦ - فلذلك قال لهم - عليه السلام -: ((لَيْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطُ، إِنَّمَا
التَّفْرِيطُ في اليَقَظَةِ )) .
٨٣٧ - وقد ذكرنا الخبر (٤) بذلك فيما مضى من هذا الباب .
٨٣٨ - وقد تقدم خروجهم من هذا الوادي وما ذهبَ إليه أُهْلُ الحجازِ وأُهْلُ
العِراقِ في ذلك .
٨٣٩ - وفي حديث ابن شهاب: ((فاقتادوا رواحِلَهم)).
. ٨٤ - وفي حديث زيد بن أسلم: ((فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا من ذلك الوادي»
٨٤١ - وهذا يحتمل أنْ يكونَ بَعْضُهُمْ اقتادَ راحِلَتَهُ ، ويَعْضُهُمْ ركِبَ على
ما فَهِمُوا مِنْ أُمْرِه بذلكَ كله، لأَنَّ في حديث ابن شهاب: ((فاقتادوا ))، وفي
حديث زيد بن أسلم: (( فركبوا )) (٥) .
(١) في (ص) : فزعه، تحريف .
(٢ - ٢) زيادة في ( ص ).
(٣) لا يبدو بعد كلمة (وجلا ) في الأصل سوى واو العطف . أما المعطوف فقد غشيه
الخط الفاصل بين نصفى اللوحة . ويؤنس في أنَّ المعطوف هو ما أثبتناه قول المؤلف عن فزع
الرسول عليه ((فكان فزعا منه وإشفاقا وحزناً)).
(٤) كذا في ( ك)، والكلمة في ( ص ) غير واضحة .
(٥) في ( ص) : اركبوا ، وهو تحريف .
١ - كتاب وقوت الصلاة - (٦) باب النوم عن الصلاة - ٣٣١
٨٤٢ - وليس في ذلك تعارضٌ ولا تدافع، وممكنٌ أن يَجْرِي مِنَ القَوْلُ ذلك
كله .
٨٤٣ - وفي رواية ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح ، في حديث نَوْمِ النَّبِي
- عليه السلام - عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ في السَّفَرِ ، قال: ((فَرَكَعَ ركعَتين في مُعَرْسِهِ
ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ صَلَى الصُّبْحَ )).
٨٤٤ - قال ابن جريج (١) فقلتُ لعطاء بن أبي رباح : أَيُّ سَفَرٍ كان ؟ قال :
لا أُدري .
٨٤٥ - قال أبو عمر: في سَيْرِهِ (٢) عليه السلام بَعْدَ أُنْ رَكَعَ رَكْعَتي الفَجْرِ
أُوْضَحُ دليلٍ على أنَّ خُروجَهُ من ذلك الوادي، وتَرْكَهُ (٢) للصَّلاةِ كانَ لبعضٍ
ما وصفنا في الحديث قَبْلَ هذا، لا لأَنَّهُ انْتَبَهَ حين بدا حاجبُ الشَّمْسِ كما زَعَمَ
أُهْلُ الكُوفَة لأَنَّهُ مَعْلومٌ أُنَّ الوَقْتَ الذي تحلُّ فيه صلاةُ النَّافِلَة والصلاةُ
المَسْئُونَة (٣) أُحْرِى أَنْ تَحلَّ فِيهِ صَلاةُ الفَرِيضَةِ .
٨٤٦ - واختَلفَ القائلونَ بقَول الحجازيينَ: فقال بعضهم: مَنْ نَامَ عَنِ الصِّلاةِ
في سَفَرِهِ ثُمَّ انْتَبَهَ بَعْدَ خُروجِ الوَقْتِ لَزِمَهُ الزوالُ عَنِ ذلكَ المَوْضِعِ .
٨٤٧ - وإذا (٤) كان وادياً خَرَجَ عَنْهُ لقوله - عليه السلام - : اركُبُوا
واخْرُجوا من هذا الوادي، إنَّ { الشيطان ] (٥) هدَأُ بلالا كما يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ.
(١) ((جريج)) غير واضحة في الأصل، وقوله في أول هذه الفقرة: ((وفي رواية ابن
جريج)) تؤيد صحة ما أثبتنا .
(٢) هكذا نظن هاتين الكلمتين ، فإن الخط الفاصل بين نصفى اللوحه يغطيهما .
(٣) كذا في ( ك)، وهى في الأصل غير واضحة.
(٤) كلتا هاتين الكلمتين يغشاها الخط الفاصل بين جزأى اللوحة .
(٥) زيادة يتطلبها نظم الأسلوب .
٣٣٢ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٨٤٨ - قال : فكلُّ موضعٍ يُصيبُ المسافِرِينَ فيه مثلُ ما أصابَ رسولَ اللَّه
بَّهِ وأصحابَهُ في ذلك الموضع مِنَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا فَيَنْبَغِي
الخروجَ {منه} (١) وإقامة الصلاة في غيره، لأَنَّهُ موضعٌ مشؤومٌ ملعونٌ، كما
رُوي عن علي قال :
((نهاني رسول اللَّه ◌َّهِ أُن أُصَلِيَ بِأُرْضِ بابل، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ)) (٢).
٨٤٩ - وقد رُوي عَنِ النَّبِيِّ عَّهُ: ((لما أتى وادي ثمود أُمَرَ النَّاسَ فَأُسْرَعُوا
وقال : هذا وادٍ ملعون . وقد رُوي أَنَّهُ أُمَرَ بالعجينِ الذي عُجِنَ بماءٍ ذلك الوادي
فَطُرِحَ)) (٣) .
. ٨٥ - وقال آخرون منهم: أُمّا ذلكَ الوادي وَحْدَهُ إِنْ عُلِمَ وَعُرِضَ فيه مثل
ذلكَ العارضِ فواجبٌ الخروجَ منه على ما صَنَعَ رسولُ اللَّهِ لَّى، وأما سائرَ
المواضعِ فلا.
٨٥١ - وذلكَ الْمَوْضع وَحْدَهُ مَخْصوصٌ بذلك؛ لأَنَّ اللَّه تعالى قال (٤):
﴿ وأُقِمَ الصلاةَ لِذِكْري ﴾ .
٨٥٢ - وقال رسول اللَّه عَّ: ((مَنْ نَامَ عن صَلاةٍ أُو نَسِيهَا فَلْيُصَلّها إذا
ذَكَرَهَا)).
٨٥٣ - ولم يَخُصّ اللَّه ولا رسوله مَوْضِعًا مِنَ المواضعِ إلا ما جاءَ في ذلكَ
الوادي خاصَّةً .
(١) زيادة يتطلبها نظم الأسلوب .
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٢: ٤٥١)، وفتح الباري (١ : ٤٢١).
(٣) السنن الكبرى للبيهقى (١: ٢٣٥).
(٤) كذا في ( ك)، وفي ( ص): لأن اللَّه تعالى ((أقم))، سقط.
١ - كتاب وقوت الصلاة - (٦) باب النوم عن الصلاة - ٣٣٣
٨٥٤ - وقال آخرون: كلُّ مَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمٍ، أو ذَكَرَ بَعْدَ نِسْيانٍ ، أَو تَرَكَ
صَلَاةً عَمْداً ، ثم ثابَ (١) إلى أدائِها فواجبٌ على كُلِّ واحدٍ منهم أُن يُقِيمَ صلاتَهُ
تلْكَ بأعلى (٢) ما يمكنه في كل مَوْضِعٍ ذكرها فيه: واديا كان أو غير وادٍ.
٨٥٥ - وذلك أنَّ الموضعَ الطَّاهِرَ { في وادٍ تُؤدِّى الصلاةُ فيه} (٣)، وسواءٌ
ذلك الوادي وغيره، لأنَّ قَوْلَهُ عليه السلام: ((إِنَّ هذا وادٍ به شيطانٌ)) خصوصٌ
له لا يَشْركه فيه غيره ، لأنَّه كان يعلم من حضورِ الشياطين بالمواضعِ ما لا يعلم
غيره . ولعلَّذلكَ الوادي لم يحضره ذلك الشيطان إلا في ذلك الوقت .
٨٥٦ - وذكر إسماعيل في ((المبسوط)) (٤)، عن الحكم بن محمد ، عن
محمد بن مسلم ، قال : ليسَ على من نامَ عَنِ الصَّلاةِ في وادٍ أُنْ يُؤَخِّرَها حَتَّى
يَخْرُجَ مِنْ ذلكَ الوادي، لأَنَّ رسولَ اللَّه عَّهِ قالَ: «إنَّ هذا وادٍ بِهِ شَيْطَانٌ ».
(١) في ( ص ): تاب ، تحريف .
(٢) كذا في ( ص ) ، ويبدو أنها : على ما يمكنه .
(٣) أثبتنا ما بين المعقوفتين مكان السقط الواضح في العبارة لإتمامها .
(٤) هو كتاب ((المبسوط)) في الفقه لمصنفه الإمام العَلاَّمة، الحافظُ، شَيخُ الإسْلام
أبو إسحاق، إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن مُحَدِّث البَصْرة حَمَّاد بن زَيْد بن دِرْهَم
الأزْدي ، مولاهُم البَصْري ، المالكي ، قاضي بَغْدَاد ، وصَاحب التِّصَانيف .
مولدُهُ سَنة تسعٍ وتسعين ومئة، واعتَنَى بالعِلم من الصِّغَر .
وسمع من: محمَّد بن عبد الله الأنصاري، ومُسْلم بن إبراهيم، والقَعْنَبي، وعبد الله بن
رَجَاء الغُدَاني، وحجَّاح بن مِنْهَال ، وإسماعيل بن أبي أُوَيْس، وسُليمان بن حَرْب، وعَارِمِ ،
ويَحيى الحِمَّاني، ومُسَدِّد بنَ مُسَرْهَد، وأبي مُصْعَب الزُّهْرِي، وقَالون عيسى، وتلا عليه
بحرف نافع .
وأُخَذَ الفقه عن أحمد بن المُعَذِّل ، وطائفةٍ ، وصِنَاعَة الحديث عن علي ابن المديني ، وفَاقَ
أهل عَصْره في الفقه .
روى عنه: أبو القَاسمِ البَغَوي، وابنُ صَاعِد، والنّجَّاد، وإسماعيل الصَّفَّار؛ وأبو سَهْل
ابن زياد، وأبو بكر الشَّافعي، والحَسَن بن مَحمَّد بن كَيْسان، وأبو بَحْر محمد بن الحَسَن
البَرْتَهَارِي ، وعَدَدٌ كثيرٌ .
=
٠
٣٣٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٨٥٧ - ولا يَعلمُ النَّاسُ مِنْ ذلكَ الوادي ولا من غَيْرِه ما يعلم من ذلك رسول
اللَّه عَّه وقد قال: ((من نامَ عن صلاةٍ أو نَسِيَهَا فَلْيُصَلّها إذا ذَكَرَهَا فإنَّ اللَّه
يقول: ﴿وَأُقِمِ الصَّلاةَ لِذِكري ﴾ .
= وتَفَقَّه به مالكيَّةُ العِراق .
قال أبو بكر الخطيب: كان عالماً مُتقناً فَقيهاً، شَرَحَ المذْهَبَ واحتجِّ له، وصَنّف ((الْمُسْند))
وصنَّفْ عُلوم القُرآن ، وجَمَعَ حديثَ أيُّوب ، وحديثَ مالك .
ثم صنّف ((الموطأ))، وألف كتاباً في الرِّد على محمّد بن الحَسَن، يكون نحوَ مئي جُزْءٍ
ولم يكمل .
استَوْطَن بغداد، وولي قضاءَها إلى أن تُوفي. وتَقَدِّم حتَّى صَارَ عَلَّمَاً، وَنَشَرَ مذهبَ
مالك بالعراق .
١
وله كتابُ («أحْكَامِ القُرآن))، لم يُسْبَق إلى مِثْلِه، وكتاب «مَعَاني القُرآن))، وكتاب
في القراءات .
وتآليفه رحمه الله كثيرة مفيدة . أصول في فنونها . فمنها كتاب في القراءات ، وكتاب
((معاني القرآن وإعرابه)) خمسة وعشرون جزءا ، وكتابه في الرد على أبي حنيفة ، وكتابه
في الرد على الشافعي، في مسألة الخمس وغيره، وكتاب ((الأموال والمغازي))، وكتاب
((الشفاعة))، وكتاب ((الصلاة على النبي ليلة))، وكتاب ((الفرائض)) مجلد، وزيادات
الجامع من الموطأ أربعة أجزاء، وله كتاب كبير عظيم يسمى ((شواهد الموطأ ) في عَشْر
مجلدات ، وذكر أنه في خمس مئة جزء .
وكتاب («مسند يحيى بن سعيد الأنصاري))، ((ومسند حديث ثابت البُنَاني))، ومسند
حديث مالك بن أنس ، ومسند حديث أيوب السختياني ، ومسند حديث أبي هريرة ، وجزء
حديث أم زرع، وكتاب ((الأصول)) وكتاب ((الاحتجاج بالقرآن)) مجلدان، وكتاب
((السنن))، وكتاب ((الشفعة وما روي فيها من الآثار))، و((مسألة المنيّ يصيب الثوب))
وكتاب ((المعاني)) المذكور، كان ابتدأه أبو عبيد القاسم بن سلام ، بلغ فيه إلى الحج
أو الأنبياء، ثم تركه، فلم يكمله، وذلك أُنَّ ابن حنبل كتبَ إليه: ((بلغني أنك تؤلف كتابا
في القراءات ؛ أقمت فيه الفراء وأبا عبيد أئمة يحتج بهما في معاني القرآن ، فلا تفعل ))
فأخذه إسماعيل وزاد فيه زيادة ، وانتهى إلى حيث انتهى أبو عبيد .
تُوفي فجأة في شهر ذي الحجّة ، سنة اثنتين وثمانين ومئتين .
١ - كتاب وقوت الصلاة - (٦) باب النوم عن الصلاة - ٣٣٥
٨٥٨ - قال أبو عمر: الذي عليه العملُ عندي وفيه الحُجَّةُ لمن اعتصمَ به
قوله - عليه السلام: (( جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مَسْجِدا وطَهورا)) (١).
٨٥٩ - ولم يخَصَّ واديا (٢) من غيره في هذا الحديث.
. ٨٦ - وفي قوله عليه السلام: ((جُعلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِداً وطَهُوراً )) ما
يبيحُ الصَّلاةَ في الْمَقْبَرَةِ، والمزْبلة، والحَمّام، وقارِعَةِ الطَّريقِ، وبطونِ الأوْدِيَةِ ،
إذا سَلِمَ كُلُّ ذلكَ مِنَ النَّجَاسَةِ؛ لأَنَّ قَوْلَهُ ذلك ناسِخَ لَكَلِّ مَا خَالَفَهُ .
٨٦١ - ولا يجوزُ (٣) أن يُنسخَ بغيره؛ لأنَّ ذلك من فَضَائِله عليه السلام
وَفَضائلُهُ لا يجوزُ عليها النَّسْخُ؛ لأنَّها لم تَزَلْ تَتْرَى (٤) به حتى ماتَ ولم يُبْتَزِ (٥)
شيئا منها ، بَلْ كان يزادا (٦) فيها .
٨٦٢ - ألا ترى أنه كان عَبْداً غير نبي، ثم نَبَّأْهُ اللَّه، ثم أُرْسَلُهُ فصارَ رسولاً
نبيا ، ثم غَفَرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ وما تَأْخَّرَ ، وَوَعَدَهُ أَنْ يَبْعَثَهُ المقامَ المحمودَ الذي
يبين به فضله عن (٧) سائر الأنبياء قبله ؟
= الجرح والتعديل : ١٥٨/٢، الفهرست: المقالة السادسة: الفن الأول : تاريخ بغداد :
٢٨٤/٦ - ٢٩٠، طبقات الفقهاء: ١٦٤ - ١٦٥، المنتظم : ١٥١/٥ - ١٥٣،
المدارك (٣: ١٦٨)، معجم الأدباء: ١٢٩/٦ - ١٤٠، تذكرة الحفاظ: ٢ / ٦٢٥ -
٦٢٦، سير أعلام النبلاء (١٣: ٣٣٩)، العبر (٦٧/٢)، البداية والنهاية: ٧٢/١١،
الديباج المذهب: ٢٨٢/١ - ٢٩٠، طبقات القراء لابن الجزري: ١٦٢/١، طبقات
الحفاظ : ٢٧٥ ، بغية الوعاة : ٤٤٣/١، طبقات المفسرين: ١.٥/١ - ١.٧ ، شذرات
الذهب: ١٧٨/٢، شجرة النور (١: ٦٥).
(١) سيعيد رواية الحديث كاملا في باب ((العمل في الوضوء)).
(٢) في ( ك ) : ذلك الوادي .
(٣) في ( ك ): ولا يجوز عليه.
(٤) كذا في ( ص)، وتترى: متواترة متتابعة . وفي ( ك ) : تتزايد حتى مات .
(٥) في ( ك ) : يستلب منها شيئا .
(٦) كذا في ( ك): وفي ( ص ) : مزادا ؛ وهو تحريف .
(٧) كذا في ( ص )، ويبدو أنها محرفة عن على .
٣٣٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١ -_-
٨٦٣ - وفي كُلِّ ما قُلْنا مِنْ ذلكَ جاءَتِ الآثارُ عَنْهُ ، عليه السلام ، قال :
((كُنْتُ عَبْدَاً قَبْلَ أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا، وكُنْتُ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ أَكونَ رَسُولاً)) ..
٨٦٤ - ومما يُوَضِّح ما قلنا أنَّهُ عَِّ قَدْ أُخْبَرَ اللَّه عنه في أُوّلِ أُمْرِهِ أَنَّهُ قَالَ:
﴿ ما أُدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ [الأحقاف: ٩].
٨٦٥ - وقال: ((لا يَقُلْ أُحدُكم إِنِي خير من يونُسَ بنِ مَتَّى)) (١).
٨٦٦ - وقال له رجلٌ: ما خَيْرُ البَرِيَّةِ؟ فقال: ((ذلك إبراهيم)) (٢).
٨٦٧ - ثم شكِّ في نَفْسِهِ وفي موسى - عليه السلام - فلم يَدْرِ من تَنْشَقُّ
الأرضُ عَنْهُ قَبْلُ (٣).
(١) رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٩٥)، باب قول الله تعالى: ﴿وهل أتاك
حديث موسى﴾ . فتح الباري (٦: ٤٢٨)، وفي أحاديث الأنبياء (٣٤١٦) ، باب قوله
تعالى: ﴿ وإن يونس لمن المرسلين﴾. الفتح (٤٥٠:٦)، وفي التفسير ، الحديث
(٤٦٣١)، باب ((يونس ولوطأ وكلاً فضلنا على العالمين)). الفتح (٨ : ٢٩٤).
وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل ، الحديث (٦.٤٣) من طبعتنا، باب ((في ذكر يونس
عليه السلام )) ص (٧ : ٣٦٣)، وبرقم : ١٦٦ - (٢٣٧٦) من كتاب الفضائل ، ص
(١٨٤٦) من طبعة عبد الباقي.
وأبو داود في السنة (٤٦٦٩)، باب ((في التخيير بين الأنبياء)) (٤: ٢١٧).
(٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ عَّهُ فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ! فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ: ((ذَكَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ)) .
أخرجه مسلم في كتاب الفضائل حديث (٦.٢٣) من طبعتنا ص (٧ : ٣٤٨) باب من
فضائل إبراهيم الخليل ، وبرقم: ١٥٠ - (٢٣٦٩)، ص (١٨٣٩) من طبعة عبد الباقي .
رواه أبو داود في السنة (٤٦٧٢)، باب ((في التخيير بين الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام)) .. (٤: ٢١٨). ورواه الترمذي في تفسير سورة البينة (٣٣٥٢) (٥: ٤٤٦)
ورواه النسائي في التفسير ( في الكبرى ) على ما في تحفة الأشراف (١: ٤،٣).
(٣) الحديث عن أبي هُرَيْرَةَ. قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلاَنِ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَرَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي أَصْطَفَى مُحَمِّداً لَّهُ عَلَى الْعَالَمِينَ! وَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَلَّذِي اصْطَفَى
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَى الْعَالَمِينَ! قَالَ: فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَّدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ . فَلَطَّمَ وَجْهَ الَيَهُودِيِّ .=
١ - كتاب وقوت الصلاة - (٦) باب النوم عن الصلاة - ٣٣٧
٨٦٨ - وقال له رجلٌ: أنت الكريمُ ابن الكرماء، فقال: ((ذلكَ يوسف بنُ
يعقوبَ بنِ إسحاق بن إبراهيم)) (١) .
٨٦٩ - ثم لما غَفر اللَّه له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وما تأخّرَ وأُخْبِرَ أُنه يُبْعَث المقام
المحمود، قال: ((أنا سيِّدُ ولَد آدَمَ، ولا فَخْر)) (٢).
= فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ عَّهِ فَأُخْبَرَهُ بِمَا كَانِ مِنْ أُمْرِهِ وَأُمْرِ الْمُسْلِمِ . فَقَالَ رَسُول اللَّه
جُ: ((لاَ تُخَيَّرُونَي عَلَى مُوَسَى. فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أُوَّلَ مَنَ يُفِيقُ فَإِذَاَ مُوسَى
بَاطِشُ بِجَانِبِ الْعَرْشِ. فَلاَ أُدْرِي أُكَانَ فِيَمَنْ صَعِقَ فَأُفَاقَ قَبْلِي أُمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ))
رواه البخاري في التوحيد (٧٤٧٢) باب ((في المشيئة والإرادة)) الفتح (٦: ٤٤٧)،
وفي الإشخاص وفي الرقاق ، ومسلم في كتاب الفضائل ، حديث ( ٦.٣٨) من طبعتنا ،
ص (٧ : ٣٥٧)، باب ((من فضائل موسى))، وبرقم (.١٦)، ص (١٨٤٤) من طبعة
عبد الباقي .
(١) الحديث عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَنْ أُكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ :
((أَتْقَاهُمْ)) قالُوا: لَيَّسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ ((فَيُوسُفُ نَبِىَ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ
ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ ) قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: ((فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟
خِيَارُهُمَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلاَمِ. إِذَا فُقُهوا )).
رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٢٣٥٣) باب («قول الله تعالى: واتخذ اللّه إبراهيم
خليلاً)) الفتح (٦ : ٣٨٦).
ورواه مسلم في كتاب الفضائل ، رقم (٦.٤٥) من طبعتنا، ص (٧ : ٣٦٥)، باب
((من فضائل يوسف))، وبرقم. ١٧ - (٢٣٨٠)، ص (١٨٤٧) من طبعة عبد الباقي .
ورواه النسائي في التفسير ( في الكبرى ) على ما في تحفة الأشراف (١٠ : ٣.٣)
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، رقم (.٥٨٣) من طبعتنا، ص (٧ : ٢٣٣)،
باب ((تفضيل نبينا عليه على جميع الخلائق))، وبرقم: ٣ - (٢٢٧٨)، ص (١٧٨٢) من
طبعة عبد الباقي ، وأبو داود في السنة (٤٦٧٣)، باب ((في التخيير بين الأنبياء)) (٤ :
٢١٨)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٥ : ٤٩٥).
( فائدة) قال الخطابي في معالم السنن (٤: ٣.٩) عن هذا الحديث وحديث يونس بن
متى، ونقله البيهقي في (( دلائل النبوة)) (٥: ٤٩٦) :
=
.
٣٣٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١ .
. ٨٧ - فلذلك قلنا : إن فَضائلَهُ لا يجوزُ عليها النَّسْخُ ولا التبديلُ ولا النَّقْصُ .
٨٧١ - ألا تَرَى إلى قوله عليه السلام: ((أُوتِيتُ خمساً)). وقد روى:
(«ستا))، وروى فيه ثلاثا وأربعا وهى تنتهى إلى أكثر من سبع (١) ، قال فيهن
((لَمْ يُؤْتَهُنّ أُحَدٌ قَبْلي: بُعِثْتُ إلى الأحمرِ والأسْودِ وَنُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسيرةَ شَهْرٍ
وَجُعِلتْ أُمْتِي خَيرَ الأُمَم، وأُحِلَّتْ ليَ الغنائمُ، ولم تَحِلّ لأحدٍ قَبْلِي، وجُعِلَتْ ليَ
الأَرْضُ مَسْجدا وطهوراً ، وأتيتُ الشفاعة ، وبُعثتُ بجوامع الكَلِمَ ، وبَيْنَا أُنا نائمٌ
= قد يتوهم كثير من الناس أن بين الحديثين خلافا ، وذلك أنه أخبرَ في حديث أبي هريرة
أنه سيّد ولد آدمَ ، والسّيد أفضل من المسوِّد ، وقال في حديث ابن عباسٍ ما ينبغي لعبدٍ أن
يقول أنا خيرٌ من يونس بن متى والأمر في ذلك بيّنُ ووجه التوفيق بين الحديثين واضح ،
وذلك أُنَّ قولَهُ أنا سيد ولد آدَمَ إنما هو إخبارٌ عمَّا أكرمه الله تعالى به من الفضل والسُّؤْدَد ،
وتحدث بنعمة اللَّه تعالى عليه واعْلاَمٌ لأمته وأهل دعوته ، علوّ مكانه عند ربه ومحله من
خصوصيَّتِهِ ليكون إيمانُهُمْ بنبُوَّتِهِ واعتقادهم لطاعته على حَسَبِ ذلك ، وكان بيانُ هذا لأمّته
واظهارهُ لَهَم من اللازم له والمفروض عليه .
فأما قوله في يونس عليه السلام فإنه يتأول على وجهين :
(أحدُهمَا ) : أن يكون قوله ما ينبغي لعبدٍ إنما أراد به مَنْ سِوَاهُ من الناس دون نفسه
( والوجه الآخّرُ ) : أن يكون ذلك عاماً مطلقاً فيه وفي غيره من الناس ، ويكون هذا
القول منه على سبيل الهَضْم من نفسه ، وإظهار التواضع لربه ، يقولُ : لا ينبغي لي أن أقول
أنا خيرٌ منه لأن الفضيلة التي نلتُها كرامة من اللَّه وخصوصيّةٌ منه لم أنَلها مِنْ قبل نَفْسِيْ ،
ولا بلغتها بحولي وقوتي فليس لي أن أفتخر بها ، وإنّما خصّ يونس بالذكر فيما نُرَى ،
والله أعلم لما قد قص اللَّه علينا من شأنه وما كان من قلّة صبره على أذى قومه ، وخرج
مغاضباً له ولم يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسُلِ .
قال أبو سليمان رحمه الله: وهذا أولى الوجهين وأشبههما بمعنى الحديث ، فقد جاء من
غير هذا الطريق أنه قال عَّ ما ينبغي لنبي أن يقول أني خيرٌ من يونس بن مَتَّى فعمٌ به
الأنبياء كلهم فدخل هو في جملتهم .
(١) في السراج المنير شرح الجامع الصغير (١ : ٢٣١) ذكر أبو سعيد النيسابوري في
شرف المصطفى أنه اختص به عَّه من دون الأنبياء ستون خصلة .
١ - كتاب وقوت الصلاة - (٦) باب النوم عن الصلاة - ٣٣٩
أوتيتُ بمفاتيحِ خزائنِ الأرْضِ فوُضِعَتْ بين يَدَىَّ، وزُوِيت (١) لي مشارُقُ الأرضِ
ومغاربُها ، وأُعطيتُ الكوثر وهو خير كثير وعذب ولى حوض تَرِدُ عليه أُمتى يوم
القيامة ، آنيته عدد نجوم السماءِ ، مَن شَرِب منه لم يظمأ بعدها أبدا ، وخُتِم بِي
النبيون)) (٢).
٨٧٢ - فهذه كلها فضائلُ خُصَّ بها رَسولُ اللَّهِ مَّه منها قوله: «جُعلَتْ ليَ
الأَرْضُ مَسْجدا وتربتُها طَهورا)).
٨٧٣ - وهذه الخصالُ رواية جماعة مِنَ الصَّحابَةِ وبعضهم يَذكر ما لم يذكره
غيره ، وهي صِحَاحٌ ، ورُوِيَتْ في آثارٍ شتى .
٨٧٤ - فلذلك قلنا: إنَّ قَوْلَهُ عَّهُ: ((جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مَسْجداً وطهوراً))
ناسخٌ للصلاة في ذلك الوادي وغيره ، وفي كل مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ طاهر .
٨٧٥ - وقد ذكرنا في ((التمهيد )) اختلافَ الفُقَهاء في الصلاة في المَقْبَرَةِ
والحَمَّامِ، وأَتَيْنَا بالحُجَّةِ مِنْ طريقِ الآثارِ والاعتبارِ على من قال: إِنَّها مَقْبَرَةُ
المُشْرِكِينَ في باب ((مرسل زيد بن أسلم)) من ((التمهيد)) والحمد لله.
٨٧٦ - ولما لم يَجُزْ أُنْ يُقالَ في نَهْبِهِ عَنِ الصَّلاةِ في المَزْلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ،
والمُقْبَرَةِ، وَالحَمَّامِ ، ومحجة (٣) الطريق، ومعاطن (٤) الإبل: مزيلة كذا ،
(١) زويت: قبضت وجمعت ، فرآها كلها ، لم يغب عنه منها شيء.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطهارة - في التيمم - باب ((التيمم)) (١: ٤٣٥)،
وفي الصلاة باب ((قول النبي عليه: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) وفي كتاب الخمس
باب ((أحلت لي الغنائم)).
وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة (١١٤٣) من طبعتنا (٢ : ٦٦١) في أول كتاب المساجد
وهو الحديث رقم (٣) (١ : ٣٧) من طبعة عبد الباقي .
وأخرجه النسائي في الطهارة باب ((التيمم بالصعيد))، وفي الصلاة (٢ : ٥٦) باب
(( الرخصة في ذلك)).
(٣) محجة الطريق: وسطه.
(٤) المعاطن : جمع معطن ، بفتح الميم والطاء ، وهو وطن الإبل ومبركها حول الحوض .
.٣٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
ولا مجزرة كذا ، ولا حمام كذا ، فكذلك لا يجوز (١) أن يقال : مقبرة كذا ،
ولا أن يقال : مَقْبرة المشركين، فلا حُجَّةً ولا دليلَ .
٨٧٧ - وأقام (٢) الدَّليلَ على أَنَّ مَسْجِدَ رسولِ اللَّه عَّ بَناهُ في مَقْبَرَةِ
الْمُشْرِكينَ .
٨٧٨ - وقد أُوْضَحْنا هذا الحديثَ (٣) بما فيه كفَايَةٌ في باب ((مرسل زيد بن
أسلم)) من ((التمهيد)) (٤).
٨٧٩ - وأما قوله في مرسل حديث زيد هنا (٥): «ثم أمر بلالا أن يؤذن
أو يقيم)) فهكذا رواه مالك على الشك .
. ٨٨ - وقد مضى ما للعلماءِ مِنَ التَّنازُعِ والأفْوالِ في الأذانِ للفَوائِتِ مِنَ
الصَّلواتِ في الحديثِ قبل هذا .
٨٨١ - ومضى المعنى في النفس والروح فلا معنى لإعادة ذلك هنا . .
٨٨٢ - وأما قوله: ((فَإِذَاَ رَقَدَ أُحدُكُمْ عَنِ الصَّلاةِ أُو نَسِيَهَا ثُمَّ فَزِعَ إليها
فَلْيصلها إذا ذكَرَها (٦) كما كان يُصَلِّيها في وَقْتِها)) فقد مضى ما لمالك
وأصحابه والكوفيين في تأويل ذلك (٧).
(١) لا تبدو هذه الكلمة في ( ص)، لأن خط الفصل بين نصفي اللوحة يغطيها ، لكن
نظم الأسلوب يدل عليها .
(٢) كذا في ( ص)، ويبدو أن هناك سقطا قبل ((وأقام)).
(٣) هكذا بدت لنا هذه الكلمة من الجزء القليل المقروء منها .
(٤) في التمهيد (٥ : ٢٢٣) وما بعدها .
(٥) في ( ك ) : هذا .
(٦) عبارة ((إذا ذكرها)) زائدة في الأصل، ليست في الموطأ، ولا سبقت في رواية
الأصل للحديث .
(٧) فى ( ك ) : الحديث .