Indexed OCR Text

Pages 301-320

في هذا اللفظ تفصيلاً كما سبق(١)، وإذا نظرنا إلى هذه الفروق بين هذه
الألفاظ؛ علمنا مدى دقة علمائنا - رحمهم الله - في الألفاظ، وعلمنا
ورعهم وعدم مجازفتهم، فجزاهم الله عنّا خيراً.
س ١٥٠ : أحياناً نجد اختلافاً فيما يُعرف به الراوي، فيكون في السند
للراوي اسم، لكن مخرِّج الحديث يقول: هو فلان، ويخالف ما في صلب
السند، فما العمل؟
ج ١٥٠ : إن أمكن الجمع بين هذا وذاك فحسَنٌ، لا سيَّما إذا كان
الراوي قد تُرْجِم له في الكتب المختصة بذلك، وجمع العلماء في ترجمته
بين القولين، لكن إذا تعذر ذلك، فقد أجاب على ذلك شيخنا الألباني
- حفظه الله - في ((السلسلة الضعيفة)) (٢٤٠/٢) برقم (٨٤٣) فقال:
الأخذ بما جاء في صلب الراوية أولى من الأخذ بتفسير مخرِّج
الحديث؛ لأنَّ هذا كالنص مع القياس في الفقه، ومن المعلوم أنَّه لا قياس
ولا اجتهاد في مورد النص. اهـ.
قلت: هذا إذا لم تظهر قرينة تدل على أنَّ ما في صلب الراوية قد
اعتراه تصحيف أو تحريف من الناسخ أو الطابع، الله أعلم.
س ١٥١: في بعض التراجم نجد أئمة الجرح والتعديل يقولون: ((فلان
مظلم)) أو ((مظلم الأمر)) فما معنى ذلك؟
ج ١٥١: قد وقفت على وجهين لهذا اللفظ، فأحياناً يكون بمعنى أنَّ
الراوي مجهول، وأن أمره مظلم لا يُعرف(٢)، وفي هذه الحالة ننظر عدد
الرواة عنه، ويُحكم عليه بما يستحق من جهالة العين أو الحال - على
(١) سبق ذلك في السؤال رقم (٦٩).
(٢) مثال ذلك ما ذكره ابن عدي في ((كامله)) (١٥٦٨/٤) ترجمة عبدالله بن واقد أبي رجاء
الخرساني، قال فيه ابن عدي: ولعبدالله بن واقد هذا غير ما ذكرت وليس بالكثير وهو
مظلم الحديث، ولم أرَ للمتقدمين فيه كلام فأذكره.
فتأمل قول ابن عدي - رحمه الله -: وهو مظلم الحديث، ثم قوله: ولم أرَ للمتقدمين =
٣٠١

تفاصيل في ذلك قد سبق شرحها - وأحياناً يكون هذا اللفظ بمعنى أنَّ
الراوي منكر الحديث(١)، وأنَّ هذه المناكير أظلمت بحديثه، فسلبته النور
والضوء الذي يكون على حديث الثقات، وفي هذه الحالة يُنظر إلى بقية
كلام الأئمة، ليُعرف كمُّ ونوعُ هذه المناكير، فإن كانت محتملة وخفيفة؛
صلح في الشواهد والمتابعات، وإلا ترك، والله المستعان.
س ١٥٢ : هل هناك فرق بين قول الحافظ ابن حجر في أحد الرواة:
((وثقه فلان)) وبين قوله: ((ثقة))؟
ج ١٥٢: لا شك أنَّ بينهما فرقاً، وذلك أنَّ القول الأول فيه هروب
من العهدة، ونسبة التوثيق إلى الغير، ليس فيها جزم من الحافظ بأنَّه ثقة
عنده، بخلاف القول الثاني (٢)، ولذلك تجده كثيراً يقول القول الأول في
التراجم التي انفرد ابن حبان أو العجلي فيها بالتوثيق، وهما متساهلان في
توثيق المجاهيل، أو في التراجم التي فيها نزاع، والتوثيق ليس واضحاً فيها،
وهذا يظهر لمن نظر في ((التهذيب)) و((التقريب))، وأسأل الله أن ييسر لي
إتمام التعليق على ((التقريب))، وأن يجعله خالصاً لوجهه، ومقرِّباً لنا إلى
رضوانه، ومُبعِداً لنا عن سخطه.
فيه كلام فأذكره، مما يدل على جهالته عنده، وإن كان عبدالله بن واقد قد وثّقه غير ابن
=
عدي، وترجمته في ((التهذيب))، وترجم له الحافظ - رحمه الله - في ((تقريبه)) بقوله:
((ثقة موصوف بخصال الخير)) والله أعلم.
(١) ومثاله ما جاء في ((الكامل)) لابن عدي (٢٦٩/١) ترجمة إبراهيم بن فهد بن حكيم.
قال ابن عدي: وسائر أحاديث إبراهيم بن فهد مناكير وهو مظلم الأمر. اهـ.
وقد ذكر المؤلف - حفظه الله - هذه الألفاظ في المرتبة الرابعة من مراتب التجريح في
((كتابه شفاء العليل))، فلتراجع (١ /ص: ١٩٧).
هذا وممن نصَّ كذلك على أنَّ ((مظلم الأمر))، تكون بمعنى: النكارة، شيخنا أبو
عبدالرحمن مقبل الوادعي، - حفظه الله - كما في ((المقترح)) السؤال رقم (٢٨)، والله
أعلم .
(٢) وإلى هذا ذهب شيخنا علامة اليمن الشيخ مقبل بن هادي - حفظه الله - كما في
((المقترح)) السؤال رقم (٥٦) (ص: ٤٨)، والله أعلم.
٣٠٢

س ١٥٣: الراوي إذا قيل فيه: ((سيء الحفظ لكن كتابه صحيح))، فما
حال روايته؟
ج ١٥٣: الأمر لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يذكروا في ترجمته
أنَّه روى الحديث الفلاني من كتابه، أو أخذه عنه فلان من كتابه، أو أنَّ
فلاناً ما روى عنه إلّا من أصوله، أو يقول تلميذه: حدثني فلان من كتابه،
أو ناولني كتابه، أو غير ذلك، وإما أنَّهم لم يذكروا شيئاً من ذلك، فإن
ذكروا الأول فلا إشكال؛ لأنَّ العيب فيه إذا حدث من حفظه، أما إذا حدث
من كتابه، فكتابه صحيح، والظاهر أنَّ الحديث يكون حسناً أو صحيحاً(١)،
أما إذا لم يذكروا شيئاً من ذلك، فنحن نقف في روايته، ولا نحتج بها؛
لأنّنا لم نتأكد من ضبطه لهذا الحديث، وعدم علمنا بأنَّه حدث من حفظه
بهذا الحديث، ليس معناه أنّنا علمنا أنَّه رواه من أصله، فعدم العلم لا يلزم
(١) قال الخطيب البغدادي - رحمه الله - في ((الكفاية)) (ص: ٣٣٢): باب في أنَّ سيء
الحفظ لا يعتد من حديثه إلّا بما رواه من أصل كتابه.
ثم ساق سنده إلى أبي داود السجستاني، قال: سمعت أحمد بن حنبل قال: قال عفان،
ثنا همام يوماً بحديث، فقيل له فيه، فدخل فنظر في كتابه، فقال: ألا أراني أخطىء وأنا
لا أرى فكان بعد يتعاهد کتابه.
وبسنده، عن يحيى بن سعيد، قال: إذا حدَّثكم المعتمر بن سليمان بشيء فاعرضوه،
فإنّه سيء الحفظ .
وبسنده أيضاً، عن ابن عمار أنَّه قال: ((شريك كتبه صحاح، فمن سمع منه من كتبه فهو
صحيح، قال: ولم يسمع من شريك من كتابه إلّا إسحاق الأزرق. اهـ.
هذا ومن شرط الراوية من الكتاب: أن يكون سماع الراوي ثابتاً وكتابه متقناً.
قال الخطيب أبو بكر في ((الكفاية)) (ص: ٣٣٩): ونرى العلّة التي لأجلها منعوا صحة
السماع من الضرير والبصير الأمي، هي جواز الإدخال عليهما ما ليس من سماعهما،
وهي العلّة التي ذكرها مالك فيمن له كتب، وسماعه صحيح، فيها غير أنّه لا يحفظ ما
تضمنت فمن احتاط في حفظه كتابه ولم يقرأ إلّا منه وسلم من أن يدخل عليه غير
سماعه، جازت روايته .
وفي (ص: ٣٤٤) ساق سنده إلى عبدالرحمن بن مهدي، أنّه قال : ... لولا أنَّها بخطي
ما حدّثت بها، قال: ومن شروط صحة الراوية من الكتاب: أن يكون سماع الراوي ثابتاً
وكتابه متقناً. اهـ والله أعلم.
٣٠٣

منه العلم بالعدم، ولا بد في صحة الراوية من تحقق الضبط، ولا يكفي
عدم العلم بالجرح؛ لأنَّ عدم العلم بالجرح، لا يلزم منه ثبوت الضبط،
والله أعلم.
س ١٥٤: قول ابن معين في الراوي: ((لا بأس به)) هل هو كقوله:
((ثقة)»؟
ج ١٥٤: قال ابن أبي خيثمة لابن معين: إنَّك تقول: ((فلان ليس به
بأس))، و((فلان ضعيف))، قال: إذا قلت لك: ((ليس به بأس)) فهو ثقة، وإذا
قلت: ((هو ضعيف)) فليس هو بثقة، ولا يكتب حديثه(١).
لكن من نظر في عدة تراجم؛ وجد أنَّ ابن معين يقول: لا بأس به،
على من هم أهل التعديل المتوسط، بل وعلى من هو ليس بمرضي عند ابن
معين نفسه، كما قال في مندل بن علي العنزي، انظر ((الكامل)) لابن عدي
(٢٤٤٧/٦) (٢)، مع أنَّ ابن معين كثيراً ما يقرن بين القولين فيقول: ((فلان لا
بأس به ثقة)) فهذا اللفظ يطلقه كثيراً على من يراه ثقة، لكن ليس مطرداً،
فإذا وثق الرجل غيره، حملناه على أنَّ الرجل ثقة، ولكن إذا قال غيره: ((لا
بأس به))، فيترجم له بـ((لا بأس به))، وقد ذكرت ذلك مفصلاً في ((شفاء
العليل)) فارجع إليه في الباب الثاني(٣).
س ١٥٥ : إذا وجدتُ في ترجمة راو، قول أحدهم: ((تركه القطان))
- مثلاً - هل يكون متروكاً؟
ج ١٥٥: لا بد من النظر والتأمل في عدة أمور منها:
(١) ((الكفاية)) (ص: ٦٠)، مقدمة ((لسان الميزان)) (١٣/١).
(٢) قال في مندل بن علي: ((ليس به بأس))، فقال عثمان بن سعيد.
قلت: فأخوه حبان؟ فقال: صدوق، فقلت: أيهما أعجب إليك، قال: كلاهما وتمرّ
- أي: تشكك - كأنّه يضعفهما. اهـ ((الكامل)) (٢٤٤٧/٦).
(٣) ((شفاء العليل)) (جـ٢٨٣/١ - ٢٨٥).
٣٠٤

هل هناك أقوال أخرى في الترجمة أم لا؟ فإن كان هناك كلام لغير
القطان؛ جمعنا بين كلام هؤلاء الأئمة، وحكمنا على صاحب الترجمة
بما يستحق، وإلّا فالراجح أن يقال: تركه القطان أو متروك.
وننظر إذا كان التارك متشدداً، ووثق الراوي غيره، قدمنا كلام من وثق
- على تفاصيل في ذلك _(١).
وننظر هل هناك لفظ صريح من القطان في الترك، أم أنَّ هذا فقط
من فهم واجتهاد الناقل؟ لأنَّ الأول لا شك في أنَّه أصرح وأقوى
- وإن كان الثاني مقبولاً عند عدم المعارض - ولأنَّه قد جُرِّب أن
بعضهم يقول: ((تركه فلان))، ويعني: أنَّه بطّل الكتابة عنه، إما
الاختلاطه، أو لأنَّ التلميذ قد اكتفى بما عند الشيخ، وليس عند
الشيخ ما يجعل التلميذ يرغب وينشط في الكتابة عنه، فتَركَ الكتابة
عنه لذلك، وقد صرح بذلك الحافظ الذهبي في ترجمة عطاء بن
أبي رباح في ((الميزان)) و((النبلاء))(٢)، وكما في ترجمة ابن جوصاء
في ((تذكرة الحفاظ))(٣) وترجمة إسحاق بن أبي إسرائيل في
(النبلاء)) (٤).
وقد يكون سبب الترك وجود من هو أشهر من هذا الراوي، أو أعلى
إسناداً منه، أو لخلاف بينهما، كما حدث من امتناع مسلم من الراوية عن
(١) مرَّ ذلك معنا من كلام المؤلف - حفظه الله تعالى - في السؤال رقم (٥٠) فليراجع والله
أعلم.
(٢) جاء في ((ميزان الاعتدال)) ترجمة عطاء بن أبي رباح، قال علي بن المديني كان عطاء
(بآخره) تركه ابن جريج وقيس بن سعد.
قال الذهبي: قلت: لم يعن الترك الاصطلاحي بل عنى أنّهما بطلا الكتابة عنه وإلّا فعطاء
ثبت رضي)) (٧٠/٣) وفي ((النبلاء)) قال الذهبي قلت: ((لم يعن علي بقوله))، ((تركه
هذان)) الترك العرفي ولكنّه كبر وضعفت حواسه، وكانا قد تكفيا منه وتفقّها وأكثرا عنه
فبَطَّلا، فهذا مراده بقوله: ((تركاه)) (٨٧/٥).
(٣) ((تذكرة الحفاظ)) (٧٩٧/٣).
(٤) انظر ((السير)) (٤٧٧/١١).
٣٠٥

محمد بن يحيى الذهلي، وغير ذلك(١)، فكل هذا يدل على أنَّ الترك ليس
منحصراً في اعتقاد التارك ضعف المتروك، فلا بد من النظر في القرائن،
والتوسع في الترجمة، لكن إذا لم نجد شيئاً من ذلك، ولم يكن هناك من
وثق الراوي، فهو إلى الترك أقرب منه إلى القبول، بل هو متروك، والله
أعلم .
س ١٥٦ : إذا رأينا في ترجمة أنَّ البخاري يقول: ((فلان منكر
الحديث))، فهل نترك حديث الراوي؟
ج ١٥٦: لا بد من النظر في بقية أقوال أهل العلم، والبخاري إذا قال
هذه الكلمة، فمعنى ذلك أنَّ الراوي لا تحل الراوية عنه عند البخاري (٢)،
وليس عند كل النقاد !! وقد لاحظت كثيراً من طلبة العلم، إذا كان غير
البخاري من المعتدلين قد قال: ((ثقة))، وقال البخاري هذه الكلمة، وجدتهم
يقولون: الرجل لا تحل الراوية عنه؛ لأنَّ البخاري قال فيه كذا، وإن كان
أحمد وابن مهدي وغيرهما قد وثقوا الراوي، فمما لا شك فيه أنَّ هذا تهور
وجور في الحكم، والصواب في ذلك أن نجمع بين كلامهم، وننظر كلامهم
جميعاً، فإن بان لنا سبب للجرح، قدمنا الجرح، وإلّا مزجنا كلامهم جميعاً
في الحكم، وحكمنا على الراوي بما يستحق، وقد وجدت بعض الحفاظ
يجمع بين ما هذا سبيله بقوله: ((ضعيف))، والله أعلم.
س ١٥٧ : في بعض التراجم نجد أهل الجرح والتعديل يقولون: ((فلان
طويل اللحية)) فما المقصود بذلك؟
(١) ذكر نحوه الشيخ المعلمي - رحمه الله تعالى - في ((تنكيله)) (٩٢٥) وانظر تفصيل القول
في قولهم: ((تركه فلان)) في ((الشفاء)) للمؤلف (جـ٣٣٠/١ - ٣٣١)، والفرق بينه وبين
قولهم: ((لم يرو عنه فلان)) (٤٨٤/١ - ٤٨٥).
(٢) جاء في ((ميزان الاعتدال)) ترجمة أبان بن جبلة الكوفي، قال البخاري: ((منكر الحديث))
قال الذهبي: ((ونقل ابن القطان أنَّ البخاري قال: كل من قلت فيه: ((منكر الحديث)) فلا
تحل الراوية عنه. اهـ (٦/١).
٣٠٦

ج ١٥٧ : من المعلوم أنَّ أهل الجرح والتعديل قد يستعملون ألفاظاً
اشتهرت في عرفهم وزمانهم بمعاني مدح أو قدح، فقد نقلوا الكلام من
العرف العام، إلى الكلام في الرواة، كقولهم: ((فلان كخبز الشعير)»، أو
((حية الوادي))، أو غير ذلك، ومن ذلك قولهم: ((فلان طويل اللحية)) وهذه
الكلمة معناها عندهم: أنَّ الراوي فيه طيش وخفة وقلة عقل، وأنَّه مغفل في
الحديث(١)، وهذا اللفظ من ألفاظ الرد، لكنَّهم قد يذكرون هذا من باب
الوصف الخِلْقي للراوي، ولا يقصدون جرحه بذلك(٢)، وهذا ليس بالمتبادر
من اللفظ عند المحدثين، وسامح الله الذين جعلوا هذا الوصف ذماً للرواة،
فقد فتحوا باب شر على المتمسكين بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
وسلم، مع أنَّه قد ثبت أنَّ قوماً طالت لحاهم مع وفور عقل، وقوة دين،
وحسن سيرة، والله أعلم(٣) .
س ١٥٨: ما معنى قولهم: ((فلان لا يُسأل عنه)) و((فلان شيطان))
و((فلان لص)) و((فلان منكر))؟
ج ١٥٨: القول الأول: يطلق كثيراً في مدح الأئمة المشاهير الذين
(١) قلت: وعلى هذا المعنى عدة أمثلة سردها المؤلف - حفظه الله تعالى - في ((شفائه))
(٢٠٨/١ - ٢٠٩) من ذلك ما جاء في ترجمة مجالد بن سعيد الهمداني، قال أحمد:
يرفع كثيراً ما لا يرفعه الناس، ليس بشيء)) وقيل لخالد الطحان: دخلت الكوفة فلمَ لم
تكتب عن مجالد؟ فقال: لأنّه كان طويل اللحية، ((الميزان)) (٤٣٨/٣).
(٢) انظر ((الشفاء)) (٢٠٩/١).
(٣) من ذلك ما جاء في ((النبلاء)) (٥١٨/١٠) قال أحمد بن سيار المروزي: ((يحيى بن يحيى
يعني: ابن بكير، عالم خراسان من موالي - منقر - كان ثقة حسن الوجه طويل اللحية
جداً فاضلاً صائناً لنفسه. اهـ.
وفيه كذلك (٣٦/٥ - ٣٧) ترجمة أبي صالح السمان ذكره الإمام أحمد فقال: ثقة ثقة
من أجل الناس وأوثقهم، وقيل كان عظيم اللحية، وقال أبو الحسن الميموني: سمعت
أبا عبدالله يقول: كانت لأبي صالح لحية طويلة، فإذا ذكر عثمان بكى فارتجت لحيته،
وقال: هاه هاه، وذكر أبو عبدالله من فضله. اهـ.
٣٠٧

ثبتت عدالتهم في الراوية، فمثلهم لا يحتاج إلى سؤال عنهم(١)، إلّا أن هذا
اللفظ أحياناً يُذْكر في أهل الفضل والتقوى والشرف والمروءة، دون النظر
الأمر الرواية، وأحياناً يُذْكر في الجرح الشديد، بمعنى أنَّ الراوي قد شاع
كذبه، فلا يحتاج إلى سؤال عنه، فأمره لا يخفى على العميان، أو على
الصبيان الذين هم في بداية الطلب، فضلًا عن الأئمة النقاد، كما قال ابن
معين في أبي مسعود الجرار واسمه عبدالأعلى (٢)، وكما في ((الجرح
والتعديل)) ترجمة عقيل الجعدي(٣).
وأحياناً يكون بمعنى الجهالة بحال الراوي، كما في ترجمة أحمد بن
محمد بن أيوب في ((تاريخ بغداد))(٤)، فالأصل في اللفظ المعنى الأول إلّا
لقرينة صارفة.
القول الثاني: الأصل فيه الجرح الشديد، ولذا فهم يطلقونه في
الكذابين والزنادقة وأهل المقالات الخبيثة والعقائد الفاسدة(٥)، لكن قد
(١) مثال ذلك ما رواه الخطيب بإسناده إلى حنبل بن إسحاق بن خيل، قال: سمعت أبا
عبدالله وهو أحمد بن حنبل وسئل عن إسحاق بن راهويه، فقال: مثل إسحاق يسأل
عنه؟ إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين، ((الكفاية)) (ص: ١٤٨)، وتاريخ ((بغداد))
(٣٥٠/٦)، وتاريخ ((ابن عساكر)) (١٢٩/٨).
ولما سئل أبو حاتم عن يزيد بن هارون الواسطي قال: ((ثقة إمام صدوق في الحديث لا
يسأل عن مثله))، ((الجرح والتعديل)) (٢٩٥/٩).
(٢) سئل ابن معين عن أبي مسعود الجرار فقال: ((كذّاب قد تخلى الله عنه - أي: تبرأ - لا
يسأل عن مثل هذا، ليس بثقة اسمه عبدالأعلى الجرار))، ((معرفة الرجال)) لابن معين
رواية أبي العباس بن محرز (٥٧/١).
(٣) (٢١٩/٦) وفيه قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هو منكر الحديث ذاهب ويشبه
أن يكون أعرابياً إذا روى عن الحسن البصري، قال: دخلت على سلمان الفارسي فلا
يحتاج أن يسأل عنه. اهـ.
(٤) سئل عنه علي بن المديني وأحمد فلم يعرفاه، وقال: لا يسأل عنه فإن كان لا بأس به
حمل عنه. (٣٦٤/٤).
(٥) وذلك كما قال ابن المبارك - رحمه الله تعالى - في جهم بن صفوان، قال الذهبي في
(النبلاء)): قال العلاء بن الأسود: ذكر جهم عند ابن المبارك فقال:
٣٠٨
=

يطلقونه على أهل الرأي، انظر ((الكامل)) (٢٤٧٥/٧) (١) وقد يُطلق على سبيل
المدح الرفيع بمعنى أنَّ الراوي حافظ عجيب، كما قال الثوري في القطان،
انظر ((النبلاء)) ترجمة يحيى بن سعيد القطان(٢).
والقول الثالث: يظهر منه أنَّه جرح شديد، بمعنى أنَّ الراوي يسرق
الحديث، إلّا أني قد رأيتهم يطلقونه في المدح الرفيع، كما في ((الجرح
والتعديل)) ترجمة إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي(٣).
عجبت لشيطان أتى الناس داعياً إلى النار وانشق اسمه من جهنم
=
(٤١١/٨) وفي ((تاريخ بغداد)) ترجمة ميسر أبي سعد الصاغاني قال أبو زكريا: ((قد رأيت
أبا سعد الأعمى الصاغاني ابن أبي رواد ليس هو بشيء)) وقال في موضع آخر: ((كان
مكفوفاً وكان جهمياً وليس هو بشيء، كان شيطاناً من الشياطين)) (٢٨٢/٣).
(١) قال ابن عدي: ثنا عبدالله بن عبدالحميد الواسطي، ثنا ابن أبي بردة: قال: سمعت
المؤمل يقول: سمعت حماد بن سلمة يقول: كان أبو حنيفة شيطاناً استقبل آثار
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يردها برأيه. اهـ.
انظر ((الكامل)) لابن عدي (٢٤٧٥/٧).
(٢) قال ابن مهدي: لما قدم الثوري البصرة قال: يا عبدالرحمن جئني بإنسان أذاكره فأتيته
بيحيى بن سعيد فذاكره، فلما خرج قال: قلت لك: جئني بإنسان جئتني بشيطان، يعني
بهره حفظه (١٧٧/٩).
قلت: قد يأتي هذا اللفظ على سبيل المدح لحديث الراوي وذلك لحسنه وجودته كما
جاء في ((تهذيب التهذيب)) ترجمة ((أوس بن ضمعج)) قال: شبابه حدّثنا شعبة وذكر عنده
أوس بن ضمعج، فقال: والله ما أراه إلّا كان شيطاناً، قال الحافظ ابن حجر
- رحمه الله - يعني: لجودة حديثه. اهـ.
(٣) وفيه قال ابن مهدي: ((كان إسرائيل في الحديث لصاً يتلقف العلم تلقفاً))، (٢٣٠/٢)
وقوله: يتلقف العلم تلقفاً يدل على سرعة حفظه وفهمه لما يلقى عليه من المشايخ،
وانظر تفصيل ذلك في ((شفاء العليل)) (٣٧٢/١ - ٣٧٥).
أقول: وقد يأتي هذا اللفظ على معناه الحقيقي، وهو أخذ ما يتملكه الغير بغير وجه
حق، وقد ساق الخطيب في ((الكفاية)) سنده إلى أبي غسان يعني - زنيجا - قال: نا
جرير، عن أبي فهر، قال: صليت خلف الزهري شهراً، وكان يقرأ في صلاة الفجر
﴿يَبَكَ الَّذِىِ بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾، فقلت لجرير: من أبو فهر
هذا؟ فقال: لص بشنست يعني بعض قرى الري، فقيل له تروي عن اللصوص، قال :
نعم، كان مع بعض السلاطين (١٥٣).
=
٣٠٩

والقول الرابع: الظاهر منه الجرح، لكنّه يطلق أحياناً على الحفاظ
الذين لهم شأن في الحفظ والتثبت، وعندهم يقظة وانتباه، ويكون بمعنى أنَّه
لا مثيل له في ذلك.
انظر ترجمة خالد بن حيان الرقي في ((تاريخ بغداد))(١)، والقاسم بن
الفضل الحدّاني في ((تهذيب التهذيب)) والله أعلم (٢).
س ١٥٩: إذا وثق أحد المحدثين شيخه، هل يقبل منه أم لا؟
ج ١٥٩: يُنْظَر أوّلًا في منزلة هذا المحدِّث، هل هو من أهل المعرفة
بهذا الشأن أم لا؟ فإن لم يكن نفسه مُؤَثَّقاً، أو كان غير عارف بذلك، أو
كان متساهلًا، فلا يقبل هذا منه على إطلاقه(٣).
لكن إذا كان عارفاً بهذا الشأن، كالإمام النسائي وأبي داود أو غيرهما:
فمن أهل العلم من يقول: لعله جامله أو حاباه فوثقه، وقد يكون ثقة عنده،
وليس كذلك عند غيره، والصواب أن ذلك يُقبل منه، ولو فُتح هذا الباب
لقيل في أمور كثيرة: لعل ... ولعل ... ولعل ... ، ولكن طالما أنَّ هذا
وبسنده أيضاً إلى أبي داود الطيالسي، قال: قال شعبة: لا تحملوا عن سفيان الثوري إلّا
=
عمن تعرفون، فإنَّه كان لا يبالي عمن حمل، إنّه يحدثكم عن مثل أبي شعيب المجنون
فقال رجل لشعبة، ثنا سفيان الثوري عن رجل فسألت عنه في قبيلته، فإذا هو لص ينقب
البيوت. اهـ والله أعلم المصدر السابق .
(١) قال فيه علي بن ميمون: ((كان منكراً، وكان صاحب حديث)) قال الخطيب.
قلت: قوله: كان منكراً يعني: في الضبط والتحفظ وشدة التوقي والتحرز (٢٩٦/٨
- ٢٩٧) وقد جاء في ((لسان العرب))، ((النكر والنكراء: الدهاء والفطنة ورجل نِكر،
ونكرُ ونُكرُ، ومنكر من قوم مناكير: ذاه فطن حكاه سيبويه)) (٢٣٢/٥).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (٢٣٢/٥) وارجع إلى ((شفاء العليل)) (٣٨٢/١).
(٣) وقد ذهب إلى ذلك الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - حيث قال في ((نزهته)) فإن
سمي الراوي وانفرد راو واحد بالراوية فهو مجهول العين فلا يقبل حديثه، إلّا أن يوثقه
غير من ينفرد عنه على الأصح، وكذا من ينفرد عنه، إذا كان متأهلاً لذلك (ص:
١٣٥)، وشاهدنا من كلامه - رحمه الله - هو قوله: ((وكذا من ينفرد عنه إذا كان متأهلًا
لذلك ففيه قبول تعديل التلميذ لشيخه إذا كان أهلًا للكلام في الرواة)) والله أعلم.
٣١٠

الراوي لم يوثقه إلّا تلميذه، وهو أحد الأئمة، فالأصل أخذ كلام العدل،
حتى يظهر من كلام العدول ما يدفعه (١)، نعم من المحتمل أن نقول:
لعل ... لعل ... ، إذا خالف هذا التلميذ غيره من الأئمة، كما تركنا كلام
مالك في عبدالكريم بن أبي المخارق(٢) وتركنا اعتماد الشافعي على ابن أبي
يحيى الأسلمي، لما رأينا الجرح فيهما مفسراً من كلام الأئمة(٣)؛ ولولا
ذلك لأخذنا باجتهاد من وثقهما؛ لأن إعمال خبر العدل أولى من إهماله،
والتوسل بأن تلميذه يحتمل أنه قد جامله، قول بعيد، لأن العدالة تمنع من
ذلك، والله أعلم.
(١) جاء في ترجمة إبراهيم بن هارون البلخي روى عنه الترمذي في ((الشمائل))، والنسائي،
ومحمد بن علي الحكيم الترمذي، قال النسائي: ثقة.
قلت - الحافظ ابن حجر -: وقال في موضع آخر: لا بأس به، ((التهذيب)) (١٧٦/١).
قلت: واعتمد الحافظ توثيق النسائي له وقد تفرد بهذا وهو من تلامذته، فقال في
((التقريب)): صدوق.
(٢) قال الجوزجاني: عبدالكريم بن أبي المخارق أبو أمية - غير ثقة، فرحم الله مالكاً، هناك
في المثل فوقع على خزفة منكسرة أظنه اغتر بكسائه ــ ((أحوال الرجال)) (ص٩٧).
وقال ابن عبدالبر في مقدمة ((التمهيد)) (٦٠/١): ((وإنما روى مالك عن عبدالكريم بن أبي
المخارق وهو مجمع على ضعفه وتركه لأنه لم يعرفه، إذا لم يكن من أهل بلده وكان
حسن السمت والصلاة، فغره ذلك، ولم يدخل في كتابه عنده حكماً أفرده به. اهـ.
(٣) إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى اسمه سمعان الأسلمي مولاهم أبو إسحاق المدني،
وخلاصة القول فيه كما قاله الحافظ في التقريب ((متروك)) وقال في التلخيص الحبير: وأكثر
أهل الحديث على تضعيفه، لكن الشافعي كان يقول هو ((صدوق)) وإن كن مبتدعاً (٣٣/١).
وقد اعتذر ابن حبان رحمه الله للشافعي فقال: وأمّا الشافعي فإنه كان يجالسه في
حداثته، ويحفظ عنه حفظ الصبي والحفظ في الصغر كالنقش في الحجر. فلما دخل
مصر في آخر عمره فأخذ يصنف الكتب المبسوطة احتاج إلى الأخبار ولم تكن معه كتبه
فأكثر ما أودع الكتب من حفظه فمن أجله ما روى عنه، وربما كنى عنه ولا يسميه في
كتبه المجروحين لابن حبان (١٠٧/١) قلت: وفيه نظر فالشافعي رحمه الله أجل من ذلك
ولكنه لم يظهر له كذبه فقد قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: كان إبراهيم بن أبي
يحيى قدرياً، قيل للربيع: فما حمل الشافعي على أن روى عنه؟ قال: كان يقول: لأن
يخر إبراهيم من بُعد أحب إليه من أن يكذب، وكان ثقة في الحديث. اهـ من تهذيب
التهذيب (١٥٩/١).
٣١١

س ١٦٠: إذا قال المحدث: ((حدثني الثقة))، هل يكون أعلى من
رواية من اشترط أن لا يروي إلا عن ثقة؟
ج ١٦٠: رجح الحافظ العراقي القول الأول، وبيّن سبب ذلك
السخاوي - رحمه الله تعالى - بأنه في الصورة الثانية محتمل أنه ما التزم
هذا إلا مؤخراً، ولم يتميز لنا من روى عنه من المشايخ قبل الشرط، ممن
روى عنه من المشايخ بعد الشرط، ومحتمل أيضاً أن من اشترط هذا الشرط
(١)
أن يذهل عن شرطه وينساه، فيروي عمن لا يرتضيهم ١
٠
وقد يكون الثقة بالمعنى الواسع، فيدخل فيه غير المردود، ويضاف
إلى ذلك أن بعض العلماء قد يسمع حديثاً عن ضعيف، والحديث شديد
النكارة فيضطر إلى كتابة هذا الحديث للتحذير منه، مع أنه عن شيخ لا
يرضاه، كما روى شعبة عن الجعفي، فكُلِّم في ذلك، فقال: روى أشياء لم
نصبر عليها (٢) وهذا الأمر الثاني الوارد في السؤال على ما فيه؛ فهو أعلى
من قول أبي داود - مثلاً - ((مشايخ حريز بن عثمان كلهم ثقات))(٣)؛ لأنه
يرد عليه ما في الأمر الثاني، ثم يزاد على ذلك أن أبا داود قد لا يستحضر
(١) قال السخاوي - رحمه الله تعالى - في ((فتح المغيث)) (٣١١/١ - ٣١٢): إذا قال
حدثني الثقة يحتمل أن يروى عن ضعيف يعني عند غيره إذا قال: (جميع أشياخي
ثقات) علم أنه لا يروي إلّا عن ثقة فهي أرفع بهذا الاعتبار وفيه نظر إذ احتمال الضعف
عند غيره يطرقها، بل تمتاز الصورة الثانية باحتمال الذهول عن قاعدته أو كونه لم يسلك
هذا إلا في آخر أمره كما روى عن ابن مهدي كان يتساهل أولًا في الرواية عن غير
واحد بحيث كان يروي عن جابر الجعفي ثم تشدد ... إلخ.
(٢) قال ابن حبان: ثنا أحمد بن منصور ثنا نعيم بن حماد قال: سمعت وكيعاً يقول: قلت
الشعبة: ما لك تركت فلاناً وفلاناً ورويت عن جابر الجعفي؟ قال: روى أشياء لم نصبر
عنها. المجروحين (٢٠٩/١) وقد سبق بيان ضعف هذا الإسناد وعلته ضعف نعيم بن
حماد الخزاعي - والله أعلم -.
(٣) نقل ذلك الحافظ ابن حجر في تهذيبه (١٧٢/٢) ترجمة ((حبان بن زيد)) الشرعبي، قال
الحافظ: روى عنه حريز بن عثمان وذكره ابن حبان في الثقات، وقد تقدم أن أبا داود
قال: شيوخ حريز كلهم ثقات. اهـ.
٣١٢

كل مشايخه عند إطلاق هذا القول، والله أعلم (١).
س ١٦١: هل هناك فرق بين قول المحدث: ((حدثني الثقة)) وقوله:
((حدثني من لا أتهم))؟
ج ١٦١: القول الأول أرفع؛ لأن نفي التهمة لا يلزم منه ثبوت
الثقة (٢)، فكم من راوٍ ليس بمتهم، وفي نفس الوقت ليس بمنزلة من يقال
فيه: ((ثقة))، فقد يكون غير متهم، وهو ضعيف بل ومتروك، ولو فرضنا أنه
محمول على عدم التهمة في الراوية، فلا شك أن التصريح بالتوثيق أعلى؛
لأن نفي النقص لا يلزم منه ثبوت الكمال، إلا إذا ظهرت قرينة تدل على
خلاف هذا، والله أعلم.
تنبيه: قول المحدث: ((حدثني الثقة)) أو ما في معناه، لا يقبل منه، وإن
كان إماماً، بل لا بد من التصريح باسمه ليُنْظَر: هل هو ثقة عنده وعند غيره، أم
لا؟ فقد يكون ثقة عند القائل، ولو صرح باسمه لوجدنا فيه تجريحاً من غير
القائل، فتوثيق المبهم لا يعتمد عليه(٣)، وهل يصلح في الشواهد والمتابعات؟
(١) قلت: وقد نبه على ذلك العلامة المعلمي رحمه الله تعالى في تنكيله حيث قال: إن قول
المحدث ((شيوخي كلهم ثقات)) أو شيوخ فلان كلهم ثقات فلا يلزم من هذا أن كل
واحد منهم بحيث يستحق أن يقال له بمفرده على الإطلاق ((هو ثقة)) وإنما ذكروا الرجل
في جملة من أطلقوا عليهم ثقات فاللازم أنه ثقة في الجملة أي له حظ من الثقة وقد
تقدم في القواعد أنهم ربما يتجوزون في كلمة ((ثقة)) فيطلقونها على من هو صالح في
دينه وإن كان ضعيف الحديث أونحو ذلك وهكذا قد يذكرون الرجل في جملة من
أطلقوا أنهم ضعفاء، وإنما اللازم أن له حظاً ما من الضعف كما نجدهم يذكرون في
كتب الضعفاء وكثيراً من الثقات الذين تكلم فيهم أيسر كلام اهـ (ص٥٨٧).
(٢) صرح بذلك الإمام الذهبي - رحمه الله تعالى - في السير (٤٥٠/٨ - ٤٥١) ترجمة
إبراهيم بن أبي يحيى، قال: قد كان الشافعي مع حسن رأيه فيه إذا روى عنه ربما دلسه
يقول: أخبرني من لا أتهم، فتجد الشافعي لا يوثقه وإنما هو عنده ليس بمتهم
بالكذب ... اهـ.
(٣) قال الزركشي في ((البحر المحيط)) فلو قال: ((لا أتهم)) فلا يقبل في التعليم قاله الماوردي
والروياني، وكذا قال أبو بكر الصيرفي في ((كتاب الإعلام)) إذا قال المحدث: حدثني =
٣١٣

صرح شيخنا أبو عبدالرحمن مقبل بن هادي - حفظه الله تعالى - بجواز
ذلك كما في ((المقترح)) عند جوابه على السؤال (٨٢)، لكن في الأمر
تفصيل، فقد صرح غير واحد بأن الشافعي قد يكني عن الأسلمي بقوله:
((حدثني من لا أتهم)) والأسلمي متروك وقيل: إنه يقصد غيره من الثقات(١)،
الثقة عندي أو حدثنا من لا اتهمه. لا يكون حجة لأن الثقة عنده قد لا يكون ثقة عندي
=
فأحتاج إلى علمه اهـ (٢٩٣/٤) وانظر الكفاية (ص١٥٤ - ١٥٥) ومقدمة ابن الصلاح
(٢٢٤) والباعث الحثيث (٢٩٠/١) وإرشاد الفحول (ص٦٧) وهناك قول ثان ذكره ابن
الصباغ في العدة عن أبي حنيفة: ((أن ذلك يكفي توثيقاً للراوي)) قال السخاوي في فتح
المغيث (٣٧/١) وهو ماشي على قول من يحتج بالمرسل من أجل أن المرسل لو لم
يحتج بالمحذوف لما حذفه فكأنه عدله بل هو في مسألتنا أولى بالقبول لتصريحه فيها
بالتعديل، ولكن الصحيح الأول، لأنه لا يلزم من تعديله أن يكون عند غيره كذلك
فلعله إذا سماه يعرف بخلافه وربما يكون قد انفرد بتوثيقه كما وقع للشافعي في
إبراهيم بن أبي يحيى فقد قال النووي أنه لم يوثقه غيره وهو ضعيف باتفاق المحدثين بل
إضراب المحدث عن تسميته ريبة توقع تردداً في القلب ... اهـ.
وقال الذهبي - رحمه الله تعالى - في نبلائه (٧١/٨ - ٧٢) قال بشر بن عمر الزهراني:
سألت مالكاً عن رجل فقال: هل رأيته في كتبي؟ قلت: لا. قال: لو كان ثقة لرأيته في
کتبي .
قال الذهبي: فهذا القول يعطيك بأنه لا يروي إلا عمن هو عنده ثقة، ولا يلزم من ذلك
أنه يروي عن كل الثقات ثم لا يلزم عما قال أن كل من روى عنه وهو عنده ثقة أن
يكون عند باقي الحفاظ فقد يخفى عليه من حال شيخه ما يظهر لغيره إلا أنه بكل حال
كثير التحري في نقد الرجال رحمه الله. اهـ.
قلت: وإليه ذهب الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في ((تخريج أحاديث المختصر
- المجلس الرابع بعد المئة. فليراجع .
(١) مر ذلك معنا من كلام الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى - في ((سيره)) (٤٥٠/٨ - ٤٥١):
وحكى الزركشي في ((البحر المحيط)) عن الربيع أنه قال: إذا قال الشافعي أخبرنا الثقة،
يريد يحيى بن حسان، وإذا قال: من لا أتهم فإبراهيم بن أبي يحيى، وإذا قال بعض
الناس يريد أهل العراق، وإذا قال: بعض أصحابنا يريد أهل الحجاز ... اهـ.
انظر بقية الأقوال في المصدر المذكور (٢٩٢/٤ - ٢٩٣) وكذا فتح المغيث (٣١٢/١ -
٣١٣) - تدريب الراوي (٣١٣/١ - ٣١٤) وقد رجح السبكي عبارة ((حدثني من لا
أتهم)) إذا صدرت من قبل الشافعي في مقام الاحتجاج على عبارة ((حدثني الثقة)) وإن كان
لا تساويها من حيث الدلالة اللغوية ((المصدر السابق)».
٣١٤

فينظر في قائل ذلك، فإن كان مشهوراً بالرواية عن متروك أو متهم، ففي
النفس شيء من الاستشهاد بحديث من هذا سبيله. والله تعالى أعلم.
س ١٦٢ : ما هو القول الراجح في معلقات ((الصحيح))، هل يحتج بها أم لا؟
ج ١٦٢ : فرَّق جمع من العلماء بين ما كان بصيغة الجزم، وما كان
بصيغة التمريض(١)، فقالوا: يُحتج بما أخرجه صاحب ((الصحيح)) معلقاً
بصيغة الجزم(٢)، ويُستأنس بما أخرجه معلقاً بصيغة التمريض، وعندي أنه
ليس كل ما كان بصيغة الجزم يحتج به، وليس كل ما كان بصيغة التمريض
فلا يحتج به، فمن الوارد بصيغة الجزم وهو مما لا يحتج به: ما جاء في
كتاب العلم من ((صحيح البخاري)) وهو قول أبي ذر: لو وضعتم الصمصامة
على هذه - يعني: رقبته ... إلخ الأثر، فقد أورده بصيغة الجزم، مع أنه لا
يحتج به، وقد بينت ذلك في تحقيقي لـ((الفتح)) والمسمى بـ(تحفة القاري
بدراسة وتحقيق فتح الباري)) أسأل الله أن ييسر إتمامه والنفع به في
الدارين(٣)، وقد بيّن الحافظ في مقدمة ((تغليق التعليق)) الحالات التي وردت
بها المعلقات بصيغة التمريض، وبيّن أن فيها ما يحتج به، وما ليس كذلك،
وذكر في ((الفتح)) (٢٠٥/٢) كلاماً عاماً، وليس المقصود به معلقات
((الصحيح)) فقال: إن صيغة التمريض قد تستخدم في الصحيح بخلاف صيغة
(١) قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله تعالى - في ((الباعث الحثيث)) (١٢٢/١) صيغة
الجزم: قال، روى، جاءَ، عن، وصيغة التمريض نحو قيل، ورُوي عن، ويُذكر
ونحوها .
(٢) أي: وينظر فيمن أبرزه من السند. اهـ المؤلف.
(٣) علق البخاري إسناده إلى أبي ذر أنه قال: لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار إلى
قفاه - ثم ظننت أني أنفِذُ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
قبلَ أن تجيزوا عليّ لأنفذتُها. اهـ بصيغة الجزم. من ((فتح الباري)) (١٦٠/١) باب رقم
(١٠) قال شيخنا حفظه الله في تحقيقه الفتح المسمى ((تحفة القاري)) فيه مرثد بن عبدالله
الزماني روى عنه ابنه مالك وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه العجلي وقال العقيلي: لا
يتابع على حديثه ... وقد ترجم له الحافظ بقوله ((مقبول)). فالأثر لين والله أعلم.
٣١٥

الجزم، فهي مختصة به لا تستخدم في غيره، واعترض بعض أهل العلم
على من قبل المعلقات التي بصيغة الجزم، واحتج بأن أهل العلم لا
يحتجون بتوثيق المبهم، فمن قال: ((حدثني الثقة))، لم يُقبل منه حتى يصرح
باسمه ليعرف: هل هو ثقة حقاً، أم فيه جرح من غير هذا الموثق؟ قال:
وغاية جزم البخاري في المعلق أن يكون كتوثيق المبهم، فلا يُقبل(١)،
والأمر الذي تطمئن إليه النفس: أنه لا بد من البحث والتفتيش عن السند،
ويُحكم عليه بما يستحق، نعم، ما كان بصيغة الجزم فالثابت منه أكثر مما
كان بصيغة التمريض. المؤلف. والله تعالى أعلم.
(١) أقول: ويلزم من احتج بالمعلق دون بحث وتفتيش عن رجال الإسناد والحكم عليه بما
يستحق أن يحتج بالمرسل كذلك وبهذا استدل المناوي - رحمه الله تعالى - حيث قال في
((اليواقيت والدرر)) ويقال على التعليل أنه يلزم منه صحة الحديث، أي المعلق بصيغة
الجزم المرسل عند من أرسله فإن ابن المسيب لا يستجيز أن يجزم بأن النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم قال كذا إلا وقد صح عنه، وتصحيح سعيد مثلًا أولى من تصحيح
البخاري بأنه عارف حال من روى عنه بطريق الخبر والبخاري بطريق الخُبر، وما كان عن
اجتهادنا فاجتهاد ابن المسيب أولى بالاتباع من اجتهاد البخاري وظن أن البخاري ينفرد عن
أحوال الرجال دون من تقدم حيث كانوا يأخذون كل ضرب ظن فاسد مخالف لصريح
النقل عنه، روى البيهقي في المعرفة عن الإمام الشافعي رضي الله عنه عن يحيى بن سعيد
قال: سألت ابناً لعبدالله بن عمر عن مسألة فلم يقل فيها شيئاً فقيل له، إنا نعظم أن يكون
مثلك يسأل عن أمر ليس عنده فيه علم فقال: أعظم والله من ذلك عند الله وعند من
عرف الله وعند من عقل أن أقول ما ليس لي به علم أو أخبر عن غير ثقة ... وقال الإمام
الشافعي رضي الله عنه: ((كان ابن مسعود وغير واحد من التابعين يذهب هذا المذهب في
أن لا تقبل إلا ممن عرف)) قال: وما لقيت ولا علمت أحداً من أهل العلم بالحديث
مخالف هذا المذهب. وروى ابن أبي خيثمة في التاريخ عن موسى بن إسماعيل ثنا حماد
وقال: ((قال ابن زيد ربّما حدث الحسن الحديث فأقول: يا أبا سعيد ممن سمعت هذا؟
فيقول: أخذته عن ثقة)) فتبين أن المرسل إنما يرسل ما ثبت عنده كما أن البخاري إنما
يجزم في تعليقه بما ثبت عنده، وإن تقليد التابعين العارفين بأحوال من أخذوا عنه بالخبر
أولى. اهـ ((اليواقيت والدرر شرح نخبة الفكر)) (٣٣٩/١ - ٣٤٠).
- وأما عن ((صيغة التمريض)) فقد قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في الفتح
(١١١/١) كتاب الإيمان ذكر لي شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ - أي العراقي -
رحمه الله - قاعدة وهي: إن البخاري لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد، بل إذا
ذكر المتن بالمعنى أو اختصره أتى بها أيضاً، لما علم من الخلاف في ذلك. اهـ.
٣١٦

س ١٦٣: إذا اختلف تلامذة ابن معين - مثلاً - عنه في أحد الرواة،
فبعضهم نقل توثيقه، وبعضهم نقل تضعيفه، فبكلام من نأخذ؟
ج ١٦٣: في مثل هذا، وقبل الترجيح بين تلامذة ابن معين، ننظر:
لماذا اختلف قول ابن معين في الراوي؟ فلربما أننا لو دققنا النظر؛ لعلمنا
أنه لم يختلف ابن معين في هذا الرجل، فقد سبق أن ذكرت كلام الحافظ
ابن حجر - رحمه الله تعالى - بأن صيغة السؤال لها أثر في جواب
المسئول، فقد يُسأل عنه مقروناً بغيره من مشاهير الثقات، فيضعفه، أي:
بالنسبة لمن قُرِن معه، وقد يُسأل عنه مقروناً بأحد الضعفاء، فيوثقه، أي:
بالنسبة لمن قُرِن معه، ولو سئل عنه منفرداً عنه منفرداً، فقد يعدِّله تعديلًا
متوسطاً، كما أنه قد يُسأل عنه في حديث وهم فيه، فيضعفه(١)، وقد يُسأل
عنه في حديث حفظه مع جمع آخرين فيقول: هؤلاء جماعة ثقات حفاظ،
كما قال ذلك الدارقطني - رحمه الله - في كتابه ((العلل))، انظر السؤالين
برقم (١، ٤٧) وقد نبه على ذلك الشيخ المعلِّمي - رحمه الله تعالى(٢)
- فإذا نظرنا في هذه الأمور وما شابهها، فلعلنا نستطيع أن نجمع بين قولي
أو أقوال ابن معين، ولا نحتاج إلى الترجيح بين تلامذته(٣)، وإن علمنا أن
(١) الكلام على هذه المسألة في السؤال رقم ((٤٩)) فليراجع.
(٢) قال المعلمي - رحمه الله تعالى -: إن قول المحدث ((رواه جماعة ثقات حفاظ)) ثم
يعدهم لا يقتضي أن يكون كل من ذكره بحيث لو سئل عنه ذاك المحدث وحده لقال
(ثقة حافظ)) هذا ابن حبان قصد أن يجمع الثقات في كتابه ثم قد يذكر فيهم من يلينه هو
نفسه في الكتاب نفسه وهذا الدارقطني نفسه ذكر في السنن (ص ٣٥) حديثاً فيه مسح
الرأس ثلاثاً وهو موافق لقول أصحاب الشافعية ثم قال: ((خالفهُ جماعة من الحفاظ
الثقات ... )) فعدهم وذكر فيهم شريكاً القاضي وأبا الأشهب جعفر بن الحارث
والحجاج بن أرطاة وجعفر الأحمر مع أنه قال في ص (١٣٢) وشريك ليس بالقوي فيما
يتفرد به)) وجعفر بن الحارث لم أرَ له كلاماً فيه ولكن تكلم فيه غيره من الأئمة كابن
معين والنسائي، وحجاج بن أرطاة. قال الدارقطني نفسه في مواضع من ((السنن)): ((لا
يحتج به)) وفي بعض المواضع ((ضعيف)) وجعفر الأحمر اختلفوا فيه وقال الدارقطني كما
في التهذيب ((يعتبر به)) وهذا تليين كما لا يخفى - التنكيل (٥٨٦ - ٥٨٧) وقد فصل
الكلام - رحمه الله تعالى - في ص(٢٥٤ - ٢٥٥) فليراجع .
(٣) أقول: وقبل: الجمع بين القولين ننظر في نسبة القولين إلى الإمام إن أمكن ذلك فأيهما =
٣١٧

ابن معين قد تغير اجتهاده في الراوي، أخذنا بالقول المتأخر، لكن لو فرضنا
أن جميع وجوه الترجيح قد تعذرت، فقد صرح بعضهم بأننا نأخذ بكلام
التلامذة البغداديين؛ لأنهم لازموه، وهم به أعرف، وهذا وإن كان له وجه،
إلا أنه لا يطّرِد، والعبرة بالقرائن، والله تعالى أعلم(١).
س ١٦٤ : كلام العلماء في الشذوذ وزيادة الثقة، هل هو خاص بزيادة
الوصل أو الرفع، أم أنه عام في كل زيادة؟
ج ١٦٤: سبق الكلام حول قولهم: ((الزيادة من الثقة مقبولة)) وبينت
أن ذلك من الثقة الحافظ المتقن، وبينت أيضاً أن طريقة النقاد أنهم يدورون
مع القرائن، وليس عندهم حكم عام في هذا الأمر(٢)، ونظراً لكثرة كلامهم
في هذا الأمر عند الوصل أو الرفع، ظن كثير من طلاب العلم أن ذلك
خاص بالوصل والرفع، مع أن صنيعهم واستعمالهم يدل على أنهم يطردون
القول بالشذوذ أو زيادة الثقة في أبواب أخرى، مثل تصريح المدلس
بالسماع، فإذا كان الأحفظ والأكثر من تلامذته، رووا الحديث عن المدلس
بالعنعنة، وخالفهم من ليس من أهل التثبت في ذلك، وصرح بالسماع بين
المدلس وشيخه، فإنهم يردون ذلك، وأيضاً في باب تسمية المبهم، فلو
صحت نسبته إليه قدم. مثال ذلك ما جاء في ((الميزان)) (٢٠٠/١) ترجمة إبراهيم بن
=
هدية. قال الذهبي ولا يفرح عاقل بما جاء بإسناد مظلم عن يحيى بن بدر قال. قال
يحيى بن معين: أبو هدبة لا بأس به ثقة. فهذا القول باطل، فقد قال إبراهيم بن
عبدالله بن الجنيد: سمعتُ يحيى بن معين، وسئل عن أبي هدبة فقال: قدم علينا هاهنا،
وكتبنا عنه عن أنس ثم تبيَّن لنا أنه كذاب خبيث.
(١) قلت: من القرائن على سبيل المثال:
١ - تقديم رواية التلميذ الملازم للشيخ كتقديم رواية عباس الدوري عن ابن معين
لطول ملازمته له .
٢ - كثرة الناقلين لأحد قولي الإمام، فتقدم رواية الأكثر والأحفظ.
٣ - كون أحد القولين موافقاً لقول الأئمة، فيقدم القول الموافق. والله أعلم.
ولا يلزم من ذلك اضطراد هذه القرائن في كل موضع.
(٢) سبق ذلك في الكلام على السؤال رقم (٩٣).
٣١٨

سماه من ليس بأهل لقبول قوله، لم يُقبل منه، وكذلك أي علة تعلُّ
الحديث، فإن روى الحفاظ الحديث وفيه علة، ورواه غيرهم ومن ليس في
درجتهم سالماً من العلة، لم يُقبل هذا منه، وسبق شرح شيء من ذلك في
الكلام على التسوية والتجويد. والله أعلم(١).
س ١٦٥: هل هناك فرق بين قول أحد العلماء في حديث ما: ((مرسل
صحیح) وقوله: ((صحیح مرسلاً»؟
ج ١٦٥: الذي يظهر لي أن القول الأول يقال في الحديث المرسل
وسنده إلى التابعي صحيح، والمرسل من جملة الضعيف في قول جمهور
أهل العلم.
لكن القول الثاني يشير إلى أن الحديث اختلف فيه، فرواه بعض الرواة
مسنداً، ورواه آخرون مرسلًا، والمرسِلون أكثر أو أحفظ من الذين أسندوه،
فيقال: ((صحيح مرسلًا)) أي: صحيح حال كونه مرسلًا، ومن أسنده فقد
وهم، هذا ما يظهر لي، ولا أذكر موضعاً الآن فيه تصريح بذلك. والله
(٢)
أعلم(٢) .
(١) انظر ذلك أيضاً في السؤال رقم (٨٣).
(٢) ومثال قولهم صحيح مرسلاً ما جاء في حديث ((كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله
فهو أقطع)).
قال الشيخ الألباني حفظه الله تعالى في ((الإرواء)) (٣٠/١ - ٣٢). رواه يونس وعقيل
وشعيب وسعيد بن عبدالعزيز عن الزهري، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
مرسلًا. والصحيح عن الزهري مرسلًا وهو الذي جزم به الدارقطني كما نقله السبكي
وهو الصواب، لأن هؤلاء الذين أرسلوه أكثر وأوثق من قرة وهو ابن عبدالرحمن
المعافري المصري.
بل إن هذا فيه ضعف من قبل حفظه ولذلك لم يحتج به مسلم وإنما أخرج له في
الشواهد ... إلى أن قال - جملة القول أن الحديث ضعيف لاضطراب الرواة فيه على
الزهري وكل من رواه عنه موصولًا ضعيف. أو السند إليه ضعيف والصحيح عنه مرسلا
كما تقدم عن الدارقطني وغيره والله أعلم. اهـ.
٣١٩

س ١٦٦ : الأحاديث التي ذكرها الدارقطني - رحمه الله - في ((التتبع))
كلها غير صحيحة؟
ج ١٦٦: ليس كل ما في ((التتبع)) منتقداً عند الدارقطني نفسه فضلًا
عن غيره.
فقد ذكر شيخنا مقبل - حفظه الله - في مقدمة ((الإلزامات والتتبع))
(ص٩) أنه ليس كل ما في ((التتبع)) يراه الدارقطني معلًا بعلة قادحة، بل قد
ينبّه - رحمه الله تعالى - على بعض الأحاديث أنه ليس في الدرجة العليا من
الصحة، ثم يعترف بصحته، وهذا دليل على بعده - رحمه الله - عن
الهوى. اهـ.
وأما ما انتقده الدارقطني: فمنه ما سُلِّم له به، وهو قليل، ومنه ما رُدَّ
عليه(١)، فإذا قيل: هذا الحديث ذكره الدارقطني في ((التتبع))، فيسأل: هل
انتقده الدارقطني أم وافق صاحبي ((الصحيح)) أو أحدهما على صحته؟ فإن
كان الأول: فهل هو مسلَّم له، أم لا؟ ويُحكم على الحديث بما يستحق
بعد الاطلاع على ذلك. والعلم عند الله تعالى.
س ١٦٧ : لماذا كان تدليس التسوية شر أنواع التدليس؟
ج ١٦٧ : سبق أن تدليس التسوية هو إسقاط ضعيف وأحياناً يكون
إسقاط صغير بين ثقتين أو مقبولين قد سمع الثقة أو الصدوق من شيخه،
(١) قلت وقد سلم الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - للنقاد في موضعين. الأول: ما
جاء في ((هدى الساري)) ص (٣٧٦) في قول ابن عباس رضي الله عنه: كان المشركون
على منزلتين من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الحديث. وفيه قصة تطليق
عمر بن الخطاب قريبة بنت أبي أمية وغير ذلك. قال الحافظ بعد عرضه لأقوال النقاد -
ثم أجاب عليها - قال: ((فهذا جواب إقناعي وهذا عندي من المواضع العقيمة عن
الجواب السديد، ولا بد للجواد من كبوة. والله المستعان ا. هـ.
الموضع الثاني: ما جاء في حديث ((الذبح بالمروة)) قال الحافظ وعلته ظاهرة والجواب
عنه فيه تكلف وتعسف. اهـ من المصدر السابق.
٣٢٠