Indexed OCR Text
Pages 141-160
يدلس بعبارة ((أخبرنا)) ويقصد بها الإجازة، فيوهم أنّه عرض على شيخه؛ مع أنَّ الحديث جاءه من طريق الإجازة، وقد دافع عنه الذهبي وعده قليلاً منه، فراجع ((النبلاء))(١) . وأمّا قولهم: ((سمعت))، فهو سماع الطالب من شيخه، وهنا يظهر سؤال: ما الفرق بين قول الراوي: ((سمعت فلانا))، و((حدّثني فلان))؟ والجواب: أنَّ كلمة ((سمعت)) عند أهل العلم أقل من كلمة: (حدّثني))؛ لأن الراوي قد يسمع من الشيخ وليس مقصوداً بالتحديث، بخلاف قوله: ((حدّثني))، فقد قصده الشيخ بالحديث، وكان بعض الرواة الذين يطردهم الأئمة من مجالسهم، وهم لا يصبرون على حديث ذاك الشيخ، فكان أحدهم يتخفى في حضور المجلس، فقد يجلس وراء الشيخ، وقد يجلس في مكان لا يراه الشيخ، فمثل هذا يتجه في حقه أن يقول: (سمعت))؛ لأنَّ الشيخ ما قصده بالتحديث، فمن هنا نستطيع أن نقول: إنّ كلمة ((حدثني)) أعلى من كلمة ((سمعت))، والله أعلم (٢). (١) قال الخطيب البغدادي: قد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أن يقول في الإجازة: ((أخبرنا)) من غير أن يبين. قال الذهبي معقباً عليه: ((هذا شيء قلّ أن يفعله أبو نعيم وكثيراً ما يقول: كتب إلى الخلدي ... ويقول كتب إلى أبو العباس الأصم وأخبرنا عبدالله بن جعفر بن فارس الذي سمع منه كثيراً وهو أكبر شيخ له: أخبرنا عبدالله بن جعفر فيما قرىء عليه فيوهم أنّه سمعه ويكون مما هو له بالإجازة، ثم إطلاق الأخبار على ما هو بالإجازة مذهب معروف قد غلب استعماله على محدثي الأندلس وتوسعوا فيه وإذا أطلق ذلك أبو نعيم في مثل الأصم وأبي الميمون البجلي والشيوخ الذين قد علم أنّه ما سمع منهم بل له منهم إجازة، كان له سائغاً والأحوط تجنبه، ((السير)) (٤٦٠/١٧ - ٤٦١). قال المعلمي - رحمه الله تعالى -: والحق أن أبا نعيم وضع من نفسه ومن كتبه فجزاؤه أن لا يعتد بشيء من مروياته إلّا ما صرّح فيه بالسماع الواضح ... إلخ ((التنكيل)) (ص: ٣١٤) . (٢) قلت: وقد حدث مثل هذا لأبي بكر البرقاني - رحمه الله تعالى - ذكر السيوطي في ((تدريبه)) (١٠/٢) أنَّ الخطيب سأل شيخه الحافظ أبا بكر البرقاني عن السر في كونه يقول لهم فيما رواه عن أبي القاسم الأبدوني: سمعت، ولا يقول: حدّثنا ولا أخبرنا، = ١٤١ س ٣٠: ما معنى قولهم في حديث ما: ظاهره الإرسال؟ ج ٣٠: هذا يكون موجوداً في بعض الأحاديث، فيقول واحد من العلماء: هذا حديث ظاهره الإرسال، كأن يروي - مثلاً - عروة بن الزبير قصة وقعت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعائشة - رضي الله عنها -، فمن المعلوم أنَّ عروة لم يدرك زمان هذه القصة، فإنّه ما أدرك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا أدرك كلامه مع عائشة، ولا کلام عائشة معه، فإذا جمعنا الروايات؛ ووجدنا أنَّ عروة - في رواية أخرى - أسند الحديث، وحدث بالحديث عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنقول - حينئذ - في الراوية الأولى: وهذا الحديث ظاهره الإرسال، أي: لكن حقيقته الاتصال لمجيئه من طريق أخرى متّصلة(١)، وبعضهم يحتمل - وإن لم يأت من طريق أخرى مسندة - أن عروة أخذه عن عائشة، فإن مثل هذا الشيء الذي يقع بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وزوجته في داخل الغرفة، لم يطلع عليهما أحد من البشر، فإنّه ما يعقل أنّ عروة يتكلّم عن شيء ما رآه، وهو مكثر عن عائشة، وعائشة خالته فما الذي يمنع أنّها قد أخبرته بمثل هذا الحديث(٢)؟ وقد ذكرت رواية عروة عن عائشة مثالًا للراوي المكثر عمن فذكر له أنّ أبا القاسم كان مع ثقته وصلاحه عسراً في الراوية فكان البرقاني يجلس = بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم بحضوره فيسمع منه ما يحدث به الشخص الداخل، فلذلك يقول سمعت، ولا يقول: حدّثنا ولا أخبرنا، لأنّ قصده كان الراوية. (١) مثاله: ما أخرجه البخاري (٢٠٠/٥ رقم ٢٥٣٨ فتح): ثنا عبيد بن إسماعيل، ثنا أبو أسامة، عن هشام، أخبرني أبي: أنَّ حكيم بن حزام - رضي الله عنه - أعتق في الجاهليّة مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، فلما أسلم حمل على مائة بعير وأعتق مائة رقبة، قال: فسألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ... الحديث. قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: (قوله أنَّ حكيم بن حزام أعتق)، ظاهر سياقه الإرسال لأنَّ عروة لم يدرك زمن ذلك لكن بقية الحديث أوضحت الوصل وهو قوله: قال: فسألت، فقائل قال: هو حكيم، فكأن عروة، قال: قال حكيم، فيكون بمنزلة قوله عن حكيم، وقد أخرجه مسلم من طريق أبي معاوية عن هشام فقال: عن أبيه عن حکیم) اهـ. (٢) قال ابن رجب - رحمه الله - في ((شرح العلل)) (٢٢٢ - ٢٢٤): فأمّا قول الراوي: أنَّ = / ١٤٢ فلاناً قال، فهل يحمل على الاتّصال أم لا؟ فهذا على قسمين: IL. فذكر القسم الأول ثم قال: القسم الثاني: أن يكون ذلك القول المحكي عن المروي عنه، أو الفعل مما لا يمكن أن يكون قد شهده الراوي مثل أن لا يكون قد أدرك زمانه كقول عروة: أنّ عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كذا وكذا، فهل هو مرسل لعدم الإتيان بما يبين أنّه رواه عن عائشة أم هو متّصل لأنّ عروة قد عرف بالراوية عن عائشة، فالظاهر أنّه سمع ذلك منها، هذا فيه خلاف. قال أبو داود سمعت أحمد قيل له: أنّ رجلًا قال: عن عروة قالت عائشة: يا رسول الله! وعن عروة عن عائشة سواء، قال: كيف هذا سواء، ليس هذا بسواء. قال ابن رجب: الحفاظ كثيراً ما يذكرون مثل هذا ويعدونه اختلافاً في إرسال الحديث واتصاله وهو موجود كثيراً في كلام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم والدارقطني وغيرهم من الأئمة، ومن الناس من يقول هما سواء كما ذكر ذلك لأحمد، وهذا إنما يكون فيمن اشتهر بالراوية عن المحكي قصته كعروة مع عائشة، أمّا من لم يعرف له سماع منه فلا ينبغي أن يحمل على الاتصال ولا عند من يكتفي بإمكان اللقي، وانظر ((التنكيل)) للمعلمي (ص: ٢٧٤). وفي ((النكت)) للحافظ ابن حجر - رحمه الله - في (٥٩٠/٢ - ٥٩١) قول ابن الصلاح: ((فروينا عن مالك أنّه كان يرى ((عن فلان)) وأن فلاناً سواء وعن أحمد بن حنبل أنّهما ليسا سواء، قال الحافظ . قلت: ليس كلام كل منهما على إطلاقه، وذلك يتبين من نص سؤال كل منهما عن ذلك، أمّا مالك، فإنّه سئل عن قول الراوي ((عن فلان أنّه قال: كذا وأن فلاناً قال: كذا، فقال هما سواء وهذا واضح وأمّا أحمد فإنّه قيل له: إنّ رجلًا قال عن عروة عن عائشة وعن عروة أنّ عائشة - رضي الله تعالى عنها - سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هل هما سواء؟ فقال: كيف يكونان سواء؟ ليسا سواء فقد ظهر الفرق بين مراد مالك وأحمد. وحاصله : أنّ الراوي إذا قال: عن فلان، فلا فرق أن يضيف إليه القول أو الفعل في اتصال ذلك عند الجمهور بشرطه السابق، وإذا قال: إنّ فلاناً، ففيه فرق، وذلك أن ينظر، فإن كان خبرها قولًا لم يتعد لمن يدركه التحقت بحكم ((عن)) بلا خلاف كأن يقول التابعي: إنّ أبا هررة - رضي الله عنه - قال: سمعت كذا، فهو نظير ما لو قال عن أبي هريرة أنّه قال: سمعت كذا، وإن كان خبرها فعلًا نظر إن كان الراوي أدرك ذلك التحقت بحكم عن وإن كان لم يدركه لم تلتحق بحكمها. ١٤٣ = يروى، لا أن هذا الحكم مختص بهذه الترجمة، والله أعلم. س ٣١: ما قولكم في قول من قال: إنّ حديث الصحابي الموقوف الذي ليس من قبيل الرأي أنّه يقبل؟ ج ٣١: الصحابة - رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم جميعاً - هم أخوف الناس من القول على الله بغير علم، وهم أول الناس التزماماً بمثل هذه الآية: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ ... ﴾(١) وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾(٢) فالصحابي إذا روى خبراً في أمور الآخرة، فقال مثلًا: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال له: كذا، فيقول: كذا، فيقال له كذا؟ هل يليق بنا أن نقول: إن هذا الصحابي يتهجم على الغيب، ويذكر هذه المسألة، دون أن يكون معه من نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذن بهذا؟ هذا أمر مستبعد، ولذلك فكثير من أهل العلم يقولون: إنّ هذا ليس من قبيل الرأي، أو ليس من قبيل الاجتهاد، أو ليس للاجتهاد فيه مسرح أو مدخل، فمن هنا يرجحون أن يكون له حكم الرفع، وأن يكون موقوفاً لفظاً مرفوعاً حكماً، واشترطوا مع هذا الأمر أن لا يكون هذا الصحابي من فكون يعقوب بن شيبة قال في رواية عطاء عن ابن الحنفية، أن عماراً مر بالنبي صلى = الله عليه وعلى آله وسلم هذا مرسل. إنما هو من جهة كونه أضاف إلى الصيغة الفعل الذي لم يدركه ابن الحنفية وهو مرور عمار إذ لا فرق أن يقول ابن الحنفية: أن عماراً مر بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مر بعمار فكلاهما سواء في ظهور الإرسال، ولو كان أضاف إليها القول كأن يقول: عن ابن الحنفية أنّ عماراً قال: مررت بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكان ظاهر الاتصال. وقد نبه شيخنا على هذا الموضع فأردت زيادة إيضاحه، ثم إنّه نقل عن ابن المواق تحرير ذلك واتفاق المحدثين على الحكم بانقطاع ما هذا سبيله، وهو كما قال، لكن في نقل الاتفاق نظر ... إلخ اهـ. (١) سورة الإسراء، الآية: ٣٦. (٢) سورة الأعراف، الآية: ٣٣. ١٤٤ المعروفين برواية الإسرائيليات، مثل: عبدالله بن عمرو بن العاص صاحب الزاملتين(١) ومثل أبي هريرة الذي كان يأخذ عن كعب الأحبار(٢)، ومثل: (١) عبدالله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيْد - بالتصغير - السهمي: أبو محمد، وقيل: أبو عبدالرحمن أحد السابقين المكثرين من الصحابة وأحد العبادلة الفقهاء. قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النكت)) (٥٣٣/٢): فإنّه حصل له في وقعة اليرموك كتب كثيرة من كتب أهل الكتاب فكان يخبر بما فيها من الأمور المغيبة حتى كان بعض أصحابه ربّما قال له: حدّثنا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا تحدثنا عن الصحيفة، فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور التي قدمنا ذكرها الرفع لقوة الاحتمال، والله أعلم. (٢) كعب الأحبار هو: كعب بن ماتع الحميري اليماني، العلّامة الحبر، الذي كان يهوديّاً فأسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد قدم المدينة من اليمن في أيام عمر - رضي الله عنه -، فجالس أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان يحدّثهم من الكتب الإسرائيلية، ويحفظ العجائب ويأخذ السنن عن الصحابة وكان حسن الإسلام متين الديانة، من نبلاء العلماء. اهـ ((السير)) للذهبي (٤٨٩/٣ - ٤٩٠). وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في ((تفسيره)) (٣٧٨/٣ - ٣٧٩) [سورة النمل آية: ٤٤] بعد ذكره لبعض القصص الإسرائيلية قال: ((والأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب، سامحهما الله تعالى فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان، وما لم يكن ومما حرف وبدل ونسخ ... إلخ. هذا وقد نسب إلى أبي هريرة، رواية الإسرائيليات بسبب روايته عن كعب الأحبار. قال الحافظ ابن كثير في («البداية والنهاية)) (١٣٨/٨): وقال مسلم بن الحجاج: ثنا عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي: ثنا مروان الدمشقي: عن الليث بن سعد حدثني بكير بن الأشج، قال: قال لنا بشر بن سعيد: اتقوا الله وتحفّظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويحدث عن كعب الأحبار، ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن كعب وحديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي رواية يجعل ما قاله كعب عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما قاله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن كعب، فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث. وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس - أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يميِّز هذا من هذا، ذكره ابن عساكر ... إلخ اهـ. ١٤٥ = . ابن عباس(١) - على بحث في ذلك -، وعبدالله بن سلام - رضي الله عنهم -، فلا يقبل منهم الكلام في الأمور الغيبية؛ لأنّهم ربما أخذوه عن بني إسرائيل، أمّا إذا كان الراوي لا يحدث عن بني إسرائيل، ويتكلّم في المسائل الغيبية، فلا نقول: إنّه من اليقيني أنّه قد سمعه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن نقول إنّه من الراجح أن يكون أخذه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وغلبة الظن يُعمل بها، وبهذا يترجح لدينا أن يكون من قبيل المرفوع حكماً، وأن يحتج بمثل هذا، والله (٢) أعلم(٢) . س ٣٢: ما معنى قول بعض المحدّثين: هذا حديث غريب؟ ج ٣٢: الشيخ الألباني - حفظه الله - كثيراً ما يفسر قول الترمذي: حديث غريب، وكذلك قول الزيلعي في ((نصب الراية)) حديث غريب، بأنّه ضعيف، وأحياناً يقول: لا أصل له، وكثيراً ما يقول: يعني أنّه ضعيف(٣) هذا وقد دافع الحافظ ابن حجر - رحمه الله - كما في ((فتح الباري)) (٣٥٣/٦) عن = أبي هريرة - رضي الله عنه - فقال: وفيه أنّ أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب، وأنّ الصحابي الذي يكون كذلك إذا أخبر بما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه يكون للحديث حكم الرفع. اهـ والأول أصح وهو مشهور عن أبي هريرة والله المستعان. (١) انظر مقدمة الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في ((تفسير القرآن العظيم)) (١٣/١) بتحقيق شيخنا مقبل بن هاديا الوادعي - حفظه الله تعالى -. (٢) قال ابن حجر - رحمه الله تعالى -: ومثال المرفوع من القول حكماً لا تصريحاً أن يقول الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات - ما لا مجال للاجتهاد فيه ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح غريب كالأخبار عن الأمور الماضية، وبدء الخلق، وأخبار الأنبياء، أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة، وكذا الأخبار عمّا يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص. انتهى من ((نزهة النظر)) (ص: ١٤١) وانظر كذلك ((توضيح الأفكار)) (٢٨١/١). (٣) قال الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - في ((الضعيفة)) تعليقاً على حديث: ((من صلّى خلف عالم تقيّ؛ فكأنما صلّى خلف نبي))، قال: لا أصل له، وقد أشار لذلك الحافظ الزيلعي، بقوله في ((نصب الراية)) (٢٦/٢) ((غريب)) وهذه عادته في الأحاديث التي تقع = ١٤٦ والحديث الغريب: هو رواية الراوي عن شيخه عن شيخه، وليس له طرق أخرى تخرجه من حيز الغريب إلى حيز العزيز أو غيره، فهو رواية الواحد عن الواحد عن الواحد، وقد يكون في بعض الطبقات أو أكثرها ليس غريباً، لكن يصدق عليه التعريف بوجوده من طريق واحد فقط، ولو في طبقة واحدة(١)، ولا يلزم من كونه غريباً أن يكون ضعيفاً، فقد يكون غريباً وصحيحاً، كما في حديث: ((إنّما الأعمال بالنيّات)) فإنّه غريب الأصل، جاء من جهة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسمعه عمر، وعمر حدّث به، فرواه عنه علقمة، وعلقمة حدّث به، فرواه عنه محمد بن إبراهيم التيمي، والتيمي حدّث به، فرواه عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وبعد يحيى بن سعيد الأنصاري انتشرت الطرق، وكثرت، حتى ذكر بعض العلماء أنّه من بعد يحيى بن سعيد الأنصاري رواه سبعمائة نفس، لكن الحافظ ابن حجر ردّ هذا القول، فذكر أنّه تتبع السنن، والمسانيد، والأجزاء، والراويات بقدر استطاعته فلم يبلغ المائة (٢). في ((الهداية)) ولا أصل لها فيما كان من هذا النوع ((غريب)) فاحفظ هذا فإنّه اصطلاح = خاص به اهـ (٤٤/٢ رقم ٥٧٣) وفي ((الإرواء)) (٣٥٩/٣) قال الترمذي في حديث: ((غريب))، فقال الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - معلقاً عليه: يعني ضعيف وكذا في (١٥٠/٤) والله تعالى أعلم. (١) قال القسطلاني: الغريب ما انفرد راوٍ بروايته زيادة، فيه عمن يجمع حديثه، كالزهري أحد الحفاظ في المتن، أو السند، وينقسم إلى غريب صحيح كالأفراد المخرجة في ((الصحيحين)) وإلى غريب ضعيف وهو الغالب وإلى غريب حسن، ((نقلا من معجم مصطلحات توثيق الحديث)) (ص: ٥٦). وقال الجرجاني في ((التعريفات)): الغريب من الحديث ما يكون إسناده متّصلًا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن يرويه واحد إمّا من التابعين أو من أتباع التابعين أو من أتباع أتباع التابعين (ص: ٢٠٨)، وقال الحافظ ابن حجر في ((النزهة)) (٧٠) الغريب: وهو ما يتفرّد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند على ما سيقسَم إليه الغريب المطلق والغريب النسبيّ، اهـ. وهو الأصح والله أعلم. (٢) قال الحافظ - رحمه الله تعالى - في ((فتح الباري)) (١١/١): ((وعرف بهذا التقدير غالط من زعم أنّ حديث عمر متواتر؛ إلّا إن حمل على (التواتر المعنوي) فيحتمل، نعم قد = ١٤٧ على كل حال فالحديث الغريب، قد يكون صحيحاً أو حسناً، وقد ن ضعيفاً، ولكن الترمذي يكثر من إطلاقه بمعنى الضعف، والله أعلم. س ٣٣: لماذا ترتفع جهالة العين برواية اثنين، وإن كان في كل منهما ـ،، ولا ترتفع برواية الثقة الذي حديثه صحيح مع أنّ حديثيهما حسن ه؟ / ج ٣٣: هذا إشكال يرد في النفوس، والجواب على هذا: أن هذا من الشهادة، فكأنّه قد شهد كل منهما أنّه قد لقي هذا الرجل، وسمع منه، .م قول الاثنين على قول الواحد؛ لأنّ هذا من باب الشهادة لا من باب ية، هذا ما ظهر لي من تفرقة أهل العلم بينهما، والله أعلم(١). تواتر عن يحيى بن سعيد فحكى محمد بن سعيد النقاش الحافظ: أنّ رواه عن يحيى مائتان وخمسون نفساً، وسرد أسماءهم أبو القاسم ابن مندة فجاوز الثلاثمائة، وروى أبو موسى المديني، عن بعض مشايخه مذاكرة، عن الحافظ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي، قال: كتبته من حديث سبعمائة من أصحاب يحيى. قلت: وأنا أستبعد صحة هذا فقد تتبعت طرقه من الراويات المشهورة والأجزاء المنثورة منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا فما قدرت على تكميل المائة ... إلخ اهـ. وقال - رحمه الله - في ((التلخيص الحبير)) (٩٧/١) في الوضوء: ((تتبعته من الكتب والأجزاء، حتى مررت على أكثر من ثلاث آلاف جزء، فما استطعت أن أكمل له سبعين طريقاً)). اهـ. وانظر كذلك ((مقدمة تهذيب التهذيب)) (٤/١ - ٥) والله أعلم. ذكر هذه العلّة الإمام الزركشي - رحمه الله تعالى - في تعقبه على أبي الوليد الباجي، قال أبو الوليد: ذهب جمهور أصحاب الحديث إلى أنّ الراوي إذا روى عنه واحد فقط فهو مجهول، وإذا روى عنه اثنان فصاعداً فهو معلوم انتفت عنه الجهالة، قال: وهذا ليس بصحيح عند المحققين من أصحاب الأصول لأنّه قد يروي الجماعة عن الرجل لا يعرفون حاله، ولا يخبرون شيئاً من أمره، ويحدّثون بما رووا عنه، ولا تخرجه روايتهم عنه عن الجهالة، إذا لم يعرفوا عدالته. قال الزركشي: قلت: مراد المحدثين ارتفاع جهالة العين لا الحال، وعمدتهم أنَّ رواية الاثنين بمنزلة الترجمة في الشهادة، والله أعلم ((البحر المحيط)) (٢٨٣/٤). ١٤٨ س ٣٤: ما هو الحكم على سند فيه راوٍ قد خالف، ولم نجد له ترجمة؟ ج ٣٤: بالنسبة لسندين أحدهما رواه ثقة، والآخر لم يُجَرَّح، ولم يُعَدَّل، أو لم نعرف ترجمته أصلاً، أو لم يوقف عليه، فهو في هذه الحالة في عداد المجهولين. وفي هذه الحالة فالمجهول إذا خالف الثقة، فهو منكر؛ لأنَّ الجهالة وإن لم تكن جرحاً، فهي في عداد موجبات الضعف للحديث(١). س ٣٥: بعض أهل العلم حسَّن سنداً فيه رجل، ثم ساق ترجمته كالآتي: قال: عبدالله بن مسلمة: ضعيف من قبل حفظه، لكنّه هنا يروي أمراً شاهده بنفسه، فالغالب في مثل هذا أنّه لا ينساه الراوي، وإن كان فيه ضعف فالسؤال هنا: لماذا لا يجعل السند صحيحاً؟ (١) قلت: وكذلك إذا لم يخالف فإذا انفرد الراوي الذي لم يذكر فيه جرح ولا تعديل، فروايته منكرة عند بعض أهل العلم، وقد ذكر العلامة ناصر الدين الألباني - حفظه الله تعالى - نحواً من ذلك في بحثه في حديث روي عن أنس بن مالك: أنّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لَما حضر شهر رمضان قال: ((سبحان الله، ماذا تستقبلون؟ وماذا يستقبل بكم؟ ... )) إلخ. قال الشيخ: ورواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) والبيهقي، وقال ابن خزيمة: إن صح الخبر، فإني لا أعرف خلفاً أبا الربيع بعدالة ولا جرح، ولا عمرو بن حمزة القيسي الذي دونه، قال المنذري: قد ذكرهما ابن أبي حاتم ولم يذكر فيهما جارحاً. قلت: ((والكلام للشيخ)) فكان ماذا؟! فإنّه لم يذكر فيه توثيقاً أيضاً، فمثل هذا أقرب إلى أن يكون مجهولًا عند ابن أبي حاتم عن أن يكون ثقة عنده وإلّا لما جاز له أن يسكت عنه، ويؤيد هذا قوله في مقدمة الجزء الأول من (ص: ٣٨): ((على أنّا ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل، كتبناها ليشتمل الكتاب على كل من روى عنه العلم، رجاء وجود الجرح والتعديل إلّا لعدم علمه بذلك فلا يجوز أن يتخذ سكوته عن الرجل توثيقاً منه له كما يفعل ذلك بعض أفاضل عصرنا من المحدّثين وجملة القول: أنّ هذا الحديث عندي منكر لتفرد هذين المجهولين به مع احتمال أن يكون قوله منكر هنا بمعنى أن السند مظلم اهـ ((الضعيفة)) (١ / رقم ٢٩٨ ص: ٣١٢ - ٣١٣). ١٤٩ : ج ٣٥: الجواب من مسألتين، وإن لم يتعرض السؤال صراحة لإحدى المسألتين : الأولى: هل هذا الكلام مقبول في النقد العلمي، أو غير مقبول؟ لو أنّ رجلًا عُرِفَ بالضعف من قبل حفظه، وحكى شيئاً قد وقع له، وليس مجرد ناقل لهذا الخبر عن غيره، هل في هذه الحالة يُقبل كلامه، أم لا؟ الظاهر من بعض المواضع التي وقفت عليها للحافظ ابن حجر، وصنيع الشيخ الألباني - حفظه الله - في بعض كتبه أنّه في مثل هذه الحالة يُقبل، وقد وجدت أيضاً كلاماً للحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) في كلامه على الأحاديث التي انتقدت على صاحب ((الصحيح))، ذكر أيضاً لو أنَّ الرجل الضعيف روى حديثاً فيه قصة دلّ على أنّه حفظها، ونقله عن أحمد، انظر ((التتبع)) الحديث رقم (٣٩) (ص: ٢٣٩)(١). المسألة الثانية: وهي هل يكون حسناً، أو صحيحاً؟ فالأمر في ذلك سهل . فمن سماه حسناً فهو في هذه الحالة يعني - إن شاء الله -: أنّه موافق التعريف الحسن الذي في راويه كلام، أو اختلاف، أو أنّه دون رجال الصحيح . (١) قال الحافظ في ((هدي الساري)) (ص: ٣٦٣) ح رقم (٤٢): قال الدّار قطني وأخرج البخاري حديث العوام بن حوشب عن إبراهيم السكسكي عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً)) وهذا لم يسنده غير العوّام وخالفه مسعر فقال عن إبراهيم السكسكي عن أبي بردة قوله، لم يذكر أبا موسى ولا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قلت: مسعر أحفظ من العوام - بلا شك - إلّا أن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، فهو في حكم المرفوع، وفي السياق قصة تدل على أن العوّام حفظة؛ فإن فيه اصطحب يزيد بن أبي كبشة، وأبو بردة في سفر فكان يزيد يصوم في السفر فقال له أبو بردة: أفطر؛ فإني سمعت أبا موسى مراراً يقول: فذكره، ((وقد قال أحمد بن حنبل: إذا كان في الحديث قصة دلّ على أن راويه حفظه)) والله أعلم. ١٥٠ ومن قال: إنّه صحيح يقصد أنّه ضبط ما جرى له، فالأمر سهل. س ٣٦: ما هو الراجح في قول التابعي: ((من السنة كذا))؟ ج ٣٦: الذي ترجح في كتب علوم الحديث أنّه في حكم الموقوف، كما أنّ قول الصحابي: ((من السنة كذا)) له حكم الرفع، فقول التابعي: ((من السنة كذا)) له حكم الوقف(١). (١) قول الصحابي: من السنة كذا، مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور، وقد روى البخاري في ((صحيحه)) في حديث ابن شهاب عن سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة، قال ابن شهاب: فقلت لسالم: أفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فقال: وهل يعنون بذلك إلّا سنته. اهـ. قال السيوطي: فنقل سالم وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدنية، وأحد الحفّاظ من التابعين عن الصحابة، أنّهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون إلّا سنّة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. اهـ من ((التدريب)) (٢٠٩/١). وقد حكى الزركشي الخلاف في المسألة وذكر فيها ثلاثة أقوال: الأول: أنّه في حكم الموقوف، قال: ونقله ابن الصلاح والنووي عن الإمام أبي بكر الإسماعيلي . الثاني: أنّه ليس بحجة وذهب إليه الكرخي والرازي والصيرفي، قال: لأنّ المتلقى من القياس قد يقال له سنة لإسناده إلى الشرع، قال: والذي عليه الأكثرون أنّه يفهم من سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيكون حجة، وقال ابن السمعاني: أنّه مذهب الشافعي، وقال النووي في مقدمة ((شرح المهذب)) أنّه المذهب الصحيح المشهور، وجرى عليه الآمدي والإمام والمتأخرون، وشرط الحاكم وأبو نعيم في علومهما كون الصحابي معروفاً بالصحبة وفيه إشعار أن من قصرت صحبته لا يكون كذلك (٣٧٦/٤ - ٣٧٨) ((البحر المحيط)) قال ابن الوزير: (وأما التابعي إذا قال ذلك) أي: من السنّة كذا (فقيل: موقوف متّصل؛ لأنّهم قد يعنون بذلك سنة الخلفاء)، فلا يجزم بأنّهم أرادوا سنته صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنّه جزم مع الاحتمال ((توضيح الأفكار)) (٢٦٩/١). قال النووي - رحمه الله -: ولا فرق بين أن يقول ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو بعده صرّع به الغزالي وآخرون اهمقدمة ((شرح المهذب)) (ص: ٥٩). ١٥١ قلت: وسيأتي - إن شاء الله تعالى - خلاف لهذا في الجزء الثاني من الكتاب، فارجع إليه(١) . س ٣٧: إذا تعارض حديثان صحيحان، أحدهما في ((صحيح مسلم)) وفيه عنعنة أبي الزبير، والآخر في السنن، فماذا يُقَدَّم؟ مع أن بعض أهل العلم يُقدِّم الآخر على الحديث الذي في ((صحيح مسلم))؟ ج ٣٧: ننظر أولًا هل هذا الحديث مما انتقد على الإمام مسلم، أو مما سُلْم للإمام مسلم بإدخاله في كتابه الموسوم بالصحّة؟ فإذا كان منتقداً فلا إشكال، وتقدم الراوية الصحيحة، سواء كانت في السنن، أو في غيرها من الكتب، أمّا إذا كان غير منتقد، فهنا يكون الإشكال، ويكون لهذا السؤال وجه، والأمر راجع إلى الترجيح، والترجيح له قرائن كثيرة مثل: حفظ الرواة، وشهرة الرجال، وشهرة المتن، وعدم مخالفته لأصول أخرى، وينظرون في كيفية إخراج صاحب ((الصحيح)) لهذا الحديث؟ هل انتقاه من حديث الراوي، أو أخذه من كتبه وأصوله؟ فالجواب من هذا المقام مجمل، وهو أني أدلك على القرائن التي بها يترجح الراجح، لكن بقي الإشكال في نقطة ضيقة، قد لا نحتاج إليها، وهي ما إذا انتفت كل القرائن التي نرجح (١) هذا وقد رجّح المؤلف - حفظه الله - في ((الجزء الثاني)) من هذا الكتاب قول من أطلق الإرسال، على قول التابعي ((من السنة كذا)) فليراجع. ولكنَّ النفس تميل إلى ما دوّنه المؤلف في هذا السؤال، وقد ذهب إلى ذلك الإمام النووي - رحمه الله - وعزاه إلى جمهور أهل العلم، حيث قال في مقدمة ((شرح المهذب)) (٦٠/١). وأما إذا قال التابعي: من السنة كذا، ففيه وجهان، حكاهما القاضي الطبري: الصحيح منهما والمشهور أنّه موقوف على بعض الصحابة. والثاني: أنّه مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ ولكنّه مرفوع مرسل. اهـ، وانظر كذلك ((البحر المحيط)) للزركشي (٤٧٨/٤). وممن نصره كذلك الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - حيث قال في ((الإرواء)) (٤١/٣) رقم (٥٨٢)، وقول التابعي: من السنة كذا، في حكم الموقوف لا المرفوع، بخلاف قول الصحابي ذلك؛ فإنّه في حكم المرفوع ... إلخ اهـ. ١٥٢ بها، فما هو الذي يقدم؟ الحديث الذي في ((صحيح مسلم)) على ما فيه من الكلام، أو الحديث الذي في ((سنن أبي داود))، أو في ((مسند الإمام أحمد)) مثلًا، وهو سالم من العلّة؟ لهذا وجه في الترجيح، ولذاك وجه في الترجيح، فالذي في ((صحيح مسلم))، وجهه أن يقال: اتفق الحفّاظ على صحّته، والآخر لم ينل هذه المنزلة، ولم يقع عليه اتفاق كما وقع على الذي في ((صحيح مسلم)، وصحة السند قد لا يلزم منها صحة المتن، وللآخر أن يقول: هذا الحديث سالم من العلة، وظاهره السلامة من العلة، وذاك فيه علة و(صحيح مسلم)) مقدم على ما في ((السنن)) أو ((المسانيد)) مثلًا في الجملة، لا في كل حديث بمفرده، ففي الحقيقة الأمر اجتهادي، وأنا إلى ترجيح ما في ((صحيح مسلم)) أميل، وأسأل الله أن يشرح صدورنا للحق، والله أعلم. س ٣٨: إذا وقع خلاف في سماع راوٍ من راوٍ آخر، وجاءت رواية بالتصريح بالسماع في ((مسند أحمد)) مثلاً، فهل يكتفي بهذا التصريح في حل هذا الخلاف؟ ج ٣٨: مسألة سماع الراوي من شيخه عند أهل العلم تعرف بعدة أمور: فإما أن يكون تاريخ وفاة التلميذ وتاريخ وفاة الشيخ ليس بينهما فترة واسعة، مع كبر سن التلميذ، مما يدل على أنّه أدركه إدراكاً بيناً، وأن اللقاء ممكن ليس هناك ما يمنع من ذلك(١). (١) أقول: وهذا هو مذهب الإمام مسلم - رحمه الله تعالى - الذي نصره في مقدمة ((صحيحه) وادعى الإجماع عليه وأنكر على من قال باشتراط اللقاء، والسماع مرة فصاعداً إنكاراً شديداً، وخلاصة ما يراه الإمام مسلم هو اشتراط المعاصرة مع إمكان اللقاء أو السماع دون التحقق من وقوعه إلّا أن يأتي ما يعارض مثل أن يعلم أنّه لم يسمع منه أو لم يلق المنقول عنه ولا شاهده أو تكون سنه لا تحتمل ذلك ... إلخ، وارجع إلى كلامه في ((مقدمة الصحيح)) (٢٩/١ - ٣٠). ١٥٣ = وإمّا أن يكون بتصريح الأئمة بهذا، وقد يكون بتصريح الرواة بأن فلاناً سمع من فلان، وهذه النقطة التي سيق السؤال لها، وهي مسألة تصريح الرواة: فربّما أننا لو جمعنا طرق الحديث، وجدنا أن هذا التصريح من هذا الراوي بالسماع من ذلك الشيخ، جاء من طريق راوٍ، ونجد بقية الرواة يروونه بدون تصريح، كما سبق أن ذكرنا أن باب زيادة الثقة، والشذوذ يتطرق إلى مسألة السماع. فإذا كان كثير من الرواة قد رووا الحديث بدون تصريح بالمساع، وتفرد أحد الرواة بالتصريح، فهنا يكون الترجيح بينه وبينهم: وصفاً أو عدداً، فإذا كانوا هم أكثر منه، أو أوثق قُبِل كلامهم، لا سيّما إذا كانت رواية هذا الراوي عن شيخه معروفة بإدخال واسطة بينهما (١). ونحن في كثير من كتب العلل، أو الكتب التي تعتني بهذا الشأن، نراهم يقولون: فلان صرّح بسماع فلان من فلان، ولم يصنع شيئاً، يعنون وقد خالف في ذلك قوم اشترطوا ثبوت السماع أو اللقاء في الجملة لا في كل حديث = وهو رأي كثير من المحدثين، منهم الإمام البخاري وشيخه علي بن المديني وغيرهما، رحم الله الجميع . والذي عليه العمل في هذا العصر هو: أنَّ رواية الراوي عمن أدركه وعاصره وأمكن لقاؤه له متصلة صحيحة والحجة بها لازمة والباحث يرجع في مثل ذلك إلى كتب الرجال فإن ذكروا أن فلاناً روى عن فلان ولم يذكروا أنّه يرسل عنه أو أنّه لم يسمع منه الحديث الفلاني فتحمل عنعنته على الاتصال ما لم يكن مدلساً وإن ذكروا ذلك عنه لم نحتج بروايته عن شيخه هذا إما مطلقاً أو في حديث بعينه، والله أعلم. وقد استفدت هذا الترجيح من دروس شيخي أبي الحسن - حفظه الله - وتعليقاته فجزاه الله خيراً. (١) إذا روى الثقة عمن عاصره ولم يثبت لقائه به ثم يدخل أحياناً بينه وبينه واسطة يستدل به الأئمة على عدم سماع الراوي من شيخه اهـ من ((شرح العلل)) لابن رجب (٥٩٣/٢). قال المؤلف: وكذلك إذا كان الراوي لم يأت عنه قط تصريح بسماع عن شيخه وإذا روى عنه أدخل واسطة فإنّهم يستدلون بذلك على عدم سماعه من ذلك الشيخ، والله أعلم . ١٥٤ أن تصريحه بالسماع، لا يفيد إثبات السماع(١)، فمثل هذا إذا صرّح بالسماع يحتاج إلى جمع الطرق، لمعرفة الرواة الذين صرّحوا، والذين لم يصرِّحوا، والترجيح بينهم بالقرائن المعروفة عند أهل الحديث في ذلك. فقد يكون مجرد التصريح بالسماع كافياً، إذا كان هذا الرجل قد انفرد بهذه الراوية، ولم يكن هناك وهمّ من تلامذته(٢)، ولم يخالف في ذلك أحد من العلماء بهذا الشأن، وقد لا يكون تصديق بالسماع كافياً، إذا انفرد به مخالفاً لجمع أوثق منه، أو أعرف بهذا الشيخ منه، أو كان السماع الذي في السند مخالفاً لتصريح العلماء بعدم السماع. فهذه مسألة لا تقبل بسهولة إلّا إذا علم أنّه لم يهم هو أو أحد تلامذته عليه، والمسألة كما قلت: تدور مع القرائن فيُقبل هذا التصريح في بعض المواضع، ولا يقبل في المواضع الأخرى. (تنبيه): واعلم أن الأصل في ذلك: أن نفي العلماء للسماع مقدم على مجرد وجود التصريح بالسماع في بعض طرق الحديث، لاحتمال التصحيف أو التحريف في بعض النسخ، أو وهم أحد التلامذة، فيكون السند عنده بالعنعنة، فيرويه مصرحاً بالسماع، دون معرفة لما يترتب على ذلك، فإذا انضم إلى هذا أن الراوي معروف بالرواية عن ذلك الشيخ، بواسطة راو أو أكثر، كان ذلك دليلا قوياً على عدم اعتماد التصريح الذي في السند، والله أعلم. (١) قال ابن رجب: وكان أحمد يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد، ويقول: هو خطأ يعني: ذكر السماع، قال في رواية هدبة، عن حماد عن قتادة، ثنا خلّاد الجهني: هو خطأ خلاد قديم، ما رأى قتادة خلاداً. وذكروا لأحمد قول من قال: عن عراك بن مالك، سمعت عائشة فقال: هو خطأ وأنكره، وقال عراك: من أين سمع من عائشة، إنّما يروي عن عروة عن عائشة، ((شرح العلل)) لابن رجب (٥٩٣/٢ - ٥٩٤). (٢) قلت: قد يهم التلامذة على شيخهم فيصرِّحون بسماعه من شيخه وهو لم يسمع منه كما ذكر أبو حاتم الرازي أنَّ بقية بن الوليد كان يروي عن شيوخ ما لم يسمع، فيظن أصحابه أنّه سمعه، فيروون عنه تلك الأحاديث ويصرحون بسماعه لها من شيوخه ولا يضبطون. انظر المصدر السابق (٥٩٤/٢). ١٥٥ س ٣٩: لماذا لا نقول هنا بقاعدة المثبت مقدم على النافي؟ ج ٣٩: إذا اتفق أهل الحديث على شيء، فالقول قولهم(١)، بل وإن كان بعضهم يصرح بعدم السماع، فأنا لا تطمئن نفسي إلى مجرد تصريح راوٍ في ((مسند الإمام أحمد)) مثلًا بأنّه قد سمع؛ لأن هناك فرقاً بين تصريح راوٍ بالسماع، وبين نقد إمام من الأئمة، فتصريح الراوي هذا محتمل أن يكون قد تصحف، ومحتمل أن يكون من وهم التلامذة، ومحتمل أن يكون من رواية التلامذة بالمعنى، فظنّوا أنَّ العنعنة لا تضر؛ لأنّ الرجل غير مدلس، فحملوها على السماع، فصرَّحوا بالسماع بينه وبين شيخه، أو لكونهم لا يعرفون طبقات الرواة وسماعاتهم، فوقع ما وقع منهم دون تنبه لذلك. وهذا يختلف عن تصريح إمام من الأئمة بالسماع، فحين ذاك يتنزل قولهم: المثبت مقدم على النافي. أمّا تصريح راوٍ مع مخالفة أئمة النقد الذين أفنوا أعمارهم في معرفة هذا الشأن، ويأتي راوٍ في ((مسند الإمام أحمد))، أو في ((السنن))، أو في ((مصنف ابن أبي شيبة)) أو في غيره من الكتب، ويقول: حدّثني فلان، فهذا لا تنزل عليه قاعدة: المثبت مقدم على النافي، لأننا نقول: إنّ النافي أعلم بهذا الشأن من المثبت، والأمر الثاني: أن احتمال التصحيف والراوية بالمعنى كل هذا يضعف جانب الإثبات. ولو نظرنا في ((شرح علل الترمذي)) للحافظ ابن رجب - رحمه الله _(٢) لوجدناه قد نقل نصوصاً كثيرة للعلماء، في رد تصرحيات كثير من الرواة بالسماع في بعض الأسانيد، والله أعلم. (١) قال أبو حاتم: الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئاً، لأنّه لم يدركه وأدرك من هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع منه، كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير وهو قد سمع ممن هو أكبر منه، غير أنَّ أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة. اهـ ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص: ١٩٢) رقم (٧٠٣). (٢) انظر ((شرح العلل لابن رجب)) (٥٩٠/٢ - ٥٩٦) وقد سبق نصه قبل تعليقتين. ١٥٦ س ٤٠: ابن لهيعة إذا عنعن، وروى عنه أحد العبادلة فما الحكم؟ ج ٤٠: قد ألف جماعة من طلاب العلم في ذلك عدة رسائل، و اطّلعت على بعضها، فرأيت فيها جهداً مشكوراً، ووجدت مؤلفها قد جـ نصوصاً عن أهل العلم من كتب الحديث المعتبرة، ومن كتب الر والرجال المشهورة، وبيَّن أنَّ رواية العبادلة عن ابن لهيعة تعتبر صحيحـ لأنَّهم اختلفوا في سبب ضعف ابن لهيعة، فمنهم من قال: كان متقناً قبل تحترق كتبه، ومنهم من قال: إنّه لا يزال مخلطاً، يعني: أنّه من أول أمر وهو سيء الحفظ، ورأينا كلام المصريّين - وهم أهل بلده - مثل أحمد : صالح المصري، وعبدالله بن وهب المصري أيضاً، ورأينا كلام كثير من أهـ الشأن قد زكوا بعض الرواة عنه مثل ابن المبارك، وابن وهب، وعبدالله : يزيد المقرئ، وذكروا أنّهم أخذوا عنه من أصوله(١). فإن كان الرجل لا يزال مخلطاً، أو سيىء الحفظ، وأخذ عنه بعض التلاميذ من كتبه، فحديثه في هذه الحالة يكون مقبولًا؛ لأنَّ علَّة سيى الحفظ، إذا كان يحدث من حفظه، أمّا إذا كان يحدث من كتابه، أو أخرٍ كتابه لأحد الأئمة، أو أطلع أحد الأئمة على كتابه، وطلب منه أن يختـ الصحيح منه، كما حدث من ابن أبي أويس إسماعيل بن عبدالله مـ البخاري(٢) - رحمه الله - وكما حدث من أبي الزبير مع الليث عندما أخرٍ (١) أقول: وعندي أنَّ أمر ابن لهيعة يحتاج إلى مزيد بحث وتوسع في ترجمته، وقد ترجـ له الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((التقريب)) بقوله: ((صدوق خلط بعد احتراق كتـ ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه، أعدل من غيرهما)» إلخ. ومع ذلك قال في ((نتائج الأفكار)) (٣٣/٢): وابن لهيعة هو في الأصل ((صدوق) لكـ احترقت كتبه، فحدّث من حفظه فخلط، وضعفه بعضهم مطلقاً ومنهم من فصل فقبـ منه ما حدّث به عند القدماء ومنهم من خص ذلك بالعبادلة من أصحابه وهم عبدالله بـ المبارك وعبدالله بن وهب وعبدالله بن يزيد المقرئ ... قال: والإنصاف في أمره؛ أ متى اعتضد كان حديثه حسناً، ومتى خالف كان حديثه ضعيفاً، ومتى انفرد توقف فيه اهـ، والله أعلم. (٢) انظر ((هدي الساري)) (ص: ٣٩١). ١٥٧ له كتابه، وبيّن له الأحاديث التي سمعها من جابر والتي لم يسمعها منه (١). ففي هذه الحالة نحن نقبل رواية سيىء الحفظ أو المختلط، إذا كان تحديثه من كتبه، فسواء قلنا: إن ابن لهيعة كان سيىء الحفظ، فقد أخذ عنه هؤلاء الأئمة من أصوله، فروايتهم عنه معتمدة، وإن قلنا: إنّه اختلط لما حرقت كتبه، قلنا: إنَّ هؤلاء أخذوا عنه من أصوله، فمن المؤكد أنّهم أخذوا عنه قبل أن تحترق؛ لأنّه بعد الاحتراق ما بقيت له أصول، فعلى كل فإنَّ الأخذ من الكتاب يجبر ضعف ابن لهيعة، بل الأمر لا يقف عند العبادلة فقط، فقد تعدى إلى جماعة من أهل العلم غير العبادلة، وبعضهم قد يتوسع في ذلك، وبعضهم قد يضيِّق، وسيأتي إن شاء الله - تعالى - في الجزء الثاني الطرق التي يُعرف بها صحة رواية سيىء الحفظ ومن كان في معناه، والله أعلم. وأمّا عنعنة ابن لهيعة فأمر آخر، فلو روى عنه العبادلة مع أنّه قد عنعن، نحن أيضاً لا نقبل حديثه؛ لأنّه قد وُصف بالتدليس، فإذا روى عنه العبادلة، أو أحدهم، أو من كان في معناهم، ففي هذه الحالة بقيت العلّة الأخرى، وهي علّة التدليس؛ لأنَّ الحافظ ابن حجر - رحمه الله - ذكره في الطبقة الخامسة من ((طبقات المدلسين)) التي أهلها مدلسون وجُرِّحُوا بأمر آخر. وقد سألت شيخنا - محدث العصر - الشيخ ناصر الدين الألباني - حفظه الله - عن قبوله رواية العبادلة عن لهيعة وإن عنعن؟ فأجاب بقوله: لأني وجدت الحافظ ابن حجر نفسه - مع إدخاله إياه في الطبقة الخامسة - وجدته يحتج به في مثل هذه الحالة، وإن عنعن، فالله تعالى أعلم بالصواب في ذلك(٢) . (١) سبق تخريج ذلك قبل، والقصة في ((الكامل لابن عدي)). (٢) في ((تعريف أهل التقديس)) (ص: ١٧٧) قال الحافظ ابن حجر: عبدالله بن لهيعة الحضرمي قاضي مصر اختلط في آخر عمره وكثر عنه المناكير في رواياته. وقال ابن حبان: كان صالحاً؛ ولكنه كان يدلس عن الضعفاء. اهـ. ١٥٨ فإذا أمنا برواية العادلة، أو من سبق الكلام عليهم من جهة سوء حفظه، أو من جهة اختلاطه وتخبطه في الرواية بقيت مسألة التدليس - وفيها البحث السابق - إلا إذا كانت التهمة بالتدليس لم تثبت، فينظر. لكن بقي أن يقال: المدلس إذا أُخِذَ عنه من كتبه، هل يزيل ذلك علة التدليس؟ أو بمعنى آخر: هل المدلس لا يسقط شيخه إلّا إذا حدّث بالحديث من حفظه، مع كونه قد أثبت اسم شيخه في كتابه، فمن أخذ من كتابه علم بشيخه أم لا؟ هذا محل بحث واستفسار، والراجح عندي أنَّ الراوية من الكتاب لا تزيل علّة التدليس، كما حدث من أبي الزبير المكي لليث بن سعد، فقد ناوله كتابه، وأشار لليث على ما سمعه من جابر مباشرة دون ما سمعه منه بواسطة، والله أعلم. . س ٤١: ما حال راوٍ روى عنه ثقتان، ووثقه ابن حبان، مع العلم أنّ بعض أهل العلم يحسن لمن هذا حاله؟ ج ٤١: راوٍ روى عنه ثقتان، وأدخله ابن حبان في كتابه ((الثقات))، فهذا هو المقصود بكلمة ((وثقه ابن حبان)) هنا، يعني: أدخله في كتابه ((الثقات)) لأنّ له كلاماً في الرواة في كتابه ((الثقات))، فأحياناً يقول: متقن، وأحياناً يقول: مستقيم الحديث، ففي كل حالة من هذه الحالات يختلف الحكم. فإذا قال: متقن، أو من الحفاظ أو غير ذلك، فكلامه مقبول في هذا، ويكون الرجل مقبول الحديث وثقة(١)، وقد جمعت التراجم التي (١) سبق معنا قبل قول المعلمي - رحمه الله -: أنّ توثيق ابن حبان - رحمه الله - على درجات : الأولى منها: أن يصرح به كأن يقول: كان متقناً، أو ((مستقيم الحديث، أو نحو ذلك، ثم قال - رحمه الله - بعد عرضه لتلك الدرجات: فالأولى لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم. اهـ من ((التنكيل)) (ص: ٦٦٩). ١٥٩ تكلّم عليها في كتابه ((الثقات)) بقوله: حافظ، أو ضابط، أو متقن، أو من الأئمة، أو من المتقنين، وقارنت كلامه بكلام غيره، فرأيتهم يوافقونه كثيراً، فدل ذلك على عدم تساهله في ذلك، كذلك إذا قال: مستقيم الحديث، فهو متردد بين (ثقة)) و((صدوق))، وأكثر ما توبع على ذلك كما في ((التقريب)) يقول الحافظ: ((صدوق)) وسيأتي هذا - إن شاء الله - بتوسع في الجزء الثاني(١)، ففرق بين هذا وبين ذكره فقط للراوي في ((الثقات))، فإذا كان ابن حبان قد اكتفى بإدخاله الراوي في ((الثقات)) فقط، والرجل لم برو عنه إلّا راويان، فهو في عداد المجهولين، جهالة الحال على تفاصيل راجعة لحال تلامذته(٢)، وشيخنا الألباني - حفظه الله - أراه في بعض (١) قلت: ومن هؤلاء الذين حكم عليهم ابن حبان بالاستقامة وقد روى عنهم اثنان أو أكثر ولم يوثقهم أحد من الأئمة ولم يجرحهم أحد؛ ومع ذلك أطلق عليهم الحافظ قوله: ((صدوق))، فمنهم على سبيل التمثيل: أحمد بن مصرف اليماني، روى عنه اثنان، وقال فيه ابن حبان: مستقيم الحديث، فقال فيه الحافظ ابن حجر ((صدوق)). وكذا أحمد بن ثابت الجحدري: روى عنه جماعة وقال فيه ابن حبان: كان مستقيم الأمر في الحديث، قال فيه في التقريب: ((صدوق))، وأمّا من حكم عليهم الحافظ بالتوثيق فمنهم طليق بن محمد بن السكي روى عنه جماعة، قال فيه ابن حبان في ((الثقات)): ((مستقيم الحديث كالأثبات)) فقال الحافظ في تقريبه: ((ثقة)). أقول: وقد يوجد فيمن أطلق عليهم الاستقامة المجروح والمضعف والمجهول ولكنّهم قليل والله أعلم. ٢) قال عداب الحمش في رسالة ((رواة الحديث)): الصنف الثاني: الرواة الذين سكت عليهم ابن حبان ويزيد عددهم على عشرة آلاف راوٍ فهؤلاء على طبقات متباينة، ولا يمكن إعطاء حكم دقيق ولا تقريبي عنهم ففيهم الثقة الحافظ، وفيهم الصدوق وفيهم المستور والمجهول، والمجهول الحال، وفيهم الضعيف، ومنكر الحديث إلخ اهـ (ص: ٧١). قلت: ومن نظر في صنيع الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في حكمه على من أدخله ابن حبان في كتابه (الثقات) وسكت عنه وقد روى عنه راويان، يحد الحافظ يحكم عليهم بالجهالة، أو جهالة الحال أو يقول فيه: مقبول. وقد يترجم الحافظ - رحمه الله تعالى - لمن هذا حاله بقوله: صدوق، فمن هؤلاء خالد بن سارة، روى عنه اثنان وذكره ابن حبان في ((الثقات)) فقال فيه الحافظ في (تقريبه)): ((صدوق)) وكذا الحسن بن منصور الرقي، قال فيه: ((صدوق)) والصواب في = ١٦٠