Indexed OCR Text

Pages 81-100

نجد بُدًّا من متابعة الحافظ على قوله، والله أعلم (١).
بعد معرفة المعتدل والمتشدد والمتساهل لا بد أن يعلم أنّ كلام
المتشدد والمتساهل لا يُهدر بالمرة إذا انفرد بالكلام على الراوي، والمتأمل
في صنيع الحافظ الذهبي وابن حجر يجد اعتمادهما كلام المتشدد أكثر من
المتساهل، إنما يُرد كلام المتشدد أو المتساهل إذا عارضه معتدل ولم يظهر
(٢)
للمتشدد دليل(٢).
بقي الكلام في الرواة، وهذا إن شاء الله يكون في موضعه من («شفاء
العليل)) حول الراوي الذي يقبل قوله، والذي لا يقبل قوله في الرواة، ومن
ذلك معرفة سنة ميلاد ووفاة كل من المتكلّم والمتكلَّم فيه لنعرف هل إمام
الجرح والتعديل هذا عاصر الراوي الذي تكلّم فيه، أم أنّه تأخر عنه؟ لأنّه
عند التعارض يقدم كلام المعاصر على كلام المتأخر.
وأيضاً فلا بد أن نعرف البلد، هل هو بلديُّ الراوي المترجم له، أو
أنّه غريب عنه؟ فإن كلام البلديّ مقدّم على كلام الغريب، فلعل الغريب قد
رأى حديثاً صحيحاً من الرجل فوثقه، أو لعل الغريب رأى حديثاً ضعيفاً من
الرجل فأنكره، وضعّفه، أمّا بلديّ الرجل فأعرف به، ولذلك ترجح لديَّ في
محمد بن حميد الرازي كلام أهل بلده، فهناك من الأئمة من وثّقه، وهناك
من الأئمة من ضعّفه، وأمّا أهل بلده كأبي حاتم، وابنه، وأبي زرعة،
ومحمد بن مسلم بن وارة وهؤلاء الرازيون فقد اتهموه، وشدوا النكير عليه،
وكلام أهل بلده مقدم على كلام غيرهم(٣)، وكلام المعاصر مقدم على كلام
(١) قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي - حفظه الله تعالى - في ((مقترحه)) (ص: ٣٨)
السؤال رقم (٣٢): والذي تحصل لي أن ((التقريب)) يحتاج إلى نظر ونحن لا نرجع إلى
((التقريب)) إلّا إذا رأينا للعلماء المتقدمين عبارات مختلفة لا نستطيع التوفيق بين
عباراتهم، نرجع إلى ((التقريب)) ونأخذ عبارة صاحب ((التقريب)) والله أعلم.
(٢) وانظر ذلك في السؤال رقم (٥٠).
(٣) انظر السؤال رقم (١٣٤) فهو خاص بمحمد بن حميد الرازي والكلام عن حاله، والله
أعلم فليراجع.
وانظر ((الكفاية)) (ص/١٧٥) قال حماد بن سلمة بلدي الرجل أعرف بالرجل. اهـ.
٨١

البلدي المتأخر، وكل هذا يستثنى منه كلام الأقران في بعضهم، وكذلك
يُقدم كلام الغريب إذا كان أعلم بهذا الفن وبالراوي من بلديه.
أيضاً لا بد من معرفة المذهب الاعتقادي للإمام المتكلّم في الرواة،
والراوي المتكلّم فيه؛ لأنّ الشيعي يتكلّم في الناصبي والعكس.
فالشاهد أنّ الكلام في الرواة يُنظر فيه من جهات كثيرة، ليس فقط من
باب التساهل، والتشدّد، والاعتدال، ولكن من باب البلد، والمعاصرة،
والمذهب.
ويرد على ذلك سؤال وهو: إذا كنت تقول: إنَّ بلديّ الرجل أعرف،
وإن المعاصر أعرف من المتأخر، فلماذا يردون كلام الأقران في بعضهم،
كما تكلّم مثلًا مطيِّن في محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وتكلّم محمد بن
عثمان بن أبي شيبة فيه، والنسائي في أحمد بن صالح المصري، وهكذا
كلام الأقران في بعضهم؟ والجواب: أنّه إذا ظهر لنا من الترجمة أنّ بينهما
تنافساً، وأنّهما قد جاءتهما حظوظ البشرية، وحظوظ النفس، التي لا يسلم
منها إلّا من عافاه الله، فحين ذاك نحن نقف في كلام كل منهما في الآخر
وعند ذلك نقول: كلام الأقران يُطوى ولا يُروى، والله أعلم(١) .
س ٩: ما هو القول الراجح في تعريف المرسل؟
ج ٩: الحديث المرسل(٢) وهو من جملة الأحاديث الضعيفة، عرفه
(١) قال الذهبي - رحمه الله - في ((ميزان الاعتدال)) (١١١/١): كلام الأقران بعضهم في
بعض لا يعبأ به لا سيّما إذا لاح لك أنّه لعداوة، أو لمذهب أو لحسد وما ينجو منه إلّا
من عصم الله وما علمت عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين
ولو شئت لسردت في ذلك كراريس اللهم فلا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك
رؤوف رحيم. اهـ.
(٢) قال العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص: ٢٣ - ٢٤): أمّا المرسل فأصله من قولهم
أرسلت كذا إذا أطلقته ولم تمنعه كما في قوله - تعالى -: ﴿أَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى
اَلْكَفِينَ﴾ فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف وقد أشار الإمام المازري
إلى هذا ... إلخ. وانظر ((النكت على ابن الصلاح)) (٥٤٢/٢).
٨٢

جماعة من أهل العلم كما هو معروف في ((الباعث الحثيث)) وغيره بأنّه:
قول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يذكر
(١)
الصحابي(١).
وعندي في هذا التعريف وقفة، فقوله: ((ولم يذكر الصحابي)) خطأ،
ولكن الصواب أن يقول: هو ما أضافه التابعي إلى رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم، دون ذكر الواسطة أو دون ذكر من حدّثه بذلك لأنّه لو
قال دون ذكر الصحابي، كأنّه يقول إنّ الساقط هو الصحابي فقط، ونحن إذا
تأكدنا أنّ الساقط هو الصحابي فقط، فلا شك أنّ الحديث مقبول، لأنّ
الصحابة كلهم عدول، فما يضرنا أن يسقط، وما يضرنا أن يُبهم، الصحابي
ولا يُذكر اسمه، لأنّه قد ثبتت عدالة الصحابة جميعاً (٢) فحينذاك نحن لا
نقول إن الساقط في الحديث المرسل صحابي فقط، ولكن نحن نخاف أن
(١) ((الباعث الحثيث)) (ص٢١) تحت الكلام على النوع الأول (الصحيح)) قال الشيخ أحمد
محمد شاكر - رحمه الله - المرسل: ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم بدون ذكر الصحابي. اهـ.
وفي ((التعريفات)) للجرجاني (ص: ٢٦٨) قال فيه: هو ما أسنده التابعي أو تبعُ التابعي
إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من غير أن يذكر الصحابي الذي روى الحديث
عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى
آله وسلم وكذا عرفه صاحب ((البيقونية)) كما في ((التقريرات السنيَّة)) (ص: ٥١) في
قوله: ومرسل منه الصحابي سقط ... إلخ ويعترض على هذه التعاريف بما سيذكره
المؤلف إن شاء الله تعالى.
(٢) قال الفتوحي في ((شرح الكوكب المنير)) (٤٧٣/٢): قال الشيخ تقي الدين وغيره: ((الذي
عليه سلف الأمة وجمهور الخلف أنّ الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - عدول
بتعديل الله - تعالى - لهم)).
وقال ابن الصلاح وغيره: ((الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ولا يعتد بخلاف
من خالفهم)) وحكاه ابن عبدالبر في مقدمة ((الاستيعاب)) إجماع أهل السنة والجماعة.
وحكى فيه إمام الحرمين الإجماع. اهـ.
وقال الشوكاني - رحمه الله - في ((إرشاد الفحول)) (ص: ٦٢): ((وإذا تقرر لك عدالة
جميع من ثبتت له الصحبة علمت أنّه إذا قال الراوي عن رجل من الصحابة ولم يسمع
كان ذلك حجة ولا يضر الجهالة لثبوت عدالتهم على العموم)). اهـ.
٨٣

يكون مع الصحابي تابعي آخر، والتابعي يحتاج إلى نظر في حاله هل هو
ثقة، أم ضعيف؟ ... فلمّا لم نعرف هذا وقفنا في الحديث المرسل(١) وهو
عند جمهور أهل العلم يُعَدُّ من الأحاديث الضعيفة(٢)، وأمّا الذين يحتجّون
به ففي الحقيقة أنَّ حجّتهم غير قويّة، لكنّه يستشهد به، وأمّا إذا كان من
مراسيل التابعين الذين قد شهروا بأنّهم يروون عن كل أحدٍ، وأن مراسيلهم
ساقطة، فردها بعض العلماء ولم يستشهد بها، وفيه تفصيل(٣)، وأمّا مراسيل
الذين لم يلقوا الصحابة وعدهم الحافظ في الطبقة السادسة في ((التقريب))
فهذا يحتاج إلى بحث وفي النفس شيء من الاستشهاد بها لأنّ روايتهم
معضلةً(٤).
(١) وإنما قلت: هو ما أضافه التابعي إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليدخل
في ذلك القول والفعل والتقرير. المؤلف.
(٢) قال الإمام النووي - رحمه الله - في مقدمة ((شرح المهذب)) (١٠٠/١): الحديث
المرسل لا يحتج به عندنا وعند جمهور المحدثين وجماعة من الفقهاء، وجماهير
أصحاب الأصول والنظر، وحكاه الحاكم أبو عبدالله بن البيع، عن سعيد بن المسيب،
ومالك وجماعة أهل الحديث وفقهاء الحجاز ... إلخ.
وقال ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص: ٥٨): ((وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج
بالمرسل والحكم بضعفه: هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث
ونقاد الأثر، وقد تداولوه في تصانيفهم)).
وانظر ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٧٣) و((شرح الألفية)) (١٢٨/١) كلاهما للعراقي.
وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في («النزهة)) (ص: ١١٠): وإنّما ذُكر في قسم
المردود للجهل بحال المحذوف، لأنّه يحتمل أن يكون صحابياً، ويحتمل أن يكون
تابعيّاً، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفاً، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني
يحتمل أن يكون حمل عن صحابي ويحتمل أن يكون حمل عن تابعيٍّ آخر، وعلى
الثاني فيعود الاحتمال السابق، ويتعدد إمّا بالتجويز العقلي، فإلى ما لا نهاية له، وإمّا
بالاستقراء، فإلى ستةٍ أو سبعةٍ، وهو أكثر ما وُجدَ من رواية بعضٍ التابعين عن بعضٍ.
اهـ.
(٣) سيأتي تفصيل ذلك - إن شاء الله - في ((الجزء الثاني)) من هذا الكتاب السؤال رقم
(٢٢٣).
(٤) قال الذهبي في ((الموقظة)): نعم، وإن صح الإسناد إلى تابعي متوسط الطبقة كمراسيل
مجاهد وإبراهيم والشعبي فهو مرسل جيد لا بأس به يقبله قوم ويرده آخرون ومن أوهى =
٨٤

وقد قسم الحافظ ابن حجر - رحمه الله - الطبقات في مقدمة
((التقريب)) فذكر الطبقة الأولى الصحابة، والطبقة الثانية، والثالثة، والرابعة،
والخامسة، والسادسة من التابعين، والسابعة، والثامنة، والتاسعة أتباعهم،
والعاشرة والحادية عشرة، والثانية عشرة، أتباع أتباعهم.
فالخامسة في النفس شيء من الاستشهاد بمرسل أهلها، والأمر يحتاج
إلى مزيد تحرير، أمّا السادسة فلا يستشهد بمراسيلهم، لأنها معضلة؛ ومع
ذلك فلا تهدر بالكلية، والله أعلم(١).
= المراسيل عندهم مراسيل الحسن وأوهى من ذلك مراسيل الزهري وقتادة وحميد الطويل
من صغار التابعين وغالب المحققين يعدّون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات فإن
غالب رواية هؤلاء عن تابعي كبير عن صحابي فالظن بمراسيله أنه أسقط من إسناده اثنين
(ص: ٣٩ - ٤٠).
(١) قلت: وأمَّا الحافظ السخاوي - رحمه الله تعالى - فقد قسّم المرسل في كتابه ((فتح
المغيث)) إلى ست مراتب، قال: خاتمة المرسل مراتب أعلاها ما أرسله صحابي ثبت
سماعه ثم صحابي له رواية فقط، ولم يثبت سماعه، ثم المخضرم ثم المتقن كسعيد بن
المسيب ويليها: من كان يتحرى في شيوخه كالشعبي ومجاهد ودونها مراسيل، من كان
يأخذ عن كل أحد كالحسن وأمّا مراسيل صغار التابعين كقتادة والزهري وحميد؛ فإن
غالب رواية هؤلاء عن التابعين. اهـ (١٧٢/١ - ١٧٣).
فالذي يظهر من كلام السخاوي - رحمه الله تعالى - أنّه لا يحكم بضعف مراسيل
الصحابة وذلك لما تقدم بيانه وأمّا بقية المراسيل فكلها ضعيفة وضعفها يتفاوت، والله
أعلم.
وأمّا عن الاستشهاد بهذه المراسيل التي حكم عليها بالضعف فقد استشهد بها جماعة من
العلماء المحققين وأذكر منهم على سبيل المثال الحافظ البيهقي فقد قوى مراسيل جماعة
ممن جعلهم السخاوي، في أدنى المراتب وهم من كان يأخذ عن كل أحدٍ كالحسن
- رحمه الله تعالى -.
قال ابن التركماني: وقد ساق إسناد عبدالرزاق إلى الحسن، قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وعلى آله وسلم: ((تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر ... )) الحديث قال: وقد
ذكر البيهقي: أنَّ هذا الحديث أرسل من جهة الحسن وقد عضده قول أبي هريرة،
وعضده أيضاً حديث علي. اهـ (١٧٨/١) وكذلك استشهد - رحمه الله تعالى - بمرسل
عطاء وهو كالحسن كما قال الإمام أحمد بن حنبل وليس في المرسلات شيء أضعف
من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح فإنّهما كانا يأخذان عن كل أحد ((جامع =
٨٥

٠
التحصيل)) (ص: ٩٠)، ذكر البيهقي أثر عائشة ووصية أبي بكر بأن تغسله أسماء بنت
=
عميس بعد موته، قال: وهذا الحديث الموصل وإن كان راويه محمد بن عمر الواقدي
صاحب التاريخ والمغازي فليس بالقوي وله شواهد مراسيل عن ابن أبي مليكة وعن
عطاء بن أبي رباح اهـ ((السنن)) (٣٩٧/٣) وشاهدي في ذلك ذكر الاستشهاد بمرسل عطاء
وإن كنت لا أرى الاستشهاد بمحمد بن عمر الواقدي وذلك لشدة ضعفه - رحمه الله
تعالى - والله أعلم.
وفي (٩/٤) من كتابه ((السنن)) ذكر مرسلًا لعطاء في صلاته صلى الله عليه وعلى آله
وسلم على إبراهيم وأخرجه أيضاً مرسلًا وموصولًا لغيره ثم قال: ((فهذه الآثار وإن كانت
مراسيل فهي تشد الموصول ... وبعضها يشد بعضاً ... إلخ)) اهـ.
كذا الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - حيث استشهد في ((فتحه)) بمراسيل جماعة
من هؤلاء فهم على سبيل المثال أبو العالية الرياحي، وقد ذكر ابن سيرين ضعف
مراسيل أبي العالية وقال: كان يصدق كل من حدّثه، رواه عنه ابن عون ((جامع
التحصيل)) (ص٩٠) ومع هذا فقد استشهد الحافظ بمرسله كما في ((فتح الباري))
(٤٣٩/٨) وذلك في كلامه على قصة الغرانيق، قال - رحمه الله تعالى -: ((مع أنَّ لها
طريقين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين أحدهما عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن
الحارث بن هشام، والثاني ... عن أبي العالية، ثم قال: وهي مراسيل يحتجّ بمثلها من
يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض. اهـ.
وإن كنت لا أرى صحة هذه القصة لاضطراب رواتها وانقطاع سندها واختلاف ألفاظها
فبعضهم يقول فيها: قرأها في الصلاة، وبعضهم وهو في نادي قومه، وآخر يقول: قرأها
وقد أصابته سنة، وآخر أن الشيطان قالها على لسان النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم، إلى غير ذلك وليس هذا بمحل تفصيل الكلام حول هذه القصة الباطلة وإن
شئت أخي القارىء فارجع إلى رسالة ((نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق)) للشيخ
العلّامة ناصر الدين الألباني - حفظه الله تعالى -، ورسالة ((دلائل التحقيق لإبطال قصة
الغرانيق)) للشيخ علي حسن بن عبدالحميد - حفظه الله تعالى -، وشاهدي من كلام
الحافظ - رحمه الله تعالى -، هو معرفة طريقته من حيث الاستشهاد بمرسل هؤلاء أو
عدمه .
وكذلك قوى بعض المحدّثين مراسيل جماعة من الحفاظ أمثال الزهري وقتادة، وكان
يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً ويقول: هو بمنزلة الريح ويقول: هؤلاء
قوم حفّاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علّقوه ((جامع التحصيل)) (ص: ٩٠ - ٩١) ومع ذلك
فقد قوى الحافظ ابن حجر مرسل قتادة ومجاهد بن جبر وذلك في ((الفتح)) (٣٣٥/٨) في
باب قوله تعالى: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ... ﴾ الآية، قال في تعليقه على =
٨٦

وقد ذكر الحافظ أن أهل الخامسة ما رووا إلّا عن الواحد أو الاثنين
من الصحابة، وأما السادسة فهم الذين عاصروا من روى عن الواحد أو
الاثنين من الصحابة، وأما هم فلم يثبت لهم رواية عن الصحابة، فالمرسل
يستشهد به بشروط مفصلة في كتب علوم الحديث(١)، وقد ذكرت طرفاً من
ذلك وسيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى - في الجزء الثاني من هذا
الكتاب -، وقد يقول قائل: لماذا نستشهد بالمرسل مع أننا لا نستشهد
بالمنقطع، والمرسل عبارة عن انقطاع؟
فالجواب: أنّ الساقط في المرسل في طبقة أحسن من التي بعدها،
ويحتمل أن يكون صحابيّاً، أمّا المنقطع فبخلاف ذلك، ومع ذلك ففيه
تفصيل سيأتي - إن شاء الله - في السؤال رقم (٢٢٣)(٢).
قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((قد خيّرني ربّي فوالله لأزيدن على السبعين))،
=
أخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة، قال: لما نزلت ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾،
قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :... الحديث وأخرج الطبراني من طريق
مجاهد ... إلخ قال: وهذه طريق وإن كانت مراسيل فإن بعضها يعضد بعضاً. اهـ.
قلت: وكذلك الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) قوي مرسل ابن شهاب الزهري قال
- رحمه الله - في (١٩٧/٢): قال ابن شهاب: وكان إذا قام أخذ عصا فتوكأ عليها وهو
قائم على المنبر ... إلخ، قال: وفي هذا المرسل وفي الحديث قبله جلوسه - عليه
السلام - على المنبر قبل الخطبة وليس ذلك في غيرهما وكل منهما يقوي الآخر. اهـ.
قلت: وكذلك استشهد الحافظ السخاوي - رحمه الله تعالى - بمرسل الطبقة الوسطى
من التابعين كما في ((المقاصد الحسنة)) (ص: ٣٣، ٢٥٣) يقوي مرسل الشعبي وكذلك
مرسل طاوس وقال في الأخير: هذا مرسل حسن يشهد لكون هذه اللفظة شائعة فيما بين
التابعين. اهـ.
قلت: وبهذه الأمثلة يتّضح لك أخي القارىء صنيع هؤلاء الأئمة في تقوية المرسل وعدم
التفرقة بين مراسيل كبار التابعين ومراسيل صغار التابعين، كما ذكر ذلك الحافظ ابن
حجر، ومن حيث الاستشهاد تراهم يُقوون مراسيل من حكم عليهم العلماء بأن مراسيلهم
من أضعف المراسيل كأبي العالية الرياحي والزهري وغيرهما والله أعلم.
(١) انظر شروط الشافعي - رحمه الله تعالى - في ((رسالته)) (ص: ١٦١ - ١٦٢) وسيأتي - إن
شاء الله تعالى - تفصيل الكلام عليها في ((الجزء الثاني)) من هذا الكتاب السؤال رقم (٢٢٣).
(٢) وقد استشهد جماعة من أهل العلم بالمنقطع فمنهم على سبيل المثال الإمام الترمذي =
٨٧

- رحمه الله تعالى - وعرف ذلك في اصطلاحه للحديث الحسن حيث قال في ((جامعه))
=
(٣٤٠/٢) وما ذكرنا في هذا الكتاب (حديث حسن) فإنّما أردنا به حسن إسناده، عندنا
كل حديث يروى لا يكون في إسناده متّهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذاً ويروى من
غير وجه نحو ذلك فهو عندنا حديث حسن. اهـ.
قلت: على هذا التعريف يدخل الحديث المنقطع وذلك ظاهر حيث لم يشترط الترمذي
الاتصال فيه وإنّما اشترط نفي الشذوذ مع تعدد الطرق مع خفة الضعف كما هو مقصود
كلامه - رحمه الله تعالى -، ومثال ذلك قول الترمذي في باب ما يقول عند دخول
المسجد (٢١٢/١)، وقد ساق إسناده إلى فاطمة بنت الحسين، عن جدّتها فاطمة
الكبرى، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا دخل المسجد صلّى
على محمد وسلم، وقال: ((اللهم اغفر لي ذنوبي ... )) فذكر الحديث.
ثم قال: وفي الباب عن أبي حميد وأبي هريرة قال أبو عيسى: حديث فاطمة حديث
حسن وليس إسناده بمتّصل وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى إنّما عاشت
فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشهراً: قال المباركفوري في ((تحفته))
فإن قلت: قد اعترف الترمذي بعدم اتصال إسناد حديث فاطمة؛ فكيف قال: حديث
فاطمة حديث حسن؟
قلت: الظاهر أنّه حسّنه لشواهده ... وهذا الحديث أخرجه أحمد وابن ماجة أيضاً فإن
قلت لما أورد الترمذي في هذا الباب حديث فاطمة وليس إسناده متصلًا ولم يورد فيه
حديث أبي أسيد وهو صحيح بل أشار إليه؟ قلت: ليبين ما فيه من الانقطاع ويستشهد
بحديث أبي أسيد وغيره. اهـ ((تحفة الأحوذي)) (٢٦٢/١) وممن صرّح بالاستشهاد كذلك
بالمنقطع الحافظ ابن حجر وذلك في عدة مواضع الموضع الأول في ((هدي الساري))
(٣٤٧) في سياق الأحاديث التي انتقدها النقاد على صاحب الصحيح والجواب عليها،
قال - رحمه الله -: فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد ((وكان
الانقطاع فيه ظاهراً فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنّه إنّما أخرج مثل ذلك في
باب من له متابع وعاضد أو ما حفته قرينة في الجملة تقويه من حيث المجموع)). اهـ.
والشاهد من كلام الحافظ هو ما جعلته بين الأقواس وهو بين واضح فيما نحن بصدده،
والموضع الثاني ما ذكره الحافظ - رحمه الله - في ((نكته)) (٤٠٢/١) في معرض الكلام
حول شرط الترمذي للحديث الحسن قال - رحمه الله تعالى -: فأما ما حررنا عن
الترمذي أنّه يطلق عليه اسم الحسن من الضعيف والمنقطع إذا اعتضد فلا يتجه الاتفاق
على الاحتجاج به جميعه ولا دعوى الصحة فيه إذا أتى من طريق ... قال وقد صرّح
أبو الحسن ابن القطان أحد الحفاظ النقاد من أهل المغرب في كتابه «الوهم والإيهام» بأن
هذا القسم لا يحتج به كله بل يعمل به في فضائل الأعمال ويتوقف عن العمل به في =
٨٨

فالخلاصة أنَّ تعريف المرسل: هو ما أضافه التابعي إلى
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، دون ذكر الواسطة، فكلمة
الواسطة تعم، وتشمل الصحابة فمن دونهم، والله أعلم(١).
الأحكام إلّا إذا كثرت طرقه أو عضده اتصال عمل أو موافقة شاهد صحيح، أو ظاهر
=
القرآن. اهـ.
وهذا حسن قوي رايق ما أظن منصفاً يأباه والله الموفق. اهـ، من ((النكت)).
وهناك موضع ثالث للاستشهاد بالمنقطع ((هدي الساري)) (ص: ١٩) فليراجع، وممن
استشهد بل صرّح بالاستشهاد بالمنقطع الحافظ ابن القيم - رحمه الله تعالى - في ((زاد
المعاد» (٣٧٩/١): ((في الكلام على نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة
نصف النهار حتى تزول الشمس))، قال: وحديث أبي قتادة هذا، قال أبو داود: هو
مرسل لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة والمرسل إذا اتصل به عمل وعضده قياس
أو قول صحابي، أو كان مرسله معروفاً باختيار الشيوخ ورغبته عن الراوية عن الضعفاء
والمتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوته عمل به، وأيضاً فقد عضده شواهد أخرى ...
إلخ.
قلت: وهذا من ابن القيم - رحمه الله تعالى - ظاهر باستشهاده بالمنقطع وإن أطلق عليه
المرسل كعادة جماعة من العلماء وانظر كذلك صنيع الإمام البيهقي وتصريحه بالاستشهاد
المنقطع وذلك في عدّة مواضع أيضاً منها ما جاء في ((معرفة السنن والآثار)) (٢٧٨/٢)
برقم (١٣٢٩)، وهو كالمثال المتقدم عن ابن القيم - رحمه الله تعالى -.
ومن هذه الأمثلة يتضح للقارىء صنيع هؤلاء الحفاظ في الاستشهاد بالمنقطع وقد يظن
البعض من قول الشيخ: (مع أننا لا نستشهد بالمنقطع) أنّ مذهبه هو عدم الاستشهاد به،
وهذا غير صحيح فالشيخ - حفظه الله - يرى الاستشهاد بالمنقطع، إذا كان الانقطاع في
طبقة التابعين أو تابع التابعين وذلك لأنّ الانقطاع كلما نزل عن طبقة القرون الفاضلة
قويت الريبة في الساقط لانتشار الكذب، وظهور الفسق في هذه القرون بعكس القرون
الفاضلة، وعلى ذلك صنيع أهل العلم كما سيوضح ذلك المؤلف في الجزء الثاني من
هذا الكتاب في السؤال رقم (٢٢٥)، والله أعلم.
(١) هذا وقد عرفه الغزالي بقوله: ((وصورة المرسل أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم من لم يعاصره)).
قال الحافظ في ((النكت)) (٥٤٤/٢ - ٥٤٦): وهذا أخص قليلاً من الذي قبله - يعني:
قول ابن الحاجب في المرسل، هو قول غير الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم؛ لأنّه يدخل فيه من سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حال
الكفر ثم استمر كافراً فلم يسلم إلّا بعد موت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فإنّ
هذا لا تصحُّ له صحبة وهو على تعريف الغزالي لا يكون حديثه مرسلًا ...
٨٩

وقال: فإن قيل ما احترز به الغزالي - رحمه الله تعالى - كما قدمته قد ينقدح منه قدح
=
في صحة التعريف الذي أخبرت أنّه قول الجمهور، وذلك لأنّ قولهم ما سمعه بعض
الناس في حال كفره من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم أسلم بعده، وحدث
عنه بما سمعه منه؛ فإنّ هذا والحالة هذه تابعي قطعاً وسماعه منه صحيح متّصل وهو
داخل في حد المرسل الذي ذكرته.
قلت: وهذا عندي نقض صحيح واعتراض وارد لا محيد عنه ولا انفصال منه إلّا أن
يزاد في الحد ما يخرجه، وهو: أن يقول المرسل: ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم مما سمعه من غيره. اهـ.
وقد ذهب إلى هذا الاحتراز أيضاً الإمام الصنعاني - رحمه الله - كما في ((التوضيح))
(ص: ٢٥٨) حيث قال: واعلم أنّه يرد على هذا الرسم ما سمعه بعض الناس حال كفره
من رسول الله ثم أسلم بعد وفاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحدّث عنه بما سمعه
منه؛ فإنّ هذا والحال هذه تابعي قطعاً وسماعه منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم متّصل
وقد دخل في حد المرسل، وحينئذ فلا بدَّ من زيادة قيد بأن يقال: ما أضافه التابعي إلى
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما سمعه من غيره. اهـ.
أقول: وما ذكره الإمامان ابن حجر، والصنعاني من سماع بعض الناس حال كفرهم من
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم إسلامهم بعد وفاته صلى الله عليه وعلى
آله وسلم وتحديثهم عنه بما سمعوه منه؛ أمر نادر جداً، وكأن الأئمة أعرضوا عن هذا
القيد لندرته، وإذا كان كذلك فلا حاجة إليه في التعريف، وقد صرّح بذلك الحافظ
السخاوي - رحمه الله - كما في ((فتح المغيث)) (١٥٦/١ - ١٥٧) فقال: وكذا قيده
شيخنا بما سمعه التابعي من غير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليخرج من لقيه
كافراً فسمع منه ثم أسلم بعد وفاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحدّث بما سمعه منه
كالتنوخي رسول هرقل؛ فإنّه مع كونه تابعياً محكوم لما سمعه بالاتصال لا الإرسال وهو
متعين وكأنّهم أعرضوا عنه لندوره. اهـ.
أقول: وقصة التنوخي هذه أخرجها الإمام أحمد - رحمه الله - في ((مسنده)) من طريق
سعيد بن أبي راشد قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم بحمص وكان جار لي شيخاً كبيراً قد بلغ العقد أو قرب، فقلت: ألا
تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورسالة
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى هرقل؟ قال: بلى، قدم رسول الله تبوك
فبعث دحيّة الكلبي إلى هرقل ... الحديث.
والقصة ((ضعيفة)) لجهالة سعيد بن أبي راشد، وعليه مدار الإسناد وقد ترجم له الحافظ
في التقريب بقوله: ((مقبول)) وقد حكم عليها شيخنا أبو الحسن - حفظه الله - بالضعف =
٩٠

س ١٠: رجل سمع من محدّث ذُكر بأنَّه اختلط، كيف نعرف أنّ هذا
الرجل سمع قبل الاختلاط أو بعده؟
ج ١٠: معرفة هذا تكون بنصوص الأئمة، وبالأقوال الثابتة عنهم،
والحمد لله - عزّ وجلّ - فقد صنّفت كتب في هذا الباب، وبينت الرواة
الذين اختلطوا، أو الرواة الذين تغيروا، والتلامذة الذين رووا عنهم في زمن
الاستقامة، والتلامذة الذين رووا عنهم بعد اختلاطهم، والتلامذة الذين رووا
عنهم في الحالتين، فيرجع في كل ترجمة إلى موضعها من هذه الكتب وهي
والحمد لله موجودة ومتداولة(١).
والعلماء يعرفون استقامة الراوية أيضاً أو اختلاطها بالتاريخ، كأن يكون
التلميذ لقي شيخه، وأخذ عنه في سنة كذا، ثم مات التلميذ، أو أنّ الشيخ
ما تغير إلّا بعد موت هذا التلميذ، وقد ينظرون في روايته فيجدونها صحيحة
مستقيمة عنه، فيدل هذا على أنّه حدّث بها أيّام استقامته، وقد يكون
المختلط هذا في زمن اختلاطه جاءه أحد الأئمة وقال له: لا أسمع منك إلّا
من أصولك، فاخرج لي أصولك، أو أخرج لي كتبك، والرجل الذي تغير
أو اختلط، أو ساء حفظه، أو يقبل التلقين، إنّما يضره أو يضر حديثه إذا
حدَّث من حفظه، أمّا إذا حدث من كتابه أو من أصوله، فلا يضر
حديثه(٢)، كما سيأتي في رواية العبادلة عن ابن لهيعة وغير العبادلة الذين
= كما في تحقيقه للمجلد الأول من ((فتح الباري)) للحافظ ابن حجر.
وعلى هذا فلا يصح التمثيل بذلك لضعف القصة ويضاف إلى ذلك أيضاً عدم تأكدنا من
إسلام التنوخي فقد قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((التهذيب)) ترجمة سعيد بن
أبي راشد: روى عن التنوخي النصراني رسول قيصر - ويقال: رسول هرقل -... إلخ
فلم يجزم الحافظ بإسلامه، والله أعلم.
(١) قلت: ومن الكتب التي صنفت في هذا الباب كتاب ((الاغتباط بمن رمي بالاختلاط))
للحافظ سبط بن العجمي، وكتاب ((الكواكب النيِّرات في معرفة من اختلط من الرواة
الثقات)) لأبي البركات محمد بن أحمد المعروف بابن الكيال - رحمه الله -.
(٢) قال الشيخ زكريا الأنصاري - رحمه الله - في حاشية ((التبصرة والتذكرة)) للعراقي
(٢٦٤/٢): فما روى المختلط في اختلاطه أو اشتبه فلم يدر أحدّث بالحديث قبل اختلاطه
أو بعده سقط ما رواه مما اعتمد فيه على حفظه بخلاف ما اعتمد فيه على كتابه. اهـ.
٩١

رووا عنه من أصوله(١) .
بقي أن يقال: هل هناك فرق بين قولهم: ((فلان مختلط)) و((فلان
تغیّر ))؟
نعم هناك فرق، فالتغير أخف من الاختلاط، وقد صرّح بذلك الحافظ
الذهبي - رحمه الله - عندما ردّ على ابن القطان في كلامه على هشام بن
عروة (٢)، وبيَّن ذلك أيضاً في رواية معمر بالبصرة، والاختلاط كأن يقلب
الإسناد، وأمّا التغير فالراوي يهم في اسم الشيخ فيقلب اسم الأب أو يؤخره
عن الجد(٣).
(١) انظر ذلك مفصّلًا في السؤال رقم (٤٠).
(٢) قال الإمام الذهبي - رحمه الله تعالى - في ((السير)) (٣٥/٦ - ٣٦) ترجمة هشام بن
عروة: ((قلت: الرجل حجة مطلقاً ولا عبرة بما قاله الحافظ أبو الحسن القطّان من أنّه
هو وسهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيّرا، فإنّ الحافظ قد يتغيّر حفظه إذا كبر وتنقص
حدَّة ذهنه فليس هو في شيخوخته، كهو في شبيبته، وما ثمّ بمعصوم من السهو والنسيان
وما هذا التغير بضارٍ أصلًا؛ وإنّما الذي يضر الاختلاط، وهشام فلم يختلط قط، هذا
أمر مقطوع به، وحديثه محتجِّ به في ((الموطأ)) و((الصحاح))، و((السنن)) فقول ابن القطّان:
((أنّه اختلط)) قول مردود، مرذول، فأرِني إماماً من الكبار سلم من الخطأ والوهم فهذا
شعبة وهو من الذروة له أوهام، وكذلك معمرّ، والأوزاعي، ومالك - رحمة الله عليهم
ـ اهـ وله في («الميزان)) (٨٥/٧ - ٨٦) قال:
هشام بن عروة أحد الأعلام - حجة إمام لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبداً،
ولا عبرة بما قاله أبو الحسن القطّان من أنّه وسهيل بن أبي صالح اختلطا، وتغيّرا؟!
نعم، الرجل تغيّر قليلًا، ولم يبقَ حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسي بعض محفوظه أو
وهم، فكان ماذا؟! أهو معصوم من النسيان؟!
ولما قدم العراق في آخر عمره حدّث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير
أحاديث لم يجوّدها، ومثل هذا يقع لمالك، ولشعبة، ولوكيع، ولكبار الثقات، فدع
عنك الخبط وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلطين، فهشام شيخ الإسلام ولكن
أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطّان ... إلخ. اهـ.
وانظر الفرق بين الاختلاط والتغير بتوسع أكبر في ((شفاء العليل)) (ص: ٤٤٠ - ٤٤٢)،
وكذلك ((المقترح)) لشيخنا مقبل بن هادي - حفظه الله - في السؤالين (٦١، ١٦٦) والله
أعلم .
(٣) الاختلاط لغةً: قال في ((اللسان)) (٢٩٤/٧ - ٢٩٥): اختلط فلان؛ أي: فسد عقله، =
٩٢

س ١١: لماذا عيب على حماد بن سلمة جمعه للروايات؟
ج ١١: مسألة جمع الراويات عبارة عن قول الراوي: حدّثني فلان،
وفلان، وفلان، وهذا لا يقبل من الراوي إلا إذا كان ثقة حافظاً، فإذا كان
من الحفّاظ الأثبات قُبِلَ منه جمعه للروايات، أمّا إذا كان صاحب أوهام،
فقد يكون هذا من أوهامه، وحمّاد بن سلمة على إمامته، وشهرته في الفضل
والثقة، إلّا أنّه قد تكلّم فيه بعض الأئمة من قبل حفظه، وهذا يدل على
أنّهم لا يقبلون منه، إذا قال: حدّثني فلان، وفلان، أي إذا جمع؛ أمّا إذا
قال: حدّثني فلان فقط، فهذا يدل على تثبته (١)، والحفّاظ لا يضرهم الجمع
في الراويات - كما سبق -.
ورجل خلط بين الخلاطة أحمق مخالط العقل، ويقال: خولط الرجل فهو مخالط،
=
واختلط عقله فهو مختلط إذا تغير عقله.
واصطلاحاً: قال السخاوي في ((فتح المغيث)) (٣٦٦/٣): وحقيقته: فساد العقل وعدم
انتظام الأقوال والأفعال، إمّا بخرف أو ضرر أو مرض من موت ابن وسرقة مال
كالمسعودي، أو ذهاب كتب كابن لهيعة، أو احتراقها كابن الملقن. اهـ.
(١) قال أبو يعلى الخليلي في كتابه ((الإرشاد)) (٤١٧/١ - ٤١٨): ذاكرت بعض الحفاظ،
قلت: لِمَ لم يدخل البخاري حمّاد بن سلمة في الصحيح؟ قال: لأنّه يجمع بين جماعة
من أصحاب أنس، يقول: ثنا قتادة، وثابت، وعبدالعزيز بن صهيب، عن أنس وربّما
يخالف في ذلك، فقلت: (أليس) ابن وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد،
فيقول: حدّثنا مالك وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، والأوزاعي بأحاديث ويجمع
بين جماعة غيرهم؟! فقال ابن وهب: أتقن لما يرويه وأحفظ له اهـ. قال ابن رجب في
((شرح العلل)) (٨١٦/٢).
ومعنى هذا: أنّ الرجل إذا جمع بين حديث جماعة وساق الحديث سياقة واحدة فالظاهر
أنّ لفظهم لم يتّفق، فلا يقبل هذا الجمع إلّا من حافظ متقن لحديثه، يعرف اتّفاق
شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره ...
إلخ.
هذا وقد أخرج البخاري لحماد بن سلمة في ((الشواهد)) قال الحافظ ابن حجر في ((هدي
الساري)) (ص: ٤١٩): حماد بن سلمة بن دينار البصري أحد الأئمة الأثبات، إلّا أنّه
ساء حفظه في الآخر، استشهد به البخاري تعليقاً ولم يخرج له احتجاجاً، ولا مقروناً،
ولا متابعة إلّا في موضع واحد ... إلخ.
٩٣

ألا ترى أن الإمام مسلم بن الحجاج - رحمه الله تعالى - في
((صحيحه)) قد يقول: حدّثني فلان، وفلان، وفلان، وقد يعد خمسة من
المشايخ، ويقول: قال فلان: حدّثنا، وقال الآخرون: أخبرنا، فهذا من تمام
الثقة والضبط والإتقان، فإنه يحفظ الحديث عن عدّة مشايخ، ثم يفصل
عبارات التحمل وهي قول المحدث: ((حدّثنا))، و((أخبرنا))، فيفصل ألفاظ كل
راوٍ عن الآخر (١).
والعّة في الجمع أنَّ صاحب الأوهام قد يجمع الشيخ مع بعض
المشايخ، ويقول: حدّثني فلان، وفلان، وفلان، وهذا الجمع فيهم الثقة،
وفيهم الضعيف، ثم يسوق حديثهم سياقة واحدة، وقد يكون أحد الضعفاء
الذين أخذ الحديث عنهم قد تفرد بلفظة ينبني عليها حكم، فحين ساق
الحديث سياقة واحدة عن عدة مشايخ فيهم الثقة وفيهم الضعيف، أصبحنا
في ريبة من أمره، وما ندري هل هذا اللفظ من رواية الثقة، أو من رواية
الضعيف؟ وأيضاً قد يكون صاحب الأوهام لم يتأكد من ذا الذي حدّثه بهذا
الحديث؟ فيتوهم أنّه فلان، ثم يتوهّم أنَّه آخر، فيجمع بين المشايخ، فحين
ذاك لا يقبل هذا إلّا من الإمام المتقن؛ لأنّه مميز لرواية فلان عن غيره،
ويميز رواية الثقة عن غيره.
وليس حماد بن سلمة وحده هو الذي يتكلّم فيه الأئمة من قبل هذا
الشيء، فقد تكلّموا في كثير من رواة الأحاديث بذلك، والله أعلم (٢).
س ١٢ : بقية بن الوليد يدلّس عن سعيد بن عبدالجبّار الزبيدي،
وزرعة بن عمر الزبيدي، موهماً أنّه محمد بن الوليد صاحب الزهري،
ويقول: حدّثني الزبيدي، وسعيد بن عبدالجبار وزرعة كلاهما ضعيف،
فكيف نعرف الثقة من الضعيف؟
(١) انظر بعض الأمثلة على ذلك في ((شفاء العليل)) الباب الثالث (ص: ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٢) ذكر بعضهم ابن رجب - رحمه الله تعالى - في شرحه لـ((علل الترمذي)) (٨١٦/٢
- ٨١٧).
٩٤

ج ١٢: هذا من تدليس الشيوخ: أن يأتي الشيخ المدلّس إلى شيخه
ويعمي أمره على الناظر فيه، فيذكره بغير ما اشْتهِرَ به، وقد يكون للمدلّس
شيخان باسم واحد، ويشتركان أيضاً في اسم الأب، ويفترقان في اسم
الجد، وهذه مسألة كنت ألقيتها على الأخوة كسؤال، فقلت لهم: مدلّس
روى الحديث عن شيخه بصيغة السماع، قال: حدّثني فلان، عن فلان،
ومع ذلك لا يزال العلماء يقولون: إنّه مدلس، مع أنّه قد صرّح بالسماع،
وهذا شيخه معروف بالراوية عنه، كيف يعد مدلّساً وقد صرّح بالسماع؟
الجواب على ذلك: أنّ المدلّس له شيخان يشتركان في الاسم، واسم
الأب، ويختلفان في اسم الجد، وأحد الشيخين ثقة، والآخر ضعيف، فيأتي
المدلس هذا ويقول: حدّثني فلان بن فلان، ولا يقول الفلاني، أو ابن فلان
فلا يذكر اسم الجد، ولا البلد التي يتميّز بها الثقة من الضعيف، فلا يزال
مدلساً مع أنّه قد صرّح بالسماع، فمِنْ هذا فِعْلُ بقية المسؤول عنه، وقد
تكلّم على ذلك الشيخ المعلمي - رحمه الله تعالى - في تحقيقه ((الفوائد
المجموعة)) للشوكاني - رحمه الله - فلتراجع - والعلم عند الله تعالى _(١).
(١) قال الشيخ المعلمي - رحمه الله تعالى - تعليقاً على حديث: ((من حدّث حديثاً فعطس
عنده فهو حق))، قال: وهو منكر جداً سنداً ومتناً، ولبقية شيخان، أحدهما: معاوية بن
يحيى الصدفي، ((هالك)»، والآخر: معاوية بن يحيى الأطرابلسي ذهب الأكثر إلى أنّه
أحسن حالاً من الصدفي ووثّقه بعضهم، وعكس الدّار قطني وذكر أنَّ مناكيره أكثر من
مناكير الصدفي، وأيهما الواقع في السند؟ ذهب جماعة إلى أنّه الأطرابلسي لأنّه قد عرف
له الراوية عن أبي الزناد وذهب آخرون إلى أنّه الصدفي لأنّ هذا الخبر أليق به، ولأنّه
كان يشتري الصحف فيحدّث بما فيها غير مبال أسَمِعَ أم لم يسمع، ويقوي هذا؛ أنّ
بقية مدلس، ولا يجهل أن الأطرابلسي عند الناس أحسن حالًا من الصدفي، فلو كان
شيخه في هذا الخبر هو الأطرابلسي لصرح به. اهـ ((الفوائد المجموعة)) (ص: ٢٢٤
- ٢٢٥).
ويتلخص لنا من كلام المعلمي السابق أننا نستطيع التفرقة بين شيخي المدلس بأمور.
منها :
أولًا: بالنظر في ترجمة الشيخين المختلف عليهما فأيهما أدرك شيخه أو سمع منه فهو
المقدم .
=
٩٥

وبالنسبة لما ورد في السؤال فالطريق إلى التمييز يكون بالرجوع
للمطوّلات من كتب الجرح والتعديل، فإن ظهر لنا شيء عملنا به، وإلّا
فنقف من أجل صنيع المدلس الذي وعّر علينا الطريق، والله أعلم.
س ١٣ : لو ذكروا أنَّ للثقة الحافظ أحاديث غلط فيها؛ فما العمل؟
ج ١٣: الثقة الحافظ، أو الثقة فقط، الأصل في حديثه الاحتجاج،
والأصل في حديثه أنّه صحيح حتى يثبت أنّ هذا الحديث من أوهامه، فنحن
لا بدّ أن نعلم أنّه ما من واحد من الأئمة إلّا وله أغلاط، لكنَّها قليلة،
وتنغمر في سعة ما روى من الأحاديث الصحيحة الثابتة القوية(١).
ثانياً: النظر في صفة تحمل المدلس فإن عنعن فالظاهر أنّه ما عنعن إلّا عن الضعيف، إذ
=
لو كان الثقة لصرّح به وأظهر أمره.
ثالثاً: ينظر في حال الخبر فإن كان في الخبر نكارة فالظاهر أنّها ما أتت إلّا من قبل
الضعيف، وقد عقد الخطيب البغدادي - رحمه الله - باباً في ذلك فقال في ((الكفاية))
(ص: ٥٢٨ - ٥٢٩) باب ((القول في الرجلين يشتركان في الاسم والنسب، فتجيء
الراوية عن أحدهما من غير بيان وأحدهما عدل والآخر فاسق)) ثم قال: مثال ما ذكرناه:
إسماعيل بن أبان الغنوي شيخ كان بالكوفة ((غير ثقة)) وإسماعيل بن أبان الوراق كان بها
أيضاً ((ثابت العدالة)) وقد ذكرهما يحيى بن معين ... وكان يعقوب بن شيبة بن الصلت
قد كتب عنهما جميعاً، فلو ورد حديث ليعقوب عن إسماعيل بن أبان لم يبين في
الراوية، أي الرجلين هو، ولا عرف السامع ما تمييز ذلك من جهة العلم بشيوخهما،
والاستدلال بروايتهما، وجب التوقف فيه، وترك العمل به، لأنّه لا يؤمنَ أن يكون رواية
الغنوي الذي ثبت جرحه. ثم ذكر - رحمه الله - أمثلة أخرى. اهـ.
(١) قال الإمام مسلم - رحمه الله - في كتابه ((التميّز)) (ص: ١٣٢): ((ليس من ناقل خبر
وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا - وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقياً
وإتقاناً لما يحفظ وينقل - إلّا والغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله)).
وفي ((الكفاية)) (ص: ٢٢٧ - ٢٢٨): عن سفيان الثوري: قال: ليس يكاد يفلت من
الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط وإن كان الغالب
عليه الغلط ترك.
وقد سبق في ذلك أيضاً كلام الإمام الذهبي - رحمه الله تعالى - في ترجمة هشام بن
عروة من ((السير)) (٣٥/٦ - ٣٦) و((الميزان)) (٨٥/٧ - ٨٦) فليراجع، والله أعلم.
٩٦

فنحن في مثل هذا إذا رأينا في ترجمة الرجل: ((ثقة حافظ غلط في
أحاديث))، أو ((غلط في حديث)) فنحن نحتجّ بحديثه، ما لم ينص الأئمة أو
أحدهم على أنّ هذا الحديث من أغلاطه، أو ما لم يظهر لنا عند جمع
الطرق أن هذا من أوهامه.
وأيضاً الصدوق الذي يقولون فيه: ((ربَّما وهم))، الأصل في حديثه
الحُسْنُ، حتى يثبت أنَّ هذا من أوهامه، إمّا بنص واحد من العلماء، فيذكر
هذا الحديث من مناكيره، أو في ترجمته وأن العهدة عليه، أو إذا جمعنا طرق
الحديث فوجدنا الراوي قد خالف من هو أوثق منه، فكل هذا يسوغ لنا
الحكم بضعف الحديث - وأمّا: ((صدوق له أوهام)) و((صدوق يخطىء))،
و((صدوق يهم)) فعندي أنَّ هذه الألفاظ من ألفاظ الاستشهاد، وليست من
ألفاظ الاحتجاج، وهذه مسألة إن شاء الله سأبينها بشيء من التفصيل في الجزء
الثاني من هذا الكتاب، وأذكر الأدلّة التي وقفت عليها من كلام أهل العلم.
س ١٤: عنعنة المدلّسين في ((الصحيحين)) محمولة على ماذا؟
ج ١٤: عنعنة المدلّسين في ((الصحيحين)) محمولة على السماع، بل
نحن نجد في رواة الأحاديث في (الصحيحين)) رجالًا قد تكلّم فيهم من قبل
الحفظ، فضلًا عن التدليس، ومع ذلك نجد صاحبي ((الصحيح)) لم يتأخرا
في التخريج عن هؤلاء الرجال.
فإمّا أن تكون هذه العنعنة قد ثبت تصريح المدلّس فيها بالسماع في
موضع آخر، فتكون - والحمد لله - قد زالت العلّة (١)، ولو فرضنا؛ أننا قد
بحثنا في كلّ الطرق، فوجدناها بالعنعنة.
(١) قال السخاوي - رحمه الله - في ((فتح المغيث)) (٣٥٥/١): وقال القطب الحلبي:
((وأكثر العلماء أن المعنعنات التي في ((الصحيحين)) منَزَّلة منزلة السماع)).
وقال الحاكم أبو عبدالله في ((المعرفة)) (ص: ١٠٩) -: ((ومنهم - يعني: من المدلسين
- جماعة من المحدثين المتقدّمين والمتأخرين مخرَّج حديثهم في الصحيح إلاَّ أنَّ
المتبحّر في هذا العلم يُمَيِّز بين ما سمعوه وبين ما دلّسوه)) وانظر ((تدريب الراوي))
(٢٣٠/١)، والله أعلم.
٩٧

فنحن نقول أيضاً: إنَّ إخراج البخاري أو مسلم - رحمهما الله تعالى
- لهذا الرجل وتلقي الحفّاظ ((للصحيح)) بالقبول كافٍ؛ لأن ما وسع الحفاظ
يسعنا، ولا نريد أن نزعزع ثقة المسلمين في ((الصحيحين))، فنفتح المجال
للناس في ذلك، وقد سمعنا أنّ هناك من يحقق ((صحيح البخاري)) أو
((صحيح مسلم))(١)، والله المستعان.
الشاهد من هذا أن قول من يقول: لماذا نضعف أحاديث المدلسين
خارج ((الصحيحين)) ولا نضعُفهما داخل ((الصحيح))؟
وقال: نحن بهذا نكون متشبهين ببني إسرائيل الذين إذا سرق فيهم
الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.
أقول: فرق واسع، وبون شاسع بين هذا وذاك، فإننا نتكلّم على
الأحاديث من جهة الصحة والضعف بكلام علمائنا، فإذا سبقنا علماؤنا
وصحَّحوا الحديث وأجمعوا على صحته، مَنْ مِنّا يتجرأ على تضعيفه؟! وإذا
أجمعوا على ضعفه فمَن يتجرأ على تصحيحه؟!
فحقيقة الأمر، أنَّ الفرق واسع جداً بين هذه وتلك، وما ينبغي أن
يكون هناك مقارنة، أو وجه شبه في ذلك.
لأنّي أقول لقائل هذه المقالة: من أين عرفت أنَّ عنعنة المدلسين لا
(١) قلت: وقد جاء في أسئلة الإمام تقي الدين السبكي للحافظ أبي الحجّاج المزي:
((وسألته عمّا وقع في ((الصحيحين)) من حديث المدلس معنعناً هل نقول أنّهما اطلعا على
اتصالها؟ فقال: كذا يقولون وما فيه إلّا تحسين الظن بهما وإلا ففيهما أحاديث من رواية
المدلّسين ما توجد من غير تلك الطريق في الصحيح. اهـ، من ((النكت)) (٦٣٦/٢).
قال المؤلف: غير أن هذا الكلام ليس على إطلاقه لأنَّ صاحبي ((الصحيح)) لو عارضهما
أحد الحفّاظ الأوائل وأعل الحديث بعنعنة المدلس لما استمر حسن الظن هذا ولكن
أقوى ما نستدل به هو تلقي الحفاظ للكتابين بالقبول إلّ الأحرف اليسيرة، وعدم
الاعتراض على هذه العنعنة من قبل الحفّاظ أقوى في النفس من تصريح بالسماع من
طريق أخرى قد يعتريه تصحيف، أو تحريف، أو وهم من أحد الرواة، والله أعلم. اهـ.
٩٨

تُقبل إلّا إذا صرّحوا بالسماع؟ أبآية من القرآن؟! أم بحديث نبوي؟! أم
بأقوال العلماء - أعني: علماءَ الحديث _؟!
فلا شك؛ أننا أخذناها عن علماء الحديث، ونحن نقول - كما قال
الإمام أبو حاتم الرازي - رحمه الله -: ((أهل الحديث إذا اتفقوا على شيء
کان اتفاقهم حجة)).
وقد اتّفق أهل الحديث، وأهل الفقه، وأهل العلم، والأمّة على تسمية
كتابَي البخاري، ومسلم بـ((الصحيحين)) إلّا الأحرف اليسيرة التي انتقدت،
فمَن نحن حتى نأتي فنزعزع الثقة في ((الصحيحين)) ونقول: هذا صحيح،
وهذا ضعيف؛ لأنَّ فيه فلاناً، وهو مدلس، أو لأن فلاناً له أوهام، أو لأنَّ
فلاناً قد اختلط أو تغيَّر؟! مَنْ نحن حتى نفعل هذه الأشياء؟!
وكما نحن قد عرفنا من قواعد الأئمة أنَّ عنعنة المدلس لا تقبل،
والمختلط إذا روى حديثاً فلا بدّ من تمييز هذه الراوية: هل هي في زمن
الاستقامة، أو في زمن الاختلاط؟ وعرفنا أيضاً من قواعد الأئمة أنَّ كلام
الحفّاظ إذا أجمعوا على شيء كان الأمر كما قالوا، وقد ذكر هذا أبو حاتم
الرازي كما في كتاب ((المراسيل)) لابنه، (ص: ١٩٢) برقم (٧٠٣) ترجمة
محمد بن شهاب الزهري. المؤلف.
فيا من تأخذ بالقواعد! هذا أيضاً من القواعد! فلماذا تأخذ ببعضها،
وتترك بعضها؟ !.
الأمر الآخر أننا نعلم أنَّ السند قد يكون ضعيفاً، ولكن الحديث
صحيح بالمتابعات، ونحن نعرف أنَّ صاحبي ((الصحيح)) أخرجا من أحاديث
أصحاب الضعف والأوهام، إما من أصول كتبهم، وإما أخرجا لهم ما توبعوا
عليه، أو ما كان له أصل، أو ما ليس فيه نكارة، ثم الحفّاظ بعد ذلك
يسلمون لهما، ولا يردون عليهما قولهما أو إدخالهما ذلك الحديث في
الكتاب الموسوم بالصحة.
فمن نحن حتى نناقش حفّاظ الأمّة الذين أجمعوا على ضعف حديث،
٩٩

أو صحته؟ !! ثم إنّي أسأل المخالف في ذلك: لو أنَّك وقفت على سند
رجاله كلهم ثقات، ورأيت ثلاثة من حفاظ الحديث كأحمد وابن مهدي وابن
المديني قالوا: هذا الحديث لا يشبه حديث فلان - أحد رجال السند - إنّما
هو يشبه حديث فلان - ذاك الضعيف - وفي الجهة الأخرى: لو وقفت على
سند فيه ضعيف، ورأيت هؤلاء الثلاثة مع تضعيفهم للراوي يصححون
الحديث، وأنت لم تقف على هذه الشواهد، هل تسلم لهم في الأمرين أم
لا؟ فإن سلمت لرسوخ قدمهم في هذا الباب، رجعت إلى قولنا، مع أنَّ
قولنا يؤيده الإجماع لا مجرد ثلاثة فقط من الحفّاظ، وإن خالفتهم فأنت
أهل لأَنْ تُخَالَف، وليس هذا من التقليد، بل هذا من اتباع خبر العدل، كما
قبلنا قولهم في الراوي: فلان ثقة أو ضعيف، فنحن نقبل كل حديث في
((الصحيحين)) إلّا الأحاديث التي انتقدت، فالانتقاد يفتح لنا باب الاجتهاد في
تحكيم القواعد، والحكم عليها بما تستحق، أمّا أن نرد كلام هؤلاء الحفّاظ
إذا أجمعوا فلا.
منْ منّا مثل الحافظ الذهبي - رحمه الله - في علمه وحفظه ونباهته؟!
ومع ذلك لمّا ذكر حديث: ((من عادى لي وليّاً، فقد آذنته بالحرب)) وذكر
أنَّه من غرائب خالد بن مخلد القطواني، وأنَّ خالداً خالف فيه جماعة،
وعدّد أسباباً لضعفه، ومع ذلك قال: ولولا هيبة ((الجامع الصحيح)) لعُدَّ هذا
من مناكيره أو غرائبه، انظر ترجمة خالد في ((الميزان))(١).
((فالجامع الصحيح)) له هيبة؛ قد هابه الحافظ الذهبي؛ الذي قال في
العقيلي: ((أفما لك عقل يا عقيليُّ؟!)) (٢)، والذي قال في ابن القطّان:
(١) في ((الميزان)) (٤٢٥/٢ - ٤٢٧) خالد بن مخلد القطواني أبو الهيثم: قال الذهبي بعد
إيراده للحديث السابق في ترجمته، فهذا حديث غريب جداً لولا هيبة الجامع الصحيح
لعدُّوه في منكرات خالد بن مخلد وذلك لغرابة لفظه؛ ولأنّه مما ينفرد به شريك وليس
بالحافظ، ولم يرو هذا المتن إلّا بهذا الإسناد، ولا خرّجه مَنْ عداً البخاري، ولا أظنّه
في مسند أحمد ... إلخ.
(٢) في ((الميزان)) (١٦٩/٥ - ١٧٠) قال الذهبي - رحمه الله - في ترجمة علي بن
عبدالله بن المديني: وأخبار ابن المديني مستقصاة في ((تاريخ بغداد)):
١٠٠
=