Indexed OCR Text

Pages 41-60

المبحث الثاني
الحالة الاجتماعية
● الرعية :
كانت الرعية في العصر العباسي الثاني تنتمي إلى أجناس مختلفة ، وذلك
بسبب اتساع رقعة الدولة الإسلامية ، ودخول الناس في دين الله أفواجاً ، فمن
هذه الأجناس : العرب ، والفرس ، والأتراك ، والمغاربة ، والأكراد ، والديلم ،
وكان منهم المسلمون - وهم معظم الرعية وسوادها - ومنهم اليهود والنصاري -
وهم أهل الذمة الذين تمتعوا بقدر كبير من التسامح والبر والقسط - ومنهم
المجوس - الذين عوملوا معاملة أهل الكتاب ، فأخذت منهم الجزية - واختلف
المسلمون فيما بينهم إلى شيعة ، وأهل سُنَّة ، وإلى أتباع المذاهب الفقهية الأربعة
المعروفة وغيرها (١) .
ومن طبقات الرعية المميزة طبقة الرقيق (٢) ، الذين تكاثروا حتى استطاعوا
القيام بأحداث بالغة الأهمية سميت بثورة الزنج ( من سنة خمس وخمسين
ومائتين إلى سنة سبعين ومائتين ) ( ٢٥٥ - ٢٧٠ هـ ) (٣)، ومما ساعد على
حسن معاملة الرقيق وعدم ازدرائهم والإساءة إليهم كون أمهات بعض الخلفاء من
الرقيق (٤)
٠
(١) تاريخ الإسلام : ٤٢٢/٣.
(٢) إن المصدر الشرعي للرقيق في الإسلام هو الحرب بين المسلمين والكفار ، ولقد أمر
الإسلام بالرفق بهم وحسن معاملتهم ورغب في تحريرهم ، بل حض على مساعدتهم في
دفع ما يحتاجه السيد من المال لقاء عتق عبيده ، قال تعالي: ﴿ والذين يبتغون الكتاب مما
ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ﴾ ( سورة
النور ، الآية رقم ٣٣).
(٣) انظر: تاريخ الأمم والملوك: ٤٣١/٩.
(٤) انظر مثلاً هذه الصفحات في تاريخ الخلفاء: ٣٦٨، ٣٨٦، ٣٩٠، ٣٩٤ .
- ٤١ -

وانغسمت الطبقات الراقية من المجتمع في حياة الترف والبذخ والتطاول في
البنيان ، فكانت قصور الخلفاء والأمراء وكبار رجال الدولة ، يضرب بها المثل في
حسن رونقها وبهائها ، كما امتازت بفخامة بنائها واتساعه مع الحدائق الغناء ،
والأشجار المتكاثفة ، بينما لم يكن لمعظم دور العامة أسوار تحيط بها ، وإنما
كانت نوافذها تطل على الشوارع ، حتي أن المار ليستطيع أن يرى من بداخلها (١) .
العادات والأخلاق :
عني المسلمون في هذا العهد بالاهتمام بالعيدين الشرعيين : الفطر ،
والأضحى، وبمولد الرسول وَطه، ويوم عاشوراء، بل كان بعض المسلمين ممن
لم يفهموا أمور الدين يشتركون في أعياد المجوس ، مثل يوم النيروز ، وبعض
أعياد النصارى ، مثل خميس العهد وغيرها من أعياد الجاهلية (٢)
وبقيت نساء المسلمين في هذا العهد في بيوتهن ، تنفيذاً لأوامر الشرع وحفظاً
للعرض والنسل ، وكان منهن عالمات بالدين ، متفقهات فيه ، يقبل الناس على
دروسهن ، يأخذون عنهن من وراء حجاب (٣).
ومارس الناس أنواعاً من الرياضة والتسلية ، مثل ركوب الخيل ، الذي كان
من أحب أنواع التسلية عند الخلفاء والأمراء والولاة وكبار رجال الدولة ، لما فيه:
من تهيئة الناس للحرب، وتعلمت العامة السباحة والرماية والمصارعة ، حتى أن
السيوطي ليذكر أن الخليفة المستكفي بالله ( أغرى المصارعين والسباحين ، فانهمك
شباب بغداد في تعلم المصارعة والسباحة ) (٤) .
وتمسك معظم الخلفاء والرعية بآداب الإسلام وأخلاقه ، وها هو ذا الخليفة
المقتدر يختن خمسة من أولاده ، ويختن معهم طائفة من الأيتام (٥) ، وكان من
حوادث سنة أربع وثلاثمائة أن ( قُلد ثابت بن سنان الطبيب أمر المارستان ببغداد
في هذه السنة ، وكانت خمساً ) (٦).
(١) تاريخ الإسلام : ٣/ ٤٣٤ .
(٢) الحضارة الإسلامية :: ٢/ ٢٨٢ .
(٣) الحضارة الإسلامية :: ٢/ ١٧٦ .
(٤) تاريخ الخلفاء ص ٣٩٧ .
(٥) تاريخ الخلفاء ص ٣٨٠ .
(٦) البداية والنهاية : ١٢٦/١١ .
- ٤٢ -

· الفرق والمعتقدات :
كثر الخلاف في هذا العهد بين أهل السُّنَّة والرافضة (١) ، وظهرت فرق ضالة
كثيرة ، حاربها الخلفاء والرعية ، مثل الخوارج (٢)، وغلاة الصوفية مثل الحلاج
الذي قتل بإفتاء الفقهاء والعلماء أنه حلال الدم (٣) ، وأما أكبر فتنة دينية في ذلك
العصر ، فهي فتنة القرامطة الذين قتلوا الناس يوم التروية ، واقتلعوا الحجر
الأسود من مكانه ، وأخذوه إلى هجر ، ولم يعيدوه إلا سنة تسع وثلاثين
وثلاثمائة ، فبقي عندهم نيفاً وعشرين سنة (٤) ورحم الله الخليفة المعتمد على الله
إذا أمر سنة تسع وسبعين ومائتين ( أن لا يقعد في الطريق منجم ولا قصاص ،
واستحلف الوراقين أن لا يبيعوا كتب الفلاسفة والجدل ) (٥) .
وظهر في تلك الأوقات بعض مدعي النبوة ، كالذي فتن العامة من الناس سنة
اثنتين وعشرين وثلاثمائة ( ٣٢٢ هـ ) ببلدة باسند ، بما كان يفعله من إدخال يده
في حوض ماء ، وإخراجها مملوءة بالمال ، فلما أريد قتله ادعى أنه متي مات عاد
إلى الدنيا ، فبقى بتلك الناحية جماعة كثيرة على ما دعاهم إليه مدة طويلة ، ثم
اضمحلوا وفنوا (٦) .
ومهما يكن من أمر فلم يخل هذا الوقت من طائفة ظاهرة على الحق ، قائمة
به ، مجاهدة نفسها في طاعة الله ، داعية إلى الدين الحق ، نابذة لأنواع البدع
والخرافات .
• الاقتصاد :
اشتغلت الرعية بمهن كثيرة متعددة ، لكسب رزقها ، والأكل من كد يدها ،
فانتشرت في الأرض ابتغاء فضل الله ، فمن طائفة عاملة بالزراعة ، إلى أخرى
مشتغلة بالرعي ، إلى ثالثة ماهرة بالصناعة ، إلى رابعة عاملة بالتجارة .
(١) البداية والنهاية: ٢٢١/١١ .
(٢) البداية والنهاية: ٧٣/١١ .
(٣) تاريخ الخلفاء ص ٣٨٢ .
(٤) العبر : ٤٧٤/١ .
(٥) تاريخ الخلفاء ص ٣٦٧ .
(٦) الكامل لابن الأثير: ٦ / ٢٤٠.
- ٤٣ -

ولقد اهتم العباسيون بالزراعة ، وشجعوا الناس عليها ، بل أقاموا المدارس
الزراعية ، التي كان لها أثر كبير في إنارة عقول المسلمين ، وتوصلهم إلى أنواع
جيدة من المحاصيل (١) ، كما نظموا أساليب الري ، وجعلوا الماء مباحاً للجميع
لأنهم شركاء فيه ، وعملوا السدود والترع ، واهتموا بحراثة الأرض بواسطة
الأبقار ، فصار الإنتاج الزراعي وافراً متنوعاً حسب البيئة والمناخ ، حيث نجد
الحنطة ، والذرة ، والكروم ، والبطيخ ، والليمون ، والزيتون ، والقطن ،
والكتان ، وكانت الصناعة قليلة ، أهمها صناعة المنسوجات الحريرية ، والفرش
والأبسطة ، وصناعة الورق ، واستخراج المعادن مثل الذهب ، والفضة ،
والحديد ، والرصاص ، والنحاس ، وصناعة الرخام ، والجلود ، والسفن ،
وآلات الحرب ، واستخراج الزيت من الزيتون ، وصناعة العطور وغيرها (٢).
ولقد تميز ذلك العصر بتجارته الزاهرة الرابحة ، وذلك بفضل الأسواق
العامرة، والطرق السهلة الممهدة ، التي أحاطت بها الآبار الكثيرة ، كما كانت
سفن المسلمين وقوافلهم تجوب كل البحار والبلاد ، ومن أهم أصناف التجارة
حينئذ : تجارة الغلات ، والبز ، والعطارة ، والمنسوجات ، وتعامل الناس
بالدرهم - وهو العملة الفضية - وبالدينار - وهو العملة الذهبية - في البيع
والشراء وسائر ضروب التجارة (٣).
وكانت الدولة العباسية الثانية تأتي بالمال الذي تحتاج إليه في شؤون الحكم من
الخراج ، والجزية ، وتركة من يموت ولم يخلف وارثاً حتى أبطلها الخليفة المقتدر
بالله سنة إحدى عشرة وثلاثمائة (٣١١ هـ )، وذلك بردها إلى ذوي الأرحام (٤)
وأخماس المعادن والركاز ، كما كانت تقوم بصرف المال وإنفاقه في : إقامة
الجسور، وشق الترع ، وأرزاق الولاة والقضاة ، والجنود ، والموظفين ،
والاستعداد للجهاد ، وخوض الحروب ، والإنفاق على الأسرى والمساجين ،
والنواحي الثقافية والإعلامية مثل : أعطيات الشعراء الذين يتغنون بمفاخر الخلافة
٠٠
(١) تاريخ الإسلام : ٣١٩/٣.
(٢) الحضارة الإسلامية: ٢/ ٣٥٠.
(٣) الحضارة الإسلامية: ٣٨٥/٢ .
(٤) تاريخ الخلفاء ص ٣٨٢ .
- ٤٤ -

وإصلاحاتها ، والأدباء والعلماء الذين يثرون الحياة العلمية والفكرية (١) ، إلا أنه
كان يشين هذا كله تصرفات بعض الخلفاء التي اتسمت بالترف والبذخ ، وسوء
التصرف ، ومثال ذلك ما وقع سنة اثنتين وثمانين ومائتين ( ٢٨٢ هـ ) ، ( حيث
تزوج المعتضد بابنة خُمَارَوَيْه (٢) ، على مهر مبلغه ألف ألف درهم ، فأرسلت
إلى بغداد، وبنى بها المعتضد ، وقوم جهازها بألف ألف دينار ) (٣)، ولأجل
هذا كان يقع الغلاء الشديد في ديار المسلمين أحياناً ، حتى يأكلوا الميتة والكلاب ،
وتكثر الأمراض حتى لا يدفن أحد أحداً ، بل يتركون على الطرقات ، فيأكل
كثيراً منهم الكلاب ، وتباع الدور والعقار بالخبز (٤).
(١) التاريخ الإسلامي العام ص ٥٨٢.
(٢) هو خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون التركي ، والي مصر والشام ، انظر ترجمته في
سير أعلام النبلاء: ٤٤٦/١٣، والنجوم الزاهرة : ٤٩/٣.
(٣) العبر : ٤٠٤/١ .
(٤) البداية والنهاية: ٢١٣/١١ .
- ٤٥ -

: المبحث الثالث
الحالة العلمية
امتاز هذا العصر بالمستوي الرفيع من العلم والفكر ، حيث انتشرت الثقافة
وازدهرت ، ونضجت ملكات العلماء المسلمين في البحث والتأليف والترجمة .
وكان من أسباب ذلك الرقي : تشجيع الخلفاء والسلاطين والأمراء لحركة
البحث العلمي ، واهتمامهم بالعلم والعلماء ، بل كانوا يعقدون مجالس العلم
والمناظرة ، ولقاءات الفكر والشعر في قصورهم ، ويحيطون أنفسهم بكوكبة رائعة.
من العلماء والشعراء والأدباء ، وها هو ذا الخليفة الحاكم يؤسس في سنة خمس
وتسعين وثلاثمائة ( ٣٩٥ هـ ) دار الحكمة (١) ، وهي مدرسة لتلقي العلم، ثم
يلحق بها مكتبة أطلق عليها اسم دار العلم (٢) ، حوت ما لم يجتمع مثله في
مكتبة من المكتبات ، كما فعل الوزير أبو نصر سابور أزد شير مثل هذا الفعل ؛
إذ اشترى داراً وجعلها مكتبة ووقفها على العلماء ، ووقف بها كتباً كثيرة (٣) ،
ويحكى عن الوزير أبي الحسن بن الفرات أنه أعان طلاب الحديث بعشرين ألف
(٤)
درهم (٤) .
وازدهرت في هذا العصر حركة الترجمة من اللغة اليونانية ، والفارسية ،
والهندية إلى اللغة العربية ، فاستفاد المسلمون من علوم غيرهم ، سيما والحكمة
ضالة المؤمن ، هو أحق الناس بها ، إلا أن بعض الناس ضل بهذه الثقافات
الأجنبية ، خاصة ما تعلق منها بالفلسفة الإغريقية .
وأثرت الفتوحات الإسلامية ، وما كان من اتساع رقعة الدولة ، في حياة العلم
وأهله ، فقد تيسر ارتحال العلماء وطلاب العلم إلى مشارق الأرض
(١) تاريخ الإسلام: ٣٣٧/٣.
(٢) المرجع السابق : ٣٣٧/٣.
(٣) تاريخ الخلفاء ص ٤١٢ .
(٤) الحضارة الإسلامية : ٣٤٢/١ .
- ٤٦ -

ومغاربها ، لتلقي العلم ومجالسة العلماء ، وساعدت النهضة العمرانية التي
شهدها هذا العصر في رفع مستوى العلم ، وشجعت على الأخذ بأكبر نصيب
منه ، حيث بنيت المساجد الكبيرة ، والمكتبات القيمة ، والمدارس الواسعة المنتشرة
في كل الأصقاع والبلدان ، فمن هذه المساجد الكبيرة - التي كانت بمثابة المعاهد
العلمية - جامع المنصور ببغداد (١) ، والمسجد الجامع بالقاهرة (٢) ، ومن
المكتبات - غير ما ذكرنا - مكتبة الفقيه أبي القاسم جعفر بن محمد بن حمدان
الموصلي الشافعي ، التي أنشأها ببلده ، وجعل فيها كتباً من كل فن (٣) ، ومن
المدارس المشهورة : الجامع الأزهر (٤) ، ومدرسة دار السنة التي أسسها أبو بكر
(٥)
الصبغي (٥) .
ونشطت في هذه الحقبة بعض الفرق كالمعتزلة والإسماعيلية وجماعات من غلاة
الصوفية ، فاقتضي ذلك مقابلتها بنشاط محلوظ من أهل السُّنَّة ، لمناقشتها ورد
شبهها وأباطيلها ، فقامت المناظرات والمجادلات ، وألفت الكتب والرسائل ، مما
ساعد في نشاط الحركة العلمية ، إلا أن تلك المعارك الفكرية ، كان لها أثر
سلبي، تمثل في شغل المسلمين ببعض الأمور التي لا طائل من مناقشتها ، والخوض
فيها ، إذ لا يترتب عليها عمل ، وليس لها كبير فائدة ، ومهما يكن من شىء ،
فما أنقصت تلك المسائل في الفكر الإسلامي - حين ذاك - إلا قدراً يسيراً لا يكاد
يذكر .
وحفل هذا العصر بعلماء أجلاء ، وجهابذة أتقياء ، كان لهم الفضل في دفع
الحركة العلمية وتقدمها ، فمن أشهر العلماء الذين برزوا في التفسير وعلوم القرآن :
ابن جرير الطبري ( ت ٣١٠ هـ )، والكسائي القارئ ( ت ٢٨٣ هـ )، وفي
الحديث وعلومه : الإمام البخاري ( ت ٢٥٦ هـ)، والإمام مسلم ( ت ٢٦١ هـ ) ،
والرامهرمزي ( ت ٣٦٠ هـ ) .
وأما في الفقه وأصوله فقد برز الإمام أحمد ( ت ٢٤١ هـ )، وداود الظاهري
(١) الحضارة الإسلامية: ٣٣٢/١.
(٢) المرجع السابق : ٣٣٢/١ .
(٣) المرجع السابق: ٣٢٩/١.
(٤) المرجع السابق : ٣٣٠/١.
(٥) المرجع السابق : ٣٤٨/١ .
- ٤٧ -

( ت ٢٧٠ هـ)، وفي علم الكلام: أبو الهذيل العلاف ( ت ٢٣٥ هـ).
وأبو علي الجبائي (ت ٣: ٣ هـ)، وفي مقارنة الأديان: الأشعري (١) ( ت: ٣٢٤ هـ).
وأبو منصور البغدادي (٢) ( ت ٤٢٩ هـ)، وفي اللغة: سيبويه ( ت: ٢٨ هـ )،
والمبرد ( ت ٢٨٥ هـ )، أما في الأدب فقد ظفر هذا العصر بكثير من أفذاذ
الشعراء ، مثل: البحتري ( ت ٢٨٥ هـ)، وأبي الطيب المتنبئ (ت ٣٥٤ هـ) ،
وفي الفلسفة : الفارابي ( ت ٣٣٩ هـ)، وابن سينا ( ت ٤٢٨ هـ)، وفي الطب :
أبو بكر الرازي ( ت ٣١١ هـ)، وعلي بن العباس المجوسي ( ت ٣٨٤ هـ)،
وفي التاريخ : البلاذري ( ت ٢٧٩ هـ ) وابن قتيبة الدينوري ( ت ٢٧٦ هـ) ،
وفي الجغرافيا : اليعقوبي ( ت ٢٨٢ هـ)، والبشاري المقدسي ( ت ٣٨٧ هـ) ،
وفي الرياضيات : ثابت بن قرة الحراني ( ت ٢٨٨ هـ) ، ومحمد بن الحسن
ابن الهيثم ( ت ٤٣٠ هـ) ، وغيرهم .
وقد حظيت السُّنَّة النبوية الشريفة في هذا العصر ، بخدمة جليلة من علماء.
الحديث رواية ودراية ، ففيه ظهرت الكتب الستة الأمهات في الحديث ، وألف
خليفة بن خياط الشيباني العصفري ( ت ٢٤٠ هـ ) كتابه الطبقات (٣) ، وفيه ابن
أبي حاتم الرازي عبد الرحمن بن محمد بن إدريس ( ت ٣٢٧ هـ ) ، وفيه أبو
القاسم الطبراني سليمان بن أحمد بن أيوب ( ت ٣٦٠ هـ ) صاحب المعاجم
الثلاثة: الكبير (٤)، والأوسط (٥)، والصغير (٦)، وفيه الآجري أبو بكر
محمد بن الحسين بن عبد الله ( ت ٣٦٠ هـ )، والخطيب البغدادي أبو بكر
أحمد بن علي ( ت ٤٦٣ هـ ) صاحب تاريخ بغداد (٧) .
(١) له كتاب مقالات الإسلاميين ، وهو مطبوع .
(٢) له كتاب الفرق بين الفِرَق ، وهو مطبوع .
(٣) مطبوع .
(٤) مطبوع ، وفقدت منه أجزاء .
(٥) مطبوع .
(٦) مطبوع .
(٧) مطبوع .
- ٤٨ -

ويقف ابن عدي بين هؤلاء العلماء خادماً للسُّنَّة ، ومدافعاً عنها ، وناشراً لها
كما فعل أسلافه وأقرانه من أهل الذكر والفكر ، فجزاهم الله عنا كل خير .
· تأثر ابن عدي ببيئته ، وتأثيره فيها :
لا شك أن الإنسان يتأثر ببيئته ، وأحوال عصره السياسية والاجتماعية،
والعلمية ، ويؤثر فيها بحسب جهده وعطائه ، ومكانه الذي يتبوأه .
ولقد تأثر ابن عدي ببيئته أيما تأثر ، فمولده بجرجان ، تلك البلدة الجميلة
الهادئة التي حظيت بعلماء أجلاء ، وترعرعه في أحضانها في ظل دولة إسلامية
تعظم شعائر الله ، كل ذلك جعله ينشأ في طاعة الله ، بيد أن بعض الأمور
ساعدت في نبوغه العلمي ونضوجه الفكري ، منها :
اتساع رقعة الدولة الإسلامية ، وكثرة العلماء فيها ، أثرا في تحصيل ابن عدي
للعلم والأخذ منه بنصيب وافر .
والاستقرار السياسي النسبي ، وشق الطرق جعلا ابن عدي يرحل في طلب
الحديث ولقاء العلماء .
وتشجيع الخلفاء لحركة البحث العلمي ، وازدهار الصناعات - التي كان منها
صناعة الورق - دفعا ابن عدي لسلوك الطريق التي يلتمس فيه العلم .
والمنشآت العلمية المنتشرة في أنحاء الدولة الإسلامية ، مثل المكتبات والمدارس
والمساجد العامرة ، كانت محل درسه وتحصيله .
لم يؤثر ابن عدي في بيئته تأثيراً واضحاً كبيراً ، وذلك لأنه لم يتقلد أي
منصب في الدولة ، مثل الوزارة ، أو الإمارة ، أو الإفتاء ، أو القضاء ، بل كان
تأثيره في الجانب العلمي أوضح ، فلقد تربى على يديه مئات التلاميذ ،
وتخرجوا عليه ، وأضاف إلى المكتبة والثقافة الإسلامية كتباً قيمة - منها كتاب
الكامل في ضعفاء الرجال - لم تؤثر في معاصريه فحسب ، بل أثرت في كل
من جاء بعده إلى يومنا هذا .
- ٤٩ -
(م٤ - ابن عدي ومنهجه .. )

الفصل الثاني
اسم ابن عدي ، ونسبته ، ومولده ، ونشأته ، وأسرته
- ٥١ -

المبحث الأول
اسمه ونسبته
· اسمه :
هو عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن مبارك (*) ، هذا هو الاسم
الذي عرف به ابن عدي ، واشتهر به بين العلماء والمصنفين (١) ، أما قول
اليافعي (٢)، والسبكي (٣)، وحاجي خليفة (٤)، والكتاني (٥) : أن اسمه هو
عبد الله بن محمد بن عدي ، فهو خطأ ، وكذا قول ابن كثير في البداية
والنهاية (٦) ، أن اسمه هو عبد الله بن محمد بن أبي أحمد ، وقد رجحت ما
(*) له ترجمة في :
تاريخ جرجان ص ٢٦٦، الإرشاد : ٧٩٤/٢، تاريخ دمشق ورقة ٣٨٦، الأنساب :
٢٢١/٣، معجم البلدان: ١٢١/٢، بيان الوهم والإيهام - الجزء الثاني - القسم الثاني ،
لوحة ٢٤١ ب، اللباب: ٢١٩/١، العبر: ١٢١/٢، المعين في طبقات المحدثين ص
١١٤، تذكرة الحفاظ: ٣/ ٩٤٠، دول الإسلام: ١٧٦/١، سير أعلام النبلاء:
١٥٤/١٦، تاريخ الإسلام، لوحة ٦٥ ب، عيون التواريخ ورقة ١٢١، مرآة الجنان:
٢/ ٣٨١، طبقات الشافعية الكبرى: ٣١٥/٣، البداية والنهاية: ٢٨٣/١١، عقد الجمان ،
الجزء العاشر - لوحة ٨٠ ب ، النجوم الزاهرة : ١١١/٤، الإعلان بالتوبيخ ص ١٦٥،
طبقات الحفاظ ص ٣٨٠، كشف الظنون: ٢/ ١٣٨٢، شذرات الذهب: ٥١/٣، هدية
العارفين: ٤٤٧/١، إيضاح المكنون: ٢٧٤/٢، الرسالة المستطرفة ص ١٠٨، تاريخ
الأدب العربي: ٢٢٦/٣، تاريخ التراث العربي: ٣٩٩/١، معجم المؤلفين: ٨٢/٦،
الأعلام : ٢٣٩/٤ .
(١) انظر: تاريخ دمشق ورقة ٣٨٦، وسير أعلام النبلاء: ١٥٤/١٦، وشذرات
الذهب : ٥١/٣ .
(٢) مرآة الجنان : ٣٨١/٢ .
(٣) طبقات الشافعية الكبرى: ٣١٥/٣.
(٤) كشف الظنون : ٢/ ١٣٨٢.
(٥) الرسالة المستطرفة ص ١٠٨ .
(٦) البداية والنهاية: ٢٨٣/١١ .
- ٥٣ -

ذكرته أولاً لكثرة مَنْ سماه به ، ولأنه عرف به بين أهل بلده (١) ، ولا شك أن
أهل كل مصر أدرى باسم من سكن معهم أكثر من غيرهم .
وكنية ابن عدي هي : أبو أحمد (٢) ، ذكرها معظم من ترجم له ، وكان ابن
عدي يعرف في بلده بابن القطان (٣) .
نسبته :
•
ينتسب ابن عدي إلى جُرْجَان (٤) - بضم الجيم ، وسكون الراء المهملة ،
والجيم والنون بعد الألف - فيقال : ابن عدي الجرجاني (٥) .
وجرجان مدينة حسنة ، فتحها يزيد بن المهلب ، أيام سليمان بن عبد الملك ،
خرج منها جماعة من العلماء (٦) ، منهم : أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن
عدي، والإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، والإمام عبد القاهر بن
عبد الرحمن الجرجاني مؤلف كتابي دلائل الإعجاز (٧)، وأسرار البلاغة (٨)،
ولجرجان تاريخ مدون ، صنفه تلميذ ابن عدي : حمزة بن يوسف السهمي (٩)
وتقع الآن في دولة إیران (١٠) ..
(١) انظر : تاريخ جرجان ص ٢٦٦ .
(٢) بيان الوهم والإيهام: ٢٤١/٢ ب، وإيضاح المكنون: ٢٧٤/٢ :، والعبر
١٢١/٢ ٠
(٣) انظر مثلا: تذكرة الحفاظ: ٣/ ٩٤٠، والنجوم الزاهرة: ١١١/٤، وطبقات
الحفاظ ص ٣٨٠ .
(٤) معجم ما استعجم: ٢/ ٣٧٥، ومعجم البلدان : ١٢١/٢ .
(٥) انظر: الإرشاد : ٧٩٤/٢، ودول الإسلام: ١٧٦/١، وعقد الجمان : ١٠/ ٨٠
ب ، وعيون التواريخ ورقة : ١٢١.
(٦) الأنساب : ٢٢١/٣، واللباب : ١/ ٢٧٠.
(٧) مطبوع .
(٨) مطبوع .
(٩) مطبوع ، واسمه تاريخ جرجان .
(١٠) انظر: معجم أماكن الفتوح ص ٧٠٥ .
- ٥٤ -

المبحث الثاني
مولده ، ونشأته ، وأسرته
• مولده :
ولد ابن عدي بجرجان يوم السبت ، غرة ذي القعدة ، سنة سبع وسبعين
ومائتين ( ٢٧٧ هـ ، ٨٩٠م)، وهي السنة التي توفي فيها أبو حاتم الرازي (١).
● نشأته :
نشأ ابن عدي وترعرع بجرجان ، ولقد ذكر السهمي في تاريخه أن دار ابن
عدي ومسجده بها (٢) ، وفيها تلقي تعليمه ، وكان مما درسه علم الحديث ،
الذي أخذه عن علماء بلده وعمره لم يتجاوز ثلاث عشرة سنة (٣) - أي في سنة
تسعين ومائتين ( ٢٩٠ هـ ) - هكذا قيل ، إلا أنني وجدت في الكامل أنه أخذ
الحديث سنة ثمان وثمانين ومائتين ( ٢٨٨ هـ ) (٤)، وكتب الحديث عنهم (٥)،
جرياً على سنة المحدثين ، الذين كان أحدهم يجمع الحديث عن شيوخ بلده
أولاً ، ثم يرحل إلى ما شاء من أمصار المسلمين للقاء العلماء ، وأخذ العلم
عنهم (٦) ، وبعد أن مكث ابن عدي سبع سنين دأباً في بلده ، رحل في طلب
الحديث في سنة سبع وتسعين ومائتين (٧) ( ٢٩٧ هـ) .
(١) انظر: تاريخ جرجان ص ٢٦٦، والأعلام: ٢٣٩/٤، وطبقات الشافعية:
٣١٦/٣، وتذكرة الحفاظ : ٣/ ٩٤٠ .
(٢) انظر: تاريخ جرجان ص ١٦٩، وص ٢٦١ .
(٣) سير أعلام النبلاء: ١٥٤/١٦.
(٤) انظر: الكامل: ٢٣٩٧/٦، و٧/ ٢٧٢٠.
(٥) تاريخ دمشق ورقة ٣٨٧ .
(٦) انظر مثلاً: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: ٢٢٣/٢، وعلوم الحديث لابن
الصلاح ص ٢٢٢، والتبصرة والتذكرة: ٢٢٤/٢، وإرشاد طلاب الحقائق: ٥١٣/١،
وتدريب الراوي : ٢/ ١٤٢ .
(٧) تذكرة الحفاظ : ٩٤١/٣.
- ٥٥ -

أسرته :
لم تحدثنا المراجع كثيراً عن أسرة ابن عدي ، إلا أنها ذكرت أن أبا أحمد
الخليل بن أحمد بن الخليل الهمذاني ، من ساكني جرجان ، هو جد عبد الله بن
عدي أبو أمه ، وروي الخليل عن أبيه أحمد ، وروي عنه ابنه أحمد ، وتوفي في
جمادي الآخرة سنة تسع وثمانين ومائتين (١) .
كما جاء أن والده عدي كان من تلاميذ الإمام أبي زرعة الرازي (٢).
وذكرت خاله : أبا الحسن ، علي بن الخليل بن أحمد بن الخليل بن سليمان
ابن زياد ، المعروف بالشاعر القطان الجرجاني ، الذي روى عن الفضل بن محمد
البيهقي ، وروى عنه جماعة (٣) ، كما جاء ذكر أخيه : أبي عبد الله محمد بن
عدي ، سمع من السختياني ، ومات قبل عبد الله بن عدي (٤) ، أما أولاده فهم :
عدي ، ومنصور ، وأبو زرعة ، وقد تتلمذوا على أبيهم وأخذوا الحديث عنه ،
قال حمزة السهمي وغيره : أن ابن عدي ( تفرد برواية أحاديث ، وهب منها
لبنيه: عدي ، وأبي زرعة ، ومنصور ، تفردوا بروايتها عن أبيهم) (٥) ..
أما ابنه عدي بن عبد الله بن عدي أبو محمد ، فقد سكن سجستان ، وحدث
بها إلى أن مات بها ، وقد حدث عن أبيه ، وعبد الباقي بن قانع ، وأبي بكر
محمد بن عبد الله الشافعي ، وأبي محمد الفاكهي ، وعلىّ بن أحمد بن سيف
العطار الجرجاني ، وروى عنه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الشروطي (٦)
وأما منصور أبو حاتم ، فقد كان يعظ الناس في مسجد أبيه بعد وفاته إلى أن
مات ، وروى عن أبيه، وأبي بكر الإسماعيلي وغيرهما ، وروي عنه ابنه -
(١) تاريخ جرجان ص ٢٠٨ .
(٢) انظر : سير أعلام النبلاء : ٦٧/١٣، وقد حدث ابن عدي عن والده في الكامل
١٤١/١ .
.. ..
(٣) تاريخ جرجان ص ٣٠٣ .
(٤) تاريخ جرجان ص ٤٥٧ .
(٥) تاريخ جرجان ص ٢٦٧ ( بتصرف يسير ) .
(٦) الأنساب : ٢٢٢/٣، وتاريخ جرجان ٢٨٤ .
- ٥٦ -

حفيد ابن عدي - أبو القاسم إسماعيل ، وتوفي منصور سنة إحدى وأربعمائة ،
في جمادي الأولى ، في السابع عشر منه (١) .
وبهذا يتبين لنا أن أسرة ابن عدي كانت أسرة علمية ، برز منها علماء في
الحديث ، منهم جد ابن عدي الأعلى - جد أمه - أحمد بن الخليل بن سليمان
ابن زياد ، وابنه - جد ابن عدي - خليل بن أحمد بن الخليل بن سليمان بن زياد ،
وابناه - خالا ابن عدي - علي بن خليل ، وأحمد بن خليل ، ووالده - عدي -
وأولاد ابن عدي : عدي ، ومنصور ، وأبو زرعة (٢)، وحفيده: إسماعيل ابن
منصور بن عبد الله بن عدي ، وأخوه : محمد بن عدي ، فهي ذرية طيبة ،
بعضها من بعض .
(١) تاريخ جرجان ص ٤٧٥ .
(٢) لم أجد ترجمته ولم أقف على اسمه ، ولعل اسمه أحمد ، لأن ابن عدي كنيته :
أبو أحمد .
- ٥٧ -

الفصل الثالث
شيوخ ابن عدي وتلاميذه
- ٥٩ -