Indexed OCR Text
Pages 41-60
المبحث الثاني الحالة الاجتماعية ● الرعية : كانت الرعية في العصر العباسي الثاني تنتمي إلى أجناس مختلفة ، وذلك بسبب اتساع رقعة الدولة الإسلامية ، ودخول الناس في دين الله أفواجاً ، فمن هذه الأجناس : العرب ، والفرس ، والأتراك ، والمغاربة ، والأكراد ، والديلم ، وكان منهم المسلمون - وهم معظم الرعية وسوادها - ومنهم اليهود والنصاري - وهم أهل الذمة الذين تمتعوا بقدر كبير من التسامح والبر والقسط - ومنهم المجوس - الذين عوملوا معاملة أهل الكتاب ، فأخذت منهم الجزية - واختلف المسلمون فيما بينهم إلى شيعة ، وأهل سُنَّة ، وإلى أتباع المذاهب الفقهية الأربعة المعروفة وغيرها (١) . ومن طبقات الرعية المميزة طبقة الرقيق (٢) ، الذين تكاثروا حتى استطاعوا القيام بأحداث بالغة الأهمية سميت بثورة الزنج ( من سنة خمس وخمسين ومائتين إلى سنة سبعين ومائتين ) ( ٢٥٥ - ٢٧٠ هـ ) (٣)، ومما ساعد على حسن معاملة الرقيق وعدم ازدرائهم والإساءة إليهم كون أمهات بعض الخلفاء من الرقيق (٤) ٠ (١) تاريخ الإسلام : ٤٢٢/٣. (٢) إن المصدر الشرعي للرقيق في الإسلام هو الحرب بين المسلمين والكفار ، ولقد أمر الإسلام بالرفق بهم وحسن معاملتهم ورغب في تحريرهم ، بل حض على مساعدتهم في دفع ما يحتاجه السيد من المال لقاء عتق عبيده ، قال تعالي: ﴿ والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ﴾ ( سورة النور ، الآية رقم ٣٣). (٣) انظر: تاريخ الأمم والملوك: ٤٣١/٩. (٤) انظر مثلاً هذه الصفحات في تاريخ الخلفاء: ٣٦٨، ٣٨٦، ٣٩٠، ٣٩٤ . - ٤١ - وانغسمت الطبقات الراقية من المجتمع في حياة الترف والبذخ والتطاول في البنيان ، فكانت قصور الخلفاء والأمراء وكبار رجال الدولة ، يضرب بها المثل في حسن رونقها وبهائها ، كما امتازت بفخامة بنائها واتساعه مع الحدائق الغناء ، والأشجار المتكاثفة ، بينما لم يكن لمعظم دور العامة أسوار تحيط بها ، وإنما كانت نوافذها تطل على الشوارع ، حتي أن المار ليستطيع أن يرى من بداخلها (١) . العادات والأخلاق : عني المسلمون في هذا العهد بالاهتمام بالعيدين الشرعيين : الفطر ، والأضحى، وبمولد الرسول وَطه، ويوم عاشوراء، بل كان بعض المسلمين ممن لم يفهموا أمور الدين يشتركون في أعياد المجوس ، مثل يوم النيروز ، وبعض أعياد النصارى ، مثل خميس العهد وغيرها من أعياد الجاهلية (٢) وبقيت نساء المسلمين في هذا العهد في بيوتهن ، تنفيذاً لأوامر الشرع وحفظاً للعرض والنسل ، وكان منهن عالمات بالدين ، متفقهات فيه ، يقبل الناس على دروسهن ، يأخذون عنهن من وراء حجاب (٣). ومارس الناس أنواعاً من الرياضة والتسلية ، مثل ركوب الخيل ، الذي كان من أحب أنواع التسلية عند الخلفاء والأمراء والولاة وكبار رجال الدولة ، لما فيه: من تهيئة الناس للحرب، وتعلمت العامة السباحة والرماية والمصارعة ، حتى أن السيوطي ليذكر أن الخليفة المستكفي بالله ( أغرى المصارعين والسباحين ، فانهمك شباب بغداد في تعلم المصارعة والسباحة ) (٤) . وتمسك معظم الخلفاء والرعية بآداب الإسلام وأخلاقه ، وها هو ذا الخليفة المقتدر يختن خمسة من أولاده ، ويختن معهم طائفة من الأيتام (٥) ، وكان من حوادث سنة أربع وثلاثمائة أن ( قُلد ثابت بن سنان الطبيب أمر المارستان ببغداد في هذه السنة ، وكانت خمساً ) (٦). (١) تاريخ الإسلام : ٣/ ٤٣٤ . (٢) الحضارة الإسلامية :: ٢/ ٢٨٢ . (٣) الحضارة الإسلامية :: ٢/ ١٧٦ . (٤) تاريخ الخلفاء ص ٣٩٧ . (٥) تاريخ الخلفاء ص ٣٨٠ . (٦) البداية والنهاية : ١٢٦/١١ . - ٤٢ - · الفرق والمعتقدات : كثر الخلاف في هذا العهد بين أهل السُّنَّة والرافضة (١) ، وظهرت فرق ضالة كثيرة ، حاربها الخلفاء والرعية ، مثل الخوارج (٢)، وغلاة الصوفية مثل الحلاج الذي قتل بإفتاء الفقهاء والعلماء أنه حلال الدم (٣) ، وأما أكبر فتنة دينية في ذلك العصر ، فهي فتنة القرامطة الذين قتلوا الناس يوم التروية ، واقتلعوا الحجر الأسود من مكانه ، وأخذوه إلى هجر ، ولم يعيدوه إلا سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ، فبقي عندهم نيفاً وعشرين سنة (٤) ورحم الله الخليفة المعتمد على الله إذا أمر سنة تسع وسبعين ومائتين ( أن لا يقعد في الطريق منجم ولا قصاص ، واستحلف الوراقين أن لا يبيعوا كتب الفلاسفة والجدل ) (٥) . وظهر في تلك الأوقات بعض مدعي النبوة ، كالذي فتن العامة من الناس سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ( ٣٢٢ هـ ) ببلدة باسند ، بما كان يفعله من إدخال يده في حوض ماء ، وإخراجها مملوءة بالمال ، فلما أريد قتله ادعى أنه متي مات عاد إلى الدنيا ، فبقى بتلك الناحية جماعة كثيرة على ما دعاهم إليه مدة طويلة ، ثم اضمحلوا وفنوا (٦) . ومهما يكن من أمر فلم يخل هذا الوقت من طائفة ظاهرة على الحق ، قائمة به ، مجاهدة نفسها في طاعة الله ، داعية إلى الدين الحق ، نابذة لأنواع البدع والخرافات . • الاقتصاد : اشتغلت الرعية بمهن كثيرة متعددة ، لكسب رزقها ، والأكل من كد يدها ، فانتشرت في الأرض ابتغاء فضل الله ، فمن طائفة عاملة بالزراعة ، إلى أخرى مشتغلة بالرعي ، إلى ثالثة ماهرة بالصناعة ، إلى رابعة عاملة بالتجارة . (١) البداية والنهاية: ٢٢١/١١ . (٢) البداية والنهاية: ٧٣/١١ . (٣) تاريخ الخلفاء ص ٣٨٢ . (٤) العبر : ٤٧٤/١ . (٥) تاريخ الخلفاء ص ٣٦٧ . (٦) الكامل لابن الأثير: ٦ / ٢٤٠. - ٤٣ - ولقد اهتم العباسيون بالزراعة ، وشجعوا الناس عليها ، بل أقاموا المدارس الزراعية ، التي كان لها أثر كبير في إنارة عقول المسلمين ، وتوصلهم إلى أنواع جيدة من المحاصيل (١) ، كما نظموا أساليب الري ، وجعلوا الماء مباحاً للجميع لأنهم شركاء فيه ، وعملوا السدود والترع ، واهتموا بحراثة الأرض بواسطة الأبقار ، فصار الإنتاج الزراعي وافراً متنوعاً حسب البيئة والمناخ ، حيث نجد الحنطة ، والذرة ، والكروم ، والبطيخ ، والليمون ، والزيتون ، والقطن ، والكتان ، وكانت الصناعة قليلة ، أهمها صناعة المنسوجات الحريرية ، والفرش والأبسطة ، وصناعة الورق ، واستخراج المعادن مثل الذهب ، والفضة ، والحديد ، والرصاص ، والنحاس ، وصناعة الرخام ، والجلود ، والسفن ، وآلات الحرب ، واستخراج الزيت من الزيتون ، وصناعة العطور وغيرها (٢). ولقد تميز ذلك العصر بتجارته الزاهرة الرابحة ، وذلك بفضل الأسواق العامرة، والطرق السهلة الممهدة ، التي أحاطت بها الآبار الكثيرة ، كما كانت سفن المسلمين وقوافلهم تجوب كل البحار والبلاد ، ومن أهم أصناف التجارة حينئذ : تجارة الغلات ، والبز ، والعطارة ، والمنسوجات ، وتعامل الناس بالدرهم - وهو العملة الفضية - وبالدينار - وهو العملة الذهبية - في البيع والشراء وسائر ضروب التجارة (٣). وكانت الدولة العباسية الثانية تأتي بالمال الذي تحتاج إليه في شؤون الحكم من الخراج ، والجزية ، وتركة من يموت ولم يخلف وارثاً حتى أبطلها الخليفة المقتدر بالله سنة إحدى عشرة وثلاثمائة (٣١١ هـ )، وذلك بردها إلى ذوي الأرحام (٤) وأخماس المعادن والركاز ، كما كانت تقوم بصرف المال وإنفاقه في : إقامة الجسور، وشق الترع ، وأرزاق الولاة والقضاة ، والجنود ، والموظفين ، والاستعداد للجهاد ، وخوض الحروب ، والإنفاق على الأسرى والمساجين ، والنواحي الثقافية والإعلامية مثل : أعطيات الشعراء الذين يتغنون بمفاخر الخلافة ٠٠ (١) تاريخ الإسلام : ٣١٩/٣. (٢) الحضارة الإسلامية: ٢/ ٣٥٠. (٣) الحضارة الإسلامية: ٣٨٥/٢ . (٤) تاريخ الخلفاء ص ٣٨٢ . - ٤٤ - وإصلاحاتها ، والأدباء والعلماء الذين يثرون الحياة العلمية والفكرية (١) ، إلا أنه كان يشين هذا كله تصرفات بعض الخلفاء التي اتسمت بالترف والبذخ ، وسوء التصرف ، ومثال ذلك ما وقع سنة اثنتين وثمانين ومائتين ( ٢٨٢ هـ ) ، ( حيث تزوج المعتضد بابنة خُمَارَوَيْه (٢) ، على مهر مبلغه ألف ألف درهم ، فأرسلت إلى بغداد، وبنى بها المعتضد ، وقوم جهازها بألف ألف دينار ) (٣)، ولأجل هذا كان يقع الغلاء الشديد في ديار المسلمين أحياناً ، حتى يأكلوا الميتة والكلاب ، وتكثر الأمراض حتى لا يدفن أحد أحداً ، بل يتركون على الطرقات ، فيأكل كثيراً منهم الكلاب ، وتباع الدور والعقار بالخبز (٤). (١) التاريخ الإسلامي العام ص ٥٨٢. (٢) هو خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون التركي ، والي مصر والشام ، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء: ٤٤٦/١٣، والنجوم الزاهرة : ٤٩/٣. (٣) العبر : ٤٠٤/١ . (٤) البداية والنهاية: ٢١٣/١١ . - ٤٥ - : المبحث الثالث الحالة العلمية امتاز هذا العصر بالمستوي الرفيع من العلم والفكر ، حيث انتشرت الثقافة وازدهرت ، ونضجت ملكات العلماء المسلمين في البحث والتأليف والترجمة . وكان من أسباب ذلك الرقي : تشجيع الخلفاء والسلاطين والأمراء لحركة البحث العلمي ، واهتمامهم بالعلم والعلماء ، بل كانوا يعقدون مجالس العلم والمناظرة ، ولقاءات الفكر والشعر في قصورهم ، ويحيطون أنفسهم بكوكبة رائعة. من العلماء والشعراء والأدباء ، وها هو ذا الخليفة الحاكم يؤسس في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة ( ٣٩٥ هـ ) دار الحكمة (١) ، وهي مدرسة لتلقي العلم، ثم يلحق بها مكتبة أطلق عليها اسم دار العلم (٢) ، حوت ما لم يجتمع مثله في مكتبة من المكتبات ، كما فعل الوزير أبو نصر سابور أزد شير مثل هذا الفعل ؛ إذ اشترى داراً وجعلها مكتبة ووقفها على العلماء ، ووقف بها كتباً كثيرة (٣) ، ويحكى عن الوزير أبي الحسن بن الفرات أنه أعان طلاب الحديث بعشرين ألف (٤) درهم (٤) . وازدهرت في هذا العصر حركة الترجمة من اللغة اليونانية ، والفارسية ، والهندية إلى اللغة العربية ، فاستفاد المسلمون من علوم غيرهم ، سيما والحكمة ضالة المؤمن ، هو أحق الناس بها ، إلا أن بعض الناس ضل بهذه الثقافات الأجنبية ، خاصة ما تعلق منها بالفلسفة الإغريقية . وأثرت الفتوحات الإسلامية ، وما كان من اتساع رقعة الدولة ، في حياة العلم وأهله ، فقد تيسر ارتحال العلماء وطلاب العلم إلى مشارق الأرض (١) تاريخ الإسلام: ٣٣٧/٣. (٢) المرجع السابق : ٣٣٧/٣. (٣) تاريخ الخلفاء ص ٤١٢ . (٤) الحضارة الإسلامية : ٣٤٢/١ . - ٤٦ - ومغاربها ، لتلقي العلم ومجالسة العلماء ، وساعدت النهضة العمرانية التي شهدها هذا العصر في رفع مستوى العلم ، وشجعت على الأخذ بأكبر نصيب منه ، حيث بنيت المساجد الكبيرة ، والمكتبات القيمة ، والمدارس الواسعة المنتشرة في كل الأصقاع والبلدان ، فمن هذه المساجد الكبيرة - التي كانت بمثابة المعاهد العلمية - جامع المنصور ببغداد (١) ، والمسجد الجامع بالقاهرة (٢) ، ومن المكتبات - غير ما ذكرنا - مكتبة الفقيه أبي القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الشافعي ، التي أنشأها ببلده ، وجعل فيها كتباً من كل فن (٣) ، ومن المدارس المشهورة : الجامع الأزهر (٤) ، ومدرسة دار السنة التي أسسها أبو بكر (٥) الصبغي (٥) . ونشطت في هذه الحقبة بعض الفرق كالمعتزلة والإسماعيلية وجماعات من غلاة الصوفية ، فاقتضي ذلك مقابلتها بنشاط محلوظ من أهل السُّنَّة ، لمناقشتها ورد شبهها وأباطيلها ، فقامت المناظرات والمجادلات ، وألفت الكتب والرسائل ، مما ساعد في نشاط الحركة العلمية ، إلا أن تلك المعارك الفكرية ، كان لها أثر سلبي، تمثل في شغل المسلمين ببعض الأمور التي لا طائل من مناقشتها ، والخوض فيها ، إذ لا يترتب عليها عمل ، وليس لها كبير فائدة ، ومهما يكن من شىء ، فما أنقصت تلك المسائل في الفكر الإسلامي - حين ذاك - إلا قدراً يسيراً لا يكاد يذكر . وحفل هذا العصر بعلماء أجلاء ، وجهابذة أتقياء ، كان لهم الفضل في دفع الحركة العلمية وتقدمها ، فمن أشهر العلماء الذين برزوا في التفسير وعلوم القرآن : ابن جرير الطبري ( ت ٣١٠ هـ )، والكسائي القارئ ( ت ٢٨٣ هـ )، وفي الحديث وعلومه : الإمام البخاري ( ت ٢٥٦ هـ)، والإمام مسلم ( ت ٢٦١ هـ ) ، والرامهرمزي ( ت ٣٦٠ هـ ) . وأما في الفقه وأصوله فقد برز الإمام أحمد ( ت ٢٤١ هـ )، وداود الظاهري (١) الحضارة الإسلامية: ٣٣٢/١. (٢) المرجع السابق : ٣٣٢/١ . (٣) المرجع السابق: ٣٢٩/١. (٤) المرجع السابق : ٣٣٠/١. (٥) المرجع السابق : ٣٤٨/١ . - ٤٧ - ( ت ٢٧٠ هـ)، وفي علم الكلام: أبو الهذيل العلاف ( ت ٢٣٥ هـ). وأبو علي الجبائي (ت ٣: ٣ هـ)، وفي مقارنة الأديان: الأشعري (١) ( ت: ٣٢٤ هـ). وأبو منصور البغدادي (٢) ( ت ٤٢٩ هـ)، وفي اللغة: سيبويه ( ت: ٢٨ هـ )، والمبرد ( ت ٢٨٥ هـ )، أما في الأدب فقد ظفر هذا العصر بكثير من أفذاذ الشعراء ، مثل: البحتري ( ت ٢٨٥ هـ)، وأبي الطيب المتنبئ (ت ٣٥٤ هـ) ، وفي الفلسفة : الفارابي ( ت ٣٣٩ هـ)، وابن سينا ( ت ٤٢٨ هـ)، وفي الطب : أبو بكر الرازي ( ت ٣١١ هـ)، وعلي بن العباس المجوسي ( ت ٣٨٤ هـ)، وفي التاريخ : البلاذري ( ت ٢٧٩ هـ ) وابن قتيبة الدينوري ( ت ٢٧٦ هـ) ، وفي الجغرافيا : اليعقوبي ( ت ٢٨٢ هـ)، والبشاري المقدسي ( ت ٣٨٧ هـ) ، وفي الرياضيات : ثابت بن قرة الحراني ( ت ٢٨٨ هـ) ، ومحمد بن الحسن ابن الهيثم ( ت ٤٣٠ هـ) ، وغيرهم . وقد حظيت السُّنَّة النبوية الشريفة في هذا العصر ، بخدمة جليلة من علماء. الحديث رواية ودراية ، ففيه ظهرت الكتب الستة الأمهات في الحديث ، وألف خليفة بن خياط الشيباني العصفري ( ت ٢٤٠ هـ ) كتابه الطبقات (٣) ، وفيه ابن أبي حاتم الرازي عبد الرحمن بن محمد بن إدريس ( ت ٣٢٧ هـ ) ، وفيه أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد بن أيوب ( ت ٣٦٠ هـ ) صاحب المعاجم الثلاثة: الكبير (٤)، والأوسط (٥)، والصغير (٦)، وفيه الآجري أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله ( ت ٣٦٠ هـ )، والخطيب البغدادي أبو بكر أحمد بن علي ( ت ٤٦٣ هـ ) صاحب تاريخ بغداد (٧) . (١) له كتاب مقالات الإسلاميين ، وهو مطبوع . (٢) له كتاب الفرق بين الفِرَق ، وهو مطبوع . (٣) مطبوع . (٤) مطبوع ، وفقدت منه أجزاء . (٥) مطبوع . (٦) مطبوع . (٧) مطبوع . - ٤٨ - ويقف ابن عدي بين هؤلاء العلماء خادماً للسُّنَّة ، ومدافعاً عنها ، وناشراً لها كما فعل أسلافه وأقرانه من أهل الذكر والفكر ، فجزاهم الله عنا كل خير . · تأثر ابن عدي ببيئته ، وتأثيره فيها : لا شك أن الإنسان يتأثر ببيئته ، وأحوال عصره السياسية والاجتماعية، والعلمية ، ويؤثر فيها بحسب جهده وعطائه ، ومكانه الذي يتبوأه . ولقد تأثر ابن عدي ببيئته أيما تأثر ، فمولده بجرجان ، تلك البلدة الجميلة الهادئة التي حظيت بعلماء أجلاء ، وترعرعه في أحضانها في ظل دولة إسلامية تعظم شعائر الله ، كل ذلك جعله ينشأ في طاعة الله ، بيد أن بعض الأمور ساعدت في نبوغه العلمي ونضوجه الفكري ، منها : اتساع رقعة الدولة الإسلامية ، وكثرة العلماء فيها ، أثرا في تحصيل ابن عدي للعلم والأخذ منه بنصيب وافر . والاستقرار السياسي النسبي ، وشق الطرق جعلا ابن عدي يرحل في طلب الحديث ولقاء العلماء . وتشجيع الخلفاء لحركة البحث العلمي ، وازدهار الصناعات - التي كان منها صناعة الورق - دفعا ابن عدي لسلوك الطريق التي يلتمس فيه العلم . والمنشآت العلمية المنتشرة في أنحاء الدولة الإسلامية ، مثل المكتبات والمدارس والمساجد العامرة ، كانت محل درسه وتحصيله . لم يؤثر ابن عدي في بيئته تأثيراً واضحاً كبيراً ، وذلك لأنه لم يتقلد أي منصب في الدولة ، مثل الوزارة ، أو الإمارة ، أو الإفتاء ، أو القضاء ، بل كان تأثيره في الجانب العلمي أوضح ، فلقد تربى على يديه مئات التلاميذ ، وتخرجوا عليه ، وأضاف إلى المكتبة والثقافة الإسلامية كتباً قيمة - منها كتاب الكامل في ضعفاء الرجال - لم تؤثر في معاصريه فحسب ، بل أثرت في كل من جاء بعده إلى يومنا هذا . - ٤٩ - (م٤ - ابن عدي ومنهجه .. ) الفصل الثاني اسم ابن عدي ، ونسبته ، ومولده ، ونشأته ، وأسرته - ٥١ - المبحث الأول اسمه ونسبته · اسمه : هو عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن مبارك (*) ، هذا هو الاسم الذي عرف به ابن عدي ، واشتهر به بين العلماء والمصنفين (١) ، أما قول اليافعي (٢)، والسبكي (٣)، وحاجي خليفة (٤)، والكتاني (٥) : أن اسمه هو عبد الله بن محمد بن عدي ، فهو خطأ ، وكذا قول ابن كثير في البداية والنهاية (٦) ، أن اسمه هو عبد الله بن محمد بن أبي أحمد ، وقد رجحت ما (*) له ترجمة في : تاريخ جرجان ص ٢٦٦، الإرشاد : ٧٩٤/٢، تاريخ دمشق ورقة ٣٨٦، الأنساب : ٢٢١/٣، معجم البلدان: ١٢١/٢، بيان الوهم والإيهام - الجزء الثاني - القسم الثاني ، لوحة ٢٤١ ب، اللباب: ٢١٩/١، العبر: ١٢١/٢، المعين في طبقات المحدثين ص ١١٤، تذكرة الحفاظ: ٣/ ٩٤٠، دول الإسلام: ١٧٦/١، سير أعلام النبلاء: ١٥٤/١٦، تاريخ الإسلام، لوحة ٦٥ ب، عيون التواريخ ورقة ١٢١، مرآة الجنان: ٢/ ٣٨١، طبقات الشافعية الكبرى: ٣١٥/٣، البداية والنهاية: ٢٨٣/١١، عقد الجمان ، الجزء العاشر - لوحة ٨٠ ب ، النجوم الزاهرة : ١١١/٤، الإعلان بالتوبيخ ص ١٦٥، طبقات الحفاظ ص ٣٨٠، كشف الظنون: ٢/ ١٣٨٢، شذرات الذهب: ٥١/٣، هدية العارفين: ٤٤٧/١، إيضاح المكنون: ٢٧٤/٢، الرسالة المستطرفة ص ١٠٨، تاريخ الأدب العربي: ٢٢٦/٣، تاريخ التراث العربي: ٣٩٩/١، معجم المؤلفين: ٨٢/٦، الأعلام : ٢٣٩/٤ . (١) انظر: تاريخ دمشق ورقة ٣٨٦، وسير أعلام النبلاء: ١٥٤/١٦، وشذرات الذهب : ٥١/٣ . (٢) مرآة الجنان : ٣٨١/٢ . (٣) طبقات الشافعية الكبرى: ٣١٥/٣. (٤) كشف الظنون : ٢/ ١٣٨٢. (٥) الرسالة المستطرفة ص ١٠٨ . (٦) البداية والنهاية: ٢٨٣/١١ . - ٥٣ - ذكرته أولاً لكثرة مَنْ سماه به ، ولأنه عرف به بين أهل بلده (١) ، ولا شك أن أهل كل مصر أدرى باسم من سكن معهم أكثر من غيرهم . وكنية ابن عدي هي : أبو أحمد (٢) ، ذكرها معظم من ترجم له ، وكان ابن عدي يعرف في بلده بابن القطان (٣) . نسبته : • ينتسب ابن عدي إلى جُرْجَان (٤) - بضم الجيم ، وسكون الراء المهملة ، والجيم والنون بعد الألف - فيقال : ابن عدي الجرجاني (٥) . وجرجان مدينة حسنة ، فتحها يزيد بن المهلب ، أيام سليمان بن عبد الملك ، خرج منها جماعة من العلماء (٦) ، منهم : أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، والإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، والإمام عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني مؤلف كتابي دلائل الإعجاز (٧)، وأسرار البلاغة (٨)، ولجرجان تاريخ مدون ، صنفه تلميذ ابن عدي : حمزة بن يوسف السهمي (٩) وتقع الآن في دولة إیران (١٠) .. (١) انظر : تاريخ جرجان ص ٢٦٦ . (٢) بيان الوهم والإيهام: ٢٤١/٢ ب، وإيضاح المكنون: ٢٧٤/٢ :، والعبر ١٢١/٢ ٠ (٣) انظر مثلا: تذكرة الحفاظ: ٣/ ٩٤٠، والنجوم الزاهرة: ١١١/٤، وطبقات الحفاظ ص ٣٨٠ . (٤) معجم ما استعجم: ٢/ ٣٧٥، ومعجم البلدان : ١٢١/٢ . (٥) انظر: الإرشاد : ٧٩٤/٢، ودول الإسلام: ١٧٦/١، وعقد الجمان : ١٠/ ٨٠ ب ، وعيون التواريخ ورقة : ١٢١. (٦) الأنساب : ٢٢١/٣، واللباب : ١/ ٢٧٠. (٧) مطبوع . (٨) مطبوع . (٩) مطبوع ، واسمه تاريخ جرجان . (١٠) انظر: معجم أماكن الفتوح ص ٧٠٥ . - ٥٤ - المبحث الثاني مولده ، ونشأته ، وأسرته • مولده : ولد ابن عدي بجرجان يوم السبت ، غرة ذي القعدة ، سنة سبع وسبعين ومائتين ( ٢٧٧ هـ ، ٨٩٠م)، وهي السنة التي توفي فيها أبو حاتم الرازي (١). ● نشأته : نشأ ابن عدي وترعرع بجرجان ، ولقد ذكر السهمي في تاريخه أن دار ابن عدي ومسجده بها (٢) ، وفيها تلقي تعليمه ، وكان مما درسه علم الحديث ، الذي أخذه عن علماء بلده وعمره لم يتجاوز ثلاث عشرة سنة (٣) - أي في سنة تسعين ومائتين ( ٢٩٠ هـ ) - هكذا قيل ، إلا أنني وجدت في الكامل أنه أخذ الحديث سنة ثمان وثمانين ومائتين ( ٢٨٨ هـ ) (٤)، وكتب الحديث عنهم (٥)، جرياً على سنة المحدثين ، الذين كان أحدهم يجمع الحديث عن شيوخ بلده أولاً ، ثم يرحل إلى ما شاء من أمصار المسلمين للقاء العلماء ، وأخذ العلم عنهم (٦) ، وبعد أن مكث ابن عدي سبع سنين دأباً في بلده ، رحل في طلب الحديث في سنة سبع وتسعين ومائتين (٧) ( ٢٩٧ هـ) . (١) انظر: تاريخ جرجان ص ٢٦٦، والأعلام: ٢٣٩/٤، وطبقات الشافعية: ٣١٦/٣، وتذكرة الحفاظ : ٣/ ٩٤٠ . (٢) انظر: تاريخ جرجان ص ١٦٩، وص ٢٦١ . (٣) سير أعلام النبلاء: ١٥٤/١٦. (٤) انظر: الكامل: ٢٣٩٧/٦، و٧/ ٢٧٢٠. (٥) تاريخ دمشق ورقة ٣٨٧ . (٦) انظر مثلاً: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: ٢٢٣/٢، وعلوم الحديث لابن الصلاح ص ٢٢٢، والتبصرة والتذكرة: ٢٢٤/٢، وإرشاد طلاب الحقائق: ٥١٣/١، وتدريب الراوي : ٢/ ١٤٢ . (٧) تذكرة الحفاظ : ٩٤١/٣. - ٥٥ - أسرته : لم تحدثنا المراجع كثيراً عن أسرة ابن عدي ، إلا أنها ذكرت أن أبا أحمد الخليل بن أحمد بن الخليل الهمذاني ، من ساكني جرجان ، هو جد عبد الله بن عدي أبو أمه ، وروي الخليل عن أبيه أحمد ، وروي عنه ابنه أحمد ، وتوفي في جمادي الآخرة سنة تسع وثمانين ومائتين (١) . كما جاء أن والده عدي كان من تلاميذ الإمام أبي زرعة الرازي (٢). وذكرت خاله : أبا الحسن ، علي بن الخليل بن أحمد بن الخليل بن سليمان ابن زياد ، المعروف بالشاعر القطان الجرجاني ، الذي روى عن الفضل بن محمد البيهقي ، وروى عنه جماعة (٣) ، كما جاء ذكر أخيه : أبي عبد الله محمد بن عدي ، سمع من السختياني ، ومات قبل عبد الله بن عدي (٤) ، أما أولاده فهم : عدي ، ومنصور ، وأبو زرعة ، وقد تتلمذوا على أبيهم وأخذوا الحديث عنه ، قال حمزة السهمي وغيره : أن ابن عدي ( تفرد برواية أحاديث ، وهب منها لبنيه: عدي ، وأبي زرعة ، ومنصور ، تفردوا بروايتها عن أبيهم) (٥) .. أما ابنه عدي بن عبد الله بن عدي أبو محمد ، فقد سكن سجستان ، وحدث بها إلى أن مات بها ، وقد حدث عن أبيه ، وعبد الباقي بن قانع ، وأبي بكر محمد بن عبد الله الشافعي ، وأبي محمد الفاكهي ، وعلىّ بن أحمد بن سيف العطار الجرجاني ، وروى عنه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الشروطي (٦) وأما منصور أبو حاتم ، فقد كان يعظ الناس في مسجد أبيه بعد وفاته إلى أن مات ، وروى عن أبيه، وأبي بكر الإسماعيلي وغيرهما ، وروي عنه ابنه - (١) تاريخ جرجان ص ٢٠٨ . (٢) انظر : سير أعلام النبلاء : ٦٧/١٣، وقد حدث ابن عدي عن والده في الكامل ١٤١/١ . .. .. (٣) تاريخ جرجان ص ٣٠٣ . (٤) تاريخ جرجان ص ٤٥٧ . (٥) تاريخ جرجان ص ٢٦٧ ( بتصرف يسير ) . (٦) الأنساب : ٢٢٢/٣، وتاريخ جرجان ٢٨٤ . - ٥٦ - حفيد ابن عدي - أبو القاسم إسماعيل ، وتوفي منصور سنة إحدى وأربعمائة ، في جمادي الأولى ، في السابع عشر منه (١) . وبهذا يتبين لنا أن أسرة ابن عدي كانت أسرة علمية ، برز منها علماء في الحديث ، منهم جد ابن عدي الأعلى - جد أمه - أحمد بن الخليل بن سليمان ابن زياد ، وابنه - جد ابن عدي - خليل بن أحمد بن الخليل بن سليمان بن زياد ، وابناه - خالا ابن عدي - علي بن خليل ، وأحمد بن خليل ، ووالده - عدي - وأولاد ابن عدي : عدي ، ومنصور ، وأبو زرعة (٢)، وحفيده: إسماعيل ابن منصور بن عبد الله بن عدي ، وأخوه : محمد بن عدي ، فهي ذرية طيبة ، بعضها من بعض . (١) تاريخ جرجان ص ٤٧٥ . (٢) لم أجد ترجمته ولم أقف على اسمه ، ولعل اسمه أحمد ، لأن ابن عدي كنيته : أبو أحمد . - ٥٧ - الفصل الثالث شيوخ ابن عدي وتلاميذه - ٥٩ -